ifada إفادة

ifada إفادة


سيوران: مَصادِر تَدْمِير الذَات

الأربعاء 22 أغسطس 2018 - 19:01 , افادة
سيوران: مَصادِر تَدْمِير الذَات إميل سيوران

وُلِدْنَا فِي سِجن، وَالأصفَادُ تُحِيطُ بِسَواعِدنَا وأفْكارِنَا، وَمَا كُنَا قَادِرينَ علَى تَحمُلِ يَومٍ وَاحدٍ لَوْلاَ أنَ إمكَانِيَة أنْ يَنْتهِي كلُ هذَا تَحْثنَا علَى أنْ نَبْدأَ كُلَ يَومٍ مِنْ جَدِيد.. القُضبَانُ الفُولاذِيَّةُ وَالهوَاءُ الخَانِقُ لِهذَا العَالَم يُجَردَانِنا مِنْ كُلِ شيْء باسْتِثنَاءِ الحُريَة لِأنْ نَقتُلَ أنْفُسنَا؛ وَ هذِهِ الحُريَة تُزَوِدنَا بِالقُوَة وَالإبَاءِ اللاَزِم لِمُواجهَةِ الحُمولَة الهَائِلَة مِنَ الأعْبَاءِ التِي تَسْحقُنا. 

أهُنَاكَ هِبَةٌ أشَدُ تَحْيِيرًا مِنْ أنْ نَكُونَ قَادِرينَ علَى أنْ نَفْعلَ بِأنْفُسِنا مَا نَشَاء و نَرفُض؟ تَعزِيَةُ أنْفُسِنا بِٱنْتِحارٍ مُحْتمَل تَجْعلُ مِنْ مَوطِءِ أقْدَامِنا الضَيِق -حيْثُ نَخْتنِق- مِساحَات لاَ مَحْدودَة. الفِكْرةُ الحَاضِرَة لِتَدمِيرِ أنْفُسِنا، وَفْرةُ الوسَائِلِ اللاَزِمةُ لِذَلِك، سُهولَةُ ٱسْتِخدَامُها وَتَوافُرهَا، تَمْلأُنَا بالإرْتيَاحِ وَالرُعْب فِي آنٍ وَاحِد؛ إذْ لاَ شيْءَ يَجْمعُ بيْنَ البَساطَةِ وَالهَوْل مِثْل ذَلِكَ الفِعْل الذِي نَحْكمُ بهِ علَى أنْفُسِنا حُكمًا لاَ رِجعَةَ فِيه. فِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَة نَتَخلَصُ مِنْ جَمِيعِ الثَوانِي؛ لَكِننَا نُرْجِئُ نِهَايَتنَا كَشَياطِينَ مُتَبجِحَة: كيْفَ أمْكنَنَا التَخلِي عنِ الإظْهَارِ الوَحِيد لِحُريَتِنا، الإسْتِعرَاضُ الأكبَر لِكبْرِيائِنا ؟

الإنْسانُ الذِي لَمْ يَسْبِق أنْ تَصوَرَ فَنَاءَهُ أبدًا، لُجوءُهُ المُحْتمَلُ إلَى الحَبْل، الرَصاصَة، السُم، أوِ البَحْر، هُوَ عبدٌ مُنْحَط لاَ يَصْلحُ سِوَى لِلتَجْدِيفِ علَى سَفِينَةٍ أوْ مُجَردُ دُودَةٍ تَحبُو علَى جِيفَةِ الكَوْن. يُمْكِنُ لِهَذَا العَالَمِ أنْ يَأخُدَ مِنَا كُلَ شَيْء، أنْ يحْظُرَ عَليْنَا كُلَ شيْء، لَكِن ليْسَت هُناكَ قُوَةٌ قَادِرَة علَى أنْ تَمْنعَنَا مِنْ شَطْبِ أنْفُسِنَا. كُلُ الأدَواتِ تَعْرِضُ عَليْنَا مُسَاعَدتَهَا، ليْسَ هُنَاكَ مِنْ هَاوِيَّةٍ إلاَ وَتَدْعُونَا إلَى جَوْفِهَا، ولَكِنْ غَرائِزُنا تَتأَمَرُ لِتَمنَعنَا مِنَ الإسْتِجابَةِ، وَهذَا التَعارَضُ بيْنَ الغَرَائِزِ والصَوْتِ الدَاخِلِيّ يُفَاقِمُ فِي العَقْلِ نِزَاعًا مُستَعصِيًا علَى الحَل. حِينَ نَبْدأُ نَتأمَلُ الحيَاة، لِنَكتشِفَ فِيهَا خَواءً لاَ مُتَناهٍ ؛ تَكونُ غَرائِزُنا قَدْ أصْبحَت مُرْشِدَ وَعرَابَ أفْعَالِنا، تُعَرقِلُ تَحْلِيقَ إلْهامِنَا وَتَكبَحُ إنْقِيَادَ الرُوحِ إلَى المُغادَرَةِ. 

لوْ كُنَا فِي لَحْظَةِ الوِلَادَةِ مُدْرِكينَ كمَا نَحْنُ فِي نِهايَّةِ سِنِ المُراهَقَة، لَكَانَ مِنَ المُرَجَحِ أنَ الإنْتِحارَ فِي عُمْرِ الخَامِسَة ظَاهِرَةٌ عَادِيَة.. أوْ مَسْألَةُ شَرَف. لَكِننَا نَسْتيْقِظُ مُتَأخِرِين، نَجِدُ أمَامَنا السَنَواتِ التِي تُغَذِينَا فِيهَا علَى إرْشَادَاتِ الغَرائِز وَحْدهَا، وَالتِي لاَ يُمكِنُ تَخْدِيرُهَا إلاَ بِالخُلاصَاتِ التِي تَقُودُنَا إِلَيْهَا تَأمُلاتُنَا وَخَيْباتُنَا، وَالتِي تَظَلُ تُلِحُ عَليْنَا بِلاَ تَوَقُف، وَبِتَحصِيلِنَا لِلْوَعيِّ بحُرِيَتِنا؛ نُصْبِحُ أسَاتِذَةً فِي مُقَاوَمةِ إغْرَاءِ الإسْتِخدَامِ لِوَرقَتِنَا الرَابِحَة. 
إنَّهَا تَجْعلُنَا نَتَحمَلُ الأيَامَ - وَمَا هُوَ أهَم (اللَيَالِي)، لاَ نَعُودُ فُقَراءَ أوْ مَسْحوقِينَ فِي مِحْنَة : نَمْتلِكُ المَصادِرَ العُلْيَا. وَحتَى حِينَ لاَ نَسْتغِلُهَا أبَداً، حِينَ نَفْطِسُ بِالطَرِيقَةِ الإعْتِيادِيَّةِ فَلقَدْ كانَ لَديْنَا كَنْزاً قَابِعاً خَلْفَ كُلِ تَنازُلٍ : مَا هِيَ الثَرْوَةُ التِي تُضَاهِي الإنْتِحارَ الذِي يَحمِلُهُ كلٌ مِنَا فِي دَاخِلِهِ ؟

إِذَا كَانَتِ الدِيانَاتُ قدْ حَظَرتْ عَليْنَا أنْ نَمُوتَ بِأيْدِينا؛ فَلأنَهَا لَحَظَت فِي مِثْلِ تِلْكَ المُمَارسَاتِ نَمُوذَجًا لِلْعِصيَانِ المُهِينِ لِسُلطَةِ المَعابِدِ وَالآلِهَة علَى السَوَاء.
ٱعْتبَرَ مَجلِسُ أورْلِيانْ' الإنْتِحارَ جَرِيمَةً أشَدَّ مِنَ القَتْلِ، علَى ٱعْتِبارِ أنَ المُجْرِمَ بِوِسْعِهِ دَومًا أنْ يَتُوب، أن يُخَلَص، بَيْنمَا المُنْتحِرُ الذِي قَضَى علَى نَفْسهِ بِيَديْهِ قَدْ فاتَهُ الخَلاَص نِهَائِيًا. وَلَكِنَ الإنْتِحارَ أيضًا يَشْتمِلُ علَى صِيغَةِ خَلاَصٍ رَادِكَالِيَة، أوَليْسَ العَدمُ يُضَاهِي أبَدِيَتَهُم؟

الفَردُ المُنزَوِي ليْسَ بِحَاجةٍ لِأنْ يُعْلِنَ حربًا علَى الكَوْن، إنَهُ يُوجِهُ تَهْدِيدَهُ إلَى نَفْسِهِ. لَمْ يَعُد يَطْمحُ إلَى أنْ يُوجَدَ إلَى الأبَدِ، وَهلْ بِٱقتِرَافِهِ ذَلِكَ الفِعْلِ الذِي لاَ يُضَاهَى سِوَى نَفْسهُ فِي مُوَاجهَةِ نَفْسِهِ؟ إنَهُ يَرْفضُ الجنَّةَ وَالدُنْيا كَمَا يَرْفضُ نَفْسَهُ. وفِي النِهَايَّةِ فَهُوَ قَدْ نَالَ أعْلَى مَراتِبِ الحُرِيَّةِ المُتَعذِرَةِ علَى الإنْسَانِ الذِي مَا زَالَ يُفَتِشُ عنْهَا فِي مَزْبلَةِ المُسْتقبَل.
لِحَدِ الآن لَمْ تَفْلح أيَةُ كَنِيسَةٍ أوْ أيَةُ مُؤَسَسَةٍ حَضارِيَة فِي تَقْديمِ حُجَةٍ مُحْترَمَة وَاحِدَة ضِدَ الإنْتِحار، أيُ جَوابٍ يُمكِنُ تَقْدِيمُهُ لِإنْسَانٍ لمْ يَعُد قَادِرًا علَى تَحمُلِ الحيَاة؟ لاَ أحَدَ مُخَوَلٌ بِأنْ يَأخُذَ أعْبَاءَ الآخَرِ علَى عَاتِقِهِ. ثُمَ أيَةُ قُدْرةٍ يَملِكُهَا الجَدَلُ أمَامَ هَجمَاتِ اليَأسِ المَسْعُورَة وَأمَامَ ألُوفِ الجِرَاحِ النَازِفَة وَالأعصَابِ المُنْهكَة؟ 
الإنْتِحَار هُوَ وَاحِدَةٌ مِنْ أهَمِ الخَصائِصِ المُمَيزَةِ لِلإنْسَان، أهَمُ ٱكْتِشافَاتِهِ، مِنَ الصَعْبِ علَى الحيَوانَاتِ أنْ تَجارِيَهُ فِيهْ، وَالمَلائِكَةُ رُبَما لمْ تَسْمع عنْ وُجُودِه.. بِدُونِ الإنْتِحار سَيَغْدو المَشْهدُ الإِنْسَانِيُ أقَلَ جَاذِبيَّةً وَأقلَ حَيَوِيَة، ولَكانَ يَنْقصُنَا شيْءٌ مِنْ مُنَاخٍ شَاذْ وَسِلْسِلَةٍ مِنَ التَحدِيَاتِ المُمِيتَة تُضْفِي قِيَمًا جَمالِيَةً علَى عَالَمِنا ؛ لوْ أنَ ٱسْتِحضارَ التْرَاجِيديَا وَحْدهُ يَضْمنُ حُلُولاً جَدِيدَة وَتَنْوِيعًا فِي الحِبكَاتِ وَالخَواتِيمْ.

حُكَماءُ العُصورِ القَدِيمَة، أولَئِكَ الذِينَ أقْبَلوا علَى المَوْتِ كَدَلِيلٍ علَى نُضْجهِم، أسَسُوا نِظامًا وآدابًا لِلإنْتِحار يَجْهلُهَا أبْنَاءُ العَالمِ الحَدِيث. مَلْعونُونَ بعَذابٍ قَاتِم مُشِلّ.. لمْ نَعُد مُؤَلفِي ذُرْواتِنَا وَلاَ كَلِمةَ لَنَا فِي وَداعِنَا الآخِير؛ نِهَايتُنَا لمْ تَعُد نِهَايتَنَا، يَعُوزُنا ٱمْتِيازُ حِسِ المُبادَرَةِ الفَرِيد - وَالذِي قدْ يُمَكِنُنا مِنَ التَضْحِية بِحيَاةٍ ذَابِلةٍ وَعَدِيمَةِ الطَعم، كَما نَفْتقِرُ أيضًا إلَى الكَلْبِيَةِ النَبِيلَة، العَظَمةُ القَدِيمَةُ لِفَنِ المَوْت. مُرتَادُو حانَاتِ اليَأْس، جُثَثٌ فَخُورَة.
كُلُنَا نُعَمِر أنْفُسَنا وَنَمُوتُ فَقَط لِنُتِمَ إجرَاءاتٍ شَكْلِيَةٍ عَقِيمَة. يَبْدو أنَ حَيَاتَنا كانَتْ مُتَمسِكَةً بِنَفسِها فَقَطْ مِنْ أجْلِ تَأْجِيلِ أيِ لَحْظةٍ نَكونُ فِيهَا قَادِرينَ علَى التَخلُصِ مِنْها.

إميل سيوران: مختصر التحلّل

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة