ifada إفادة

ifada إفادة


فضيحة كتاب "يَهُود مَلِيليَّة"

الخميس 22 نوفمبر 2018 - 11:12 , افادة
فضيحة  كتاب المتهمةلم تستطع الإجابة عن مآل أو مكان تواجد الـ 4000 نسخة
د. محمّد محمّد خطّابي*

"اليهود واليهودية فى مدينة مليلية" كتاب كان قد أعيد نشره فى إصدار جديد من طرف المستشارة الثقافية السّابقة "سيمي شوكرون" التي تنتمي لـ (الحزب الشّعبي الإسباني) الذي أصبح اليوم فى صفوف المعارضة بعد استلام "الحزب الإشتراكي العمّالي الإسباني" لسدّة الحكم فى اسبانيا منذ أربعة أشهر مضت بسحب الثقة من الحكومة الشعبية السّابقة، بعد تفاقم الفساد الإداري والمالي الذي  نخر هذا الحزب المعروف بميولاته اليمينية فى خضمّ السياسة الإسبانية، إلاّ أن هذا الحزب (الشعبي الإسباني) بالذات كان قد تولّى مقاليد الحكومة المحلية فى هذه المدينة المغربيّة المُحتلة بعد فوزه فى الإنتخابات الجهوية الأخيرة (2015- 2019)، هذا الكتاب الذي نحن بصدده كان مثارَ جدَلٍ هائجٍ ما زالت تُسمع أصداؤه حتى اليوم، حيث خلّف آثاراً وخيمة، وَوَجْعَ دماغٍ مستديم ما فتئت تعاني منهما هذه المدينة الأسيرة ، وذلك بعد أن واجهت المستشارة السّابقة إتّهاماً مُحرجاً بالتلاعب بمبلغ (70.000 أورو)، حيث كانت أصابعُ الإتّهام قد أشارت إلى أنّ هذا الكتاب المشبوه فيه، ربّما لم  تلفظه المطابعُ قطّ، أو لم تُطبع منه سوى نسخٍ  قليلة. وتجدر الإشارة أن الحزب الشعبي الإسباني كان قد سحب الثقة من هذه المستشارة آنذاك بعد اتّهامها بالتلاعب والإبتزاز فى هذه القضيّة بالذات، كما تمّت إدانتها فى هذا الخصوص من طرف محكمة اسبانية خاصّة.

أصل الحِكَايَة
تزعم المستشارة الثقافية السابقة التي كانت تدعمها آنذاك ما يُسمّى بـ "الحكومة المحلية لمدينة مليلية"، أنّها سدّدت المبلغَ المذكور إلى المدرسة الحاخامية اليهودية فى مدينة نيويورك لطبع هذا الكتاب. كانت جميعُ القوى السياسيّة المعارضة للحزب الشعبي فى ذلك الإبّان الذي كان يحكم المدينةَ فى مقدّمتها (الحزب الإشتراكي العمّالي الإسباني) وسواه من الأحزاب الأخرى ، كانت قد وضعت هذه الرّوايةَ موضعَ الرّيبة والشكّ ، إلاّ أنّ المستشارة زعمت أنه قد تمّت طباعة ما يقرب من 4.000 نسخة من هذا الكتاب، واتهمت معارضيها بأنّهم مناوئون، ومعادون للسّامية. المستشارة الثقافية السابقة هي زوجة رئيس الجماعة اليهودية بمدينة مليلية السّليبة "خايمي أزنقوط". وللتّحقيق والتأكّد ممّا جَرَى بخصوص هذا الموضوع، كان قد تمّ إستدعاء المتورّطة فى هذه النازلة من طرف القاضي الإسباني "فرانسيسكُو رَامِيرِيسْ" بتهمة الإخلال بالمسؤولية ، و"إرتكاب مخالفات وتجاوزات إدارية"، وكانت هذه القضيّة قد أثارت فضولَ الرّأي العام فى هذه المدينة، بل تجاوزتها إلى باقي التّراب الإسباني. 
وترى بعض الجهات الصّحافية فى اسبانيا أنّ هذا الكتاب (لم تصدر منه فى واقع الأمر سوى نسخ قليلة جدّاً)، وهو كتاب مشحون بالمغالطات، وبالمصانعات، والمجاملات، والمداهنات نحو الحكومة المحلية للحزب الشعبي الحاكم فى المدينة فى ذلك الوقت، وقبل طبعته الجديدة الأخيرة، كان هذا الكتاب قد صدر فى طبعة سابقة أوّلَ مرّة أواخر التسعينيات من القرن الفارط، وهو يسلّط الأضواءَ على الجماعة اليهودية المُستقرّة فى مدينة مليلية.

مؤسّسة الأَيْدِي النَظِيفَة
النائب البرلماني عن الحزب الإشتراكي العمّالي الإسباني فى مدينة مليلية آنذاك كان قد تقدّم بشكوى قضائية ضدّ المستشارة اليهودية لدى المدّعي العام بالمدينة، الذي يؤكّد أنها ارتكبت مخالفات إدارية وتجاوزات مالية، وقد زعمت فى تصريحاتها للصّحافيين وللعدالة فيما بعد أنّ الكتاب قد تمّ توزيعه على جميع اليهود فى العالم المنحدرين من أصول مليلية أو إسبانية، ولم يعد فى مدينة مليلية سوى نسخة واحدة وصلتْ إلى هذه المكتبة بعد سنتين من صدور الكتاب.
وكانت نقابة مؤسّسة "الأيدي النظيفة" الإسبانية (التي تُعنى بمحاربة المحسوبية، وفضح وإدانة الفساد الإداري والمالي واستغلال النفوذ) قد وزّعت هذه المؤسّسة بياناً تؤكد فيه: "أنه أمام تورّط مستشارة الثقافة السابقة "سيمي شكرون" فى هذه القضية الحرجة المتعلقة بطبع كتاب حول "اليهود واليهودية فى مليلية"، فإنّ هذا الكتاب لا وجود له فى الأساس، أو ربّما لم يُطبع منه سوى النزرالقليل، والحالة هذه فإننا نطالب رئيس الحكومة المحلية لهذه المدينة "خوسّيه إمبرودا" إعفاء المستشارة الآنفة الذكرمن مهامها".
وتجدر الإشارة أنّ هذا الأخير هو الذي عاد لرئاسة الحكومة المحلية الحالية فى هذه المدينة والمنتمية للحزب الشعبي الإسباني كذلك.
وتزعم المستشارة أنها كانت قد كلّفت ما يُسمّى "بيت مدينة مليلية  فى القدس" ومركز"شيبارسافارديك" فى القدس كذلك بطبع هذه الكتاب، إلاّ أنّ هذا المركز طلب من المستشارة دفع تكلفة الطبع لمقرّه الرئيسي فى نيويورك (يعمل هذا المركز على تكوين الحاخامات السّفردييّن المنحدرين من أصول السيفارديم الإسبان).

مُعاداة السّامية.. أوهام بَاطِلة
وكان النائب الإشتراكي "ديونيسيُو مُونيُوث" قد عبّر عن حنقه وغضبه خلال أحد الاجتماعات العامة لمجلس الحكومة المحلية للمدينة السّليبة مقارناً الحاخامات السّفرديين اليهود بطالبان، وتساءل كيف سيكون موقف "الحزب الشعبي" لو أنّ "الائتلاف من أجل مليلية" (الحزب الإسلامي فى هذه المدينة) آل إليه حكمُ المدينة ذات يوم، وأقدم على التعاقد على شئ شبيه بهذا مع مدرسة قرآنية فى أفغانستان التي تعمل على تكوين طالبان؟! وقال النائب الاشتراكي إنّ النسخ القليلة التي طبعت من هذا الكتاب لا تتوفّر على أرقام الإيداع، ولا على تواريخ الإصدار والتسجيل، وعليه لا يمكن معرفة عدد النسخ التي تمّ طبعها حقيقةً من هذا الكتاب، كما لم يتمّ احترام ومراعاة إجراءات الطبع كتحديد عدد النسخ، وأين تمّ توزيعها، والإيداع القانوني أو رمز الطبع حتى تتوفّر عناصر المراقبة فى مثل هذه الحالات. وقد أكّد المعارضون الاشتراكيون أنّ هذه العملية قد تمّ طبخها بهدف الرّبح المادي الذي عاد لصالح "يشيفا" (مدرسة تلقين التوراة والتلمود) فى القدس المحتلّة حيث كان يتابع نجل المستشارة المذكورة دراسته، ولقد اتّهمت المستشارة معارضيها ومناهضي الحزب الشعبي على إثر ذلك بمعاداة السّامية. 
وعلّق زعيم الإشتراكيين فى مدينة مليلية "غريغوريُو إيسكوبار" فى ذلك الوقت على ذلك قائلاً: "إنّ ما تدّعيه المستشارة فى هذا القبيل في غير محلّه، ولا طائل تحته بعد أن ثبت تورّطها فى هذه الورطة، وإنّ اتّهامها للاشتراكيين بمعاداة السّامية إنّما هي مجرّد أوهام باطلة". وأضاف: "إن المستشارة كما يلاحظ  كانت تحتمى وراء طائفة دينية تشكّل أقليّة فى هذه المدينة وهم اليهود، وهذا أمرخطير للغاية" .
و كانت "سيمي شوكرون" قد مَثُلتْ رفقة محاميها فى تاريخ سابق أمام القضاء فى مدينة مليلية بخصوص المخالفات الإدارية التي لها صلة بهذا الكتاب، واستغرقت مدّة استجوابها ساعتين ونيّف بعد أن تمّ إستدعاؤها لهذه الغاية من طرف القاضي "فرانسيسكو راميريث" الذي عُهِد إليه متابعة هذا الموضوع. 
وصرّحت المستشارة  للصّحافيين عند خروجها من المحكمة أنّها لا تعرف ماذا سيتمّ بشأنها، كما أنّها لم تستطع الإجابة عن مآل أو مكان تواجد الـ 4000 نسخة التي تقول إنها طبعت من هذا الكتاب، حيث كانت ما يُسمّى بـ"الحكومة المحلية للمدينة" قد صرّحت أنّ هذه النسخ قد تمّ توزيعها على يهود الشتات المنحدرين من مليلية الموزّعين فى مختلف أنحاء العالم، ولهذا لا توجد سوى نسخة واحدة فى المكتبة العمومية بمدينة مليلية، إلاّ أنّها عادت وصرّحت فيما بعد أنها قدّمت الشّروح والتفاسير اللاّزمة حول هذا الكتاب وحول الضجّة التي نشبت بشأنه والجدل الذي أثير حوله.

الخَبرُ اليَقِينُ..!
وكان بعضُ اليهود الإسبان أنفسهم قد عابُوا، وعاتبُوا فى مواقع التواصل الاجتماعي على المستشارة اتّهامَها لمعارضيها بمعاداة السّامية لأنّ ذلك من شأنه أن يُضعف من موقفها، ويثير مزيداً من الشكوك حولها، كما وجّه بعض المُعلقين أصابعَ الاتّهام للحاخام (سلمُون فاهنون)- الذي كُلّف بطبع الكتاب- بخصوص التسيير المالي، ونعتوه بأنه رجل مشبوه فى المسائل المالية بالذات، كما أنّه غير جدير بالثقة، وهو لم يكلّف نفسَه حتي عَناء تعليم أبنائه اللغة الإسبانية على الرّغم من تظاهره بالافتخار بأصله الإسباني وانحداره من مدينة مليلية. 
وتضيف بعض هذه التعاليق أنّ الجماعات اليهودية الإسبانية ليس فى مدينة مليلية وحدها بل فى كلّ التّراب الإسباني قد باعت نفسَها للحزب الشعبي الإسباني الحاكم ، وأنّ معاداة السّامية– إن وُجِدت- فالسّبب فى ذلك يؤول لتصرّفات بعض اليهود الإسبان التي لا تتّسم بالوضوح، والصّفاء، والشّفافية خاصّة فى القضايا السياسية. 
وأشار مُعلق آخر: "ماذا يمكن أن ننتظر من "الحزب الشعبي" خاصّة وأنّ أحد رؤسائه السّابقين وهو "خوسّيه ماريا أثنار" (رئيس الحكومة الإسبانية عن هذا الحزب قبل رئيس الحكومة الأخير ماريانو راخوي المُقال مؤخراً بسحب الثقة من حكومته) معروف عنه معاداته للمسلمين، وهو صهيوني متطرّف، وقد سبق لأثنار أن موّل بنقود المواطنين الإسبان بناء مدرسة تلقّن تلامذتها أنّ "العِرْق اليهودي هو الأعلى والمشهود له بالتفوّق"! 
 وكانت معظم هذه التعاليق قد نُشرت فى جريدة "البّاييس" الإسبانية الواسعة الإنتشار، وسواها من وسائل الإعلام الإسبانية على اختلافها. تُرى ماذا حدث  بخصوص هذا الموضوع المثير الذي ما زالت إنعكاساته وآثاره، وزوابعه وتوابعه، تهبّ على هذه المدينة السّليبة إلى اليوم حتى وإن تمّ سحب الثقة من المستشارة الثقافية الآنفة الذكر "سيمي شوكرون"..؟
وقديماً قيل عند جهينةَ الخبرُ اليقينُ..!

*كاتب وأكاديمي من المغرب


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :