ifada إفادة

ifada إفادة


السلطان المغربي الذي وقع أسيرا لدى قبائل الأطلس

السبت 12 مايو 2018 - 23:20 , بقلم رشيد اوبيال
السلطان المغربي الذي وقع أسيرا لدى قبائل الأطلس
وقع السلطان في الأسر، فأقبلت نساء الحي من كل جهة يفرحن ويضربن بالدفوف، ثم جعلن يتمسحن بأطرافه تبركا به وينظرن إليه إعجابا به حتى أضجرنه. ولما جاء رجال الحي أعظموا حلوله بين أظهرهم وأجلوه، وجاء رجال آيت أومالو إلى المولى سليمان معتذرين مستشفعين..

أمام الضغوط الخارجية سمح المولى سليمان بتصدير القمح الى فرنسا، رغم معاناة البلاد من الكوارث التي تكالبت عليه تباعا، بداية بالجفاف والجراد، وانتهاء بالطاعون، مما تسبب في موجة غلاء للأسعار، مما دفع عدة قبائل الى التمرد ضد المخزن، رافضين أداء المكوس والضرائب التي فرضها نظام الحكم آنذاك على الناس.

ووسط هذه الأزمات أعلن المولى سليمان أواخر شهر مايو 1819م عزمه غزو قبائل اتحادية أيت أومالو المتمردة والمكونة من زيان، بني مگيلد، وآيت يوسي، بالأطلس المتوسط، التي التحمت حول قائدها القوي أبي بكر أمهاوش، وألحقت بجيوش المخزن هزيمة نكراء في معركة آزرو قبل ثمان سنوات، واستعان السلطان لحملته بعرب الحوز والبخاريين وجيش الأوداية وشراقة وعرب الغرب وبرابرته وعسكر الثغور.

فجمع حوالي ستين ألفا من الجند، فأغار على مزارع آيت أومالو في آدخسان، وأتى عليها بالكامل، حاول الزعماء الأمازيغيون استمالة السلطان إلى الصلح، فبعثوا إليه «بنسائهم وولدانهم للشفاعة وأن يدفعوا للسلطان كل ما يأمرهم به من المال وينصرف عنهم»، لكنه رفض رفضا قاطعا. 
بعد يوم من القتال اشتكت القبائل العربية للسلطان حجم خسائرها الكبير بينما لم يهلك الكثير في صفوف حلفاء السلطان من الأمازيغ، تحت قيادة محمد بن‭ ‬الغازي‭ ‬الزموري. بدا للمولى سليمان كما لو أن هناك مؤامرة واتفاقا مسبقا ما بين القبائل الأمازيغية من الجانبين: حلفائه «برابرة الدولة» بقيادة محمد بن‭ ‬الغازي‭ ‬الزموري وأعدائه «برابرة الجبل» بقيادة أبي بكر أمهاوش.

حاول السلطان كتم الأمر في نفسه وقدم المولى سليمان جيش البخاري والأوداية وجيوش القبائل العربية، وطلب من جيوش القبائل الأمازيغية عدم المشاركة في الحرب، مدعيا أنه يريد أن «يجرب العرب ويختبر فائدتهم». أذعن الأمازيغ للأمر، ولزموا مواقعهم. لكن ما إن انتصف النهار، والحرب على أشدها، حتى تسابقوا إلى خيولهم وأغاروا على الجيوش السلطانية من الخلف، فوقع السلطان بين كماشة قبائل من آيت أومالو من الأمام وقبائل زمور من الخلف.

ذبت الفوضى في صفوف جيوش السلطان، «فخشعت نفوسهم وفشلوا ورجعوا منهزمين لا يلوي حميم على حميم، فأخذتهم البربر من بين أيديهم ومن خلفهم يقتلون ويسلبون». ولم يبق للذود عن السلطان سوى جيش الأوداية وجيش البخاري. ووصل القتال إلى أخبية السلطان، وما زال أصحابه يترسون عليه بأنفسهم حتى عجزوا عن الدفاع، ووصل إليه جند آيت أومالو في المساء.

وقع السلطان في أسر رجل من بني مگيلد وأخذه إلى خيمته، ف«أقبلت نساء الحي من كل جهة يفرحن ويضربن بالدفوف، ثم جعلن يتمسحن بأطرافه تبركا به وينظرن إليه إعجابا به حتى أضجرنه. ولما جاء رجال الحي أعظموا حلوله بين أظهرهم وأجلوه». تصرف رجال آيت أومالو وكأنهم ليسوا المنتصرين بل جاؤوا إلى المولى سليمان معتذرين مستشفعين. ظل السلطان في أسره مدة ثلاثة أيام، حتى قادوه إلى مكان قريب من مكناس وأطلقوا سراحه. 

بقي السلطان عدة أشهر في عزلة بقصره، اهتزت خلالها صورته وخرجت كثير من مقاليد الحكم من بين يديه. وقد علق القنصل الفرنسي في طنجة حينها: «إن جلالته يوجد في وضع غريب ومحرج تجاه رعاياه الذين بعد أن أسروه رافقوه إلى أبواب قصره بمكناس. إن التبجيل الذي يكنه هؤلاء لشخصه كشريف هو الشيء الوحيد الذي يضمن بقاءه كسلطان».  ويروي الناصري في الاستقصا: «كانت هذه الوقعة الفادحة سبب سقوط هيبة السلطان المولى سليمان من قلوب الرعية، فلم يمتثل له بعدها أمر في عصاتها حتى لقي لله تعالى».

تمرد سكان فاس القديم وبايعوا إبراهيم بن اليزيد، بعد أن ظهر كتاب مزعوم منسوب للسلطان يعزل فيه نفسه ويأمرهم بالبحث عن أمير يسير شؤونهم، وعلى عكس فاس القديم تمسك أهل فاس الجديد ببيعة المولى سليمان، فحدث اقتتال وفتنة بين العدوتين توفي على اثرها المولى إبراهيم في 4 جمادى الآخرة 1236هـ وبايعوا أخوه مولاي سعيد. حاصر المولى سليمان مدينة فاس حتى اشتد وضاق عليها الخناق فدخلها السلطان وأعطى الأمان لإبن أخيه سعيد ثم أصلح الأمور بين جيش الأوداية وأهل فاس، وكان ذلك في رجب 1237هـ.  ويروي الناصري أن السلطان في تلك الفترة «سئم الحياة ومل العيش وأراد أن يترك أمر الناس لابن أخيه المولى عبد الرحمان بن هشام ويختلى هو لعبادة ربه إلى أن يأتيه اليقين». فكتب خلال تلك الفترة وصيته التي جاء فيها: «الحمد لله، لما رأيت ما وقع من الإلحاد في الدين واستيلاء الفسقة والجهلة على أمر المسلمين وقال عمر : ان تابعناهم تابعناهم على ما لا نرضى والا وقع الخلاف...» ، ثم أوصى بالحكم من بعده لابن أخيه عبد الرحمان لأنه: «لا يشرب الخمر ولا يزني ولا يكذب ولا يخون ولا يقدم على الدماء والأموال بلا موجب». وتوفي السلطان مولاي سليمان يوم الخميس 13 ربيع الأول 1238هـ. 


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :