ifada إفادة

ifada إفادة


استئناف الحَراك التلاميذي محاولة فهم

الإثنين 12 نوفمبر 2018 - 13:07 , افادة
استئناف الحَراك التلاميذي محاولة فهم
عبد الرحيم رجراحي

شهد المغرب، في الآونة الأخيرة، حراكا تلاميذيا يلفت الأنظار، ويستدعي التفكير؛ وقد تمثل هذا الحَراك في مقاطعة فصول الدراسة، والخروج في مسيرات تنديدية احتجاجا على ترسيم الزيادة في ساعة إضافية، بعد أن كان الناس يتحملونها، بشكل مؤقت، كرها وقهرا، نظرا لما تخلفه من انعكاسات سَلبية على المتعلمين وذويهم، على غير ما تلوح به "دراسات" مشبوهة تسعى لتبرير هذه الزيادة مكتفية بإحصاءات وأرقام لا تأخذ في الحسبان الراحة النفسية والاجتماعية لعموم المواطنين، قاصرة النظر على المصالح الاقتصادية، وكأن الناس ماكينات لا روح فيها.

فهل مَرَدُّ هذا الحَراك التلاميذي بالفعل إلى مجرد ترسيم ساعة إضافية كما يبدو ذلك في الظاهر أم مَرَدُّهُ إلى أسباب عميقة ومركبة لم يكن ما حدث إلا النقطة التي أفاضت الكأس؟ وما طبيعة هذا الحَراك التلاميذي؟ هل هو حَراك منظم من طرف فاعلين مدنيين أم أنه حَراك عشوائي يفتقد إلى التنظيم؟ وبغض النظر عن طبيعته، فما هي الرسائل التي يحملها؟

تلك أسئلة تتبادر للناظر في قضايا المجال العمومي، وحسبنا في هذا المقال التفكير فيها، في محاولة منا لفهم ما يجري من حولنا، بعيدا عن أية مواقف متسرعة أو لوك ما يردده بادئ الرأي.
لعل أول ما يلفت الانتباه في قرار ترسيم الساعة الإضافية هو طبيعته الفجائية؛ وهو ما يعني استمرار الدولة في الانفراد باتخاذ قرارات مصيرية تمس المصلحة العامة دون أية مقاربة تشاركية تأخذ في الاعتبار مصالح المواطنين؛ وهو ما يدعو إلى التساؤل عن أدوار مؤسسات الدولة التي ينتخبها الناس إن لم يكن الغرض منها استشارة المواطنين والتجاوب مع طموحاتهم؛ وبالتالي، فلا ريب أن أقل ما يمكن أن يترتب عن قرار فجائي في ضوء الأزمة الاجتماعية المشهودة هو مسيرات احتجاجية تعبِّر عن السخط وتندد بواقع الحال. 
وعليه، فالمسيرات الاحتجاجية التي صاحبت قرار ترسيم الساعة لم تكن تفتقد للتنظيم؛ إذ كانت رد فعل طبيعي تجاه زيادة ساعة إضافية استمرارا لقرارات الزيادات التعسفية التي لم تعد تطيق آذان الناس سماعها فبالأحرى تحملها.
ولعل ما يميز الحَراك التلاميذي، في بدايته، هو غياب  الفاعلين المدنيين، واكتفاؤهم بالتعليق على الحادث تاركين شوارع الاحتجاج تصدح بالأصوات الفتية للتلاميذ، مستفيدين من خبرات تجارب جماهير المشجعين في ملاعب كرة القدم حين يعلنون سخطهم على أداء فريقهم المفضل الذي لم يكن عند حسن تطلعاتهم، أو حين يسخطون على المدرب الذي لم تكن خطته فعالة وناجعة.
والحق أن الفريق الحكومي ورئيسه لم يبلوا البلاء الحسن طيلة ولايتهم، ولم يتجاوبوا مع انتظارات عموم الجماهير بشكل إيجابي؛ فقد يئس الناس من إغلاق باب الحوار الاجتماعي، ومن الانفراد في اتخاذ القرارات اللاشعبية، ومن الاحتكار وغلاء الأسعار، ومن البطالة وضيق الحال.

ونظرا لهذا الوضع المأزوم، فقد دقت ساعة إعلان السخط، ولم يعد مبررا الصبر على مزيد من القرارات الجائرة التي تزيد الطين بلة، غير مكثرة بالعيش الكريم لعموم الناس. غير أن الاحتجاجات المشروعة التي نشهدها تفتقد إلى التنظيم ووضوح الرؤية كما كان في بداية النصف الأول من هذا القرن، حيث كانت الحركات الاجتماعية، ومنها الحركة التلاميذية، حركات منظمة بفاعلين حقيقيين وليس صوريين، فضلا عن كونها موجهة بوعي سياسي تقدمي لا يقف عند سفائف الأمور، بل يتعداها للكشف عن أسبابها العميقة، والتي تؤول إلى بنية المخزن التي تحول دون تحقيق الديمقراطية ودولة الحق والقانون، وهذه البنية المخزنية لا زالت مترسخة في الذهن والسلوك وموجهة لتدبير الشأن العمومي.
وفي ضوء ضعف الفاعلين السياسيين الذين يحملون مشروع التغيير، نظرا لظروف موضوعية ليس هذا مقام تفصيلها، تم النكوص عن الانخراط الفعلي في الشأن العمومي، أي الانخراط الذي يفضح مختلف أشكال التضليل والظلم والاستلاب؛ وقد ترتب عن هذا الفراغ ترك المجال العمومي للانتهازيين الذين يتاجرون بهموم المقهورين، ويطبعون مع الاستبداد والظلم، مكرسين بذلك انسداد الأفْق، وتأبيد الفوارق الطبقية، واستمرار الطغيان، ولعل هذا ما يشهد عليه ردود فعل الدولة تجاه الاحتجاجات السلمية، إذ بدل أن تتجاوب مع مطالبها العادلة والمشروعة، فإنها تسارع لقمعها في خرق سافر للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تنص على حرية التعبير والتفكير والحق في التعليم والصحة والعيش الكريم...إلخ؛ إذ كيف نفسر تعامل الدولة مع إشكالات تربوية باعتماد مقاربات أمنية؟ ! وكيف نفسر اعتقال تلاميذ أبرياء وقاصرين، وانتهاك حرمة الفصول الدراسية، وزرع الرعب في الأطر التربوية، لا لشيء إلا لأن الناس نددت بترسيم ساعة إضافية غير مستساغة؟ !

ولعل المقاربة الأمنية التي تنهجها الدولة في التعامل مع قضايا التربية والتعليم تكشف عن تصور غارق في التخلف، تصور يعلن تبرمه من نور العلم، وما يربي عليه من قيم الحرية والكرامة والعدالة والعقلانية؛ فأي خير يرجا من دولة تنظر إلى التعليم نظرة سوقية تسعى لبناء رؤوس الأموال  بدل بناء الإنسان؟ ! وهو ما يشهد عليه اتجاه سياسة الدولة لخوصصة التعليم، والإجهاز على حقوق رجاله  في الترسيم والترقية والعيش الكريم.
فهل هذا الحراك التلاميذي يبشر بربيع مغربي جديد يستأنف حركة 20 فبراير المجيدة أم أنه لا يعدو إلا عجعجة دون طحين سرعان ما تنجلي كاشفة عن استمرار النظام العام حيث يكتفي عموم الناس بالسعي لتأمين "الخبز الحافي"؟ فهل سيلتحق بهذا الحراك الفاعلين الاجتماعيين، أحزاب ونقابات وهيئات حقوقية...إلخ، لتنظيمه وتوجيهه نحو الكرامة والعدالة الاجتماعية أم أنه سيتم الاكتفاء ببيانات  يتيمة لا تسمن ولا تغني من جوع؟ 


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة