ifada إفادة

ifada إفادة


أهم تحولات السياسة الخارجية المغربية الجديدة تجاه إفريقيا حصيلة وآفاق (1)

الأربعاء 18 ديسمبر 2019 - 12:39 , افادة
أهم تحولات السياسة الخارجية المغربية الجديدة تجاه إفريقيا حصيلة وآفاق (1)
القاسمي عبد الرفيع باحث في القانون العام والعلوم السياسية

لاشك أن السياسة الخارجية لبلد ما تلعب دورا مهما في تحديد توجهات كل دولة سواء كانت بقرارات سلبية  أو إيجابية في كافة الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مع مختلف دول  العالم .
والتي أعطيت لها مجموعة من التعاريف المتباينة والمختلفة ، نذكر من هذه التعاريف التي أعطيت للسياسة الخارجية من قبل فقه العلاقات الدولية من قبيل " تشارلز هيرمان " والتي عرفها بأنها تتألف من تلك السلوكيات الرسمية المتميزة التي يتبعها صانعو القرارالرسميون في الحكومة أو من يمثلونهم والتي يقصدون بها التأثير في سلوك الوحدات الدولية الخارجية " .
كما عرف " باتريك مورجان" السياسة الخارجية بأنها " التصرفات الرسمية المحددة التي يقوم بها صانعوا القرار السلطويون في الحكومة الوطنية أو ممثلوهم بهدف التأثير في سلوك الفاعلين الدوليين الآخرين "
وعرفها " كاراسنيس " بأنها تلك الأعمال المعبر عنها في شكل تعليمات منصوص عليها صراحة وينفذها الممثلون الحكوميين بالنيابة عن مجتمعاتهم ذات السيادة وموجهة بوضوح نحو أهداف وظروف وفاعلين حكوميين وغير حكوميين يقبعون فيما وراء مجال الشرعية الاقليمية لتلك المجتمعات " .
وقدم بلانو وأولتون تعريفا للسياسة الخارجية ركزفيه على عنصري التخطيط والمصلحة الوطنية، فالسياسة الخارجية هي منهاج مخطط للعمل يطوره صانع القرار في الدولة تجاه الدول أو الوحدات الدولية الاخرى بهدف تحقيق أهداف محددة في إطار المصلحة الوطنية "  .
وقدم روزناو أكثر التعريفات شمولا فهو يعرف السياسة الخارجية على أنها " منهج للعمل يتبعه الممثلون الرسميون للمجتمع القومي بوعي من أجل إقرار أو تغيير موقف معين في النسق الدولي بشكل يتفق والأهداف المحددة سلفا "
وفي مقام آخر عرف روزناو السياسة الخارجية بأنها " التصرفات السلطوية التي تتخذها أو تلتزم باتخاذها الحكومات إما للمحافظة على الجوانب المرغوبة في البيئة الدولية أو لتغيير الجوانب المرغوبة "  .
ويتميز نمط التفاعلات في السياسة الخارجية بالتدرج الرأسي ، ففي كل النظم السياسية يتركز صنع السياسة الخارجية في يد مجموعة محددة من الأفراد الرسميين الذين يتمتعون بسلطات كبيرة نسبيا ،كما أن أهم خاصية تميز السياسة الخارجية أنها تبقى في أغلب البلدان بما فيها " الديمقراطية" بمثابة المجال المحفوظ لرئيس السلطة التنفيدية بشكل يهمش باقي الفاعلين ، وذلك على اعتبار أن رئيس الدولة هو الممثل الأسمى لدولته في المحيط الدولي وفي علاقاته بالدول الأخرى ، وثثبث لرئيس الدولة هذه الصفة بمجرد توليه منصب الرئاسة أيا كان نظام الدولة وقوانينها واحتكاره  للسياسة الخارجية أصبح سائدا اليوم في الأنظمة الرئاسية والبرلمانية على السواء ، ففي فرنسا مثلا يتفق جميع الباحثين على الإعتراف بالمكانة المتميزة لرئيس الجمهورية في توجيه السياسة الخارجية " ، أما صنع السياسة الداخلية فإنه يتوزع بين أجزاء متعددة في المجتمع السياسي .
واهتمام الجماهير بالسياسة الخارجية يكون أقل اهتماما بالسياسة الداخلية لأن هذه الأخيرة هي التي تؤثر مباشرة في الحياة اليومية للجماهير . كما أن صانع السياسة الخارجية أقل تعرضا لضغوطات الرأي العام عندما يصوغ سياسته الخارجية بدرجة تفوق قدرته على التوصل إلى هذا الاتفاق حول قضايا السياسة الداخلية .
وتتميز السياسة الخارجية أيضا عن السياسة الداخلية بتمايز مجموعة من الأدوار المؤثرة في صياغة كلا من السياستين فعدد المشاركين في صنع السياسة الخارجية والمهتمين بالتأثير في مسارها وصنعها عادة مايكون أقل من نظراءهم في مجال السياسة الداخلية .
فالمشاركون والمهتمون بالصراع العربي الإسرائيلي في السياسة الخارجية الأمريكية هم أساسا مجموعة صنع القرار المركزية ومجموعة من أعضاء الكونغرس والصهاينة والعرب الأمريكيين ، أما أولئك المشاركون المهتمون بقضية التضخم في السياسة الداخلية الأمريكية فإنهم يشملون كل قطاعات المجتمع الأمريكي تقريبا   .
ونفس الشيئ بالنسبة للسياسة الخارجية للمغرب تجاه إفريقيا فليس عموم فئات الشعب المغربي مهتمة بهذه السياسة لأن مايهمها بالأساس هي السياسات العمومية الداخلية ومدى انعكاسها على الحياة اليومية، لذلك تجد نقاشا يوميا داخل شتى أنواع الفضاء العمومي حولها في حين تعرف السياسات الخارجية للمغرب نقاشا هامشيا داخل الفضاء العمومي المغربي .
كما تتميز السياسة الخارجية بدرجة كبيرة من عدم اليقين ، ويقصد بعدم اليقين موقف لايستطيع فيه صانع القرار التوصل إلى المعلومات المطلوبة عن الموقف وقد تصل درجة عدم اليقين إلى حد عدم القدرة على تحديد الاحتمالات التي قد تترتب على اتباع سياسات أو بدائل معينة وهو مايطلق عليه عدم اليقين الهيكلي ،  أما المفاجاة الإستراتيجية فإنها تنصرف إلى التغيير السريع في التكنولوجيا العسكرية والإتصالية بما يسمح بإمكانية الخداع السياسي والاستراتيجي .
بالإضافة إلى خاصية أخرى وهي غموض البيئة الدولية، ففي كثير من الأحيان يستحيل على صانع السياسة الخارجية أن يحصل على معلومات شافية ومؤكدة عن أهداف واستراتيجيات وسلوكيات الوحدات الدولية الأخرى الكائنة في النسق الدولي .
فهو يستطيع مثلا أن يحصل على معلومات كاملة عن مؤسسة صناعية في دولته بمجرد أن يطلب ذلك ولكنه لايستطيع أن يفعل الشيء ذاته بالنسبة للوحدات الدولية الأخرى، وهو حين يحصل على المعلومات فإن قدرته على التحقق من صحة تلك المعلومات تكون عادة محدودة إلى حد كبير.
ويضيف " طوماس شلينج" أن العلاقات الدولية هي علاقات لايمكن التنبؤ بها وتتسم بصفة المنافسة في ظل المخاطرة وصانع القرار حين يدخل حربا دولية فإنه يدخل حربا غير متأكد من حجمها ومن ماهية الأعداء المحتملين ومن القضايا التي قد تظهر أو من نتائج الحرب ذاتها .
كما تشكل السياسة الخارجية  أحد مصادر التهديد للقيم الأساسية لصانع تلك السياسة والمصالح الأساسية لدولته .
ففي السياسة الداخلية لايعتبر فشل الخطة الاقتصادية كارثة قومية تهدد كيان الدولة ، ولكن الهزيمة في حرب دولية تشكل تهديدا أساسيا لهذا الكيان ، بعبارة أخرى فإن كيان الدولة ذاته مهدد بالخطر إذا ماحدث سوء تقدير في السياسة الخارجية .
هذه الظروف تنشئ ضغوطا نفسية هائلة على صانع السياسة الخارجية تقلل من قدرته على التقويم الرشيد للمعلومات .مما يفرض الحرص على عقلانية القرارات الخارجية .
ومن هذه التعاريف نخلص أن لكل دولة سياسة خارجية تجاه دول العالم وبلادنا هي الأخرى  لها  مجموعة السياسات الخارجية تجاه أغلب قارات العالم كأوربا وأمريكا وإفريقيا هاته الأخيرة التي تجمع بينها وبين  بالمغرب روابط مشتركة كالدين والعرق والحضارة والتاريخ المشترك والجغرافيا .
لذلك عرفت العلاقات المغربية على مر التاريخ تطورا وازدهارا كبيرين ، فلطالما لعب المغرب دور الوساطة التجارية بين ماكان يسمى بلاد السودان وأوربا ونشطت من ثم العلاقات التجارية بين المغرب وعمقه الإفريقي ، فقد أهتمت الأسر المتعاقبة على حكم المغرب بتنمية وتطويرهذه التجارة .
وقد وصل الحضور المغربي القوي في إفريقيا أوجه خلال العصر الحديث زمن حكم الدولة السعدية ، لكن بعدما تمكن الأوربيون من الوصول إلى المحيط الأطلسي إلى إفريقيا ، من تم تضررت العلاقات الاقتصادية المغربية الإفريقية وتراجع في الوقت نفسه الحضور والتأثير السياسي المغربي على إفريقيا إلا أن العلاقات الدينية والروحية ظلت مستمرة .
وقد كان لهذا الوجود الغربي في إفريقيا إنعكاسات سلبية على الاقتصاد المغربي الذي عانى من تراجع مداخيل تجارة السودان  .
 وبعد استقلال عدد من الدول الإفريقية واستقلال المغرب بادر الراحل الحسن الثاني إلى جانب قادة من الدول الأفريقية بتأسيس منظمة الوحدة الافريقية سنة 1963 الذين كانوا يطمحون من وراءها بتحقيق مجموعة من الأهداف الإستراتيجية تخدم القارة والمواطن الإفريقي إلا أنه بعد الاعتراف بجبهة البوليزاريو سنة 1984 انسحب المغرب منها ولم يعد إليها رغم تغيرإسمها وتغير بعض القادة الأفارقة سنة 2002،  إلا أنه لم يقطع العلاقات بشكل نهائي مع دول القارة الإفريقية خصوصا بعد تربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الميامين ، إذ قام جلالته خلال 16 سنة من 2001إلى 2016 ب 43زيارة ل 24 دولة مما يفسر التشبث المغربي بنسج علاقات مع كافة الشعوب الإفريقية والتي عرفت في ظل حكمه مجموعة من التحولات في سياسته الخارجية تجاه قارتنا السمراء والتي سبقتها مجموعة من التحولات على مستوى السياسات العمومية الوطنية كالمفهوم الجديد للسلطة سنة 1999واعتماد المقاربة التشاركية التي تجسدت في الحوار الوطني لإعداد التراب سنة   2000والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005  وتعزيز حقوق الإنسان ومجموعة من المخططات كمخطط المغرب الأخضر والأزرق وصولا إلى الإصلاح الدستوري لسنة 2011 والجهوية الموسعة .
تلك الزيارات التي تواصلت إلى يومنا هذا والتي أثمرت عودة المغرب إلى الإتحاد الإفريقي الرسمية في 30يناير 2017 بتصويت بلغ 39 دولة من أصل 53 دولة مما شجع  المغرب إلى طلب الإنضمام إلى المجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا ، إلا أنه بالرغم من أهمية هذه التحولات فإن خصوم المغرب سيحاولون إعاقة السياسة الخارجية المغربية الجديدة ، مما يتطلب ضرورة توفر موارد بشرية دبلوماسية و أمنية واقتصادية على وجه الخصوص قادرة على مواجهة  كافة العراقيل المحتملة وموارد مالية ضخمة .
من هذا المنطلق أطرح الإشكالية التالية : إلى أي حد ستسهم هذه التحولات في السياسة الخارجية المغربية الجديدة تجاه إفريقيا في الدفع بتحقيق مختلف الأهداف الإستراتيجية للمغرب ؟
 وسأحاول الإجابة على هذا الإشكالية من خلال هذه المقالة البحثية ، إنطلاقا من الوقوف على أهم التحولات التي عرفتها السياسة الخارجية المغربية تجاه إفريقيا في عهد جلالة الملك محمد السادس على المستويات السياسية والإقتصادية والأمنية والروحية على اعتبارها ذات أهمية قصوى في تحقيق مساعي الدبلوماسية المغربية وبعد إبراز الحصيلة سأبرز بعض المعيقات التي يمكنها أن تعترض هذا التحول ؟ وكيف يمكن تجاوزها من خلال بعض التوصيات التي بإمكانها المساهمة في تحقيق الأهداف الإستراتيجية المتوخاة من السياسة الخارجية الجديدة لبلادنا ؟

المبحث الأول :حصيلة السياسة المغربية المغربية تجاه إفريقيا
بعد التطرق إلى حصيلة السياسة المغربية تجاه القارة الإفريقية  أولا يجب الإشارة إلى بعض النقط ، النقطة الأولى أن الدافع  الأساسي لنسج علاقات تعاون هو تحقيق مصالح وهذه الأخيرة يمكن تقسيمها إلى مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية بالدرجة الأولى ...
النقطة الثانية : عرف  المغرب في السنوات الأخيرة تحولات على مستوى سياسته الخارجية تجاه البلدان الإفريقية لتحقيق إحدى تلك الأهداف السالفة الذكر أو مجموعها ويطرح في هذا الصدد سؤال لماذا ؟
أولا يمكن تفسير هذا الإهتمام المتزايد بكون بلد مانديلا والجزائر الشقيقة أصبحتا شبه مهيمنتان على القارة الإفريقية تقريبا على المستويات السياسية والعسكرية  والمالية بشكل عام وعلى الإتحاد الإفريقي بشكل خاص .
فعلى المستوى السياسي يلاحظ هيمنة جنوب إفريقيا وحلفاؤها على منظمة الوحدة الافريقية سابقا والاتحاد الافريقي حاليا على المستوى السياسي من خلال فرض الآراء على هياكل الإتحاد الإفريقي ، وعلى المستوى العسكري وذلك نظرا لتوفرهم على كم كبير من الأسلحة والفيالق العسكرية ،وعلى اقتصاد متنوع واستثمارات مهمة بالقارة ، وتتجلى هذه الهيمنة  أيضا من خلال ما أشار له أحد الباحثين بأن العديد من البلدان العضوة في الإتحاد الإفريقي لم تسدد حصصهم في ميزانية المنظمة ، خصوصا أن عمليات حفظ السلام أو رعاية المفاوضات تحتاج إلى قدرات مالية كافية لتنفيد ها ، كما أن هناك تفاوت إذا أن 65 بالمئة من ميزانية الإتحاد توفرها خمس دول فقط وهي مصر- جنوب إفريقيا – ليبيا – نيجيريا والجزائر في مقابل مساهمة 49دولة عضو للإتحاد الإفريقي ب 35 بالمئة وهو أمر ينم عن تفاوت كبير في القدرات المالية لدول الإتحاد ، مما قد تكون له في المستقبل انعكاساته السلبية على عمل الإتحاد الإفريقي أثناء تسوية المنازعات ومما يزيد من مشكلة نقص الموارد المالية المخصصة لتسوية المنازعات أن الموارد المالية المتاحة المحدودة المتاحة كثيرا مايساء استخدامها إما بسبب شيوع الفساد أو لتبني أولويات خاطئة وغير دقيقة من جانب القائمين على توظيف تلك الموارد  ، كما أن تمويل الإتحاد الإفريقي من قبل بلدان معادية للمغرب بشكل خاص بنسبة كبيرة  سيؤثر سلبا على القرارات وحياديتها وموضوعيتها في قضية الصحراء المغربية . 
ولذلك اتضح بأن هذا الأمر سيشكل خطرا على وحدة المغرب الترابية من خلال المزيد من الحشد والترويج لمغالطات من داخل الإتحاد الإفريقي تمس الوحدة الترابية من قبل جنوب إفريقيا وحلفاؤها .
وأيضا يمكن تفسير هذا الإهتمام بإحساس المغرب بأنه رغم عدم قطع الصلة بالدول الإفريقية منذ خروجه سنة 1984 من منظمة الوحدة الإفريقية بأن الإشتغال خارج المؤسسات والعزلة غير مجدي بالرغم من تعزيز العلاقات المغربية الإفريقية عبر سياسة تنظيم المؤتمرات والزيارات الرسمية وأيضا قد يعتبر الخصوم انسحاب المغرب من المنظمة جبنا وعدم القدرة على المواجهة والمرافعة . لذلك قام المغرب بمجموعة من التحولات على المستويين السياسي والإقتصادي.

المطلب الأول : على المستوى السياسي والاقتصادي 
الفرع الأول : التحولات السياسية 

بعد تولي جلالة الملك محمد السادس مقاليد السلطة سنة 1999 شهدت العلاقات المغربية الإفريقية دينامية جديدة تجلت في الجولة الإفريقية الرسمية التي قام بها لعدد من الدول الإفريقية في سنة 2001و2004 و2005 كدولة بوركينا فاصو وموريتانيا والسنغال والغابون إضافة إلى الجولة التي قام بها سنة 2006 إلى العديد من الدول الإفريقية من بينها دولة الغابون والكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكامبيا   .
كما أنه من التحولات السياسية الكبرى التي قامت بها المملكة المغربية هي تقديم مبادرة لتخويل جهة الصحراء حكما ذاتيا بتاريخ 11 أبريل 2007 للأمين العام للأمم المتحدة ، والتي كانت ثمرة مسلسل تشاوري موسع على المستوى الوطني والمحلي انخرطت فيه كافة الأحزاب السياسية والمواطنين والمنتخبين بالمنطقة ومن خلال المجلس الإستشاري للشؤون الصحراوية ، هذا التحول هو رسالة للمجتمع الدولي كافة وليس فقط إلى الأمم المتحدة بل هو رسالة موجهة إلى أعداء الوحدة الترابية داخل الإتحاد الإفريقي الذين يطمحون إلى تقسيم المغرب .
ومن التحولات أيضا ما قام به المغرب من خلال تقوية الاهتمام  بإفريقيا من خلال دستور 2011 أولا والخطب الملكية التي كان آخرها خطاب جلالة الملك في الذكرى 41 من المسيرة الخضراء من دكار، ومن بين الخطب الملكية على سبيل المثال التي تبين الإهتمام العميق بالقارة الإفريقية بقوله " وفيما يتعلق بالتضامن فالمغرب اتبع نهج مقاربة دبلوماسية استراتيجية رامية إلى تعزيز التعاون جنوب جنوب ولاسيما مع الدول الإفريقية الشقيقة ، وفي هذا الصدد فالزيارت التي قمنا بها في عدد من بلدان القارة مكنتنا من تطوير نموذج التعاون الإقتصادي المتبادل وتحسين شروط معيشة المواطن الإفريقي " .
هذا بالإضافة إلى البرامج الحكومية  والعديد من الملتقيات كالمنتدى البرلماني للعدالة الإجتماعية الأول لسنة 2016  من خلال الرسالة الملكية الموجهة للمشاركين فيه...  .
بالإضافة إلى ذلك قام المغرب باحتضان مؤتمر الكوب 22 حول التغيرات المناخية الذي نظم بمدينة مراكش والتي نظم خلاله  ندوة داخل فقرات الكوب خاصة بإفريقيا مما يؤكد على أن المغرب يسعى إلى أن تنعم القارة الإفريقية وليس المغرب بشكل خاص ببيئة سليمة ومستدامة وينعم بها الإنسان الإفريقي الحالي والمستقبلي حيث تساءل جلالته سؤالا أساسيا وهو " هل سيكون لمؤتمراتنا واتفاقاتنا معنى إذا نحن تركنا الفئات الأكثر هشاشة ، هناك في الجزر المهددة بالزوال ، وفي الحقول المهددة بالتصحر ، في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ، في مواجهة قدرها المليء بالمخاطر ؟
 وأضاف فقد اقترحنا مجموعة من المبادرات في إطار تفعيل اتفاق باريس ، لاسيما في يتعلق بالتكيف والتمويل ، ومن بينها " مبادرة تكييف الفلاحة بإفريقيا ".
وشدد على أن تكلفة الإنتظارية والتقصير في مواجهة تغير المناخ وآثاره ، سيكون لها انعكاسات خطيرة ، تهدد الأمن والإستقرار وتزيد في اتساع بؤر التوثر والأزمات عبر العالم . 
فباسم المصير المشترك ، وباسم مسؤوليتنا المشتركة ، أدعو كافة الأطراف للعمل على ترجمة تشبثنا بقيم العدل والتضامن من خلال :
تمكين بلدان الجنوب ، وخاصة الدول الأقل نموا والدول الجزرية من دعم مالي وتقني عاجل ، يقوي قدراتها ويمكنها من التكيف مع التغيرات المناخية "   .
ويبقى التحول السياسي الكبيرالذي يمكن وضعه في صدارة التحولات السياسية للمغرب تجاه قارتنا السمراء ألا و هو عودة المغرب إلى الإتحاد الإفريقي من خلال الرسالة الموجهة إلى القمة السابعة والعشرين للإتحاد الإفريقي بالعاصمة الرواندية كيغالي في يوليوز 2016 ، وذلك بعد دعوة العديد من الدول الإفريقية المغرب إلى العودة بعدما غيرت من موقفها حيال قضية الصحراء المغربية ، وبعدها تم موافقة قادة الإتحاد الإفريقي على عودة المغرب إلى المنظمة بتصويت كبير بلغ 39دولة من أصل 53 بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا يوم الإثنين 30 يناير 2017 بعد استيفاء المغرب كافة المساطر والشروط القانونية  وإلى جانب هذا الحدث الهام تم انتخاب وزير خارجية تشاد  "موسى فقيه محمد " رئيسا لمفوضية الاتحاد خلفا لدلاميني زوما من جنوب إفريقيا التي كانت تحارب عودة المغرب للإتحاد الإفريقي و" ألفا كوندي" رئيسا للإتحاد الإفريقي .
وبعد هذه الموافقة ألقى الملك محمد السادس خطابا على قادة الإتحاد الإفريقي قال فيه  " إن عودة المغرب إلى الإتحاد الإفريقي هي عودة إلى البيت بعد غياب طويل لملاقاة الأسرة الإفريقية "  .
  وأشار أحد الباحثين أن الآهداف الآنية الإستراتيجية لعودة المغرب إلى الإتحاد الإفريقي من هذه العودة يمكن تقسيمها إلى نوعين من الأهداف : أولها آنية وهي وقف كل القرارات التي كان يصدرها الإتحاد الإفريقي ضد المغرب والمواجهة المباشرة مع أعداء الوحدة الترابية داخل الإتحاد ومعرفة الدول الصديقة الحقة المستقلة في قراراتها والدول المنافقة .ثانيهما تعديل القانون التأسيسي لطرد مايسمى جبهة البوليساريو من الإتحاد الإفريقي  ،
لكن يبقى التحول السياسي الأكبر هو المزج بين الخطاب السياسي والواقع من خلال تصدير سياسات عمومية وطنية ناجحة إلى بعض بلدان القارة الإفريقية.
الفرع الثاني : التحولات الإقتصادية 
بناء على أن جنوب إفريقيا أصبحت هي المستثمر الأول في القارة حسب البنك الافريقي للتنمية رغم الفشل النسبي لمشروع نيباد الذي أيده البعض وانتقده آخرون كونه بعيد كل البعد عن الهوية الافريقية وواقع إفريقيا والذي لم يحظى بالتشاور مع الشعوب الإفريقية أو هيئات المجتمع المدني، إلى جانب أن مصادر تمويله غير عقلانية التي ستؤدي إلى استعمارغربي جديد ، وعلى قيامها بسياسة خارجية قائمة على التعاون الاقتصادي مع بلدان الخليج كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة .
قام المغرب بتحولات على المستوى الإقتصادي وذلك بتقديم واقتسام مجموعة من السياسات العمومية الناجحة على مستوى السياسات الداخلية خاصة أن إفريقيا أصبحت محط اهتمام العديد من القوى الاقتصادية الكبرى كالصين والولايات المتحدة الأمريكية على مستوى الاستثمار بعد استقرار القارة النسبي  .
ولأجل ذلك قام بتزويد بعض بلدان قارتنا السمراء بمجموعة من السياسات العمومية كسياسة المغرب الأخضر نظرا لغياب سياسات فلاحية فعالة بأغلب الدول الإفريقية كان آخرها التوقيع على اتفاقية الشراكة الفلاحية بين المملكة المغربية وجمهورية رواندا بالعاصمة كيغالي يوم 19 أكتوبر2016 وإثيوبيا يوم 19 نونبر 2016 باديس أبابا وبدولة السينغال يوم الإثنين 07 نونبر 2016 بالعاصمة دكار تم التوقيع على اتفاقية إطلاق شراكة لمواكبة وتطوير الفلاحة الصغرى ولضمان الأمن الغذائي بالقارة .
 وفي نفس الصدد قام المغرب بتزويد العديد من البلدان الإفريقية بالأسمدة الفوسفاتية من أجل ضمان سوق للأسمدة داخل القارة الإفريقية ، حيث تأتي الأسمدة الطبيعية والكيماوية على رأس صادرات المغرب نحو القارة الإفريقية فهي تمثل نسبة 12.5 بالمئة وهي نسبة قابلة للارتفاع في ظل الاستراتيجية الجديدة القائمة على تلبية احتياجات القارة بالأسمدة وتأتي الأسمدة الطبيعية والكيماوية على رأس صادرات المغرب نحو القارة الافريقية ، ويسعى المغرب كأكبر مزود لدول العالم بالفوسفاط إلى تركيز حضوره في سوق الأسمدة في القارة الافريقية في إطار السياسة الخارجية الجديدة للمغرب تجاه إفريقيا القائمة على التعاون  الاقتصادي المغربي في إطار رابح رابح ، بالإضافة إلى تحقيق هدف الأمن الغذائي وكان آخر الأمثلة يوم 02 دجنبر 2016 من خلال التوقيع على إتفاقية شراكة استراتيجية لتنمية صناعة الأسمدة بعد الزيارة الملكية الأخيرة لدولة نيجيريا .
كما قام المغرب بنقل تجربة قطاع التأمين البنكي لتمكين المواطن الإفريقي من قروض للاستثمار الفردي والجماعي ومن أجل خدمة الإستثمارات المغربية بالقارة ويشكل قطاع المصارف مايقرب 52بالمئة من الاستثمارات المغربية في القارة السمراء متبوعا بقطاع الإتصالات بنحو 26بالمئة ثم العقارات والصناعة .
إلى جانب ذلك فاجأ المغرب ونيجيريا الخصوم بالإعلان في أبوجا  عن إطلاق مشروع إنجاز خط إقليمي لأنابيب الغاز سيربط موارد الغاز لنيجيريا بأسواق العديد من بلدان غرب افريقيا والمغرب وذلك بعد الزيارة الملكية يوم  02 دجنبر2016  ، كما ارتفعت صادرت المغرب نحو بلدان إفريقيا بحدود 15بالمئة بين   2000و2014حيث وصلت الى 1.7 مليار دولار حسب وزارة الاقتصاد والمالية لبلادنا ، وبذلك أصبح المغرب ثاني أكبر مستثمر بالقارة بعد جنوب إفريقيا حسب البنك الإفريقي للتنمية حيث يوجه إليها 85بالمئة من استثماراته الخارجية المباشرة .
ونظرا لأهمية صحة المواطن الإفريقي لكي يلعب دوره في إنعاش اقتصاد القارة قام المغرب على مستوى الصحة بوضع بمستشفيات ميدانية لحفظ صحة العديد من المواطنين بعدد من البلدان الإفريقية ، كما قام بإلغاء ديون جميع الدول الإفريقية الأقل نموا والتي تعكس الاهتمام الذي يوليه جلالته لإفريقيا جنوب الصحراء من خلال قمة إفريقيا –أوربا التي عقدت بالقاهرة في أبريل 2000 ، وإلى جانب ذلك قام بالإعفاء الكلي من رسوم بعض الواردات لقائمة من المنتجات الأساسية لصالح 34دولة منذ فاتح يناير 2001 للدول الإفريقية الأقل نموا بالإضافة إلى عدد من المساعدات المالية من خلال الوكالة المغربية للتعاون الدولي  .
وقد مكنت مجمل الشراكات المغربية الإفريقية من إرساء الإطار القانوني والتنظيمي للشراكات الاقتصادية وتفادي الازدواج الضريبي  .
وبالإضافة إلى هذا التحول فإن الجولة الملكية التي قام بها الملك محمد السادس في فبراير ومارس سنة  2014إلى أربعة بلدان إفريقية هي (مالي وغينيا وكوت ديفوار والغابون والتي مكنت من توقيع 91 اتفاقية تميزت بحضور وفد اقتصادي رفيع المستوى مرافق لأول مرة مع جلالته   والذي رافقه أيضا في الزيارات الملكية الأخيرة لسنتي 2016و2017  لكل من دولة نيجيريا ورواندا وتانزانيا وإثيوبيا ..مما يعكس أهمية التعاون الاقتصادي الجديد.
أما التحول الكبير في المجال الإقتصادي هو تقديم طلب الانضمام إلى المجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا كعضو كامل العضوية يوم الجمعة 24فبراير 2017بحسب بلاغ وزارة الشؤون الخارجية والتعاون حيث تم إبلاغ رئيسة ليبريا السيدة "إيلين جونسون سيرليف " والرئيسة الحالية للمجموعة الاقتصادية بتعليمات ملكية رغبة المغرب في الإنضمام ، وتأتي هذه الخطوة تتويجا للروابط القوية على المستوى السياسي والإنساني والتاريخي والديني والاقتصادي مع البلدان أعضاء المجموعة ، والتي تعززت حسب البلاغ من خلال الزيارات الملكية 23 إلى 11 بلدا بالمنطقة والتي أعطت مئات الإتفاقيات ،وتضم  هذه المجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا التي تأسست سنة 1975 مجموع 15 دولة من بلدان غرب إفريقيا   بهدف تحقيق التكامل الإقتصادي وتعزيز المبادلات التجارية بين دول المجموعة ورفع التحديات  . 
ولاشك أنه إذا ما تم قبول طلب المغرب بالإنضمام إلى المجموعة بعد انتهاء الجولة التي تقوم بها الدبلوماسية المغربية واستغلال وتطوير الفرص المتاحة في مجال المبادلات التجارية وغيرها سيمكن المجموعة من إقلاع اقتصادي حقيقي خصوصا بعد إطلاق مشروع خط "غازوديك ماروك " مع نيجيريا ، لأن هناك حرص وإرادة ملكية قوية في المساهمة إلى جانب الإخوة الأفارقة بالنهوض بالقارة وتحقيق التنمية البشرية والمستدامة، خصوصا بعدما أصبح يحكم إفريقيا جيل من القادة البراغماتيين المتحررين من العقد الإديولوجية التي عفا عنها الزمن كما قال جلالته  .
وبعد التعرف على أهم التحولات على المستويين السياسي والٌإقتصادي لاشك أن الظاهرة الإرهابية قد أزعجت القادة الأفارقة والشعوب الإفريقية ، لذلك سأتطرق معكم إلى أهم التحولات التي قام بها المغرب تجاه القارة الإفريقية على المستوىين الأمني والروحي على اعتبار أن الجانب الروحي المعتدل والمبني على أساس التسامح يساهم في استقرار نفسية المواطن الإفريقي وبذلك القارة ولكن في ظل التفاوتات في هذا الجانب أفرز لنا مجموعات متطرفة وسيفرز المزيد إذا لم تم القضاء أو التخفيف منهاوهو ماسأتطرق له معكم في المطلب الثاني .

المطلب الثاني : على المستوى الأمني والروحي 
لاشك أن الأمن هو أساس ضروري للتنمية فبدون استقرار لايمكن أن تكون تنمية حقيقية في أي بلد من بلدان العالم ، لذلك تتسارع الدول يوما بعد يوم إلى القيام بمشاريع استثمارية بالدول المستقرة ، ووعيا من المغرب بأهمية الأمن على مستوى القارة الإفريقية قام بمجموعة من التدخلات سنتطرق لها في ( الفرع الأول ) كما أن الفراغ الروحي استغلته العديد من الجماعات المتطرفة للتأثير على مجموعة من الشبان الأفارقة لتضليلهم عن الطريق الصحيح ( الفرع الثاني ) 
الفرع الأول : التحولات الأمنية
تعتبر ظواهر التطرف والعنف والإرهاب الدولي من أخطر التحديات التي تواجه العالم في الوقت الحاضر ، وقد أصبح من المؤكد أن هذه الظواهر ليست لصيقة بمنطقة جغرافية معينة ، أو بين بدين معين أو بثقافة معينة بل هي ظواهر لها طابع عالمي حيث تعرفها دول صناعية متقدمة كما تعرفها دول نامية وتشهدها دول إسلامية ومجتمعات غير إسلامية ، وللتدليل على ذلك تكفي الإشارة إلى الجماعات المتطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية والتي نفذت إحداها الإنفجار الشهير " أوكلاهوما سيتي " سنة 1990 وهناك جماعات النازيين والفاشيين الجدد في بعض دول أوربا الغربية وبخاصة فرنسا وإيطاليا وألمانيا ، وتستهدف هذه الجماعات بعض الجاليات الأجنبية المهاجرة إلى دول أوربا الغربية . وفي اليابان خلال عام 1990  ظهرت طائفة " أوم شيركو " التي خلفت حالة من الرعب بين اليابانيين  .
وتختلف أسباب ظهور هذه الجماعات بين الدول المتقدمة ودول العالم الثالث ، ففي البلدان المتقدمة يمكن القول أن مثل هذه الجماعات الهامشية هي إفراز لبعض الآثار وتداعيات السلبية الناجمة عن التقدم التكنولوجي والصناعي وبخاصة فيما يتعلق بخلق حالة من الفراغ الروحي والاختراق الثقافي والتفكك الأسري والاجتماعي في تلك المجتمعات وهو ما أدى إلى دفع فئات من الشباب  للانخراط في بعض الجماعات والتنظيمات التي تتبنى أفكارا قومية أو يمينية أو يسارية متطرفة .
أما بالنسبة للدول النامية فالمؤكد أن المشكلات الإقتصادية والاجتماعية الحادة وتعثر التنمية والفساد التي يعاني منها العديد من الدول تمثل بيئة ملائمة بتنامي جماعات التطرف والعنف الديني  .لذلك انتشرت بالقارة الإفريقية العديد من الحركات المتطرفة كحركة الشباب في الشرق التي انتشرت في منطقة الساحل هذه الحركة هم (إسلاميون) ذو أصول صومالية ولها روابط مع تنظيم القاعدة، بالإضافة إلى أنصار الشريعة بليبيا وتونس وبوكو حرام بنيجيريا وتنظيم داعش والمرابطون ...  ، إلى جانب الحركات الإرهابية فإن إفريقيا منذ عام 2003  شهدت  12 انقلابا عسكريا على سبيل المثال موريتانيا سنة 2005 وسنة  2008  وآخر الإنقلابات العسكرية كان بجمهورية إفريقيا الوسطى  سنة 2013 وغينيا بيساو سنة 2012  ومصر سنة 2013 ، فالديكتاتورية والفساد يتركان الباب مفتوحا على خيار الإنقلاب العسكري ،  لذلك يعتبر خيار دمقرطة القارة الخيار الناجع من أجل استقرار القارة .
ولذلك قام المغرب بالتدخل على المستوى الأمني ليساهم في الحفاظ على السلم والأمن الإفريقي ،إذ قام بإرسال  العديد من الجنود المغاربة  الذين أصبحوا يستوطنون في العديد من الدول الإفريقية إلى جانب استعداده للقيام بنقل تجربته على مستوى مكافحة الجماعات الإرهابية لفائدة بعض الدول الإفريقية التي تعاني من هذه الظاهرة،  حيث استضاف المغرب مؤتمرا حول مراقبة الحدود في منطقة الساحل والإتحاد المغاربي ليسلط الضوء على المقاربة الإستباقية والتفاعلية متعددة الأبعاد التي اعتمدتها بلادنا لتكون قادرة على توفير أجوبة ملائمة لمواجهة التهديدات الأمنية في المنطقة المغاربية والساحل وتعكس على وجه الخصوص التزامه بشأن استقرار وأمن هذه المنطقة ، واحترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية للدول الإفريقية .
وقد شارك المغرب بنجاعة في عمليات مختلفة لحفظ السلام ، خاصة بجمهورية الكونغو الديمقراطية وساحل العاج ، بخصوص الملف المالي لم يتوقف المغرب عن دعم هذا البلد لاستعادة وحدة وسلامة أراضيه ، كما أن المغرب انخرط من خلال التزام ملموس وتطوعي في إطار جهود الأمم المتحدة لإيجاد حل نهائي لهذا النزاع من خلال تعبئة المجتمع الدولي بشان الطابع الاستعجالي لهذه القضية ، وقد ترجم ذلك إلى اعتماد القرار الأممي رقم 2085 تحت الرئاسة المغربية لمجلس الأمن ، مما يؤكد دور المغرب كمتحدث باسم القارة لمواجهة مختلف التحديات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه منطقة الساحل والصحراء  . 
أما بالنسبة لدولة ساحل العاج فقد قدم المغرب الدعم والمساعدة في إطار الأمم المتحدة سنة 2004 حيث تم وضع تجريدة عسكرية مغربية تحت تصرف الأمم المتحدة مكونة من 732 عنصر تمركزت بالبواقي في إعادة الأمن والاستقرار .
وعموما يمكن القول أن التجربة المغربية على مستوى عمليات حفظ السلام أنها متواضعة مقارنة مع إمكانات بعض الدول الإفريقية المشاركة في هذه العمليات ، فهو يحتل المرتبة 18 في لائحة الدول المساهمة عسكريا على المستوى العالمي والثالث على المستوى العربي والثامن على المستوى الإفريقي   ،مما يتطلب تطوير هذا الحضور للدبلوماسية الأمنية على المستوى الإفريقي بعد العودة إلى منظمة الإتحاد الإفريقي لحماية القارة على العموم وعلى وجه الخصوص لحماية استثمارات المملكة واستثمارات رجالات الأعمال المغاربة لأن اللااستقرار في القارة سينفر رجال الأعمال المغاربة من العمل فيها إذا ماوقع شيئ يضر باستثماراتهم ، كما يتطلب تقوية الحضور الديني المعتدل وهو ماسنتطرق له في الفرع الثاني  .
الفرع الثاني : التطورات الروحية 
تعود علاقة المغرب الروحية والدينية والهوياتية مع إفريقيا إلى قرون، فرغم قربه من أوروبا وتميزه بتمازج الهوية الأمازيغية والأندلسية والعربية، إلا أن الهوية الإفريقية حاضرة دائما. حيث تضل القارة الإفريقية الفضاء الطبيعي الذي يحدد الطبيعة الجغرافية للمغرب. وتمتد علاقة المغرب مع جنوب الصحراء منذ قرون خلت، وعرفت تبادل سفراء وممثلي دول وهدايا وهبات وتبادلات اقتصادية، وخاصة في عهد بعض السلالات الحاكمة كالمرابطين والموحدين والسعديين والذين امتد حكمهم إلى إفريقيا الغربية كما هو الشأن في عهد المنصور الذهبي. و في عهد آخر سلالة حاكمة وهي العلويين استمرت العلاقات بين المغرب وبقية الدول الإفريقية، بل وانتعشت مع انتشار التصوف وتأثير الزوايا على العديد من الدول الإفريقية وازدياد أتباعها ومريديها هناك.
ولقد ظل البعد الديني الروحي حاضرا في العلاقات المغربية/الإفريقية، بمساندة امتداد تأثير العديد من الزوايا التي انتشرت فروعها بالعديد من الدول الإفريقية، وخاصة الزاوية القادرية والتيجانية، بالإضافة إلى انتشار المذهب السني المالكي الذي يتبناه المغرب  والمعروف عنه الوسطية والاعتدال، وسيادة قيم التسامح والانفتاح على الآخر، ما ساعد أيضا في انتشاره بالعديد من دول غرب افريقيا.  ولا زال إلى اليوم يعتبر المغرب مرجعا دينيا للأفارقة.
كما كرست هذه الروابط الزيارات الأخيرة والمتتالية لملك البلاد والذي يعتبره العديد من المتصوفة الأفارقة أميرا للمؤمنين ومرجعا دينيا وزعيما روحيا لأنه من سلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا الأساس  تم بالمغرب وبرعاية ملكية تكوين العديد من الأئمة الأفارقة وترميم وإصلاح عدد من المساجد والمدارس القرءانية، وطبع وتوزيع نسخ من القرءان الكريم. كما تم تقديم منح لطلبة قادمين من دول افريقية مختلفة قصد متابعة تكوينهم في مختلف الجامعات المغربية بما فيها الأكاديميات العسكرية، بالإضافة إلى أنه جرت العادة على توجيه دعوات دائمة للعلماء والفقهاء الأفارقة للحضور والمشاركة في الدروس الدينية التي ينظمها الملك كل سنة خلال شهر رمضان والمعروفة بالدروس الحسنية.
وارتكز المغرب على هذا النفوذ والحظوة الدينية عند الأفارقة وأصبح يعتمد عليها في تحسين علاقاته الدبلوماسية مع العديد من الدول. وعلى هذا الأساس تمت إعادة صياغة علاقات جديدة ومتجددة مع الزاوية القادرية وأيضا التيجانية  . 
ففي السنوات الأخيرة في عهد الملك محمد السادس ، أعاد المغرب صياغة علاقته بالتيجانيين وبطريقتهم نظرا للدور الديني والدبلوماسي الذي تلعبه هذه الطريقة في خدمة المصالح الوطنية وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية ، من خلال جعل هذه الزاوية كقناة دبلوماسية مع دول القارة الإفريقية لتعزيز العلاقات معها .ففي الجمع الذي عقد بالعاصمة الروحية والثقافية أواخر شهر يونيو 2007 للمنتسبين إلى الطريقة التجانية ، أكد كل التجانيين الأفارقة على الدور الذي تقوم به هذه الزاوية في تمتين الروابط الخاصة بين المغرب وإفريقيا .وفي هذا الصدد صرح المدير العام السابق لليونسكو السنغالي السيد " أمادي مختار امبو" بأن الطريقة التيجانية اطلعت بدور جوهري في التقريب بين المغرب وإفريقيا ولاسيما السينغال ، كما أن الآلاف من الأفارقة يعتبرون زيارة مدينة فاس واجبا دينيا من أجل استكمال حجهم إلى مكة . وفي نفس الإطار أشار من جانبه السيد " سيرين عبد العزيز سي الإبن" الناطق باسم الخليفة العام للتيجانيين بأن الطريقة التجانية ساهمت بشكل كبير في إشعاع الإسلام واللغة العربية بإفريقيا ، وأن دورها الهام في تعزيز الدبلوماسية الشعبية بين الشعب المغربي والشعوب الإفريقية معروف من لدن الجميع . 
ومن هنا يستنتج الدور الدبلوماسي الذي تلعبه الطريقة التجانية في دعم وإحياء العلاقات المغربية الإفريقية عبر القنوات الدينية والصوفية .
من هنا يمكن القول بأنه إذا كان المغرب يعمل جاهدا على جعل العامل الديني المتمثل في استثمار الطريقة التيجانية لجعل العلاقات المغربية الإفريقية أكثر صلابة فعليه المزيد من الاهتمام بالزاوية التيجانية بفاس المتمثلة في " ضريح سيدي أحمد التيجاني بفاس " والاهتمام أكثر بتيجانيي العالم وخاصة الأفارقة منهم للمزيد من الالتفاف حول المغرب واعتباره الحضن والراعي الصلب والقوي لجعل التيجانيين الأفارقة لزاويتهم المقدسة بفاس  .
 وبسبب أهمية الدبلوماسية الروحية الموازية ودورها في الحفاظ على استمرارية العلاقات بين المغرب وإفريقيا، فإن المنظومة الدينية والمجالس العلمية ورابطة العلماء ووزارة الأوقاف والأحزاب والجمعيات وكل مؤسسات المجتمع المدني مطلوب منها  العمل أكثر بالموازاة مع عمل الجهات الرسمية في هذا الإطار، وخاصة وأن هناك منافسة مغاربية على النفوذ الديني والروحي  في إفريقيا.
والهدف يبقى هو العودة إلى تعميق العلاقات أو العلاقات الطبيعية التي سادت بين المغرب والدول الإفريقية منذ قرون خلت. والتي هي بالأساس علاقات شعوب وحضارة وأفراد ينتمون لنفس الأرض ويتشاركون نفس الطبيعة والهوية والعرق  .
ومن بين المؤسسات التي تم القيام بها في عهد الملك محمد السادس إضافة إلى ماسلف ذكره نذكرعلى سبيل المثال إحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بموجب ظهير شريف سنة 2015 ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدات والمرشدين .
وفي ختام هذا المبحث يبدو أن المغرب عرف تحولات مهمة على المستويات السياسية والإقتصادية و الأمنية والروحية في عهد الملك محمد السادس، إلا أن هذه التحولات بالرغم من أهميتها فإن السياسة الخارجية المغربية الجديدة تجاه إفريقيا يمكن أن تعترضها العديد من المعيقات .


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة