ifada إفادة

ifada إفادة


المواطن في سبات عميق

الأحد 08 سبتمبر 2019 - 23:35 , افادة
المواطن في سبات عميق
إريس ر. عايدة

قال جيفرسون مرة: "إذا أهمل المواطن واجبه السياسي، فإن الممثلين، الرؤساء، الحكام والشعب يتحوّلون لذئاب". هذا للإشارة إلى أن المسؤولية جماعية لا فردية. فأن يبقى المواطن مكتوف اليدين في انتظار أن يحاسب مسؤول ما، والذي لن يحاسب أبدا، وأن يزال النقاب عن وقائع حوادث تكرّرت، ولا تزال، حتى أصبحت روتينا في الواقع المعاش.
وبعد الكوارث، تسمع: طريق تنهار في المنطقة إكس وتُخلِّفُ عشرات الضحايا، فضيحة ملعب تمّ بناءه بتكلفة الملايين، سرقة الملايير في احتيال جماعي لرئيس دائرة بالمنطقة التابعة لخلاء ديمقراطي، امرأة تلد أمام مستشفى فيما الأطباء غائبون عن الوعي والتجهيزات الطبية تمّ بيعها في السوق السوداء، اختلاس برلماني وتلاعب بالقوانين وهكذا دواليك. يجلس الكل أمام تلفازه، جريدته أو هاتفه النقال بمقهى ينتقد فيه السياسة ويلوم الخونة والشياطين.
ويبقى السؤال: من بنى الملعب؟ أليس الشعب؟ من يدير المستشفيات؟ أليس الشعب؟ من يسمح بالاختلاسات ويدفع رشاوي يمنة وشمالا لقضاء مصلحة مجانية؟ أليس الشعب؟ من يمرُّ غير عابئٍ بطريق جبلية ولا يرفع صوت التنديد بحق ضائع؟ أليس الشعب؟ من يُصوِّت على البرلمانيين والأحزاب ومن لا يُصوِّت غير مُهتمٍّ بمستقبل البلد؟ أليس الشعب؟ 
ودخل الشعب في شغبٍ طفولي يلعب فيه لعبة الغمَّيضة العمياء. لا عين رأت ولا أذن سمعت. لا حاجة له لوجع رأسٍ لا يفيده. فالكل، حقيقة، يرجو أن ينضمَّ لصفوف من ينهبون. لذلك يخشون تقنين الواقع اليومي. فذلك من شأنه ألا يخدم مصالحهم في المستقبل الغائب.
مرّةً، ليست بعيدةً لذلك الحد، لكن وجب البناء للمجهول، قام سائق طاكسي كبير بنطق عباراتٍ يعيدها الكل. لكن خاصيته أنه صاغها بمرارة المعاناة اليومية. قال:"" لا يجب أن نلوم رؤساء الجماعات والمسؤولين على اختلاساتهم. فلو أُعطيتنا نفس الفرصة لقمنا بالمثل. أتعرف لماذا؟ لأننا محتاجون. فتقلُّد المنصب يعني حاجة ماسة لفيلا رفيعة، سيارات للأطفال، تكوين الأبناء بالخارج وعطل رسمية تليق بالأمراء. غير هذا لا نقبل به. والكل يصبو لهذا. والكل على هذه الشاكلة بدون استثناء. إنها الحاجة لا غير. هي التي تفعل بنا هذا كله. وأنا نفسي سأفعل مثلهم يوم أتقلّد السلطة.""
تبقى هذه وجهة نظرٍ فريدة للأشياء، غير أنها تحمل في طياتها الحقيقة المرّة التي لا تقال. تتطلب اللعبة السياسية مكر الثعالب ودهاء الذئاب. لذا، ترى المواطن غير حافلٍ بالسؤال السياسي، ولكن مُتَمَكِّن من أصول اللعبة منذ الصغر. وهذا هو مشكل العصر.
في تعريف السياسة، يقال: هي فن التعارض والتناقض. وفي كل بلدان العالم، تجد هذه الحقيقة المرّة. لا يجب إعطاء المَثَل بدولة استطاعت تحقيق قفزة نوعية مثل سنغفورة، اليابان وغيرها. لكل دولةٍ خصائصها، لكن يبقى سؤال التراتبية السياسية والمحاسبة المسؤولة هو نفسه.
لا يجب أن ينتظر الشعب زلزالاً سياسياً من شأنه إزالة الغبار عن هياكل سياسية تأصّلت في المجتمع. فلاسْمُ "زلزال سياسي" مُسمّى سياسة. وبالتالي، لن يكون دماره مهولا كما حال الأعاصير والزلازل، وإنما مشهداً إعلاميا من شأنه سدُّ رمق الشعب الإخباري. يكمن الحل في ربط المسؤولية بالمحاسبة بالمواطن. المواطن هو المسؤول الأول والأخير. هو من يبني، يُعلي وهو من يسيء التدبير ويسكت على سوء الأحوال لأسباب تعنيه. بخالص العبارة: هو مشكل المجتمع الأناني الفرديِّ الذي نسي مفهوم التكافل الاجتماعي. 

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة