ifada إفادة

ifada إفادة


فيلم "الفراشة" لحميد باسكيط: بداية التدليل وآفاق إنتاج المعنى

الأربعاء 04 أبريل 2018 - 21:32 , افادة
فيلم حميد باسكيط
إن الفيلم غني بما يمكنه أن يشكل منطلقا نحو التدليل والتأويل ورسم أبعاد سيميائية لا تقف عند حالات تعيينية وترسم آفاقا في البوح والإيديولوجيا...

 بقلم: محمد سلامي

وجهنا المخرج حميد باسكيط وطاقمه أمام خطابه السينمائي" الفراشة" بوصفه وجهة نظر أراد أن يشاركها مع جمهور السينما، على اختلاف درجات التلقي فيه، وبذلك خلق فينا كمتلقين هاجس التساؤل عن المعنى من خلال الصورة والصوت في انضباط  لقواعد السينما وما تستدعيه من تطويع فني وجمالي يساير تحديات العصر وتطلعات الجمهور، حيث وضع حميد باسكيط المتلقي أمام خطاب سينماتوغرافي يمكن استيعاب مضامينه من خلال ممكنات التأويل الذي يتخد من الثقافة الجمعية والتجارب الحياتية مرجعا أساسيا، وبذلك وسع من دائرة المدلولات الصريحة والضمنية والحث على طلب المعنى وإعمال النظر في مختلف العلامات ( الأيقونية، التشكيلية، اللغوية) التي استطاع الفيلم أن يرصدها أو أن يشير إليها رغبة من المخرج في تفعيل الطاقات العقلية للمتلقي وجعله مشاركا فاعلا في عمليات توليد المعنى ومطاردته.
لقد وجدنا أنفسنا أمام خطاب فني ثائر في وجه الطبيعة متحديا إياها عبر تجربة السينما التي لا تدعي استنساخا واقعيا محضا، بقدر ما تحث على بذل الجهد نحو تعديله ومعالجة كل ما من شأنه أن يؤسس لوقائع مرفوضة، ولذلك فقد حاولت كاميرا الفيلم أن توجه عيوننا صوب علامات دالة من بداية الفيلم إلى نهايته، فكانت "الفراشة" ذلك المفتاح الذي انطلقت منه نحو رصد باقي رموز الفيلم وعلاماته، وذلك بما يحمله العنوان من دلالات إيحائية سابقة عن توظيفه في هذا المتن الفلمي وضاربة في أعماق الثقافة الجماعية، عنذئد نكون أمام خطاب فلمي ذي نسق سردي مركب ومتكامل، يقوم على قضية كبرى (جريمة القتل) وما واكبها من تحقيقات بوليسية من بداية الفليم إلى نهايته، تتخللها بشكل متناسق ومتساوق قضايا فرعية من حيث السرد الفيلمي لكنها تؤثث فضاءاته من حيث الأهمية القصوى التي استدعت إلى تركيبها وسبكها سينمائيا، حيث لامست جوانب اجتماعية ونفسية تم تشخيصها بدقة واحترافية فشكلت أسبابا رئيسة في طرح القضية الكبرى،( الحب في مقابل الكراهية، الوعي في مقابل الجهل،الصمت المتكرر ونتائجه، البيدوفيليا، الثقة في مقابل الغيرة، التيه في ظل غياب الرعاية، الانحراف كوسيلة للخلاص، الأزمات النفسية، مشاكل التطبيب النفسي وإكرهات العمل فيه، الموت المادي في مقابل الموت المعنوي، غياب الهوية وإعلان الموت، الأبوة بين الحقيقة والزيف...) 
تلك فقط بعض القضايا الجوهرية التي حاول الفيلم أن يخاطبنا بها عبر ثنائية الصورة والصوت، والتي حاولت عرضها من خلال تتبع أولي، دون الخوض في مستوياتها الدلالية ضمن ممكنات التأويل، ودون الدخول _ في هذا المقال_ في تحليل سيميائي يروم اللغة السينمائية ومختلف علامات الخطاب الفيلمي مرجئا ذلك إلى حينه، وهي طريقة أخرى للقول: إننا في هذه الأسطر القليلة سنكتفي بوضع القارئ والمهتم أمام خطاب سينمائي بذل فيه مجهود كبير ولاقى استحسانا من لدن الجمهور المثقف سينمائيا، بالمهرجان الوطني للفيلم بطنجة في دورته19...!!! 
إن الفيلم غني بما يمكنه أن يشكل منطلقا نحو التدليل والتأويل ورسم أبعاد سيميائية لا تقف عند حالات تعيينية وترسم آفاقا في البوح والإيديولوجيا...
وعليه، سيشكل فيلم "الفراشة" لحميد باسكيط منطلقا وبداية لرسم معاني جديدة والبحث في سبل ذلك، لأن كل مكونات الخطاب البصري حاضرة بشكل احترافي من خلال عمليات انتقاء منسجمة مع السرد الفيلمي، فهوية المتن الفيلمي كنسق مركب لا تتأتى عبثا، ولا يمكنها إلا أن تكون منضبطة لمنطق انتقائي قصدي لا وجود للبراءة في مختلف علاماته، إنها بذلك ترسم آفاقا نحو القراءة والتدليل والإيديولوجيا عبر انتقاءات يفرزها التأويل في بعده السيميلئي الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وساوقها من حيث المبنى والوظيفة التعبيرية التي تتجاوز الزمن الفيلمي وتخرقه، لأن الذاكرة بوصفها موجها ومرجعا وحاضنا لكل السياقات تحتمل كل الأزمنة، إننا أمام هذا الخطاب الفيلمي_ كما كل الخطابات الإبداعية_ نقرأ سياقات ثقافية عبر إعطاء عمليات التدليل كل ما من شأنه أن يعيد مختلف الحالات الهاربة من المتن الفيلمي بشكل من الأشكال، وهو بذلك يدعو كل القراء إلى  توليد خطابات جديدة تتجاوز حدود الوصف إلى آفاق أكثر بوحا وإيحاء مصدرها الثقافة الحاضنة للمعنى،" إن النص يحيا بقرائه لا بمخزونه الدلالي، فالتلقي ليس استقبالا موجها من خارج إلى داخل، بل "إحالة متبادلة" تتحدد القراءة ضمنها باعتبارها " فهما" مزدوجا، إنها محاولة للتعرف على مضمون النص أولا، ورغبة في العودة إلى دواخل القارئ ثانيا: فأن تعرف الآخر معناه أن تعرف نفسك في المقام الأول"(سعيد بنكراد، بين اللفظ والصورة تعددية الحقائق وفرجة الممكن، ط 1،2017،ص: 10) 
إن المسألة في الأول وفي الأخير لا تعدو أن تكون سوى وجهة نظر تبدع عند الإنتاج وتحث على الإبداع عند عمليات التلقي، لأن خطاب " الفراشة" يظل مفتوحا ويأبى الفراغ وهو مشروع غير مكتمل، ولن يكتمل وبهذا تكمن المتعة الجمالية التي راهن عليها الخطاب السينمائي حيث التعدد في القراءات بتعدد القراء والنسبية في الحقائق ضمن ممكنات التأويل...
هنيئا للمخرج المبدع حميد باسكيط ولطاقمه الفني والتقني بهذا الإنجاز الفني الرائد الذي سيشكل نقلة نوعية في منتوج السينما المغربية ويرقى بها للتنافس الخارجي، وهي دعوة أمام كل المبدعين المغاربة لبذل الجهود أمام تحديات المرحلة وتسخير كل الجهود خدمة للسينما واحتراما لجمهورها...


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة