ifada إفادة

ifada إفادة


عبد الله حمودي: هذا ما يسمح للناس بقبول السلطة

الأربعاء 08 نوفمبر 2017 - 13:36 , افادة
عبد الله حمودي: هذا ما يسمح للناس بقبول السلطة عبد الله حمودي، صاحب كتاب "الشيخ والمريد"
يعتبر عبد الله حمودي واحدا من أبرز علماء الأنثروبولوجيا المغاربة. قام بعدة بحوث ميدانيّة حول التاريخ العرقي للمغرب. له العديد من الكتب التي ترجمت إلى لغات عدّة: "موسم في مكّة"، "الضحيّة وأقنعتها"، "الشيخ والمريد" و "الرهان الثقافي وهمّ القطيعة"..

إذا كنتم اخترتم متابعة الحج في عين المكان بمكة، هل يعني ذلك أن مشكل الطقوسية التي ترافق أعمالكم يظل مركزيا بالنسبة لكم؟ إذا كان الأمر كذلك، كيف نفهم أنكم اخترتم - لأول مرة - الاتجاه نحو حكي شخصي جدا؟

 إذا كان الكتاب من قبيل المقاربة الأنتروبولوجية، فهو كذلك يعرض لقصة شخصية، قصة تتعلق بي أو تهمني، إنه كتاب ذو جانبين، يندرج ضمن خط بحث أنتروبولوجي على المدى الطويل، وهو من قبيل تجربة فريدة بالنسبة لي، تجربة الحج إلى مكة. فهذه التجربة التي قررت القيام بها دون تفكير، كلفتني الكثير من الجهد لأنها تخضع لإعداد طويل مسبقا.

على مستوى البحث الأنتروبولوجي، يعتبر هذا الكتاب إذن امتدادا لأعمالي السابقة حول الدين، وتحديدا حول الإسلام كما يمكن مشاهدته من خلال طقوس أو شعائر، مع رحلة الحج إلى مكة، يتعلق الأمر بتوصيف وتفسير شعيرة مركزية في الإسلام، الذي هو في نفس الآن ديانة، حضارة ومجموعة تاريخية تنتظم داخلها مجتمعات متنوعة، هناك وجه آخر مهم للمقاربة يخص التزاماتي الشخصية وامتداداتها الجماعية - الطائفية - والسياسية، بمعنى صلاتي بالمغرب وبالإسلام ولكن أيضا بالولايات المتحدة، حيث أمارس التدريس•

ويتطلب الرهان أخذ مسافة مع الموروث الذاتي من أجل الاقتراب منه، من أجل رؤيته عن قرب، ثم يمكن أن أضيف - ضمن تراكم التفاصيل - ما يكون بمثابة حبكة النص نفسه.

أصل الآن إلى المسألة الانتروبولوجية الأساسية، مسألة الشعيرة. منذ كتاب (الضحية وأقنعتها)، بدأت بالاهتمام بالشعائر الكبرى في الإسلام، من بينها، الحج الذي يلعب دورا حاسما لكونه يتمثل كاستذكار لقصة التأسيس الإبراهيمي الذي هو مصدر جماعة - أمة- المسلمين، كان الذبح (النحر) وتفسيره مدخلا آخر في حلقة أعمالي حول الشعائر، لأن مسألة الأضحية توجد في صلب (الضحية وأقنعتها)، وأجدها مرة أخرى في إطار الحج مع ما يجري في يوم الوقوف بعرفات ويوم الذبح العظيم للأضحية•

 

من هنا، اتخذ العمل الانتروبولوجي شكل حكي أو نص احتفظ مع ذلك، في حالتكم، بصرامة تفسيرية، إذن ما هو نصيب البحث الاتنوغرافي وتفسير هذه الشعيرة؟


اتجه هذا المشروع في مسارات لم أتوقعها إطلاقا. أولا، تغيير خط المشروع، أي أن المشاركة الفردية في تحركات تجمع كبير من الناس يذهبون إلى الحج، كانت تمنع كل ادعاء في القيام برؤية إجمالية وشاملة، بالمقابل، تهدف التقديمات، المحكيات التسلسلية إلى "إبراز" ترابطات فريدة، مظاهر لقاءات، صور، أقوال، وأعمال تساعد على تأويلات وصياغة شكل.

ولاينحصر الحج في ارشاد ينصب على الحياة، عن الآخرة، عن الموت، معضلات الوجود، كما أن شعائره، لاتسعى فقط إلى وضعنا في حالات إحساسية تساعدنا على مواجهة تلك المعضلات، نتوفر على "محاور" وعلى معالم هادية، محاور جغرافية معالم هادية وجودية•• من أجل الفعل والسلوك، لذلك لايتعلق الأمر فقط بالتأكد من طرح مسبق، وربما ببذل مجهود فكري وإدراكي من أجل "الفهم"، بل بـ "ركوب المجازفة" الجسدية والمعنوية على الصعيد الفردي والجماعي المزدوج، وأن نسلك طريقا هو طريق الحج، لتغذية حقيقة حيواتنا.


هل كانت لكم أفكار قبلية تخص المنهجية والتنظير؟ على الرغم من أن العالم الأنتروبولوجي لا يمكنه في الحالة المتعلقة بالحج ممارسة الاقتصاد في التجربة، لكن  مع ذلك، له خيارات تقود إلى قراءة الشعيرة بهذه الطريقة أو تلك، وربما إلى التصرف كذلك على هذا النحو أو الآخر؟

 نعم، لكنني أعتقد أنني كنت مهيأ لتغييرات، في هذا الكتاب أتبع منهجية معينة وأواصل نقاشات نظرية بخصوص الشعيرة والدين وفق طريقة خاصة، إذا كان هذا الكتاب لايتجه بنظره فقط نحو الدين والحج، وإذا كان يلتفت باستمرار باتجاه من ينظر، فإنه مع ذلك لا يتطابق مع استبطان في المعنى الاعتيادي للكلمة، إذ يتعلق الأمر بتسجيل وكتابة ما يظهر في علاقة مزدوجة صعبة، من جهة العلاقة، بين الذات - أنا نفسي باعتباري طرفا أساسيا في موروث - وبين موروث ديني من جهة أخرى، العلاقة بين هذه الأنا نفسها والعالم الأنتروبولوجي الذي يتخذه موروثه كمادة للبحث•

فإذا توخى البحث مسافة مع الموروث، فإن العمل يتعقد بالنظر إلى كوننا لا يمكن الزعم بأن هذه المسافة قائمة فقط على أسس عقلانية ومتيقظة، من المستحيل إبعاد البيوغرافيا، الظروف والمسارات الأخرى التي طبعت تكوين أنا معينة. إذ أن كل المشكل يكمن في استعمال العناصر البيوغرافية والشخصية. ذلك أن ثمة في هذا الصدد إمكانيات استعمال جد متعددة، تقتضي الغاية بالأحرى البحث عن بعض حقائق الذات داخل العالم، وهو ما يعني قول بعض الحقائق حول العالم ووفقا لمنظور معين.

وبانتهاجي لهذا الأسلوب، أسلوب السرد الشخصي، فكرت في أن ذلك قد يجعلني في مستوى أن أقول شيئا أكبر، أن أصف أكثر وأن أفسر أكثر بعمق مختلف لحظات وجوانب الحج.

وأعود إلى مجال البحث الأنتروبولوجي لأقول إن انتهاج الجنس والأسلوب اللذين اعتمدتهما كان أيضا طريقة لكي انفصل أو أتخلص من بعض التيارات المسماة "ما بعد حداثية" في الانثروبولوجيا، خاصة في الولايات المتحدة، حيث تؤدي العودة إلى الذاتية إلى كتابات تركز على الأنا عند العالم الأنثروبولوجي، وهي كتابات لا تقدم الشيء الكثير عن شرط نظرائه، فالجنس الذي اخترته سمح لي بالتعبير عن الروحانية العالية للحج، وكذا عن الاتجار الزاحف عليه، وعن طاقاته غير القابلة للاحتواء من طرف الدولة/ الأمة والسلطات، وكذلك التعبير عن محاولات التحكم فيه أو جعله مجالا للدعاية بالنسبة للنزوعات التطرفية من كل نوع، بدءا بالنزوعات التطرفية الوهابية.


لنعد إلى مرويكم بخصوص الرحلة إلى الحج، قلتم إنه في لحظة معينة فرض هذا الجنس من الكتابة نفسه عليكم؟

نعم، فرض عليَّ هذا الجنس الأدبي نفسه، ربما كان بإمكان شخص آخر أن يختار جنسا تعبيريا آخر، تنبهت إلى أن الحج سفر يتم على عدة أصعدة: جغرافيا، مخياليا، جماعيا، شخصيا، عمليا، بوحيا. وتنبهت أيضا إلى أن دينامية السفر تتخذ شكل تهييئات واستعدادات، وأنها تمر عبر فرقاء (ليسوا فقط أشخاصا بشريين)، في علاقة بين هؤلاء وأولئك بغية السفر، وأنه محكم الوتيرة بواسطة تعاقب ظروف، ومشاهد، ومخاطر واستباق نتائج متعددة يتحقق منها عدد قليل. لذلك، فإن النص يصف بأية طريقة يضطلع الناس بهذه الديناميات وهذه النتائج، بواسطة التجمعات، وأشكال الحياة التي يقيمونها أو يدعون إليها بمحض رغبتهم. غير أن المروي، بعيدا عن المفارقات يتحدث عن تغيير "زمانية" نصنعها وتسكننا. 

من هنا ليس مفاجئا أن تكون مكة بالنسبة للأغلبية الساحقة من المسلمين هامشا ومركزا.


إذا كانت مسألة الأضحية تعتبر مركزية في الحج. فهي مسألة كانت المصدر الأول لعملكم الميداني، وهذا لأنه سبق أن انصب كتابكم (الضحية واقنعتها) على هذا الموضوع!

في كتاب (الضحية وأقنعتها)، ثمة توصيف لأضحية العيد، بشكل مفصل جدا، أي نحر الكبش الذي يدشن لدورة طقوسية تضع لها الاحتفالات بعاشوراء نقطة النهاية بعد شهر من انتهاء الحج، في المغرب العربي، ولكن أيضا على مستوى أوسع في المجتمعات المسلمة، يسير هذا التوصيف على نفس المستوى مع توصيف آخر، وهو المتعلق بالحفلات التنكرية أو التقنع، بجلد الأضحية، التي كانت ترافق وماتزال ترافق أحيانا، الاحتفال بنحر أضحية العيد في المغرب العربي، تعرض هذه الحفلات التنكرية أو التقنعية لشخصية جد غامضة، هي في الوقت نفسه ذكورية وأنثوية، بشرية وحيوانية، مسالمة وعنيفة، تكون هذه الشخصية التي نسميها بلمون، بوجلود أو هرمة، متنكرة داخل جلود الأضحيات، من بين أشياء أخرى تنقنع بها، تظهر في هيئة إنسان/حيوان مخل بالحياء يجري وراءه رجال مقنعون، وأخيرا، فإن هذا العرض يسمح للشبان بالمطالبة بهدايا بإجبار هؤلاء الذين يتمنعون، بخرق القواعد الاعتيادية، بقلب المعايير.

في هذا السياق، حيث تقترن على نفس المسار مع حفل تنكري، يتعلق الأمر بالنظر إلى كيف تشتغل هذه التركيبة المزدوجة - نحر الأضحية وحفلات التقنع -، في تقارب وفي توتر مع العقيدة في نفس الآن، يرتبط هذا التوتر من كون التقنع يعكس الأضحية والعكس بالعكس، فمن توصيف مفصل للطقوس- التي سبق لي شخصيا أن شاركت فيها في الأطلس الكبير- حاولت الخروج بخلاصات عامة تنصب على العلائق بين الأجيال، بين النساء والرجال، وكذا على أشكال من طقوسية كانت تروض التناقضات- بإعطائها شكلا متميزا ومقبولا- التي كانت تحرك المعايير الثقافية والدينية•

كانت الظواهر المتمثلة في التعديات، في الصراعات من أجل السلطة، في اللعبة الجنسية الرمزية بين الرجال، في الإقصاء المزدوج للنساء المهانات والشيوخ الذين هم أسياد المعايير الأبوية. كانت توضح عزيمة الشبان المقنعين في انتزاع الإنجاب من النساء، ومن الشيوخ انتزاع امتيازات الذرية الذكورية التي تحرس باب الولولج إلى الإرث وإلى السلطة.

وبمناسبة أنثروبولوجية الطقوس هذه، التي أفضت إلى كتابة (الضحية وأقنعتها)، تقارب مفهوم التمثل مع مفهوم الإخراج والعرض، من جهة أن عرض الوقائع ينظم في مجموع واحد مكونات في حالة توتر فيما بينها (نزعات تقليدية، إسلام حداثي، عبادات دينية أخرى مرتبطة بالقداسة، أو تجارب أخرى للديني مرتبطة بالزمن، مثل الطقوس الموسمية ••• إلخ، الشيء الذي يجعل الكل متقلبا نسبيا، من جهة أخرى، وبسبب هذا اللايقين، تظهر الغيرية مع الهوية، الآني مع التاريخي، والمحلي مع الشامل.


بعد كتاب (الضحية وأقنعتها)، ركز عملكم على السلطوية، لم تعودوا أبدا تنكبون على مجتمع محلي إذن، بحيث أنكم تفكرون في مجموع المجتمعات العربية، ألا توجد هنا مجازفة في ممارسة "الخصوصية الثقافية" والعودة إلى ما هو معبر عن هوية، في حين أن عملكم ينصب على شروط تغيير؟ هذا التغيير الذي تجعله الشعيرة ممكنا، شعيرة الحج أو الأضحية أو طقس التقنع؟

حاولت الانتقال من تحليل لهذه الطقوس المحلية إلى مستوى آخر، مستوى السياسة على الصعيد الوطني وما أبعد منه، كانت مناسبة لتحليل منصب على السلطوية في كتاب عن المغرب، تحليل قمت بتوسيعه لاحقا على صعيد المجتمعات العربية في كتاب آخر "الشيخ والمريد"، الذي نشر في الدارالبيضاء بالعربية، وفي باريس، وقد لقي هذا الكتاب، بالعربية صدى تجاوز انتظاراتي.

في هذا العمل، أردت تحليل ما سمح بحمل الناس على قبول السلطة، على مهادنتها أو النضال ضدها دون التمكن من زعزعتها، أو كذلك ما دفعهم الى التوادد معها، لفهم سيرورة السلطوية الحديثة في المغرب وفي المجتمعات العربية عموما، انطلقت من ملاحظات ملموسة بخصوص أشكال ممارسة السلطة في الأنظمة الملكية والجمهورية على السواء. واعتمادا على هذه الملاحظات، وضعت بنية لهذه السلطوية كما تشكلت وتوطدت، بين فترة الاستعمار والثمانينات. وقد أتت هذه الملاحظات لتنضاف إلى أوجه أخرى سجلتها منذ مدة طويلة، في المغرب وفي جهات أخرى، والتي تهم علاقات السلطة وانتقالها داخل العائلة (بين الأب والأبناء مثلا)، داخل دوائر التعلم (معارف وكذلك مهن، تدبير أعمال)، في الفعل والإقرار بالاستخلافات وتراتبية الحق في الأسبقية داخل العائلة.

لقد قادتني دراسة حياة الأولياء ومؤسسي الزوايا الدينية - في علاقة بين الشيخ والمريد في التوجيه الصوفي - إلى خلاصة في هذا المجال كان يمكن أن نرى بشكل أفضل التصور الخيالي يشتغل، وتثمينه للغاية، وتزويده بقوة جذب غير مألوفة، وعرضه بواسطة الحِكم الشائعة والكتابات القداسية العالمة• في هذا المجال بالفعل، يتخذ التناقض منحى حادا، لأن المزيد يقبل على ما يقوم به بكل جوارحه، يمارس في نفس الآن مهام رجالية- أو ذكورية- ونسائية- أنثوية- (في خرق لمعايير تقسيم العمل المعمول بها)، متخليا مؤقتا عن القيم المألوفة للرجولة، ها هنا ما إن يأخذ المريد دربته ويتمكن مما لقنه له الشيخ، حتى يمر كل شيء كما لو أن التواجد مع الشيخ أصبح بالنسبة إليه مستحيلا، يكون عليه إحداث قطيعة والذهاب إلى مكان آخر ويقوم هو بدوره بالإرشاد والتوجيه المادي والروحي لجماعة.

لفهم السلطوية في المغرب وفي غيره من البلدان داخل العالم العربي، كان يتوجب عليَّ مسايرة تحول وتعزيز هذا التصور بواسطة سيرورة التحديث في الفترة الاستعمارية وما بعد هذه الفترة. لقد قامت الأنظمة الاستعمارية في كل المناطق تقريبا بتجديد وتوطيد أنظمة ملكية، وتمكين علية القوم والأعيان من سلطات شبه مطلقة بتزويدهم ببنية عصرية في توسيع لتقنيات الحكم في العمق باتجاه مجموعات بشرية وترابية كبرى، لقد قامت هذه الأنظمة الاستعمارية بإعادة تأويل التشريعات والأعراف، وبإحداث مؤسسات نمطت شكل التعاطي معها، وقامت بتعميمها وجعلنا تحت مراقبة جهاز متمركز، بحيث لم يتوفر أي مركز للسلطة ما قبل الفترة الاستعمارية على هذه الوسائل، ولم يتمكن من القيام بمركزية من هذه الدرجة.

وأخيرا، فإن اكتساح هذا الجهاز المتجدد من طرف النخب الوطنية المتحالفة مع الأعيان القدماء (دينية وغير دينية)، أدى إلى السلطوية. وقد خلصت إلى أن هذا النسق لقي معارضة، ولكنه كان يواصل استمراره من خلال إجراءات تعيين أشخاص من المقربين أو من غير المقربين ومن خلال الدعوة إلى قيم ذكورية وأبوية كانت تضع سلطات الإنتاج بين يدي رجال أقوياء، بالتنكر لمجهود الأفراد والمجموعات القاعدية.


من أعمالكم الميدانية الأولى في واد درعة، لدينا الانطباع أنكم أعطيتم الأفضلية لإجراء يؤكد على الاتصالات والمحادثات، مع أن الإرادة في تقاسم الفهم لا تمر فقط عن طريق التبادل الشفهي. بل إنكم تدعون إلى تقاطع يستلزم الأقوال، والنصوص، والبنيات. وهذا معناه أن مواد الاشتغال لديكم متعددة..؟

كان لي دائما تفضيل لمقاربة الاتصالات والظرفيات في التغيير، وليس فكرة ثقافة مغلقة. يقودني هذا الأمر إلى اعطاء الامتياز لمقاربة ذات مستويات متعددة. من هنا سبب تمسكي بتفنيذ نظريات التشطير (ذلك التقليد الكبير في الأنثروبولوجية الاجتماعية البريطانية)، كما في تطبيقات المرحوم ايرنست جيلنير على المغرب العربي، وهذا معناه معارضة نظرية اختزلت العلاقة الإنسانية في بنية تم تكييفها استجابة لوظيفة، ها هنا نوع من المقاربة التي مثلا، سيجت المغاربة والمسلمين، بصفة عامة، داخل تقاليد يفترض أنها معيقة تماما، بحيث تم التغاضي عن أنه كان لدى نساء ورجال يحظون بالاعتبار رؤى لماضيهم وآمال في مستقبلهم.

في هذه المرحلة من اشتغالي، استأنست بمفهوم الثقافة كما حدده كليفور غيرتز، هذا مع التشديد (في أبحاثي حول القداسة) على تعدد النماذج الثقافية وعلى تجربة مزدوجة في القراءة: الأولى تتوقف على قراءة الوثائق والنصوص على ضوء الإثنوغرافيا، بمعنى التجوال نوعا ما كباحث إثنوغرافي داخل النصوص، والثانية التنقل بين الناس والمشاهد كقارئ للنصوص، فالمنهجية التي فرضت نفسها عليَّ مكونة من هذا المزيج من التنقل المستمر بين التجارب الحية، ذاكرة التجارب القديمة (محكيات شفاهية، سجلات مدونة بواسطة مثقفين، شجرة أنساب، حوليات، أرشيفات وآثار أخرى لمعلومات) وبين المحادثات الطويلة مع أشخاص فرادى ومع جماعات. فطريقة عملي اتجهت دائما إلى تمفصل التاريخ والإثنولوجيا، الماضي والحاضر، بتقديم تلك العناصر في مشافهة مستقبلية مأهولة بالكتابة والعكس بالعكس.

خلال مقامي بجنوب ورزازات، وفي وادي درعة، أدركت أهمية الموروث، وفي نفس الوقت قيمة الاختلافات الموجودة. وقد استخلصت ذلك من معاينة مشاركة، فقد ربطت مع أناس كثر علاقة سلطة إدارية وتقنية، ولكن أيضا علاقة إنسانية اعتيادية. فهذه الكتب "الضحية وأقنعتها"، "الشيخ والمريد"، وكذا "موسم في مكة" تندرج ضمن مسار مشترك أنثروبولوجية تأويلية تأخذ في الحسبان التناقضات حول المعنى- تغيرات الممارسات- الذي يخلي المكان للتناصات (القرآنية وغيرها)، مع الاشتغال ضمن اللغة الشائعة أو المكتوبة.

إنني لا أتصور عمل الباحث الأنتروبولوجي دون تجربة لها امتدادها في الحياة وفي الحديث مع الناس الذين يعيشون معا، مهما تكن التشتات والترحالات التي تطالهم، إذا كانت هذه الظواهر ذاتها ماتزال تصل بينهم.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

تابعونا على :