ifada إفادة

ifada إفادة


"التّشرْميل" عندما يتحول الإجرام إلى وسيلة لإثبات الذات !

الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 10:30 , افادة
صورة من الانترنت
ملف من إنجاز: يوسف معضور

يتحدثون لغة خاصة بهم، يصرون على الاختلاف عن الآخرين، يعلنون تمردهم على الواقع من خلال الصور التي يلتقطونها وتنشر على بعض الصفحات بالموقع الاجتماعي فايسبوك التي تُنسب إليهم، صفحات يضعون فيها صورهم وهم حاملون للسيوف السواطير وبعض المسروقات  المكونة من الهواتف المحمولة والأوراق النقدية، ينشرون أيضا صورا يحرصون من خلالها على الظهور بتسريحات شعر شبه غريبة، يلبسون أحذية رياضة من نوع "نايك كوبرا" وملابس رياضية تحمل شعارات الفرق الإيطالية والإسبانية، البلدان اللذان يحلمون بالهجرة إليهما بحثا عن الفردوس المفقود هنا.. يضعون على أياديهم ساعات يدوية سويسرية مذهبة بخلفية حمراء يتوسطها شعار الدولار الأمريكي، يلقبون أنفسهم بـ "المشّرْملين" ..


"التّشرْميل" أصل التسمية ؟

المعروف أن " التّشرْميل" هي كلمة متداولة في مجال الطبخ المشتقة أصلا من "الشّرْمولة" التي تعني خليطا  من مكونات التوابل والبهارات وبعض أنواع الخضر والنباتات الغذائية، لكن تم استعمال الكلمة أيضا  داخل السجون، حيث ظهر أول مرة كمصطلح  تداوله السجناء المراهقون والشباب فيما بينهم، والذين يقضون عقوبتهم  السجنية، حيث إن الشاب أو المراهق داخل السجن لا يهتم كثيرا بلباسه ومظهره الخارجي، وبالتالي يعمد إلى المزج بين أي نوع من الملابس يجده أمامه، غير مهتم بتناسقها ومدى ملاءمة بعضها لبعض، بعد ذلك  انتقل المصطلح أي " التّشرْميل"  إلى خارج أسوار السجون، فتم تداوله  في الأحياء الشعبية والهامشية التي ظهر بها، وشُرع في تداوله بين أوساط الشباب المراهق الذين يلبسون أنواع محددة من الملابس خصوصا الرياضية، التي يمتزج فيها خليط من الألوان وأشكال اللباس، لتنتشر العبارة بسرعة في أوساط المجتمع، ويمكن إسقاط المصطلح أيضا على الخليط، الوصفة المكونة من الحرمان، عدم المواكبة الاجتماعية والأسرية والفقر، التهميش والإقصاء الذي يعيشونه،  لنحصل في الأخير على نموذج منحرف تتوفر فيه شروط مجرم بامتياز.
 
من هم " المشّرْملون " ؟
من خلال مجموعة من المعطيات حصلنا عليها  ميدانيا عن طريق الملاحظة والمعاينة نستنتج: أنهم مراهقون شباب يلقبون  أنفسهم بـ "المشّرْملين"، يتراوح سنهم  ما بين 15 و27 سنة، منحدرون من الأحياء الشعبية المتواجدة بهوامش مدينة البيضاء، البؤر التي تعرف أعلى نسب الجريمة المرتبة بالتهميش والفقر والإقصاء الاجتماعي وغياب الفضاءات السوسيوثقافية والرياضية، نسبة كبيرة منهم منقطعة عن الدراسة، غادروا الفصول الدراسية مبكرا لأسباب ودوافع اجتماعية، نماذج فاشلة دراسيا لا يتجاوز المستوى الدراسي لمعظمهم  السنة الثانية من التعليم الإعدادي، حاقدون على الوضعية وعلى الظروف الاجتماعية، ويتبين ذلك من خلال العبارات التي يتلفظون بها التي تصب كلها في خانة الشعور بالحقد والضغينة، يمتطون في الغالب دراجات نارية من نوع "بيجو " 103 و هوندا " إس أش" صينية الصنع، في نظرهم كوسيلة تسهل عليهم عمليات السرقة بالخطف،  يتداولون هذا المصطلح الغريب  "التشّرْميل" فيما بينهم يطلقوه على أنفسهم، مصطلح يوظفه المنتمون إلى هذه الفئة من المجتمع، توصيفا لنمط عيش مرتبط بنوع معين من اللباس وطقوس يعيشونها فيما بينهم، يؤثثون من خلالها فضاءات يحجزونها لأنفسهم، هم فئة تترد على مقاهي خاصة تتوفر بها قارورات الشيشة والأجواء والطقوس المصاحبة لها كتناول المخدرات وحبوب الهلوسة، وتواجد ممتهنات الدعارة، يؤسسون لعوالم خاصة بهم، يعبرون بداخلها عن ذواتهم  بمختلف الميولات والمواهب المرتبطة بفنون السرقة والاعتداءات المسلحة بالسيوف المشحوذة بحقد دفين يظهر على محياهم.

 يربطون علاقات مع الجنس الآخر أي الفتيات الشابات اللواتي يلبسن نفس اللباس، ملقبات هن أيضا " بالمشّرْملات"، يوظفون مصطلحات خاصة بهم من قبيل "الحبّس غير عرْس" يعطون الانطباع من خلالها على أنهم لا يخيفهم  أصحاب السلطة والمال، متمردون على الواقع الاجتماعي يتباهون فيما بينهم  بمُدد قضاء العقوبات الحبسية، يرفعون شعارات من قبيل  " اللهم الحبس مع الحباب و لا الڭـلسة في راس الدرب مع ولاد لقّـ.... " وعبارات أخرى يعكس محتواها حضورهم الاجتماعي، يتباهون فيما بينهم بالأكثر "أناقة"، أناقة مرتبطة بلباسهم الرياضي، يلقبون أنفسهم بـ "قراصنة الشوارع"، يتفاخرون فيما بينهم بالأكثر عنفا وقدرة على تناول حبوب الهلوسة،  الأكثر حصدا للغنائم من الهواتف المحمولة الذكية والحواسيب المحمولة والحقائب اليدوية النسائية، بعد ذلك التقاط صور لهم ونشرها على صفحات تعنون بـ " التشّرْميل"، ونشر صورهم وهم يحملون السيوف بين أكتافهم و يديرون ظهورهم لعدسة آلة التصوير للتقليل من خطر رصد ملامحهم، وصور أنواع الأسلحة البيضاء التي يستعملونها في عمليات السرقة، وأنواع حبوب الهلوسة التي يتناولون، والتي تُعتبر البنزين الذي يمنحهم القدرة على ارتكاب أي فعل إجرامي وفي أي مكان.
يمكن  الحديث  هنا عن ثقافة لباس يؤثر على الفكر عكس المتداول،  في الوقت نفسه نجد أن أغلب من يتقدمون ببلاغات لأقسام الشرطة للتبليغ عن السرقات التي تعرضوا لها، من بين الأوصاف التي يدلون بها في محاضر الاستماع  حول من يسلبون منهم حوائجهم في الشوارع والأزقة، هي لأشخاص بلباس رياضي ويرتدون ساعات ذهبية بخلفية حمراء وأحذية رياضية، أي أصبح شكل اللباس  يتكرر في جل محاضر الاستماع لدى الشرطة.
 
كيف ينظر "المشّرْملون"  إلى الآخر !

المصطلحات والعبارات التي يستخدمونها في حديثهم عن "الآخر" الذي لا يشبههم  أي " الكيليمني"، تحديدا المنتمي إلى الطبقات الاجتماعية الميسورة، معتقدين أن كل شخص ميسور الحال أوتوماتيكيا اغتنى على حساب معاناتهم وحرمانهم من مجموعة من الحقوق، الحق  في الخدمات الاجتماعية والترفيهية وغيرها، فبالتالي تصبح نظرتهم تجاه الآخر نظرة حقد طبقي دفين يتغذى كلما اتجهنا نحو الأحياء الراقية والمحلات التجارية "الفرونشيز"، وغيرها من الفضاءات الراقية التي يتردد عليها أبناء الميسورين.
 
الفايسبوك منبرهم الافتراضي !

انتقلوا من الواقع إلى الافتراضي باعتباره فضاء افتراضيا يمكن التعبير  فيه بكل أريحية،  الافتراضي الذي كان سبب تداولهم كموضوع الساعة، حيث نجد على  موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك صفحات  تعنون بـ " التّشرْميل"، تحمل اسم الحي الذي تنتمي إليه كل فئة منهم، حفاظا على الانتماء إلى الوسط الذي يعيشون فيه،  تعتبر بمثابة منابر يسوقون من خلالها لعالمهم الغريب المليء بمغامرات النشل والسرقة بالاعتداء المسلح على المارة في أي مكان يتيح لهم الفرصة، يعتبرون الفايسبوك منبرا يعبرون من خلاله عن تمردهم  على الواقع وعن ذواتهم في غياب وسائل أخرى للتعبير.. منبر يُروجون من خلاله لثقافة " التّشرْميل " بتلك التفاصيل الدقيقة بكل ما يتعلق بالمصطلحات المستعملة واللباس.
 
 مشّرْمل و بّخير !

 *يحكي  لنا أشرف،  شاب ذو 19 سنة، منقطع عن الدراسة، مستواه الدراسي أولى إعدادي يشتغل كمساعد ميكانيكي، يلقبه أصدقاؤه بـ: "شّهيْبة"  نسبة إلى لون شعره الأشقر، حيث يقول: إن " التّشرْميل "  هو " style  " أي نمط عيش وجدت فيه ذاتي، أرتاح كثيرا في اللباس الرياضي و تسريحة  الشعر التي تشبه تسريحة  "رونالدو" لاعب ريال مدريد الذي أحبه كثيرا، لست بمجرم ولا أسمح لأي أحد أي يلقبني كذلك، أنا لا أعتدي على أحد لا أسرق و لا أتناول أي نوع من المخدرات، والمشكل أن الجميع ينظر إلي الآن بنظرة احتقار لا أعرف لماذ !!!  فقط هو لباس أعشقه خصوصا للريال الإسباني الذي أعشقه كفريق ينتمي إلى البلد الذي أحلم  دوما بالهجرة إليه.
 
 يضيف عبد الحق، 26 سنة، عاطل عن الشغل، حاصل على دبلوم تأهيلي في صيانة الكهرباء الصناعي،  يحكي لنا أن الصحافة ضخمت من الموضوع وجعل منه مادة، في الحقيقة أن " التّشرْميل "  هو تعبير عن الذات بطريقة خاصة من حق أي شخص التعبير عن ذاته بالشكل الذي يناسبه،  أنا شخصيا أرتدي اللباس الرياضي، وخصوصا لفريق الميلان الإيطالي الفريق الذي أحب طريقة لعبه، و ارتداء الساعة الذهبية التي خلقت ضجة هو عشق لذلك النوع من الساعات فقط، لا أنكر أن أغلبية اللصوص الذي يعتدون على المارة بالخطف أو الاعتداء المسلح يرتدون ذلك اللباس، لكن هذا لا يدل على أن الجميع هو سارق أو مجرم قاطع طريق .
 
رأي المختصين في الظاهرة..



يرى الباحث في علم الاجتماع، الدكتور عبد الرحيم العطري، أن ظاهرة  " التّشرْميل"   تؤشر على كثير من الاختلالات والإخفاقات المجتمعية، فمن خلالها نقرأ استقالة المؤسسة  والدور التأطيري لكثير منها، فهؤلاء الشباب الذين يصرون على استعراض خيراتهم الرمزية والمادية في سجل الانحراف، هم في البدء و الختام منتوج مغربي لسوء الأحوال الاجتماعية، ولهذا فالمقاربة الأمنية، وإن كانت ضرورية و بشدة، فإنها لا يمكن أن تحل المشكل، هناك حاجة ماسة  إلى تجفيف منابع العطب بالاشتغال على التربية والتعليم والفقر والهشاشة والتهميش، فالحرمان يؤدي إلى العدوان وعليه فلا بد من تقليص مساحات الحرمات لتلافي احتمالات العنف و العنف المضاد.


يرى أيضا الأستاذ المصطفى يطو، الباحث في علم النفس، أن " التّشرْميل "  ظاهرة تخص جيلا من الشباب أعلن تمرده عن القيم والقواعد المجتمعية في وقت انهارت فيه منظومة القيم وفشل المجتمع والمؤسسات التربوية "البيت والمدرسة "، في تأصيل الأخلاق والقيم، والسؤال الذي يبرز هنا لماذا يتمرد الشباب ويطرح نمط سلوك و يريد أن يفرضه؟ إن ملاحظة الشباب ومعاينتهم لمجموعة من الظواهر المجتمعية الفاسدة كالانحراف الأخلاقي، ضعف سلطة الآباء، مظاهر الإباحية وتفشي السلوكيات العدوانية والإجرامية جعله يساير أنماط السلوك المتفشية في المجتمع، ويطور كل أساليب التمرد والنقمة من هذا المجتمع المشوه قيميا وأخلاقيا، وما بروز شخصيات,,,,,؟ مرضية نفسيا " السيوكاباتيا الشبابية"  والتي من أعراضها مناهضة ومعاداة المجتمع، البحث عن اللذة الآنية وإدمان المخدرات، عدم مقاومة الاحباطات، الاندفاع السلوكي والعنف، مظهر ولباس مختلف..  إذن هذا الجيل يمثل جيلا ممسوخا في هويته، لأنه لم يجد هوية خالصة يتقمصها، فأصبح ينتقم من زيف المجتمع وقيمه المصطنعة.
 
 يعتبر " التّشرْميل " إذن بمثابة مؤشر على وجود خلل في المنظومة الاجتماعية، فالحديث عن الحد من هذه الظاهرة يجرنا للحديث عن التأثير في الأسباب المؤدية إليها، لأننا نقف اليوم عند استهداف فئة المراهقين الأكثر استقبالا لأي شيء في غياب المناعة الفكرية التي تسمح بالقيام بتنقيح بين الإيجابي و السلبي،  نقف  عند ظاهرة ينعكس فيها اللباس على الفكر بخلاف الفكر الذي ينعكس غالبا على اللباس، الأمر الذي يتطلب  إشراك كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية للحد منها عبر التأثير في الأسباب المؤدية إليها.
 

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :