ifada إفادة

ifada إفادة


الثقافة وأزمة الوعي

الخميس 26 يوليو 2018 - 11:08 , افادة
الثقافة وأزمة الوعي

غزلان عتقاوي



بعد رحلة طويلة  لمختلف مناهل  المعرفة، ومع  ما يوجد في الواقع  العربي من اختلالات،بدأت تطرح  في الآونة الأخيرة أسئلة جد راهنية عن الثقافة، وما يحكم بنية الفكر الثقافي العربي، وهو يقودنا مباشرة إلى طرح جملة من التساؤلات المرتبطة بفعل الثقافة وتشكلات داخل الوعي الجمعي، هل  الثقافة خاصة  بالنخبة  أم بالعامة؟ وهل الثقافة  تكتسب من خلال فعل  القراءة أم من خلال فعل آخر؟ وكيف يتشكل الوعي  الثقافي؟ وما هي اختلالاته؟
إن إشكال الثقافة  يطرح نفسه في الساحة  الأدبية ، على أنه أسمى  ما يمكن  أن يقدمه الأدب للمنظومة  البشرية ، ويرقى بها في أفق النور المعرفي ويسبح بها في أنهار البحث العلمي.و لعل أغلب  من يدخل حقل الثقافة  يكون من عامة الناس، ما جعل الثقافة  تخص نخبة معينة  هو ارتباطها  بمقام فكري مشترك تتفق عليه جماعة معينة ،وتعبر عنه في إبداعاتها وكتاباتها ، إلا أنه لابد لنا من التميز بين نوعين من المثقفين:
المثقف المستهلك: وهو مرتبط بفعل القراءة، ولما لهذا الفعل من دور في تنمية  الفكر الإنساني وبناء مداركه المعرفية، وتشغيل ذهنه، ونخص هذه الفئة بالعامة ، فمجمل الناس يقرؤون،  إلا أن فعل القراءة لديهم  بدون رد فعل ، إذ يمكن أن نسمي هذه الفئة  ( بالفئة المثقفة العاشقة ) وتمثل القراءة بالنسبة لها متعة،وبخاصة عندما تقترن بنوع معين من المؤلفات  كالروايات والقصص... التي تحاول نقل الواقع بمكانزمات تخيلية تسافر بالقارئ إلى ابعد حدود.
المثقف المنتج: هذا المثقف ينبع  من المثقف المستهلك  الذي له دور تأسيسي  في بناء الإدراك المعرفي ، إلا أنه لا يقتصر  على القراءة  العاشقة  بل هو قائم  على القراءة الواعية والمتخصصة ،فهو يقرأ عن وعي ويكتب عن وعي.ولا ينطلق من فراغ للإشباع فضول معرفي ، ففعل القراءة لديه يمتد إلى  تقصي وتحري  الحقائق للاستقرائها واستنباطها  من اجل  إيجاد الحلول وتحديد المشاكل والأزمات الفكرية . فهذا النوع من المثقف نجده في صنف  النقاد والمبدعين ،باعتبارهم قراء  ومنتجين أيضا لفعل  القراءة  من خلال كتاباتهم.
من هنا يتضح أن فعل القراءة له دور تأسيسي  في بناء  المثقف عامة  والمثقف العربي على وجه الخصوص، إلا أن فعل القراءة ليس كافيا، فالمثقف العربي لا وجود له  ضمن هذه المنظومات  الكونية  التي تحدد هويته العربية  ووجوده الثقافي  في إبراز ما يمتاز به من  خصوصية  عن غيره  في العالم، فكان  لابد من وجود فعل آخر، يثبت  هذه الثقافة  ويساعد في مد جسورها لتتواصل  عبر الحضارات، وتنتج  نصا يضم خطابا عربيا  متميزا بدينه ومجتمعه وعاداته وتقاليده.. إذ لولا  عملية الكتابة  لما عرفت الحضارة العربية، ما يجعلنا نحسم في أمر تفعيل الثقافة، والقول إن بناءها قائم  على فعل أولي هو القراءة، وفعل ثاني هو الكتابة على اعتبار أن كل فعل منهما امتداد للآخر.
لعل أهم  ما يشكل  الوعي  الإنساني  هو ثقافته حول مجموعة من القضايا، سواء أ كانت دينية واجتماعية أو سياسية أو ثقافية ... فالوعي له دور جوهري  في الحياة، يجعل من الإنسان قادرا على التميز بين ضرورياتها ومكاملاتها، وقادرا على تبني أفكار وآراء معينة، كما أنه يميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية، سواء على مستوى الأفكار أو السلوك، فهو ينبع من إدراك حسي حول ظواهر الحياة. وأبرز ما يشكل الوعي هو المحصول الثقافي المرتبط بفعلي القراءة والكتابة، مايؤشر على أن هذا  فعل الإدراكي مكتسب من كل ما استقطبه العقل البشري  وما استقبله من معرفة.
ويرتبط الوعي بمجموعة من الميكانزمات التي تحدده، إلا أن  تحدياته عند المثقف العربي تطرح إشكالات لا بد من تداركها  واستقرائها  لمعرفة  علتها ،فهل الوعي العربي يعاني من أزمة في التلقي و التبني المدارك المعرفية؟ أم أنه يواجه إشكال تطبيق هذه المعارف في الواقع؟
إن تكوين المثقف العربي متعدد المناهل التي يمتح منها  مجموعة من القضايا والمذاهب ، ما يجعل من ثقافته تتسم بالموسوعية والشمولية في ضل الانتشار المعرفي  الذي يشهده العالم اليوم.
ما يحثنا إلى النظر في  المثقف العربي المتأثر بالفكر الفلسفي الغربي ، وبخاصة المتعلق بالمذهب العقلاني (الديكارتي و كانظي) ولما لهما من ارتباط وثيق بأفكار الفلسفة الأخلاقية. وبالنظر إلى هذه الاديولوجيات المعرفية المتعددة ، تتشكل تحديات  المثقف العربي  الذي يستقبل  هذه الأفكار و الاديولوجيات  بكل ثقلها الأنطولوجي وبكل عوائقها الابستمولوجية، ليبقى السؤال هل المثقف العربي يعي هذه الأفكار؟ وهل يدركها فعلا ليطبقها؟
فلا ننسى أن هذه الأفكار ولدت في زمن معين وفي حقبة مناهضة للتيارات  السياسية والاجتماعية ،عبرت عن ما جال  في أوربا ،بكل ما يحمله  سياقها الفكري آنذاك، سواء تعلق الأمر بمواضيعها  الدينية أو السياسية أو الاجتماعية...، فكل هذه المؤشرات  المقامية  و الانتمائية  تشكل عائقا أمام التبني الفعلي لهذه الاديولوجيات المعرفية  الغربية من طرف المثقف العربي، لأنه يجد نفسه بعيدا عن تكويناتها الفكرية وطموحاتها الإجرائية . 
لاشك في أن ما يتفق حوله هو أن المثقف العربي دؤوب في التعرف على الثقافات الأخرى ،وعلى قضايا ومعارف كثيرة، إلا أن أهميتها لاتتجسد في قرائتها وتبنيها،  وإنما في تطبيقها وأجرأتها على ارض الواقع . ليبقى الإشكال الذي يطرح نفسه في هل وعي المثقف العربي يعاني من أزمة في التفعيل والتطبيق؟
يمكن أن نسلم  ونقول إن الوعي العربي يعاني من أزمة في التطبيق وتفعيل الافكار والاديولوجيات المستقطبة من الظفة الغربية غير المنسجمة مع واقعه،  وذلك على سبيل المثال  عندما نستنبط من الفلسفة الاخلاقية فكرة ، تتحدث عن المرأة وتعتبرها كائن طبيعي  مثله مثل الرجل، ويجب أن تتساوى معه في الحقوق والواجبات ، مادمت هذه المرأةإنسان ،فهي كائن أخلاقي يتوجب معاملته بالمثل. إذ نجد هذه النظرية حاضرة عند  الثقافة الغربية  وقابلة لتطبيق، لكن عند المنظومة الثقافية  العربية هي بعيدة كل البعد عن الواقع الذي يعيشه بالرغم من تبنيها ، لاسيما  منجهةمقاربة النوع فالرجل هنا يمثل الذكر والمرأة تمثل الأنثى، ففي ابسط الحقوق  المثارة بين الجنس، وبخاصة الحق في الإرث، يحدد شرع لكل جنس منها حقه كما ذكر في الآية 11من سورة النساء "يوصيكم الله في أولاذكم ، للذكر مثل حظ الاثنين.."
من خلال هذا المثال البسيط يتضح أن الوعي الثقافي العربي، يعاني من أزمة وأهمها"أزمة الوعي بالانتماء"، سواء أكان هذا الانتماء جغرافيا أو اجتماعيا... فكل هذه المحددات  الانتمائية ، تصنف في خانة  اللاوعي الجمعي  العربي(جون لكان) ، بالنسبة للفكر المتبني الغربي ، وتشكل عائقا أمام تحققه  الفعلي ، في ضل المفارقات الحتمية التي يعاني منها الواقع العربي. 
في ضوء هذه التحديات، يعاني المثقف العربي  من حالة استلاب  وجودية، تجعله يعيش انفصال داخلي بين مايتبناه فكره  وما يعيشه واقعه، ليظل وعيه الثقافي منعزلا عن واقعه في غربة وجودية لا منتهى لها، تتنازع فيها مبادئه مع انتماءاته.


باحثة مغربية


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

هند

الخميس 10 أكتوبر 2019 - 20:48

مقال جميل أثار إشكال الثقافة العربية. كل التوفيق

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :