ifada إفادة

ifada إفادة


تاريخ معاناة الحجاج في رحلتهم الى الله

الإثنين 27 أغسطس 2018 - 12:42 , بقلم رشيد اوبيال
تاريخ معاناة الحجاج في رحلتهم الى الله

راود حلم الحج العديد من المغاربة على مر السنوات، وكان مما يؤرق كل من ينوي خوض رحلة الحج، قلة المؤونة، وشقاوة الرحلة، بين وعورة الطرق، ومخاطر التعرض للنهب والسلب والقتل، ناهيك عن الظلم الذي قد يتعرضون له، من القيمين على البيت الحرام، حكام مكة.

الى جانب مخاطر الأوبئة والامراض التي تجتاح من حين لاخر مواسم الحج، والتي كان يرحل ضحيتها الالاف من الحجاج.
ورغم تغير الأوضاع بين الامس واليوم، امام التطور الذي عرفته البشرية في وسائل التواصل والاتصال، والتي قللت من معاناة الحجاج على الشكل الذي كانت عليه، الا ان معاناتهم لم تنتهي، بل هي مستمرة ليومنا هذا.

الحجاج المغاربة عرضة للنهب والقتل
دون ابن جبير في رحلته كل المصاعب التي كانت تواجه الحجاج المغاربة خلال عصره، في طريقهم الى مكة، وأمدنا من خلال تدوين مشاهداته في رحلة الحجاز بتفاصيل مهمة عن العوائق الطبيعية التي كانت تعترض حجاج بيت الله الحرام، فقد أورد " عصفت علينا ريح هال لها البحر، وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة كأنه شآبيب سهام، فعظم الخطب واشتد الكرب وجاءنا الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة... والباس بلغ منا مبلغه".
الا انه اعتبرها مصاعب زائلة، وهينة، مقارنة مع المخاطر التي يتسبب فيها الناس بسلوكياتهم الجشعة، فكانت قوافل ومواكب الحجاج تتعرض لمضايقات سكان وحكومات المناطق التي تمر منها مواكب الحج، وقد عمل ابن جبير على ذكر أهم المضايقات اختصارا، وهي:
- سوء معاملة الحجاج من رجال الدولة القائمين على جمع الزكاة، قصد جمع الزكاة دون وجه حق، الى درجة امعان رجال الدولة في اذلال الحجاج بتفتيشهم واستحلافهم الأيمان على القران، واخذ كل ما أمكن أخذه منهم، وهو ما دفع الكاتب الى وصف ما عاينه تجاه الحجاج "بالذل والخزي العظيم".
- قلة المأكل والمشرب، الى جانب المخاطر التي يلقونها في الطريق من القبائل التي تعمل في تقديم خدمات للحجاج، فقد ذكر خطورة اكتراء الجلاب (وهو نوع من مركوب البحر ضعيف الصنع)، حيث يعمد مكتروه الى شحنه أكثر من طاقته، وهو ما يعرض الحجاج الى الخطر، والى المعاناة في ظل ظروف نقل سيئة، الى درجة اصبح الحجاج يضربون به مثلا "علينا بالالواح، على الحجاج بالارواح"، إضافة الى أخذ مكس ثمانية دنانير على الراس والا غرم الحاج مقابل امتناعه. 
وننتقل الى مشاهدات أخرى أوردها العياشي في رحلته الى الحجاز، فقد حذر من ارتفاع احتمال التعرض للسرقة في الطريق، الى درجة قضاء الحجاج لياليهم مستيقظين، وقد أورد في كتابه ان الحجاج يقضون ليلهم في ترقب وخوف".
ويسجل العياشي اخر الصعاب بأرض التيه بعد العقبة وهي كما وصفها "ارض مقفرة موحشة طويلة عريضة معطشة".
وهذا المؤرخ المعروف الناصري يتكلم عن معاناته الخاصة خلال رحلته الى الديار المقدسة فيقوله "...اما النهب بالسرقة والاختلاس، فاحفظ مالك وما عليك من جميع الناس في جميع الأماكن، وخصوصا توزر، فإنها اكثر بلاد الله سرقة وخطفا.. فانهم يسرقون بالليل ويخطفون بالنهار، قل من سلم منهم...".
ويضيف " ثم مررنا على نجع أولاد علي والحرابة، وظهرت فيهم مخايل المكر، واخذ الناس حذرهم منهم، وشمروا لمحاربتهم، وفرو تاركين خيمهم، وحرمهم، ورمت الناس البنادق..".
بعد استعراض مشاهدات الرحالة المغاربة لكل من ابن جبير والعياشي، نعرض الى راي اخر في معاناة الحجاج في رحلتهم الى بيت الله الحرام، هذه المرة مع ما دونه إبراهيم رفعت باشا، الراحل من مصر الى الحجاز.

الاعلام المصري يحتج على معاناة الحجاج في بيت الله
يورد إبراهيم باشا في كتابه "مرآة الحج" معاناة الحجاج في منطقة الحجاز، من شيوع التقتيل، والنهب والسلب في حرمة الحجاج، اليوم " سطا العربان على قافلة كانت بين جدة ومكة فقتلوا من رجالها ونسائها وجرحوا كثيرين وسلبوهم المتاع والنقود والحلي وكان فيها كثير من المصريين والسودانيين ...".
وقد حمل المسؤولية في رسالة وجهها الى الحكومة المصرية الى أخلاق العرب ومعاملة واهمال الحكام لقاصدي البيت الحرام.
ورصد أيضا تعرض الحجاج الى الاعتداء والسلب من طرف الجمالة الذين يقومون على خدمة حمل الاثقال للحجاج، وقد احصى رفعت باشا عددا كبيرا من المعتدى عليهم هذه بعض الحالات التي أوردها في رسالته الى الحكومة المصرية:
- حسن أفندي محمود جرح برصاصة.
- زوجة حسن أفندي محمود مجروحة بسكين في يدها وراسها.
- الشيخ محمد القبلاوي مجروح بسكينة في باطنه.
- فاطمة سليمان وزوجها اسمه محمد أبو عامر قتل ونهب منها 25 جنيها.
- احمد محمد حماد نهب منه 32 جنيها ومتاعه مع أخيه طه الصغير.
- الشاذليه نهبت وقتل ابنها احمد الصياد.
هذه صورة مقتضبة تنقل ما كان يتعرض له مواكب حجاج بيت الله في طريق رحلتهم الى أداء مناسكهم الدينية.
وتؤكد مقالة لصحفي مصري اسمه "محمود أنيس" نشرت في العدد 4234 من جريدة المؤيد الصادرة في 23 المحرم سنة 1322ه الموافق ل 9 ابريل سنة 1904م، تحت عنوان "الخطر على الإسلام":
"خير ما يهدي المسلم لأخيه الدعاء وقد فعلت وارجو من الله سبحانه ان يعينكم ومن نحا نحوكم من الصحافيين وارباب الأقلام على القيام بالواجب تلقاء ما الم بحجاج بيت الله في هذا العام من خطر واصابهم من ضيم وضر، واني وغيري من المسلمين لنألم اشد الألم لما أصاب إخواننا الحجاج، وكيف لا نـلم لدماء تسفك واموال تسلب ومصونات تهتك فتنبذ بالعراء وكل ذلك كان امانة في حمى بيت الله الحرام فخاب الامل في الأمانة ووقعت الخيانة من المؤتمنين عليها وكانت الشكوى من شريف مكة مثل الشكوى من اعراب اجلاف غلاظ الاكباد قساة القلوب يزعمون انهم مسلمون والإسلام من أعمالهم براء.
... فلماذا يصبر المسلمون على الأذى ويرضون بوجود طاغية في ظل الكعبة يظالم الناس باسم خدمتها وينهب أموالهم ويسفك دماءهم ويزعم انه ابنها الواجب احترامه.
لماذا يرضى المسلمون ان يكون القائم على حراسة الكعبة وحجاجها رئيس طغام طغاة ..."  

الحج تجربة سوسيولوجية فريدة
وفي تجربة فريدة للباحث السوسيولوجي عبد الله الحمودي في كتابه "حكاية الحج"، يحكي تفاصيل رحلته الى مكة البلد الذي يحوي الكعبة بيت الله الحرام، وينقل لنا تفاصيل رحلته التي قام بها اواخر التسعينات في محاولة منه لدراسة ظاهرة الحج " بعد انتظار طويل استعطت بلوغ المراحيض، الرائحة لا تطاق، والقذارة لا تحتمل ... توضأت وضوء اوليا، وذهبت مع بعض الحجاج للصلاة في مسجد يعلوه الغبار، اقتصر العشاء على بعض الفاكهة، وفي المشروب كان لنا ان نختار بين فانتا، وبيبسي كولا...".
ويضيف عن أماكن إقامة الحجاج المغاربة " تقرر ان نقيم، مثل المجموعات الأخرى، في غرفة هي جزء من شقة، كل واحد منا حصل على قطعة من الاسفنج بطول متر وثمانين سنتمترا وعرض ستين، وأربعة او خمسة سنتمترات سماكة، مع مخدة من المادة نفسها، وغطاء... وعلقت قطعة نسيج من جدار الى اخر، لتقسم الغرفة الى قسمين..."

وأخيرا فالمتتبع لرحلة الحج من خلال كتابات المتقدمين والمتأخرين الذين عاشوا التجربة، وكذا ما يتم تناقله اليوم بكل سهولة، بعد تطور وسائل التواصل البشري، ليرصد ظاهرة جد ملفتة ومقلقة في الان نفسه، تتعلق بالعوائق والمشاكل التي يعرفها موسم الحج، من بدايته الى نهايته، وما كانت محاولتنا رصد بعض مظاهر هذا الاشكال عبر سبر اغوار التاريخ الا في سبيل القاء الضوء على تجربة "معاناة الحجاج"، التي كانت واستمرت لعقود، وما تزال تلقي بظلها رغم مرور مئات السنوات، ورغم التطور الذي شهده العالم، في مجال المواصلات، والتواصل، والتنظيم.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :