ifada إفادة

ifada إفادة


نبلاء ٱلصعاليك...عروة بن ٱلورد نموذجا

الثلاثاء 10 يوليو 2018 - 14:07 , افادة
نبلاء ٱلصعاليك...عروة بن ٱلورد نموذجا

هو عُرْوة بن الوَرْد العَبْسي شاعر قبيلة عَبْس ومن أَفرس فرسانها، عاصَر ٱلملك زهير وٱبنه قَيْس كما صاحب عنترة بن شداد زمانا وإن ٱختلفت ٱلرُؤى بينهما، فٱلعنترة نشأ في موضع ذُلّ وصَغار جعله يطمح لكسب ٱلمكانة ٱلمرموقة عند والده وقومه فظل جُلّ حياته يَرمي بنفسه إلى ٱلمعالي لكسب رضى ٱلقوم وثَنائِهم ؛ أما عروة فقد كان أهله من كبار ٱلقوم وكان هو مع هذا ٱلكبر عظيم ٱلنفس كثير ٱلفضيلة حتى ٱفتخرت به ٱلعرب من ملوكها مرورا بشعراؤها .وحتى  عبيدها وصعاليكها.

ومن الأراء التي قيلت في عروة :
قال عبد الملك بن مروان ٱلأموي :" من زعم أن حاتماً(يقصد حاتم ٱلطائي) أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد".
ويروى أن عمر بن الخطاب قال للحطيئة كيف كنتم في حربكم قال : كنا ألف حازم وقال : كيف ؟ قال : كان فينا قيس بن زهير وكان حازما وكنا لا نعصيه ، وكنا نَقْدُم أَقْدام عنترة ونَأْتمّ بشعر عروة بن الورد.

يظهر لنا جليا أن عروة كان نبراساً وضّاحاً للقبيلة يهتدون به ويتعلمون منه حسن السلوك ، والأخلاق ، والقيم.
غير أن ٱلتاريخ عَلّمنا ولايزال أن من كان ٱلعدل و ٱلمساوة مطلبه فسيصطدم رأيه برأي ٱلسادة و ٱلكبراء إن عاجلا أم آجلا  حيث أن هذه ٱلمبادئ تُزْعجهم إذ هي تسلبهم سيادتهم ٱلمزعومة وتَحُدّ من أطماعهم في ٱلاِستحواذ وٱلاِستيثار بٱلخيرات.
ومن ثَمّ نشأت ٱلقطيعة بين عروة بن ٱلورد وسادات قبيلة عَبْس وأَوّلهم والده ، فٱتهمهم هو بٱلاِستيلاء و ٱلظلم و ٱلترف وٱتهموه هم بإثارة ٱلفتنة وٱلطعن في ٱلمقدسات، ودام ٱلخلاف وٱحْتدم ٱلصراع حتى ٱضْطُرّ عروة لترك قبيلته فٱرْتدّ عن قومه بِبَدنه بعد أن كان قد ٱرتدّ عنهم بأخلاقه ومبادئه، وٱتّجه إلى ٱلتّصَعْلُك ليُفْتَح شطر جديد في حياة عروة بن ٱلورد.

وٱلتصعلك لغة هو ٱلفقر وفي لسان ٱلعرب الصعلوك هو الفقير الذي لا مال له ولا ٱعتماد، وصعاليك العرب هم
ذُؤْبانها أو ذِئابها. من هذا ٱلتعريف نستنتج أن ٱلتصعلك عند العرب كان نوع من ٱلفشل وٱلتهميش وأن ٱلصعاليك لم يكونوا سوى شِرذمة من ٱللصوص وقطاع ٱلطرق وشُذّاذِ آفاق لا ٱنتماء لهم ولا ٱعتبار لذلك كان دَمُ أغلبيّتهم مَهْدورا حتى أن دم بعضهم كان مطلوبا كشأن ٱلشَّنْفَرة صاحب ٱللَّامَيّة وغيره.
غير أن مفهوم ٱلتصعلك وأهدافه طرأ عليها تغير ملحوظ بعد دخول عروة بن ٱلورد في عِقد ٱلصعاليك حيث تأثّروا به و بمبادئه ٱلانسانية فشاركوه في غاراته على قوافل ٱلأغنياء وتوزيع ٱلغنائم على ٱلفقراء وٱلمعدومين وسَّن لهم هو أُسُس ٱلغزو وقَنّنَهُ، وأمسى ٱلتصعلك ثورة جماعية على ٱلظلم و ٱلاِستبداد من أجل نشر مبادئ ٱلعدل و ٱلمساواة بين ٱلأثرياء و ٱلمملقين وبين ٱلسادات وٱلعبيد بٱلسيف تارة وبٱلشعر تارة أخرى.

ومرة أخرى يذكّرنا ٱلتاريخ أن ٱلغلبة تكون للثقافة ٱلسائدة ٱلتي يدعمها ويسهر على دوامها ٱلتوأمان : ٱلمال وٱلسلطة، فأصحاب ٱلدُّثور وأسياد ٱلأقوام لا يتمُّ لهم ٱلأمر إلا بوجود ٱلعبيد وٱلخدم وٱلذين لابد أن يكونوا فقراء ذوي حاجة إلى أسيادهم. من ثّم قَضّ ٱلتصعلك ،على نهج عروة بن ٱلورد، مضاجع ٱلقوم فحاربوه وقُتل معظم رؤوس ٱلصعاليك كثابت بن فؤاد ٱلمعروف بلقبه تَأَبَّط شَرًّا وٱلشنفرة وٱلسُّليك بن ٱلسَّلكة.

مع مُرور ٱلسّنوات ٱلطوال وقتل رفقائه ٱلصعاليك أدرك عروة قلة ٱلجدوى من ٱلتغيير ٱلشمولي لكلّ ٱلجزيرة ٱلعربية فقرّر ٱلعودة إلى قبيلته ٱلأمّ وٱلتركيز على ٱلإصلاح ٱلمحلي فيها٬ فصالح ٱلأسياد وعادت إليه مكانته بوصفه شاعر ٱلقبيلة وفارسها مع ٱلعنترة بن شداد غير أنه ماٱنفكّ يعتني بٱلفقراء وٱلعبيد ويطعمهم من طعامه ويأثرهم على نفسه حتى أثّر ذلك في وجهه ونَحِف جسده فعيّروه بذلك فردّ عليهم ردّا قويا ينِمّ عن شموخ وزُهوٍّ وزهد في ٱلدنيا منقطع ٱلنضير وقتئد :
إني امرؤ عافي إنائي شِرْكَةٌ...وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
أتهزأ مني أن سَمِنْتَ و أن ترى...بوجهي شحوب الحق والحق جاهد
أُقَسِّم جسمي في جسومٍ كثيرةٍ ...وأَحْسو قَرَاحَ الماء والماء بارد

ٱلمتأمل في هذه ٱلأبيات يدرك مدى إستخفاف عروة بٱلدنيا وأبنائها ومدى حرصه على إحقاق ٱلحقّ وإن كان شاقا مجهدا، هكذا قضى عروة بن ٱلورد حياته يخدم ٱلغايات ٱلنبيلة ٱلإنسانية فعاش ومات صعلوكا متمرّدا على عادات قومه وعلى قِيَم زمانه.
وختاما فما أحوجنا إلى أمثاله في زماننا هذا زمان ٱلسلطة ٱلمطلقة، سلطة ٱلفرد ٱلواحد ٱلآمر ٱلناهي ٱلمتمكن برأس ماليّته ٱلمستعلية من رقاب ٱلعباد وأموالهم.
ما أحوجنا إلى ثورة فكرية تنظيمية كٱلتي أحدثها عروة بين ٱلصعاليك فحوَّلهم من قُطَّاع طُرُق يخدمون أهدافا فردية نَفْعِيّة قريبة ٱلمدى إلى حاملين لمشروع ٱلإصلاح ٱلبعيد ٱلمدى مشروع ٱلبذل وٱلعطاء وٱلتمرد على ٱلسلطة ٱلغاشمة من أجل تحقيق ٱلعدل وٱلمساواة.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة