ifada إفادة

ifada إفادة


أنا مهندس...طبيب... إذا، أنا موجود

الإثنين 09 سبتمبر 2019 - 21:00 , افادة
أنا مهندس...طبيب... إذا، أنا موجود أنا مهندس...طبيب... إذا، أنا موجود
إريس ر. عايدة

قالوا قديماً أشياء فلسفية مثل: "قل لي من ترافق أقل لك من أنت!" " أنا أفكر، إذا أنا موجود"، وغيرها.
تعدُّ هذه معتقدات خاطئة. وأهمها اليوم مسألة العمل الذي يشغله الإنسان. إن رافقت قدِّيساً، فهذا لا يجعل منك قديساً. وحتّى لو جالست بائع عطور وكنت مدخِّنا هستيريا مدمناً للسجائر، فهذا لن يجعلك زكِيّ الرائحة. بل على العكس تماما. العطر الموضوع على رائحة السجائر المتصلِبة لا يزيدها سوى نتانةً فوق نتانة.
النقطة الثانية من عدة نقاط ستبقى تحت الهامش، هي مسألة التفكير. في عصر الجهل المعاصر، أن تفكِر يعني فِعْلاً يُلْغِي وجودك. والمرء لا يُعنى بوجوده فحسب، بل بحياته. وبِتَجَاهُلِ الجهل السائد، يُبحر الإنسان على متن باخرة عابرةٍ للقارات صوب جزيرة السعادة الدنيا. وفور بلوغها، تنتهي مآسيه ومعاناته. لا مكان للفكر والتفكير في زمن التفاهة والتهريج.
وعودةً لمقاصد الحياة، تبدأ هذه الأخيرة بتقلُّدِ منصب أو ترَؤُّسِ فكرةٍ مُدرّةٍ للدخل. وليست كل الأعمال متساوية المعايير، والأقدار، والنصيب والاحترام الاجتماعي. الفرق اليوم بين الناس بالألوان، وأسماء مناصبهم ونسبهم. وعند هدم الصرح الحضاري القائم على قيمٍ قرنية، لا يبقى شيء سوى الشكليات، العادات، الأعراف، والخزعبلات والفراغات التي لا تملؤها لا النقط ولا الفواصل. فاصل، ونواصل.

وبعد الفاصل، عاد المُفكِر ليفتح كتاباً بعلمِهِ مبين. قالوا قبل زمان: لباسك يرفعك قبل جلوسك وحديثك يرفعك بعد جلوسك. غير أن لزمن المظاهر حُكْماً آخر. ولو كان سقراط مفكِّرا في القرن الواحد والعشرين لكان متشرّداً يتسوّل عند مفترق الطرقات ولما قال لذلك الغريب: تكلّم حتى أراك. 
يسأل الشخص معارفه ماذا يشتغلون. والجواب بالكلمات السحرية مثل: مهندس، طبيب وشخصية افتراضية بالإدارة الترابية، من شأنها أن تضع على رأس صاحبها تاج الاستثناء. فلا يجرؤ أحد على أن يقول كلمة للمهندس. وكلمة الطبيب لا جدال فيها. أما الشخصية الترابية، فلوقع أقدامها على الرصيف خضوع تام لمن سمعها ورأى ملامح صاحبها. يقال اليوم: "قل لي ماذا تشتغل، أقل لك من أنت".

ويقولون: فلان مهندس، وفلانة طبيية وفلان قائد ترابي. فلا يعود أولئك الأشخاص إنسا، بل كائنات خارقة القوى. أجل. لتلك المناصب قوة سحرية تفوق تلك التي تمتلكها شخصيات المارفل والديسي.
ونسي الكل كل شيء. فلكلٍّ قدر ونصيب والله يرزق من يشاء لأسباب. والرزق مختلف. وهنالك من كان يحلم منذ الصبا أن يغذو أستاذا. هنالك من ضحى بكل شيءٍ ليلبس رداء إطفائي. وكان طفلٌ صغير يبكي كونه أراد أن يكون رحّالة. أين تنتهي الأقدار؟ أبمسمّى عمل تقدِّسه العامية؟
نسي العالم قصصا قديمة. هي قصص زهد فيها مفكرون في الحياة. فعادت لها فضيلة غير المال والأوتاد. وربما كان للكياسة هدف أسمى. من بين تلك القصص، قصة ديوجين الكلبي. أتى الإسكندر الأكبر متحمِّساً للقاء هذا الفيلسوف الشهير الذي كان مستلقيا تحت نور الشمس. سأل الإسكندر ديوجين عما تهوى نفسه وإن هو أراد شيئا. كان جواب الكلبي قصيراً وزهيدا: ابتعد، فأنت تحجب شمسي.
ربما حان الوقت لقلب الموازين والتخلي عن قدسية المسمّيات: كن من شئت، واشتغل ما شئت، لكن في حضرتي تكلّم حتى أراك...

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :