ifada إفادة

ifada إفادة


مقتطفات من تاريخ "جائحة بوكليب" التي ضربت المغرب

السبت 14 مارس 2020 - 20:58 , بقلم رشيد اوبيال
مقتطفات من تاريخ

بعد الطاعون الذي شهده المغرب بين سنتي 1818-1820 بشكل خطير، بقيت عدة اوبئة أخرى يعاني منها المغرب، كالجدري، والتفوئيد، والديزنتريا، والزهري...
هكذا تركت لنا المصادر التاريخية، معلومات عن وافد جديد أكثر فتكا، حل مكان الطاعون الذي ضرب المغرب خلال القرن 15، وهو ما عرف عند عموم المغاربة باسم "بوكليب"، او ما عرف عالميا بالكوليرا.

طريق الموت: هكذا يسلك الوباء طريق الانتشار
ظهر هذا الوباء للمرة الأولى في المغرب سنة 1834، ثم تجدد في القرن 19 ضمن موجات عالمية ضربت الكرة الأرضية 5 مرات في قرن واحد.
ووفق الخرائط المتوفرة، فان المحاور الرئيسية التي سلكتها "الكوليرا"، في دورتها العالمية الأولى، انطلقت جميعها من البنغال ودلتا الغانج، حيث كان الوباء دائما مستوطنا هناك.

من هذين المركزين انتشرت الكوليرا شرقا عبر الطريق البحري في اتجاه الصين واليابان، عبر مضيق ملقا واندونيسيا، اما غربا فانطلقت من السواحل الهندية والخليج الفارسي وشبه الجزيرة العربية، مرورا على طول مجرى دجلة والفرات، وصولا الى بغداد وسوريا، وأرمينيا، وطهران ...
لتكتسح روسيا ومنها الى اوربا الوسطى، ثم الى البلدان الاسكندنافية وأوروبا الغربية، وبريطانيا، ثم فرنسا واسبانيا، ومنهما الى المنطقة المغاربية والى حوض البحر الأبيض المتوسط، وبهذه الطريقة كانت الكوليرا تواصل زحفها كالسيل الجارف، محطمة كل الحواجز، ولم تسلم منها حتى البلدان الأكثر تقدما.
الا انه بعد اكتشاف البيولوجي "كوخ" سنة 1884 للعامل المسبب للمرض، تمكنت كل من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية من النجاة من الموجتين الخامسة والسادسة للكوليرا، سنوات (1896-1881 و 1923-1899)، بينما بقيت أوروبا الجنوبية خاصة اسبانيا وإيطاليا تعاني الويلات جراء الوباء.

والملاحظ حسب المصادر التاريخية، فان اغلب العوامل التي ساهمت في نشر المرض حول العالم، كانت الجيوش، ففي سنة 1832 ساهم الجيش البريطاني في نقل الكوليرا الى البرتغال، ومنه الى اسبانيا، وباقي السواحل الغربية، خاصة فرنسا وإيطاليا والمغارب، وفي عام 1859 ادخلها الجيشان الفرنسي والاسباني الى المغرب انطلاقا من سبتة والجزائر.

من جهة أخرى لعبت التجمعات الدينية الكبرى دورا مهما في انتشار وانتقال العدوى، خاصة في الهند وشبه الجزيرة العربية. فقد شهدت سنة 1828 اندلاع الوباء في "بندربور" بين الحشود المجتمعة هناك، ليقضي على 3000 شخص خلال 3 أيام فقط، وينتشر بشكل سريع في جميع الاتجاهات مع الفارين نحو اوطانهم، كما فتك الوباء سنة 1831 ب 12 الف حاج حول مكة المكرمة، وينتشر الى باق البلدان الإسلامية مع الفارين منه.

ومن الأمور التي ساهمت على انتشار الأوبئة في العالم وصولا الى المغرب، هو التطور التكنولوجي الذي قلص مدة سفر السفن التجارية، فقبل ذلك كان اغلب المصابين يموتون في الطريق قبل وصولهم الى بلدانهم، حيث كانت الرحلة تتطلب اكثر من شهر لوصولها.

المغرب بين مفترق الطرق: موجات من المرض لا يهدأ لها بال
الموجة الثالثة لوباء الكوليرا: (1854-1860)
تعرض المغرب خلالها لضربتين، الاولى كانت عنيفة جدا، حيث دخلت كالعادة من الجزائر عبر الحدود الشرقية، وكانت مدينة فاس هي الضحية الأولى سنة 1854، والتي فتك بها الوباء بشكل مهول، وصل ضحاياه الى 400 شخص في اليوم الواحد، يقول الفقيه التطواني مفضل افيلال، "صار عدد الموتى يكثر شيئا فشيئا الى ان بلغ عددهم اربعمائة شخص في اليوم، ثم صار بعد ذلك يقل شيئا فشيئا، الى ان بلغ في اليوم الواحد 30 شخصا"، وتوضح المصادر ان هذا الامر خلف فزعا لدى المغاربة مما دفع الكثيرين الى الهروب من مدنهم، لكن ذلك دون جدوى اذ "مات به اثناء الطريق جم غفير وعدد كبير"، ويضيف المشرفي ان الوباء لم يسلم منه حتى المناطق الجبلية، حيث أورد انه "عم الحواضر المغربية وقراها، وجل البوادي في شامخات الجبال".

من جهة أخرى حاول بعض الكتاب وصف اعرض المرض، ويعد ما أورده الناصري ادق وصف يمكن العثور عليه حينما قال "وهو اسهال مفرط يعتري الشخص ويصحبه وجع حاد في البطن والساقين ويعقبه تشنج وبرودة واسوداد لون فاذا تمادى بالشخص حتى جاوز 24 ساعة فالغالب السلامة والا فهو حتفه".

اما الضربة الثانية فكانت بين عامي 1859-1860، كان الجيشين الاسباني والفرنسي سببا فيها خلال حملتهما العسكرية على المغرب، بعدما نقلو المرض عند مرورهم بالجزيرة الخضراء، والتي كانت تعرف تفشيا للكوليرا.
هكذا تفشى الوباء أولا في النواحي الشرقية وفي سبتة وتطوان، ومنطقة الريف، ثم انتقل سنة 1860 الى طنجة والرباط والدار البيضاء، ونزل الى ازمور، ليعم بعد ذلك الأقاليم الداخلية.
وحسب المصادر التاريخية فان تضافر مثل هاته الأوبئة الى جانب سنوات الجفاف، او ما عرف لدى المغاربة بسنوات القحط، تسبب في افلاس الدولة، وافراغ بيت المال.

الموجة الرابعة: (1865-1868)
انطلقت من الهند عام 1865، وصولا الى الحجاج مع الحجاج القادمين اليها، من الهند، ثم انتقل الى مصر، ثم الدول المغاربية وايطايا وفرنسا، وجبل طارق، ليتوغل داخل القارة الأوروبية، ويصل الى الولايات المتحدة الامريكية، التي كانت حدته قليلة بفضل الاحتياطات المتخذة والتي سجلت 50 الف حالة وفاة فقط.

اما في المغرب فقد قرر المجلس الصحي الدولي بطنجة، فرض حجر صحي مدته 7 أيام على السفن القادمة من جبل طارق، وذلك بعد تصاعد الوباء اليها، كما تم طرد السفن العائدة بالحجاج المغاربة، ولم يسمح لهم بالتزود بالمواد الغذائية مما جعل الجوع والكوليرا تفتك بهم، بعد ذلك احتج المخزن على الامر، ليتقرر اخضاعهم للحجر الصحي بجزيرة الصويرة، التي اختيرت لتكون محجرا صحيا دائما للحجاج.
هذه التدابير حصنت المغرب لبعض الوقت، واعطته مهلة قبل ان يدخل الوباء من الجهة الشرقية الجزائر سنة 1867، لتظهر أولى الحالات بمدينة تطوان، قادمة من العاصمة وهران، لينتشر الوباء بشكل سريع جدا في باقي ربوع المملكة.

وتقول الوثائق ان هذه الجائحة ضربت بشكل قاس مدينة فاس وهذه وثيقة تعود الى شهر ماي من سنة 1868 "وقد بلغنا ان الألم المعروف عند العامة "ببوكليب" وصل لفاس وكثر موت الناي به حتى بلغ الموتى 300 في اليوم، هكذا قال لنا رقاص ورد من هناك وذكر ان السراج عامل فاس امر بعد تأخير من جعل على النعش حتى يصلي عليه من غيره لكثرة التوقف على المحمل".
لينشتر بعد ذلك الى مدن مكناس ووزان وسلا والرباط، وهنا اتسم الوباء بخطورة بالغة، ففي الازقة وعلى ضفاف وادي ابي رقراق، وعلى متن الزوارق التي تنقل الناس من ضفة لاخرى في ربع ساعة، كان الناس يخرون صرعى، وكانت الجثث طريحة الأرض في كل الجهات".

ويذكر بومبي وهو أحد القناصل الفرنسيين بالمغرب، انه رغم ازمور لا تبعد عن الجديدة الموبوءة الا بمسيرة 3 ساعات، فلم تصلها العدوى الا بعد ظهور المرض في المدن المجاورة لها ب 11 يوما.
هكذا داهم الوباء المدينة متسببا في البداية في هلاك 4 اشخاص في اليوم، ثم 20 و22 في أيام 4 و 5 و 6 يوليوز، الى ان بلغ عدد الموتى 25 ثم 30 ضحية يومي 7 و8 من نفس الشهر. مما اثار قدرا كبيرا من الذعر في صفوف المواطنين.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :