ifada إفادة

ifada إفادة


قطار مضرب وقطار متغيب عن العمل

الجمعة 20 ديسمبر 2019 - 22:50 , افادة
قطار مضرب وقطار متغيب عن العمل إريس ر. عايدة

أضرب القطار الفرنسي عن العمل مرةً أخرى. خرج العاملون بالسكك الحديدية في تظاهرات حاشدة من أجل المطالبة بحقوق متساوية؛ تتمثل في التعديل الحكومي المتعلق بمعاشات المتقاعدين. ويبقى هذا الإصلاح الذي يبحر بين فرنسا والمغرب، مريبا إلى حد بعيد. نفس الإصلاحات، نفس المنهجيات، نفس البراهين والفلسفات الحجرية التي تصمّ أذن العاقل، ونفس الهراء الحكومي الذي يؤكد أن الدول تسعى إلى استنزاف ثروات الأوطان بالكامل بدء من الأرض وصولا إلى البشر. 

هو قطار واحد، لكن بجنسيتين مختلفتين؛ واحد مغربي والآخر فرنسي. هو فرنسي النشأة والترعرع، ومغربي الكهالة. ذلك لأنه ما أن يشيخ، يتم تصديره إلى المغرب بثمن خرافي يجعل من مكنسة هاري بوتر التي ابتاعها له عرابه "سيريوس بلاك"، مجرد خردة بالية. عندما يكون القطار لا يزال يافعا بوطنه الأم، أي فرنسا، فإنه يضرب بين الفينة والأخرى عن العمل، كون الحكومة قد رفعت سقف الخزعبلات التي يتداولها السماسرة ببرلمانهم. قالوا في اجتماعات طفولية: تعد استراتيجية الحكومة الحالية طوق نجاة من غرضه إنقاذ المكتب الوطني للسكك الحديدية من الإفلاس. عند سماع هذا البلاغ اليائس، فرّ المنطق من فرنسا وطلب اللجوء السياسي بإفريقيا. ولكن، سوء حظ المسكين كان فاجعةً مأساوية. سلسلوه بالأغلال ورموه في قبر حانةٍ عربية.

رجوعا لإفلاس المكتب الحديدي، كيف لشركةٍ عمومية تنقل آلاف المسافرين يوميا بمقابل مادي يجعلها آلة صك النقود، أن تفلس؟ لو حللنا المسألة من وجهة نظر اقتصادية ومحاسبةٍ عامّة، لوجدنا أن هامش الربح كبير جدا. وبالتالي، العائدات تغطي المصاريف والاستثمارات. وفي ظل كل هذا، يظل المتضرر من كل هذه الركمجة السياسية، هو المواطن الفرنسي من الفئة الفقيرة والمتوسطة. وعند الحديث عن النقابات العُمّالية، فلا مستفيد أكثر من ممثليها الذين يعيشون حياة الترف النقابي ويملؤون صفحات مذكراتهم بأرقام الطوارئ العملية. 

شاخ القطار المسكين. وضعوه في علبٍ بلاستيكية كانت قديماً صينية الصّنع وشحنوها على متن قوارب الهجرة السرية العكسية. تحت رداء الليل البارد، قاموا بتهريبها عبر المياه التي تفصل بين عالمين، لا قارتين. استقبلها وفدٌ إفريقي بحلات سوداء وربطات عنق زرقاء وحمراء. شيءٌ عادي ما دام البلد في حاجة لقطارات وسكك حديدية. وبما أن القطار كهلٌ مريض، فإنه لم يعد يقوى على العمل. لهذا السبب، أصبح متغيباً دائماً عن العمل.

مهما صرخ المواطنون العالميون، فلا حكومة تسمعهم ولا برلمان يُمثِّلهم. سواء في القارة الشقراء أو القارة السمراء؛ فالعامل البشري واحد. تعددت المذاهب والغاية الإنسانية واحدة ألا وهي: دخول دار البرجوازية. فبين عالمين، هنالك قطار مضرب عن العمل فيما الآخر في إجازة مرضية مدى الحياة. 

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :