ifada إفادة

ifada إفادة


اشكالية استقلالية القرارات المالية والاقتصادية للمغرب

الإثنين 09 ديسمبر 2019 - 10:00 , افادة
اشكالية استقلالية القرارات المالية والاقتصادية للمغرب وفد عن صندوق النقد الدولي في زيارة للمغرب
د.عبد الغني بامو

يدور مفهوم استقلالية القرار المالي والاقتصادي لدولة ما حول فكرة حرية السلطات العمومية في تلك الدولة في بلورة وتنفيذ سياساتها الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن أي تدخل داخلي أو خارجي، إلا في حدود ما تلتزم به الدولة طواعية لا جبرا، أي بموجب ما تتمتع به الدولة / السلطات من صلاحيات قانونية بموجب سيادتها على التراب وعلى السكان، وبناء على التعاقدات السياسية والاجتماعية بين السلطة وبين المواطنين.
فإذا كان الفكر السياسي المعاصر قد أسس لمفهوم السيادة الوطنية للدولة على التراب وعلى الشعب، فإن التعبير الصريح لتلك السيادة يتمثل في البناء الديمقراطي للدولة وفي النسق العلائقي الديمقراطي بين المواطنين وبين السلطة، وذلك اعتبارا لكون الحكومات هي نتاج عمليات سياسية /  انتخابية بهدف إفراز حكومات تمثيلية هدفها الأساس هو خدمة المواطنين على قدم المساواة ورفض ومجابهة أي محاولة تدخّل أو استلاب للإرادة الحرة للحكومات وللشعوب. 

فهذا التصور إذا كان طموحا في بنائه النظري وواقعيا في تطبيقه العملي ببعض الأنظمة السياسية ذات النزعة الديمقراطية في الحكم، فإن واقعها في الدول الأقل دمقرطة والتي تطغى عليها النزعة السلطوية يكاد يكون مجرد وهم، وذلك في ظل هشاشة بنياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بحيث تقترب من أن تكون بمثابة انعكاسات لإرادة الفاعلين المتمكنين والمتنفذين داخليا وخارجيا؛ لأنه في مثل هاته الوضعيات، لا تمتلك الحكومات قرارات أمرها وبالتالي لا مجال أمامها سوى التماهي مع توجهات ورغبات الفاعلين والضاغطين وطنيا ودوليا.
وبالنسبة لدولة كالمغرب، فالسلطات العمومية، ومنذ الاستقلال حتى اليوم، ما انفكت تتماهى مع توجهات وإرادات المانحين الدوليين (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بالأساس) واللوبيات الضاغطة محليا (محميات المصالح)، بحيث إن جل الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للسلطات العمومية المغربية كانت نتاج تدخلات وتوجيهات الفاعلين الدوليين والضاغطين المحليين، الشيء الذي أفقد جل القرارات المالية والاقتصادية استقلاليتها وعدالتها التوزيعية وفاعليتها وجودتها ومردوديتها.

لذلك، يبدوا أن أبرز سؤال يُطرح في هذا المستوى هو درجة الاستقلالية - الداخلية والخارجية – التي تتمتع بها القرارات الاقتصادية والمالية التي تتخذها الدولة. فمحاولة التعاطي مع هذا الإشكال يحتم تحديد المنطلقات المنهجية التي يجب اعتمادها؛ وتحديدا منطلق العلوم السياسية وبراديغمات تحليل السياسات العامة وتوظيف نظريات صناعة واتخاذ القرارات السياسية، وبحكم تعدد مقاربات التعاطي مع هاته الإشكالية فسيتم التركيز على مجموعة من الحجج ذات الصبغة القانونية والمالية المؤسسة على التحليل السياسي لإبراز حدود تقاطعات مصالح اللوبيات والدولة والمانحين الدوليين وأثرها على استقلالية القرارات المالية والاقتصادية للسلطات العمومية.

أولا: فرضية ارتهان القرار المالي والاقتصادي المغربي للخارج

لقد ورث المغرب المستقل عن الحماية الفرنسية دولة ذات اقتصاد متخلف خلقته البرجوازية الفرنسية والغربية بتحالف مع النخبة الاقطاعية المغربية، وكان دوره الأساس هو توفير المواد الأولية لاشتغال الاقتصاد الفرنسي والغربي وتوفير سوق لتصريف فائض القيمة من الانتاج الرأسمالي الغربي. وقد حاولت السلطات العمومية غداة الاستقلال السياسي بناء اقتصاد مغربي مستقل أبعد ما يمكن عن التبعية للاقتصاد الغربي، لكن فشل أو إفشال تلك المحاولات  أدى إلى تكريس تبعية الاقتصاد المغربي للخارج، وكانت المداخل الأولى لبداية فقدان المغرب لسيادته على قراراته الاقتصادية هو مدخل المديونية التي بدأت حدتها نهاية الستينات لتتفاقم مع مرحلة السبعينات والثمانينات وما بعدها .

ففي حقبة بداية السبعينات التي كانت موارد التصدير فيها مرتفعة، فقد انعكس ذلك على ارتفاع النفقات العمومية، أما في حقبة الثمانينات فشهدت موارد التصدير تراجعات حادة مما ساهم في الضغط على النفقات العمومية نحو الارتفاع وبالتالي تكرار العجوز الموازناتية السنوية، مما سهل الأمر على صندوق النقد الدولي بداية من سنة 1980 – تاريخ حلول أجل سداد الديون المقترَضة منتصف السبعينات- للتدخل في وضع الاختيارات الاقتصادية الوطنية تحت مراقبته وتوجيهاته بشكل إلزامي .
وقد تجلى هذا التدخل من خلال عدة مظاهر كان من بينها تعديل القانون المالي السنوي لسنة 1983 نتيجة ضغط المانحين الدوليين  الذين اشترطوا على المغرب إعطاء الأولوية للتوازنات المالية على حساب التوازنات السوسيو-اقتصادية وبالتالي الضغط على الإنفاق العام قصد تخفيضه وتقليص تدخل الدولة في المجال الاقتصادي، وهكذا انخفضت نفقات الميزانية العامة للدولة في قانون المالية التعديلي لسنة 1983 بنحو 16,8 أي بنحو 6 مليارات درهم في حين مس هذا الانخفاض بالدرجة الأولى نفقات الاستثمار بنحو 4 مليارات درهم.

كما أنه من بين الشروط التي حصل بموجبها المغرب على قروض من نادي باريس ونادي لندن هو توفره على رسالة تزكية من صندوق النقد الدولي، وهذا الصندوق لا يمنح هذه التزكية إلا بعد قيام الدولة أو التعهد بالقيام بالإجراءات التقويمية وفقا لوصفة صندوق النقد الدولي، وبالتالي التدخل في الشؤون الداخلية للدول المدينة. ومثال ذلك رسالة النوايا الحسنة التي وجهها المغرب سنة 1985 إلى صندوق النقد الدولي بشأن التزامه بتطبيق التقويمات التي يوجهها الصندوق . 
وقد تمثلت الوصفة الجاهزة التي وضعها المانحون الدوليون للراغبين في إعادة جدولة ديونهم أو الحصول على ديون جديدة في: تحرير المبادلات الخارجية، تخفيض قيمة العملة الوطنية، تطبيق حقيقة الأسعار، التخلي عن دعم المواد الأساسية، تحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص، تخفيض النفقات العمومية .

وفي نفس التوجه التدخلي للمانحين الدوليين في القرارات الداخلية للدولة، تقوم هاته المؤسسات بإصدار تقارير دورية سنوية أو فصلية ذات أبعاد رقابية وتوجيهية وتنقيطية. فمثلا في تقريره لعام 1984 حول التصنيع وإنعاش الصادرات، أوصى البنك الدولي المغرب بخفض نفقات الدولة نظرا لمسؤوليتها المباشرة في تفاقم عجز الميزانية وذلك بخفض سنوي لنفقات الدولة بمعدل 8 سنويا وذلك بالقيام بما يلي:
-تخفيض نمو نفقات السلع والمصالح لنحو 11 سنويا، تقليص دعم الاستهلاك وعدم زيادة نفقات التحويلات المالية نحو المؤسسات العمومية بين فترة 1982-1985، إطلاق مسلسل إصلاح قطاع المؤسسات العمومية بهدف الحد من خسائرها الاستغلالية، تطبيق سياسة تحرير الأسعار وتخفيض الرقابة على أسعار السلع  .
وقد تم فعلا سنة 1981، البدء في تنفيذ سياسة تطبيق الأسعار وذلك بالزيادة في أسعار المواد الأكثر استهلاكا وكذا تخفيض النفقات الموجهة للقطاعات الاجتماعية مما ولد احتجاجات عنيفة حملت اسم أحداث 20 يونيو 1981 بالدار البيضاء، وتبعتها أحداث / انتفاضة فاس بتاريخ 14 دجنبر1990.
وقد استمر مسلسل التقارير التنقيطية والتوجيهية للمؤسسات المالية الدولية منذ تلك الفترة إلى الوقت الراهن، إذ كان آخر تجليات هذا التوجه التدخلي للمانحين الدوليين في القرارات المالية والاقتصادية للسلطات العمومية المغربية، هي الشروط التي بموجبها حصل المغرب على خط الوقاية والسيولة (LPL)  من صندوق النقد الدولي والتي وصل مبلغها سنة 2015/2014 لحوالي 3,2 مليار دولار أمريكي أي بنسبة 550% من نسبة مساهمة المغرب في الصندوق .

وكان مبرر حصول المغرب على هذا الخط الوقائي هو التزام المغرب بمواصلة تطبيق "الإصلاحات الاقتصادية والمالية" وخاصة في مجال تحرير أسعار المحروقات وإلغاء الدعم الموجه لها، وتخفيض الدعوم الموجهة للمواد الاستهلاكية وغاز البوتان في أفق إزالتها، وخفض عجز الميزانية...
وفي إطار التقارير التقييمية للصندوق حول انضباط المغرب بتنفيذ "الرؤية الإصلاحية"، فقد أفاد صندوق النقد الدولي بناء على تقرير لجنة الخبراء التي أرسلها للمغرب، بأن المغرب قد التزم على العموم بتطبيق ثلاثة معايير/شروط من أصل خمسة، وهاته الشروط/المعايير تتمثل في:
- الوضعية الخارجية والولوج للأسواق؛
- السياسة الموازناتية؛
- السياسة النقدية؛
- الصلابة والإشراف على  القطاع المالي؛
- جودة المعطيات.

كما أن الإصلاحات في مجال السياسة الموازناتية والوضعية الخارجية لازالت تتطلب مزيدا من الإصلاحات حسب منظور صندوق النقد الدولي. 
إن مواصلة المغرب الاستفادة من (LPL) رهين بانضباطه لتعليمات صندوق النقد الدولي حالا ومستقبلا. وفي هذا السياق بعثت السلطات المغربية بمراسلة كتابية لإدارة صندوق النقد الدولي بتاريخ 23 يناير 2015، ومن بين ما تضمنته التزام السلطات المغربية بتقليص العجز الموازناتي إلى حوالي 3 في المائة من PIB بحلول سنة 2017، وذلك موازاة مع هدف تقليص الدين العمومي وتقليص البطالة لحوالي 8 في المائة على المدى المتوسط... وعلى عدة إجراءات أخرى، الهدف منها طمأنة المانحين الدوليين باستمرار السلطات المغربية في مواصلة " تطبيق الإصلاحات" حسب منظور صندوق النقد الدولي وطبقا لتوصيات خبرائه، بالرغم مما لهاته " الإصلاحات" من خطورة على الاقتصاد الوطني وعلى معيشة الغالبية العظمى من المواطنين الذين سيدفعون هم وأولادهم حالا ومستقبلا ضريبة "الإصلاحات" وثمن السياسات الخاطئة للسلطات العمومية منذ الاستقلال إلى اليوم.

ثانيا: اتساع مجال المحميات الموجِّهة للقرار الاقتصادي والمالي

تمتاز البنية الاقتصادية والاجتماعية للدول المتخلفة على العموم بإفرازها لعلائق يتحكم فيها منطق الولاء والعصبية والتبعية بين من يملك سلطة المنح والعطاء من جهة وبين من ينتظر الاحسان والعطاء من جهة ثانية؛ حيث تتحدد درجة الاستفادة انطلاقا من مستوى القرب أو البعد من دائرة السلطة التي تمتلك الإمكانات الاقتصادية والامتيازات الاجتماعية التي تجعل الآخر في حاجة دائمة إليها. 
وتجد هذه العلائق أُسسها في التركيبة الاجتماعية والاقتصادية ذات السمة الريعية التي تتأسس على منطق العلاقات الأبوية والمصاهراتية والعشائرية التي يحكمها مفهوم الولاء والتي تضاد العلاقات الانتاجية المبنية على المعرفة والكفاءة الانتاجية (الشكلين أسفله)، وهي امتداد لاقتصاد الغنيمة المؤسس على الريع والخراج
وحتى بعض التنظيمات (الزوايا، الجمعيات، الوداديات، الأحزاب...) من السلطة / المخزن قبل الاستقلال وبعده وإلى يومنا هذا (رخص استغلال المقالع و ورخص الصيد والتصدير والاستيراد، الأراضي الموزعة على الأعيان والمحظوظين، امتيازات ضريبية، الاستفادة من ممتلكات الدولة ووسائلها – الاحتلال المؤقت...- تعويضات مالية هائلة لكبار المسؤولين والموظفين، تعويضات الوزراء والبرلمانيين وتقاعدهم، تفويت صفقات عمومية للمقربين والمحظوظين....).

 إن هذه البنية الريعية إذن تمكن الفئة المتحكمة في السلطة من تقديم نفسها على أنها هي المصدر الوحيد للرزق وما على باقي الفئات المجتمعية الأخرى إلا محاولة التقرب منها واسترضائها أملا في الحصول على نصيب من غنائمها.
فهذه التشكيلة الريعية تتميز بالاندفاع نحو الاستهلاك الترفي لدى أفراد المجتمع؛ حيث يتوقف المستوى المادي لهم في الغالب الأعم على درجة قربهم أو بعدهم من دائرة السلطة التي تمتلك الثروة والمزايا الاقتصادية. وبالتالي تدفع هاته الوضعية نحو تعظيم ثقافة الاستكانة والانتهازية (الهمزة) والمضاربة على حساب ثقافة العمل والتحدي . 
كما أن هاته التشكيلة الريعية تتميز بخلقها لبرجوازية انتهازية تدور حولها، وتسعى للحصول على أكبر قدر من المكاسب بطرق غير مشروعة بغطاء من السلطة.
وفي ظل هاته التشكيلة الريعية توجد محميات (قوى الضغط)  من المستفيدين من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية نتيجة قربها من السلطة ومن دائرة مراكز اتخاذ القرار؛ حيث يقدمون أنفسهم على أنهم الأكثر حرصا على خدمة السلطة ومصالحها من باقي الفئات الاجتماعية الأخرى. وهاته المحميات (التنظيمات) توظفها السلطة كوسيط بينها وبين الفئات الاجتماعية وكمنافس لكل احتمال بروز وعي/حركة مستقلة قد تنافس السلطة على المشروعية أو قد تهدد بعض مصالحها آنا أو مستقبلا. 

وبالتالي تضمن السلطة بواسطة هاته المحميات اختراق المجتمع والتحكم في التنظيمات المدنية ضمانا لولائها للسلطة. كما تستفيد هاته المحميات من توزيع الامتيازات الاقتصادية التي قد لا تخضع لأي رقابة أو قد يتم تبريرها شكلا، كما سيلاحظ بعده.
لذلك، فهذه التنظيمات تستفيد من حماية السلطة لمصالحها كما تدافع هي الأخرى عن السلطة مقابل امتيازات تحصل عليها بواسطة ضغوطات وشبكات للمصالح توجد بكل دواليب الدولة، وبالتالي تضغط في اتجاه تغيير وتعديل القرارات التي قد لا تتماشى مع مصالحها تحت مسميات عدة، وهذا ما يفقد القرارات الاقتصادية والمالية استقلاليتها وعدالتها التوزيعية.

أ‌- محمية الاعفاءات:
I- النفقات الجبائية

شهدت النفقات الجبائية  خلال السنوات الأخيرة نموا ملحوظا بفعل اتساع مجالها والقطاعات المستفيدة منها، وقد تأسست سياسة الإعفاءات الجبائية بالمغرب لأهداف اقتصادية (تشجيع المقاولات والرفع من تنافسيتها...) واجتماعية (تحسين القدرة الشرائية ودعمها، مساعدة ذوي الدخول المحدودة على الولوج لبعض  الخدمات...). لكن واقعها كشف عن حيادها عن الأهداف التي أنشئ من أجلها هذا النظام، الذي تحول لمجال واسع للمضاربات والممارسات الريعية.

 وهكذا بلغ مجموع النفقات الجبائية بين سنة 2004 وسنة 2014 ما مجموعه 248 مليار درهم، كما بلغ معدل نموها السنوي بين سنة 2005 وسنة 2012 حوالي 13,0% سنويا، أما متوسط نصيبها من متوسط  PIBخلال نفس الفترة فبلغ نحو 3,4%، في حين بلغ متوسط حصتها من متوسط الموارد الجبائية قرابة 14,4% سنويا.
وهاته الإعفاءات تطرح عدة إشكالات حول جدوائيتها وآثارها الحقيقية على الاقتصاد الوطني في ظل عدم وجود تقييم إجمالي لهاته النفقات وآثارها الاقتصادية الاجتماعية، وهذا ما أشار إليه التقرير الأخير (2013) للمجلس الأعلى للحسابات بضرورة القيام بقياس الأثر السوسيو اقتصادي للنفقات الجبائية، وذلك تفاديا لأن تستمر في كونها مجالا للريع الاقتصادي والاجتماعي والمالي. كما هو الشأن بالنسبة لإعفاءات القطاع الفلاحي من الضرائب.

II-  الدخول الفلاحية

خلال الثمانينات، اتخذت السلطات العمومية قرارا (قانونا) يقضي بإعفاء الدخول الفلاحية من الضرائب، وكانت المبررات التي قدمت سنة 1984 لإعفاء القطاع الفلاحي من الضرائب إلى غاية 31 ديسمبر 2000، تتمثل في أن أغلبه يوجد بالعالم القروي، كما أنه متأثر بالظروف المناخية، وأغلبية الفلاحين فقراء وذوو مداخيل محدودة...، لكن الملاحظ هو أن أقلية قليلة تحتكر أكثر من 80 من المداخيل الفلاحية. كما أنه في بعض السنوات المعلَنة سنوات جفاف معتدل سجلت فيها الصادرات الفلاحية نحو الخارج ارتفاعا كبيرا وهذا في حد ذاته وضع متناقض؛ إذ يعني ذلك أن المنتوجات الفلاحية الموجهة للخارج لا تتأثر بتاتا بالتقلبات المناخية. 
ففي سنة 2009 مثلا، بلغ حجم الاعفاءات الجبائية التي استفادت منها الفلاحة والصيد البحري حوالي 3,8 مليار درهم، وحلت في المرتبة الثانية من حيث الاعفاءات الجبائية وبحوالي 13,2% من مجموع النفقات الجبائية لسنة 2009. وبلغت في سنة 2012 حوالي 4,2 مليار درهم .

إذ تكشف تقارير مكتب الصرف عن تسجيل الصادرات الفلاحية لنسب نمو خلال السنوات المعلنة كسنوات جفاف معتدل؛ فمثلا في سنة 2001 ارتفعت الصادرات الفلاحية عن سنة 2000 بنحو 6,3، فيما بلغت نسبة نمو الصادرات الفلاحية سنة 2007 مقارنة بسنة 2006 حوالي  26,2، كما بلغ المعدل السنوي لنمو الصادرات الفلاحية بين سنة 2001 وسنة 2011 ما يقارب 9,3 سنويا. وبالتالي تم رفع شعار حماية الفلاحين الصغار ليغطي استفادة كبار المستغلين الفلاحيين من تلك الامتيازات، التي لا تتأسس على أسس عقلانية ولا على منطق التحليل الاقتصادي الليبرالي الذي تحكمه علاقات الإنتاج، بل على منطق العلاقات الريعية التي لازالت تتحكم في العديد من الميكانيزمات الاقتصادية المغربية.
 والحالة هذه إذن تفرض البحث عن الأسباب الأخرى لهذه الوضعية وتجاوز المقاربة القانونية والمالية إلى المقاربة السوسيولوجية والتاريخية: من يمتلك هذه الضيعات الكبيرة وكيف حصلوا عليها؟ ما طبيعة علاقاتهم بالسلطة؟ ما هي الأصول الاجتماعية للملاك؟...

ب-  محمية المستفيدين من توزيع الريع/الغنيمة على زبائن النظام السياسي
توزيع منح الاستفادة من الوساطات والسمسرات المالية والتجارية

خلال سنة 2006، تم تعديل القانون الأساسي المتعلق بالبنك المركزي – بنك المغرب - تحت مبرر دعم استقلاليته، وذلك من خلال حظر إقراضه للحكومة إلا في نطاق ضيق، وهذا ما تنص عليه المادة 27 من القانون المذكور بالنص على "لا يمكن للبنك منح مساعدات مالية للدولة إلا في شكل تسهيلات صندوق... ولا أن يعتبر ضامنا للالتزامات المبرمة من طرفها. تحدد تسهيلات الصندوق في 5 في المائة من الموارد الجبائية التي يتم تحقيقها خلال السنة المالية المختتمة"، وهذا الحظر تم مقابل فتح الباب أمام باقي المؤسسات الائتمانية  لتقوم بمزيد من هذا الدور، حيث تلجأ هي أولا إلى الاقتراض من بنك المغرب بنسبة فائدة وصل معدلها السنوي (حسب الجدول أدناه) بين سنة 2001 وسنة 2012 نحو 3,38 وتقوم بإقراض الحكومة عبر الاكتتاب في سندات الخزينة، عن طريق المزايدة بنسبة فائدة وصل معدلها السنوي بين سنة 2001 وسنة 2010 حوالي  4،48.

 ففي سنة 2012 مثلا، بلغ حجم الديون الداخلية الجديدة نحو 120 مليار درهم، وباحتساب قيمة الفوائد مقابل سعر بنك المغرب وهي %3 سيكون الخارج هو 3,6 مليار درهم، وباحتساب قيمة الفوائد (4,9) التي سيحصل عليها المكتتبون خارج سعر الفائدة المحدد من طرف بنك المغرب - (3) مع افتراض أن هاته القروض قصيرة الأمد (أقل من سنتين)، على الرغم من أنها تتضمن القروض المتوسطة والطويلة الأمد والتي تكون نسبة الفائدة فيها مرتفعة - فإن هؤلاء المكتتبين سيستفيدون مبدئيا من عوائد تقدر بنحو 2,2 مليار درهم سنويا - دون احتساب العوائد المفروضة على أساس سعر (3) - حتى استهلاك أصول وفوائد الدين، وذلك نتيجة منع بنك المغرب من تقديم تسهيلات الصندوق للحكومة خارج سقف 5 من الموارد الجبائية. 

أما في سنة 2013، فقد ارتفع حجم الديون الداخلية الجديدة - التي عبأتها الخزينة من السوق المحلي-  عن سنة 2012 ليصل لحوالي 175 مليار درهم، وذلك بنسبة زيادة عن سنة 2012 بلغت 45,7%، وبنفس العملية الحسابية أعلاه، فسيستفيد المكتتبون مبدئيا من عوائد قد تصل لنحو 3,1 مليار درهم سنويا إلى أن يتم استهلاك أصول وفوائد الدين. وهذا الوضع كان بالإمكان التقليص منه لو تم رفع نسبة السقوف العليا لتسهيلات بنك المغرب المسموح تقديمها للحكومة.
من خلال ما سبق يمكن استنتاج أن الدولة وزعت على الأبناك والأشخاص المقرضة لها نحو ملياري درهم سنة 2012، وحوالي ثلاثة ملايير سنة 2013 بشكل غير معقول، وبالتالي تبرز ضرورة تفكيك بنية هاته الأبناك والمؤسسات الائتمانية الأخرى لمعرفة لمن تعود ملكيتها، وكذا لفهم درجة تقاطع مصالح هؤلاء الملاك مع مصالح السلطة.

خلاصة:

إن المستنتج إذن من كل ما سبق تحليله هو ضعف استقلالية ودمقرطة سيرورة صناعة القرارات المالية والاقتصادية للدولة بالمغرب، وذلك بسبب ضغط بعض القوى الخارجية (المانحين الدوليين) وبعض القوى الداخلية (محميات اللوبيات)، الذي أدى إلى فقدان جل القرارات المالية والاقتصادية لمردوديتها ولعدالتها التوزيعية، وذلك راجع لكون نسق ممارسة السلطة بالمغرب ذي نزعة سلطوية وله ارتباط وثيق بتدبير السياسة المالية الاقتصادية، والتي هي إحدى مظاهر ممارسة السلطة؛ لأن الفاعلين في السلطة والذين يشتركون في صنع واتخاذ القرار المالي والاقتصادي ينطلقون من مواقع يحكمها تضارب المصالح والرغبة في الحصول على مكاسب أكبر بقدر ما تسمح به قواعد اللعبة السياسية، التي تفسح المجال أمام المجموعات الضاغطة لمزيد من الضغط بقصد الحصول على أكثر المزايا لصالحها.
ومن هذا المنطلق الصراعي حول المصالح الذي يميز المجال السياسي، تبرز أهمية دمقرطة المؤسسات السياسية؛ لأنه لا يمكن الفصل موضوعيا بين السياق السياسي وما بين مردودية وعدالة القرارات المالية للدولة.

 فالمؤسسات السياسية ذات النزعة الديمقراطية التي تسمح بتداول سلمي على السلطة عبر انتخابات حرة، تؤدي إلى تشكيل حكومات تمثل الإرادة الحرة للمواطنين، وتكون مسؤولة أمامهم وتعبر عن تفضيلاتهم وطموحاتهم في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ستؤدي لا محالة إلى تمكين الحكومات الديمقراطية من مجابهة اللوبيات والضاغطين الدوليين الساعين لسلب الإرادة الحرة للمواطنين وللشعوب مقابل النزوع المفرط لتحقيق مصالحهم على حساب مصالح الشعوب.
كما أنه يتعذر بناء نظام مالي واقتصادي جيد وديمقراطي وذي مردودية، دون توفر الشرط السياسي المتمثل في دمقرطة مؤسسات الدولة الفارزة لحكومات تمثيلية حقيقية. وبذلك تبرز إلحاحية التأكيد على ارتباط الإصلاحات في المجال السياسي/المؤسساتي بالإصلاحات في المجال المالي والاقتصادي، بما سيوفر فضاء جديدا لبناء تعاقدات سياسية واجتماعية جديدة، تشكل بيئة لبروز وعي جديد ونخب جديدة لا تتماهى مع السلطة، بقدر ما تعبر عن النبض الحي للمجتمع المغربي.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة