ifada إفادة

ifada إفادة


حريق العصر

الثلاثاء 27 أغسطس 2019 - 20:56 , افادة
حريق العصر
إريس ر. عايدة

استيقَظَ وعي العالم على حريق الرئة الخضراء المعروفة بغابة الأمازون. هو حريق بدا وسيبدو للكل على أنه نتيجة ما يسمى بالتصحر، تدهور الغطاء الغابوي وغيرها من المسميات التقنية المتعددة. الشيء الذي يترك القارئ محمَّلاً بعبئ أسئلةٍ لا يجدُ لها جوابا. غير أن الحريق الأسود الذي أحرق جزءاً كبيراً من رئة الأرض، لا يُشكِّل سوى الشعلة الكبرى التي محت النيران الصغرى التي ما يلبث حراس الغابة والاطفائيين يحاولون إخمادها ليل نهار. 

بالطبع، الحريق من فعل الإنسان. والإنسان يسعى دون كلل لتحقيق تقدم اقتصادي وأرباح مادية تذهب ضحيتها الطبيعة. وفي وجه الحريق، تراءت لنا قدرة الخالق عز وجل.  استمرّ الحريق لما يقارب الأسبوعين. لم تستطع لا الرشاشات المائية ولا المروحيات الحربية الخاصة القضاء على نارٍ لا تخمد بل تتأجج أكثر فأكثر. غطى الدخان مدينة ساو باولو البرازيلية التي عامت في ظلام حلَّ بالنهار. غطاها غشاء أسود جعل الليل والنهار واحداً لا اثنين. وبقي الكل يحاول جاهدا إطفاء الحريق، لكن دون جدوى.
الغريب في الأمر أن هذا الحريق كان متوقعاً إذ تمَّ التنبؤ به في سلسلة "آل سمبسون" الأمريكية كعددٍ من السابقات نذكر منها: فوز ترامب في الانتخابات وفشل محاولته شراء "Greenland". وهذا دلالته أن الوقائع فِعْلُهَا فاعل وليس تنبؤاً كما يمكن أن يقود الظن العامِيُّ الذي يُخيِّم على العقول البشرية. لحد الساعة، يقوم صُنَّاع القرار بالتحكم بالوقائع وفق منهج محدد. لكن، قدرة الله غالبة على كل شيء ولا يعلم الغيب إلا الله. 

وعودة للحريق، وقف الإنسان المعاصر عاجزاً بالرغم من كل تكنولوجياته الحديثة وابتكاراته المتراكمة أمام حريق يُحوِّل رئة الأرض إلى رمادٍ أسود. والفعل المتمثل في إشعال فتيل النار لا يعدو أن يكون وراءه الهوس الاقتصادي والتنافسية العالمية. الشيء الذي من شأنه أن يُعرِّض مستقبل الأرض لخطرٍ محدِّق. دُقَّت نواقيس الخطر المحذِّرة بشأن الاحتباس الحراري والكوارث الطبيعية، لكن صداها يمرُّ مرور الكرام من أمام إنسان القرن الواحد والعشرين الذي غذا يعيش بمعايير أخرى.
وتأتي السياسات الخارجية لتقيم ولائم الوفاء على جثة الأمازون الساخنة. وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي الذي عجّل باستدعاء استعجالي واستثنائي للسبعة الكبار من أجل تدارس الكارثة وإيجاد حلول بينية معبِّرا في الوقت ذاته على حسابه تويتر، عن حزنه العميق وأسفه الشديد لما يحل برئتنا الأرضية. ويأتي رد الرئيس البرازيلي صريحا بأن لا دخل لفرنسا ولا لغيرها بمجريات أحداث تهم البرازيل وحدها. وقد وضح على حسابه تويتر أن على الرئيس الفرنسي، خصوصا، التوقف عن لعب دورٍ لا يليق به واستغلال المآسي سياسيا. الكارثة لم تكن مسألة سياسية، وإنما مسألة عالمية تفوق حدود الدول وصراعاتها العولمية. 

عندما يقوم الإنسان العاقل بربط الأحداث معا، انطلاقا من سلسلة "آل سمبسون"، مروراً بالمشاريع القائمة على الأراضي الأمازونية والمشاريع المستقبلية، وصولا إلى التداعيات الطبيعية والخسائر الغابوية والحيوانية والمضاربات السياسية، تتجلى صورة الأمر الواقع بكلِّ وضوح. ويبقى السؤال القائم دون جواب: لماذا؟

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة