ifada إفادة

ifada إفادة


حني صالحة.. طفولة بنكهة بنغازية، وعبق ليبي نقي

الأحد 15 أبريل 2018 - 14:40 , افادة
حني صالحة..  طفولة بنكهة بنغازية، وعبق ليبي نقي صورة تمثل المرأة الصحراوية

تلك العجوز القادمة من رحم الصحراء البعيدة لتوأد على شاطئ المتوسط غريبة، قديما لم تعرف الهجرة غير الشرعية ولكن عرف التهجير القسري بمسمى الرقيق...
تلتهم يومها بين فتات الساعات المسرعة نحو آواخر العمر المتخم بالحكايات التي تحولت إلى مصدر رزق في عمر تبدده برفقة الوحدة المقيتة، تلك الزنجية التي كانت كل بيوت الحي بيتا لها وكان بيتها الذي عاثت الفوضى في كل زواياه، تستمتع الحيوانات الأليفة فيه بالحرية المطلقة فما أن تدخل عليها بعد أن تناديك حتى ينتابك شعور بأن هذه الخراف والدجاجات هن أصحاب البيت وليست هي...

كان بيتها يمثل لي في الطفولة قمة المتعة، وكانت تغدق علي بهدايا جميلة تزعج أمي كلما رجعت بها فقد كانت الكتاكيت أو "العتوقة" - كما هو اسمها في اللهجة الليبية - التي أحملها منها تمنح في أعماقي سعادة مفرطة...
وما أن يندلق لون الغروب على المدينة ويبتلع الظلام الشمس، حتى تأتي حني صالحة إلى بيتنا في تلك الليالي الشتوية القارسة، فكان حضورها يضفي على المكان الدفء الممتع.. أتعلق بعكازها وأشاكس حدبها وأتشبث في ثيابها لأحولها إلى أرجوحة، ولا يخلصها من فرحتي بقدومها غير ذاك العكاز الذي تهش به غنماتها، ولها فيه مآرب أخر عل من أهمها ما أناله منه...

تعودت حني صالحة أن ترقد على بطنها عندما تقرر أن تسرد قصصا تكدست في طيات عمرها، الذي مضى فيكون مستقري ظهرها الذي أنهكته سنين الاضطهاد وأحدبته عوامل العمر، الذي يلامس التسعين في ذاك الوقت...
كانت تمارس طقوسها اليومية في طريقة إخراجها للقصة، غير متناقصة بكل تأثيراتها وكأنك تشاهد أبطالها لا بل تصافحهم وكنت أنا اقوم بالمساج اليومي لها لأخفف عن أكتافها ألم الروماتيزم الذي استوطن مفاصلها، فأصبحت هشة إلا من العزيمة... وكوني لا أفقه شيئاً في المساج فكثيرا ما كنت أفاجأ بعكازها يصفعني دون أن تنقطع عن سرد قصتها التى انهمكت في أدائها...

أذكرك حني صالحة في "سبع صبايا في القصبايا" تلك النساء السبعة التى استمات أخيهن اخضيري للدفاع عنهن وأذكرك في "خرافة امبسيسي" و"عمتي الغولة" وأذكرك في قصص أسيادك الذين كنت تخدمينهم و كيف كانوا قساة وكيف مر هذا العمر...
لم يكن لديها اولاد، غير أن أبناء الحي كلهم أولادها وكل المطارح كانت لها... ولا يزال صوتها يمر في مسامعي يذكرني بتلك الايام التى أفلت ولن تعود...
رحم الله حني صالحة ورحم الله أياماً مضت...


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :