ifada إفادة

ifada إفادة


التاريخ المنسي للمخيمات الصيفية بالمغرب

الأربعاء 06 ديسمبر 2017 - 13:35 , افادة
التاريخ المنسي للمخيمات الصيفية بالمغرب التاريخ المنسي للمخيمات الصيفية بالمغرب
إسماعيل بوهاشم

منذ عدة عقود والسياسات العمومية الرامية إلى تكوين وتربية النشء، وبناء شخصيتهم، تسطر برامجها المتتالية، وتستعجل إصلاحات تليها إصلاحات، وتصب اهتمامها حول المدرسة المغربية، تَهدِف بذلك إلى تأهيلها، لتقوم بدورها كفاعل أساسي في التربية. في حين أن واقع الحال يُبين أن الطفل يقضي ما يقارب 160 يوم عطلة في السنة خارج أسوار المدرسة، عُطل تتراوح بين مدرسية وصيفية وعطل نهاية الأسبوع.
ومع توالي الأحداث المؤلمة لعلاقة التلميذ بالأستاذ، الناتجة عن أزمة القيم في المجتمع المغربي، نجد أن المؤسستين "المدرسية والأسرية" تتقاذفان التهم حول تربية الأطفال، وكأن التربية تنحصر بين هاتين المؤسستين فقط. في حين أن منابع التربية أشمل من ذلك بكثير، يميز أوسي (1989) بيزي (2010) وبورد (2012) بين ثلاث مستويات للتربية: ويتعلق الأمر بالتربية النظامية، التربية غير النظامية والتربية اللانظامية، فإذا كانت الأولى تنظم داخل الحجرات المدرسية وتركز على التعليم وتحصيل الشواهد، فالتربية اللانظامية تمرر للطفل داخل الأسرة وبين الأقران في الحياة اليومية. وبين هاته وتلك، توجد التربية غير النظامية التي لا تهدف إلى تحصيل الشواهد وليست إجبارية، ولكنها تنبني على الرغبة والتطوع. يضيف أوسي (2005) أن من بين المؤسسات التي تساهم في التربية غير النظامية نجد المخيمات العطل المدرسية التي تتأسس على ما يسميه " التعايش معا " (le vivre ensemble)، إذ أنها تمثل مجتمعا مصغرا ذو قواعد مشتركة، تمكن الطفل من تكوين شخصية مبنية على الاعتماد على النفس في ظل قبول الآخر، واحترام القانون الذي تسوغه غالبا المجموعة نفسها.
يجرنا الحديث إلى النبش في تاريخ المخيمات الصيفية بالمغرب، ونفض الغبار على مؤسسة تربوية لا زالت لم تقم بدورها الأكمل داخل الحقل التربوي لعدة أسباب سنتطرق لها في مقالات لاحقة. مؤسسة لم تعطها الأهمية التي تستحقها على مستوى البحث العلمي ولا على مستوى الميزانية السنوية التي ترصد لها مقارنة بدورها الذي يمكن أن يشكل حصان طروادة للمساهمة في ترسيخ قيم الاحترام والتعايش والمواطنة.
نادرة هي البحوث العلمية التي تضع مؤسسة المخيمات الصيفية بالمغرب تحت مجهر البحث. ويبقى المرجع المغربي الوحيد والأوحد هو كتاب "مسارات التخييم بالمغرب" لكاتبة محمد القرطيطي (2014) الرئيس الحالي للجامعة الوطنية للتخييم الذي وهب حياته لهذا القطاع. ويُقر صاحب الكتاب أن المعلومات حول نشأة المخيمات بالمغرب شحيحة ناتجة عن غياب الدراسات والبحوث الميدانية التي لم تواكب المرحلة. حاول القرطيطي (2014) إعادة بناء تصور تركيبي معتمدا على ما عاشه أو وقف على آثاره. وخَلُص إلى أن المغرب لم يعرف "قبل الأربعينيات تنظيم نشاط يوازي المخيمات، أو يتقارب مع المفهوم السائد الآن" (القرطيطي، 2014، ص. 49) يضيف الكاتب أن "في بداية 1940 بدأ التفكير داخل أوساط الفرنسيين ... في إحداث مخيمات على معسكرات الجيش أو على أنقاضها، في محاولة لتنظيم أجواء مناسبة لاستقبال الأطفال لأسر الجيش أو المتعاونين معهم" (نفس المرجع، صص. 49-50) ويرجح أيضا أن نشأة المخيمات بالمغرب بدأت بالأطلس، وكانت لها دوافع سياسية تتمثل في إبعاد الأطفال عن أجواء الحرب، ومرامي اجتماعية تقتصر على الهدوء والراحة، ويختم الكاتب بذكر الدوافع الدينية التي سطرتها الكنيسة لاحتضان الأطفال والشباب الفقراء. نستخلص من قراءتنا لكتاب السيد محمد القرطيطي أنه حَاور تاريخ المخيمات بالمغرب عبر ذاكرته ومعلومات يتداولها معظم الساهرين على قطاع التخييم، بذلك أَقَر الكاتب أن ما سطره عبارة عن أفكار لم يعتبرها نهائية بل أرضية للبحث والاجتهاد.
من باب الاجتهاد وحب ميدان التخييم، النابع من خلال مشاركاتنا في كل مراحل التداريب والتكوينات التي تشرف عليها الوزارة الوصية، حيث كانت البداية مع التدريب التحضيري ثم المديرين وصولا إلى تكوين المكونين. ومن باب الاعتراف بالجميل، نشكر منظمة الطلائع-أطفال المغرب التي يسرت لنا السبل لتمثيلها في جل التكوينات السالفة الذكر.
سنوات مضت سقتنا فيها المخيمات حب الوطن واحترام الآخر ونكران الذات. الشيء الذي دفعنا إلى البحث في مواضيع تتطرق للمخيمات الصيفية بالمغرب بالمكتبات الجامعية الفرنسية، فوجدنا عدة أبحاث فرنسية تستشهد بتجربة مخيمات مغربية قادها مديرون فرنسيون في الأطلس خصوصا بمدينة أزرو، والتي كانت تعتمد بيداغوجيا فريني (أوسي، 1989)، كما تطرق كتاب «A la découverte du Maroc» لسرد أطوار مراحل مخيم كشفي بالأطلس بقيادة مدير من أصل فرنسي خلال أربعينيات القرن الماضي.
استنادا على المستوى المتقدم للمخيمات بالمغرب خلال أربعينيات القرن ماضي، وفي ظل غياب مراجع علمية بالمغرب يستند عليها تأريخ أول مخيم بالمغرب نطرح التساؤل حول البدايات الأولى لنشاط التخييم بالمغرب، لأنه من غير المعقول أن نعتبر نحن كمتتبعين وممارسين لنشاط التخييم بالمغرب أن المخيمات رأت النور في الأربعينيات، في حين أن كُتابا فرنسيين يستشهدون بالتجربة الرائدة للمخيمات المغربية خلال تلك الفترة. فالمستوى البيداغوجي الذي وصلت إليه المخيمات بالمغرب بحر العقد الرابع من القرن الماضي، يدفعنا إلى وضع فرضية مفادها أن المخيمات الصيفية بالمغرب يعود أصلها إلى ما قبل العشرينيات.
سنحت لنا فرصة تواجدنا بفرنسا للقيام ببحث حول تاريخ المخيمات الصيفية بالمغرب، وكان لابد من العودة إلى أرشيفات الوثائق التي تعود إلى النصف الأول من القرن الماضي. فتنقلنا بين ثلاث مدن فرنسية وهي باريس ونونت وإكس بوفونس. فأرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية بباريس مكننا من العودة إلى تقارير المؤتمرات الوطنية للمخيمات التي تقام بفرنسا أو في البلدان التي كانت تابعة لها أو تحت حمايتها، كما وجدنا بعض الجرائد التي كانت تُنشر في النصف الأول من القرن العشرين والتي كانت تقوم بتغطية الأنشطة الجمعوية خلال هذه الفترة. وبمدينة نونت ولجنا المؤسسة الخاصة بالأرشيفات الوطنية لما وراء البحار (Archives nationales d’outre-mer)، التي تحتوي جل أرشيفات المقيم العام الفرنسي الذي كان يتواجد بالمغرب خلال فترة الحماية، الشيء الذي مكننا من الحصول على تقارير المجلس الحكومي آنذاك، والتي ناقشت ميزانية مصلحة الشبيبة والرياضة المغربية. وفي مدينة إكس برفونس نجد الأرشيفات الوطنية لما راء البحار (Archives nationales d’outre-mer) الذي يحتوي على بعض المراسلات الإدارية الخاصة بالمخيمات الصيفية بالمغرب وإن كان جل أرشيف هذه المؤسسة خاص بالجزائر. في هذا الأسطر سنحاول سبر أغوار تاريخ المخيمات الصيفية بالمغرب معتمدين في ذلك على الوثائق التي تم الاطلاع عليها في أرشيفات المؤسسات السالفة الذكر.
في سنة 1918 بعد ست سنوات من تواجد فرنسا بالمغرب، وفي ظل الوضعية المزرية للطفولة بالمغرب آنذاك، كان الشغل الشاغل الذي يهم الجميع هو الاهتمام بصحة الطفل عبر أنشطة الهواء الطلق. لذلك مجموعة من المنظمات الفرنسية قامت بإرساء فروع لها بالمغرب، من بينها " L’Œuvre des jeudis en plein air" التي نظمت خرجات صِحية وتعليمية أيام العطل لفائدة أطفال العمال، الذين كانوا يقطنون الأكواخ. وكذا العصبة المغربية للوقاية المدرسية، التي تأسست سنة 1921 مستفيدة من دعم العصبة الفرنسية للوقاية المدرسية. اتحاد والتحام مختلف القوى الجمعوية التي تأسست من أجل حماية الطفل، أشرفت عليه السيدة حرم المقيم العام مارشال اليوطي، التي تقلدت الرئاسة الشرفية لاتحاد سيدات فرنسا التابع للهلال الأحمر الفرنسي.
إذا كان أول مخيم في العالم يعود إلى سنة 1876 تحت إشراف السيد ويليام بيون بسويسرا، وأول مخيم جماعي علماني بفرنسا بمفهومه الحالي من تنظيم إدمون كوتينا سنة 1883، فإن أول مخيم بالمغرب، رأى النور صيف سنة 1918، من تنظيم اتحاد نساء فرنسا تحت إشراف السيدة حرم المقيم العام مارشال اليوطي.
كانت البداية بمخيمي فدا الله ومازاكان حيث شارك 49 طفلا بمخيم فدا الله و40 طفلا بمخيم مازاكان. تنظيم المخيمات بالمغرب آنذاك كان شبيها بمثيلتها الفرنسية، حيث كان يستهدف الذكور المتراوح أعمارهم بين 4 و12 سنة والإناث المتراوحة أعمارهم بين 4 و13 سنة، والبلديات هي التي تقوم باختيار أطفال العائلات الفقيرة أو المحدودة الدخل، كما أن المعلمون بالمدارس يقترحون لائحة للتلاميذ المعوزين، والذين يتم فحصهم من طرف الطبيب المراقب للمدارس المحلية، لإبعاد الأطفال الذين يشتكون من الأمراض. فيتم نقل الأطفال في القطار أو السيارات من منازلهم إلى المخيم، الذي ينظم بالمؤسسات التعليمية خلال العطل المدرسية بعد تطهيرها وتهويتها وطلاء الجدران بالجير، أو يتم تنظيمها في منازل خشبية تستعار من الجيش أو المصالح العمومية. أما الأسِرة فتوفرها مصالح الصحة والجيش.
المخيمات الأولى التي نظمت سنتي 1918 و1919 كانت تحتوي على قاعة الأكل، بها طاولات كبيرة تكفي لما بين عشر وعشرين طفلا، الصحون مشتركة، ولكن الكؤوس الحديدية والأغطية كانت مرقمة وخاصة بكل طفل، كما كانت هناك صناديق خشبية لوضع الأغراض الشخصية لكل طفل. المنظمون للمخيم يقدمون للأطفال عند وصولهم فوطة وعدة ملابس، منها ما يلبس خلال اليوم وأخرى خاصة بالليل. تأطير الأطفال يكون من طرف المعلمات والمعلمين. أما فيما يخص الخدمات الأخرى والتغذية التي تتشكل من أربع وجبات يومية، فيسهر على إعدادها وتقديمها نساء هن أنفسهن العاملات في المدارس والثانويات خلال الموسم الدراسي.
كانت النتائج جد مرضية، وتوالت التجربة في السنوات الموالية، حيث تضاعف العدد ليصل إلى 217 طفل سنة 1921. لإنجاح مراحل التخييم ماديا ومعنويا، تم تشكيل لجنة مكونة من رجال الأعمال والإدارة، هذه اللجن كانت لها علاقة جيدة مع رجال التعليم الساهرين على المخيم، وكانت تتنوع الأنشطة الصباحية بين دروس في السباحة والألعاب الرياضية الشاطئية، كما كان يتم نصب خيمتين كبيرتين على الشاطئ، الأولى للذكور والثانية للإناث، يتم فيهما لبس الملابس بعد السباحة أو الاستراحة تحت ظلالها.
تشير التقارير إلى أنه تم عقد شراكة بين المخيمات والمركز الجهوي للتربية البدنية، يقوم على أساسها المدربون التابعون لهذا المركز بتنظيم وتأطير ألعاب تناسب سن الأطفال. بعد فترة القيلولة، تقام الأنشطة الشاطئية مرة أخرى حتى غروب الشمس. ويتم استغلال فترة الراحة تحت الخيمة بالشاطئ وفي المساء أيضا بمطالبة الأطفال بالقراءة الحرة من أجل التعلم، ومن باب تنويع الأنشطة تتم برمجة أفلام سينمائية، حصص الأناشيد وتقديم المسرحيات خلال الحصص الترفيهية. كما تتم دعوة الأطفال خلال حفلات ومراسيم استقبال رؤساء الدول والمسؤولين.
تؤكد جل التقارير أن البدايات الأولى للمخيم مكنت الأطفال من تطوير ملكاتهم الخيالية وحبهم للتقاليد وثقافة أجدادهم. كما أن الحياة اليومية أنستهم البعد عن الأسرة، وخلقت التعاون والتفاهم بين الأطفال بشكل تلقائي، كما أن الألعاب الجماعية (الجري، القفز، رمي الجلة، تعلم السباحة) مكنت الأطفال من التعايش الاجتماعي والثقة في النفس والتهذيب عبر محاكات الأقران.
على المستوى البدني، التقارير تضيف أن النتائج كانت جد مرضية، حيث أن الأطفال الذين كانوا يعانون من بعض المشاكل الصحية كالوهن العضلي وبعض الأمراض العصبية المُلاحظة في البداية لم تسجل في نهاية مراحل التخييم، التي كانت تمتد لمدة ستة أسابيع. كما تم تسجيل ارتفاع على مستوى الوزن والطول ومحيط الصدر في نهاية المرحلة مقارنة بالمعطيات التي تم تسجيلها في البداية، خصوصا عند الإناث. ويسهر الطبيب مراقب المخيم بملء استمارة صحية للطفل تدون فيها الحالة الفيزيولوجية للطفل في بداية ونهاية المخيم. ويتم إرسال الاستمارة للأسرة لتطلع عليها، والتي تتأكد من النتائج المحصل عليها، عندما يلتحق أطفالهم بالمدرسة، حيث أن الطبيب الذي يتولى مراقبة التلاميذ بالمدرسة يسجل أن الوزن ازداد بكيلوغرامين والطول بثلاثة سنتمترات. الشيء الذي ساهم في إعطاء صورة جيدة لنشاط التخييم في بداياته.
التقارير أوضحت أن هناك حالات لم تستطع الاستفادة من أجواء المخيم ولم تواكب إيقاع الأنشطة، ويرجع السبب إلى الحالة الفيزيولوجية الجد متردية لبعض الأطفال والناتجة عن سوء التغذية والمستوى المتدني للرعاية الصحية داخل الأسر. وتوضح التقارير أن هذه الحالات كانت تتطلب توفر برنامج تربوي وعلاجي فردي. مما تطلب عدم قبول مثل هذه الحالات أثناء تسجيل الأطفال للمشاركة في المخيم السنوات الموالية. إلا أنه تم وضع برنامج خاص بهم، وذلك بإرسالهم للاستقرار مدة معينة عند عائلات عمال أجانب من أجل حمايتهم من تأثير الفقر وسوء العناية.
الميزانية الإجمالية للمخيمات كانت تُجمع من المساعدات والهبات وما يتم جمعه خلال الأعياد الخيرية، بالإضافة إلى مساعدات البلديات التي كانت ترسل الأطفال، كما أن البلديات التي كانت تستقبل الأطفال بمنطقتها الجغرافية تساهم هي أيضا في مصاريف المخيمات. فبعض المسؤولين والأعيان يقدمون للمخيم المنظم في مناطقهم الأكباش، البيض والكسكس. كما أن مديرية الميناء بمخيم فدا الله تكلفت بكل مستلزمات المطبخ وقاعاتي الأكل والنوم، كما أنها قدمت للمخيم الكاربون. الجدير بالذكر أن تكلفة المخيم سنة 1918 تقدر بمائتي فرنك لكل طفل لمدة ستة أسابيع، وفي سنة 1919 كانت تقدر ب 114,05 فرنك، وب 208,25 فرنك في سنة 1920، في حين أن تكلفة المخيم سنة 1921 قدرت بي 205,25 فرنك لكل طفل، فكانت التكلفة الإجمالية خلال سنة 1921 التي وصل فيها عدد المستفيدين إلى 217 طفل هي 45000 فرنك (فرنسي) التي تم جمعها من الإحسان العمومي. تضيف التقارير أن هذه المبالغ جد مهمة، ولكن لم يتم انتقادها ولا التأسف عليها لنتائجها المرضية المنجزة على المستوى البدني والأخلاقي للمئات من التلاميذ.
النتائج المرضية دفعت القائمين على تنظيم المخيمات إلى الزيادة في العرض. فإذا كانت البداية ب 89 طفل في مخيمي فدا الله ومازاكان سنة 1918، فقد وصل عدد الأطفال في المخيمين إلى 160 طفل سنة 1920. وفي سنة 1921، تم فتح مخيم ثالث بسلا بمواصفات مخيم سان جرمان بفرنسا، حيث شارك فيه 80 طفلا أعمارهم تتراوح بين 10 و16 سنة. حسب التقارير المتوفر عليها، فمرحلة التخييم بسلا كانت تهدف إلى اكتساب الأطفال القوة والشجاعة. وهي تجربة كانت نتيجة تعاون وتفاهم بين المديرية العامة للمعارف ومديرية التربية البدنية.
سنة 1922، أوضح الدكتور فالطون ممثل جمعية اتحاد نساء فرنسا، أن السيدة حرم المقيم العام مرشال اليوطي لها رؤية استشرافية حول تنظيم "مخيمات جبلية سيتم برمجتها في مناطق مظللة بأشجار الأرز بالأطلس والتي سيتم تحديد مكانها لاحقا تم تأهيلها" (فالطون، 1922، ص. 108)
كل التقارير الرسمية تؤكد أن نشاط التخييم عرف انتعاشا منقطع النظير منتصف عشرينيات القرن الماضي وبداية الثلاثينيات، حيث نجد تقرير المجلس الحكومي الخاص بالمقيم العام بالمغرب (1945) يشير إلى أن جمعية الإحسان بوجدة كانت تنظم مخيما بتافوغالت منذ سنة 1927، الذي كان يتوفر على بنايات وأجهزة وأغطية وأواني متنوعة. وتقرير نفس المجلس (1947) يؤكد فتح مخيم بسيدي فارس بمراكش بين سنتي 1927 و1925، كان المخيم يستهدف 200 طفل ينتمون إلى أسر فقيرة، وكانت المرحلة التخييمية تمتد لشهرين خلال العطلة الصيفية. ويشير تقرير الهلال الأحمر الفرنسي حول الأنشطة الجمعوية بالمغرب أنه منذ منتصف عشرينيات القرن الماضي، كان مخيم المهدية بمدينة القنيطرة (التي سميت سنة 1932 مدينة ميناء اليوطي) يستقبل الأطفال. توالت المخيمات في النصف الثاني من عشرينيات القرن الماضي مع جمعيات الإحسان التي كانت فروعها تتواجد بمناطق عدة بالمغرب.
تعددت المخيمات لتصل إلى القطاع الخاص في بداية الثلاثينيات، وعلى سبيل المثال ففي سنة 1931 قامت جمعية الإحسان بفاس بتنظيم مخيم بإفران بالقرب من فندق باليما. وفي نفس السنة الشركة الوطنية للسكك الحديدية نظمت مخيم تحت الخيام، وبالقرب منها مخيم المديرية العامة للمعارف (وزارة التربية الوطنية سابقا) في بنايات متواجدة فوق تلة، وعلى اليمين المخيمين السالفي الذكر يتواجد مخيم المكتب الوطني الشريف للفسفاط.
على غرار مراحل تطور ونشأت المخيمات الصيفية في عدة دول، فالبدايات الأولى تكون من مبادرات جمعوية لاستنساخ أنشطة التخييم في بلدانها، وبعد فترة يتم إصدار قوانين رسمية تقنن الأنشطة. فمثلا في فرنسا كانت بداية أول مخيم عائلي (يتم إرسال الأطفال للاستقرار عند عائلات مضيفة) سنة 1881، وأول مخيم جماعي علماني سنة 1883، في حين أن أول وثيقة رسمية تؤسس للمخيمات صدرت سنة 1937 من طرف وزارة الصحة. في المغرب كان أول مخيم صيفي سنة 1918 في حين أن أول جريدة رسمية مغربية تتطرق ضمنيا لأنشطة المخيمات الصيفية صدرت بتاريخ 08 أبريل 1941 وتم نشرها بالجريدة الرسمية رقم 1492 بتاريخ 30 مايو 1941. كانت الأنشطة الخاصة بالشبيبة تحت إشراف "مديرية الصحة العمومية والشبيبة" واستشارة "مديرية إدارة الأمور السياسية" و"مديرية العلوم والمعارف". وفي سنة 1943 تم وضع اللبنة الأولى لمصلحة الشبيبة والرياضة أشرف عليها المراقب المدني موالرون وعوضه في فاتح مارس 1944 السيد نوفال.
وخلاصة القول، فأول مخيم تم تنظيمه بالمغرب كان سنة 1918 تحت إشراف السيدة حرم المقيم العام مارشال اليوطي. ويمكن أن نجزم أن المخيمات بالمغرب قد أكملت قرنا من الزمن، مما يستوجب على كل المهتمين والمتتبعين لقطاع التخييم بالمغرب الاحتفال بالذكرى المئوية لهذه المؤسسات التربوية، واستشراف رؤية مستقبلية، تجعل من مؤسسات التخييم حقلا تربويا، ينافس المؤسسات التعليمية، ويلعب أدوارا طلائعية على مستوى التعايش الاجتماعي واحترام وتقدير الأخر.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :