ifada إفادة

ifada إفادة


التجنيد الاجباري في العالم دوافع متعددة ونتائج متبانية

الخميس 23 أغسطس 2018 - 13:05 , بقلم رشيد اوبيال
التجنيد الاجباري في العالم دوافع متعددة ونتائج متبانية
يقول المعارضون للتجنيد الإجباري إنه ينتهك حقوق الأفراد، أما المؤيدون له فيرون فيه واجبا وطنيا يعزز الشعور بالانتماء للوطن.

التجنيد الإجباري هو طريقة لاختيار الرجال، وفي بعض الأحيان النساء، للخدمة العسكرية الإلزامية، ويسمى أيضًا الخدمة الوطنية، وعادةً، يتم التجنيد الإجباري بمجرد انتهاء الدراسة، فيخدم المجندون لمدة تتراوح بين عام واحد وثلاثة أعوام. 
وقد استخدمت كثير من الدول التجنيد الإجباري في وقت الحرب، ولكن عددًا قليلاً من الدول استخدمته أثناء فترات السلم. وقد استغنت عنه دول مثل، الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا والهند وباكستان. كما أن دولاً أخرى كثيرة خفضت مدد الخدمة، كما أدخلت بعض البلدان العربية نظام التجنيد الإجباري في أواخر القرن العشرين.
وفي الحرب العالمية الثانية، استخدمت كل الدول المتحاربة نظام التجنيد الإجباري بصورة واسعة. وفي عام 1957، كانت المملكة المتحدة أول قوة أوروبية تتخلى عن نظام الخدمة الوطنية. وسرعان ما خفض معظم أعضاء حلف شمال الأطلسي الآخرين من أعداد ومدة خدمة التجنيد الإجباري. 
فقد كان لعامل التطور التكنولوجي العسكري، الأثر على تراجع التجنيد الاجباري لدى الدول المتقدمة عسكريا، وتكنولوجيا، فلم تعد الجيوش بحاجة الى عدد كبير من الجنود، كما كان شائعا لدى الجيوش القديمة.
هذا بالإضافة الى كون دراسات كثيرة اثبتت ان الجيوش التي تتكون من جنود متطوعين تكون اكثر كفاءة من الجيوش التي تعتمد على التجنيد الاجباري.
فعمدت دول عديدة إلى خفض عدد قواتها مرجحة كفة الكيف على كفة الكم. ففي عام 1997 مثلا، قرر الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلغاء الخدمة العسكرية الإجبارية.

بدائل للتجنيد الالزامي
مع نزوع الجيوش إلى الاحتراف وفي ظل الطفرات التكنولوجية التي بدَّلت أساليب الحروب وتنظيم الجيوش، ابتكرت بعض الدول آليات بديلة للخدمة العسكرية والتجنيد، منها الخدمة العسكرية الإرادية وهدفها إدماج الشباب -الذين لم يتوفقوا دراسيا- في سلك الجيش لتمكينهم من سلوك مسار مهني يضمن لهم ولوجا سلسا لسوق العمل، ويُمكنهم من اكتساب مهارات مهنية لا تتطلب مستوى معرفيا عاليا.
وتقوم الخدمة العسكرية الإرادية على إجراءِ تدريبٍ عسكري يُقرر بعده المستفيد ما إذا كان يُريد مواصلة مساره في الجيش أم لا. وجُرب هذا النوع من الخدمة أول مرة في فرنسا في جزر الأنتيل عام 1961.
كما ظهرت الخدمة المدنية وهي عمل شبه تطوعي يُنجزه الطالب أو التلميذ عند وصوله مستوى تعليمي معين مع منحه تعويضا شهريا عن العمل المنجز، وتهدف الخدمة المدنية إلى تيسير اندماج الشباب حديثي التخرج في الحياة المهنية.
وعموما ما تزال العديد من الدول تتبنى نظام التجنيد الاجباري، فمن اصل 196 دولة تتبنى هذا النظام 65 دولة بينها 11 دولة عربية.

التجنيد الاجباري في أوربا:
خلال السنوات الأخيرة فقد التجنيد الالزامي الدعم تدريجيا في اوربا، فمنذ بداية القرن الحادي والعشرين، ألغت سبع عشرة دولة في قارة أوروبا التجنيد الإجباري أو قامت بتعليقه. فيما لا تزال ستة بلدان أعضاء في الإتحاد الأوروبي فقط متمسكة بإلزامية الخدمة العسكرية.
يقول تيبور سفيرسيف تراش، الخبير في علم الإجتماع العسكري بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ: "كان في كل بلد من هذه البلدان نقاشها الداخلي بشأن هذه الظاهرة". وما من شك في أنه كان لنهاية حقبة الحرب الباردة تأثير عميق على دور القوات المسلّحة، حيث لم يعد الغرب يُواجه خطرا من الكتلة الشرقية التي كان يتزعّمها الإتحاد السوفياتي سابقا".
وتزامن ذلك مع "ميل عدد متزايد من الذكور لعدم أداء الخدمة العسكرية جملة واحدة"، كما أشار إلى ذلك سفيرسيف تراش، الخبير في علم الإجتماع العسكري.
أما النموذج البديل فيجد جذوره في الفلسفة السياسية التحررية، التي تجعل الحرية الفردية القيمة السياسية الرئيسية في جوهرها، وتبوّؤها مكانة فوق المصلحة الجماعية.
فكانت فرنسا واحدة من أوائل البلدان التي أقدمت على التعليق الرسمي للتجنيد الإلزامي في القرن الحادي والعشرين، ثم التحقت بها إيطاليا سنة 2005، في حين انتظرت ألمانيا حتى عام 2011 قبل أن تبدأ الإعتماد بشكل كامل على قوات مُحترفة.
وفي ألمانيا بات كثير من الرجال يفضلون القيام بخدمة مدنية (مثل العمل في دور المسنين) بدلا عن التدريب العسكري التقليدي. وفي الوقت نفسه، تبين أن هذا التغيير سيؤدي إلى الحد من الإنفاق والتكاليف، فضلا عما ظهر من عدم مساواة بين الشبان الألمان نتيجة للنظام القديم حيث لا يختار الخدمة العسكرية سوى ألماني واحد من بين ثلاثة.
السويد هي الأخرى تخلت عن الخدمة العسكرية الإلزامية في عام 2010. من جانبها، لا تزال الجارة فنلندا، وهي من بين عدد قليل من الدول الأوروبية مثل سويسرا، تفتخر بتمسّكها بنظام التجنيد الإجباري، وبالدور التقليدي للقوات المسلّحة، وهي مسألة تعود جزئيا لأسباب تاريخية.
وفي سنة 2017 قررت حكومة السويد اعادة تطبيق نظام التجنيد العسكري الإجباري لاعتبارات أمنية بعد إيقاف العمل به لسبع سنوات، حيث اشارت المتحدثة باسم وزارة الدفاع السويدية في لقاء تلفزيوني بريطاني الى أن اعادة تطبيق نظام التجنيد الإجبارى يرجع الى حدوث تغييرات على الساحة الأمنية بالدول المجاورة وتتمثل في ضم روسيا لشبه جزيرة القرم واجراء مناورات عسكرية في دول البلطيق والنزاع الدائر بين القوات الحكومية والانفصاليين شرق أوكرانيا.
وفي سويسرانجحت مجموعة من دعاة السلام عام 2012، مدعومة من أحزاب يسار الوسط في جمع التوقيعات اللازمة لفائدة مبادرتهم الرامية إلى إلغاء التجنيد الإجباري وهي تهدف إلى إنشاء جيش من المتطوّعين، والحفاظ على الخدمة المدنية ولكن على أساس طوعي، لكن بسبب أحداث وتطوّرات لم تكن منتظرة، ستظل الأغلبية في سويسرا لصالح أنصار نظام التجنيد في السنوات القادمة.

التجنيد الاجباري في الدول العربية:
كانت قطر الدولة الخليجية الأولى التي طبّقت التجنيد الإلزامي للذكور في العام 2013، وحذت الإمارات العربية المتحدة حذوها في العام 2014، وتلحق بهم دولة الكويت التي اعادت التجنيد الالزامي عام2017.
على النقيض، في فبراير 2018، استبعدت السعودية إمكانية فرض التجنيد الإلزامي للذكور السعوديين، معلِّلاً ذلك بأن التجنيد الطوعي لا يزال يلبّي احتياجات القوات المسلحة السعودي. 
وفي المغرب العربي نجد الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا تتبنى كلها نظام التجنيد الالزامي مع اختلاف في المدد، والشروط، حيث تتراوح فترة التجنيد بين 12 شهرا الى 18 شهرا، وعمدت الجزائر الى تقليص مدة الخدمة العسكرية من 18 شهرا الى 12 شهرا، لتشجيع الشباب على الالتحاق بالخدمة العسكرية، والحد من معضلة الهروب من التجنيد، اذ سجلت الاحصاءات الرسمية، هروب نحو 160 ألف شاب جزائري من الخدمة.
اما  إيران فقد اضطرت الى إقرار نظام اللإعفاء من الخدمة العسكرية الاجبارية مقابل دفع النقود، بالنسبة للذين تخلفوا عن أداء الخدمة، وكذا الإيرانيين المقيمين في الخارج، خاصة وان مليون 500 الف شاب ممن يشملهم التجنيد، لم يراجعوا دوائر التجنيد للالتحاق بالخدمة العسكرية.
مما طرح صعوبات امام ضبط وتجنيد هذا العدد، والكلفة المادية لهذه العملية، خاصة وأن ايران تواجه ازمة اقتصادية خانقة، مما يجعل إقرار الاعفاء من التجنيد وسيلة لتفادي ثقل الضريبة المالية لهذه العملية، وكذا موردا جديدا لضخ الأموال الى خزينة الدولة.

أهداف غير معلنة 
ترى إليونورا أردماغني زميلة بحوث معاوِنة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، ومحلّلة في مؤسسة الكلية الدفاعية التابعة للناتو "ان التجنيد الاجباري يتطوي على مخاطر سياسية محتملة" فهو حسب رايها "تكتيك فاعل لتعزيز الولاء والحس الوطني، وفق ما ظهر في مراحل التوريث الملكي".
فعلى سبيل المثال، أُقِرّ قانون الخدمة الوطنية في قطر فينوفمبر 2013، بعد أشهر قليلة من تسلّم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني سدّة العرش في يونيو.ويتزامن القرار الذي اتخذته السعودية بإفساح المجال أمام النساء للالتحاق بالخدمة العسكرية، مع عمليات عسكرية غير مسبوقة في اليمن، وإعادة تنظيم كاملة للقطاع الأمني، و"السعودة" التدريجية لليد العاملة التي يطبّقها ولي العهد وزير الدفاع محمد بن سلمان.
وفي الكويت، يدعم التجنيد الإلزامي أيضاً الأهداف الاقتصادية الوطنية. فقد وافق مجلس الأمة على إعفاء موظّفي القطاع الخاص من التجنيد الإلزامي، مما يشجّع هذا القرار المواطنين الكويتيين على اختيار العمل في القطاع الخاص، نظراً إلى أن القطاع العام يعاني من التخمة.
في الوقت نفسه، تسعى هذه السياسات إلى التعويض عن الإجراءات غير الشعبية الأخيرة، ومنها خفض الدعم الحكومي وزيادة الضرائب فهذا لا يؤدّي فقط إلى الحد من المعارضة للخفض التدريجي للرعاية الاجتماعية، إنما يتيح أيضاً للحكّام أو أولياء العهد الجدد اعتماد السياسات الخارجية ذات الدوافع العسكرية التي يعوّلون عليها لإظهار أنفسهم في صورة القادة الأقوياء.
إذاً، الدافع الأساسي وراء الإجراءات الهرمية من الأعلى إلى الأسفل لزيادة مشاركة المواطنين في الأنشطة العسكرية، هو الأهداف الاجتماعية والثقافية، مثل تعزيز الشعور القومي، بدلاً من الأغراض محض العسكرية، مثل إنشاء قوة احتياطية.
تعمد الأنظمة الملكية الخليجية تدريجاً إلى إعادة صياغة نموذجها التقليدي للعلاقات المدنية-العسكرية، الذي استند حصراً في السابق إلى أمن النظام والاستراتيجيات المانِعة للانقلابات، في حين أنه كان هناك فصل واضح بين الجنود والمدنيين. وهكذا يؤدّي الجنود الآن، عبر تحريك الهويات الوطنية، دور "المحدِّثين" الذين يبنون علاقات وطيدة بين المجتمع والقوات المسلحة. في هذا الإطار، تعمد دول الخليج بصورة مطردة إلى استخدام التجنيد الإلزامي والتعامل معه كمشروع للهندسة الوطنية من أجل الحصول على الدعم الشعبي الذي تحتاج إليه هذه الدول لتحقيق الانتقال إلى نماذج ما بعد المنظومة الريعية، في خضم أجواء إقليمية متشنّجة.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :