ifada إفادة

ifada إفادة


القانون الواجب التطبيق على الضرر المعلوماتي

الخميس 09 يناير 2020 - 20:47 , افادة
 القانون الواجب التطبيق على الضرر المعلوماتي
عبد المنعم أكنيدي باحث في العلوم القانونية

تلعب الشبكة الدولية للمعلوميات دورا هاما في الاقتصاد الوطني والدولي، فالمقاولات تسعى للاستفادة دائما من مزايا تكنولوجيا الاتصالات لتحسين خدماتها وتطوير مهاراتها وتسويق منتوجاتها، غير أن استخدام هذه التقنية يبقى محفوفا بالعديد من المخاطر من أهمها التخبط في متاهات واقع قانوني معقد .

فاللامادية والانتشار  اللتان تمتاز بهما شبكة المعلوميات تجعل تحديد النظام القانوني الذي يسري على سلوكيات مستخدمي هذه الوسيلة أمرا في غاية الصعوبة، وإذا كانت قواعد القانون الدولي الخاص تنبني على فكرة الإقليمية والتركيز المادي للروابط ذات العنصر الأجنبي، فإن الشبكة الدولية للمعلوميات تشكل فضاء مستقلا يتجاوز الحدود المادية التقليدية، ويتيح الاطلاع على المعلومات في جميع دول العالم .
والجدير بالملاحظة أن جرائم المعلوميات قد تتخذ بعدا دوليا عندما يتخلل الرابطة القانونية عنصر أجنبي أو أكثر، كأن يكون المضرور أو مرتكب الفعل الضار أجنبيا، أو أن تتناثر العناصر المكونة للالتزام بين أراض عدة دول، وتطرح عندئذ إشكالية التركيز المكاني للضرر المعلوماتي، أو بعبارة أدق تحديد القانون الواجب التطبيق على الضرر المعلوماتي.
 وإذا كانت العلوم القانونية قد سايرت إلى حد كبير التطور الحاصل في تقنية المعلوميات دراسة وتحليلا ، فإن التشريعات الوطنية والدولية لا زالت تعاني من صعوبات في التأقلم مع هذا الوضع غير المألوف، ذلك أن قاعدة الإسناد التقليدية المعتمدة بشأن المسؤولية التقصيرية، أي قاعدة قانون مكان وقوع الجرم وشبة الجرم التي يكرسها الفصل 16 من ظهير الوضعية المدنية للفرنسيين والأجانب لا تتلاءم في كثير من الأحيان مع متطلبات العالم الافتراضين، ولذلك يبقى اللجوء إلى حلول أخرى لتجاوز هذه المشاكل أمرا ملحا فرضته المتغيرات والمستجدات على الساحة الدولية.
وتعد الشبكة الدولية للمعلوميات، بهذا المعنى الوسيلة الأولى لانتهاك الحياة الخاصة وحقوق الشخصية والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية ، كما تعتبر أداة لاختراق البيانات الشخصية وسرقة المعطيات الرقمية، وفضاء لممارسة بعض الأنشطة الضارة كالجرائم الاقتصادية وجرائم التحريض على الكراهية والعنصرية .
وللإلمام بجوانب الموضوع، نتناول في المطلب الأول قاعدة خضوع الجرم وشبه الجرم لقانون مكان ارتكابه، وفي مطلب ثاني الحلول الأخرى الرامية إلى تجاوز الصعوبات التي تكتنف تطبيق القانون المحلي.

المطلب الأول: تطبيق قاعدة القانون المحلي بشأن الأضرار المعلوماتية
استقر العمل في نطاق القانون الدولي الخاص على إخضاع الجرائم وأشباه الجرائم لقانون مكان وقوعها، ويستند  القائلون بهذا الرأي إلى العديد من المبررات والحجج، فالواقعة القانونية هي العنصر الموضوعي الوحيد الذي يمكن الإسناد إليه وهي السبب المنشأ للالتزام كذلك ، ويرى البعض  بأن منع الاختصاص للقانون المحلي يدخل في نطاق الأمن المدني للدولة التي وقع الفعل الضار على أراضها، ويحقق التوازن المطلوب بين حقوق المسؤول والضحية وتوقع الحلول  ، كما يسمح بمراعاة سلوك مرتكب الفعل الضار وفقا للقانون الذي وقع فيه هذا الفعل، وهو ما يساهم في الرفع من مستوى الأمن القانوني.
ويرجع هذا المبدأ إلى عهد فقهاء مدرسة الأحوال الإيطالية في القرن الثالث عشر، بل إن بعض مؤرخي القانون يرى بأن هذا المبدأ يرجع إلى العصور القديمة الإغريقية والرومانية ، غير أن مفهوم القانون المحلي بصورته الحالية لم يظهر إلى الوجود إلا بعد أن تم التمييز بشكل أساسي بين الإجراءات وأصل الحق، إذ لم يكن ممكنا تطبيق قانون أجنبي إلا على أساس التمييز بين الجانب الإجرائي الذي يظل خاضعا لقانون القاضي، والجانب المتعلق بأصل النزاع والذي يمكن أن يخضع لقانون أجنبي .
وإذا كان عنصر الأطراف هو مركز الثقل بالنسبة لمسائل الأحوال الشخصية التي تشير فيها قاعدة الإسناد الى تطبيق قانون جنسية الأطراف، وعنصر المحل هو مركز الثقل في المسائل المتعلقة بالروابط المالية التي تنص فيها قاعدة الإسناد على تطبيق قانون مكان وجود المحل، فإن عنصر السبب في العلاقات المرتبطة بالمسؤولية التقصيرية هو الذي يشكل مركز الثقل فيها .
وقد تبنى المشرع المغربي قاعدة القانون المحلي حيث نص في الفصل 16 من ظهير الوضعية المدنية للفرنسيين والأجانب على أن الالتزامات الناشئة عن جريمة أو شبه جريمة فوق تراب منطقة الحماية الفرنسية بالمغرب يخضع لتشريع المنطقة المذكورة، مسايرا بذلك الاتجاه الغالب في القانون الدولي الخاص المقارن .
غير أن إعمال هذا المبدأ بشأن الأضرار المعلوماتية يصطدم بالعديد من الصعوبات، فالمعلومات التي يتم نشرها في دولة معينة يمكن الوصول إليها من جميع دول العالم، ولذلك، قد يؤدي إسناد هذه الجرائم لقانون مكان وقوعها إلى تطبيق العديد من القوانين على نفس الواقعة القانونية، وليس هذا وحسب، بل إن الجرائم المرتكبة عبر شبكة المعلوميات يصعب حصرها في فئة قانونية واحدة فهي تتنوع وتختلف بالنسبة لطبيعة الحقوق التي ينبغي حمايتها ( الحق في الحياة الخاصة والعائلية، والحق في الصورة، والحق في الشرف والسلامة المعنوية، والحق في تأليف المؤلفات الأدبية أو الفلسفية أو الفنية ... إلخ)، والمقتضيات القانونية التي يمكن الاستناد عليها لحماية هذه الحقوق ( على المستوى المدني: التعويض عن الضرر، وحق الرد، وحق التصحيح، ومبدأ التعويض الشامل، ومبدأ التعويضات التأديبية...)، كما يصعب في كثير من الأحيان تحديد مكان ارتكاب هذه الجرائم لا سيما في الحالة التي تتفرق فيها عناصر الإسناد بين أراض عدة دول ، وعندئذ تثور مشكلة تحديد المقصود بمحل وقوع الفعل المنشئ للالتزام هل هو قانون مكان ارتكاب الفعل الضار أم هو قانون مكان تحقق الضرر؟
انقسم الفقه بشأن تحديد المقصود بمكان وقوع الفعل المنشأ للالتزام إلى تيارين رئيسين، فذهب جانب منه إلى القول بأن المقصود بالقانون المحلي هو قانون مكان ارتكاب الفعل الضار ، ويستند القائلون بهذا الرأي إلى مجموعة من المبررات، فقواعد المسؤولية المدنية، وعلى الرغم من التطور الذي عرفته منذ مطلع القرن التاسع عشر، تسعى إلى حماية النسيج الاجتماعي ضد الأنشطة الضارة، أي أنها تعتمد على الوظيفة الوقائية وليس العلاجية، فهي تهدف إلى منع ارتكاب الفعل الضار قبل أن تعني بتحديد الآثار الناجمة عن هذه الأفعال، ومما لا شك فيه أن العامل الرئيسي الذي تقوم عليه المسؤولية هو الخطأ وليس الضرر إلا نتيجة له ، ومهما قيل من أن عناصر المسؤولية لا تكتمل إلا بوجود الضرر، إلا أن الخطأ هو العماد الرئيسي الذي تقوم عليه المسؤولية، ثم إن قانون مكان وقوع الخطأ هو الذي يحدد مفهوم الخطأ وما إذا كان الفعل المرتكب يعد مشروعا أم غير مشروعا، وهذا ما يتنافى مع تطبيق قانون آخر .
وقد لقي هذا التوجه قبولا وإن كان جزئيا لدى بعض القوانين المقارنة، فأخذ به القانون البرتغالي ، والقانون النمساوي ، والقانون التونسي ، كما تبنته محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 13 أبريل 1988 في القضية المشهورة بقضية «Farah DIBA»، مصرحة بأن:" القانون الواجب التطبيق عند تفرق عناصر الإسناد بين أراضي عدة دول هو قانون مكان وقوع الفعل الضار وجرم التشهير يخضع لقانون مكان ارتكابه" .
وعلى هذا الأساس، فالقانون الواجب التطبيق في رأي أنصار هذا التوجه هو قانون مكان إرسال المعلومة، أي قانون مكان ارتكاب الجرم المعلوماتي ، وليس قانون مكان تحقق الضرر، فعند وجود انتهاك للحياة الخاصة أو حقوق الشخصية، يعد قانون مكان القيام بالتشهير أو القذف على سبيل المثال هو القانون الواجب التطبيق، وكذلك عند وجود أعمال المنافسة غير المشروعة المرتكبة عبر شبكة المعلوميات يعتبر القانون الواجب التطبيق هو قانون مكان ارتكاب هذه الأعمال.
ويذهب الرأي الراجح فقها  وقضاء  إلى أن القانون الواجب التطبيق عند تفرق عناصر الإسناد بين عدة دول هو قانون مكان تحقق الضرر، ويدعم هذا الاتجاه رأيه بأن الضرر شرط أولي لقيام المسؤولية عن الفعل الضار والمطالبة بالتعويض فليس للمدعي مصلحة في رفع الدعوى ما لم يكن قد أصابه ضرر، ثم إن وقت تحقق هذا الأخير هو الفيصل في مسألة تقادم دعوى المسؤولية، فمدة التقادم إنما تبدأ من وقت تحقق الضرر وليس من وقت وقوع الفعل الضار .
وفضلا عن ذلك، فإن غاية قواعد المسؤولية هو تحقيق التوازن بين حقوق الأفراد على شكل توزيع للمخاطر التي تحدث في مجتمع معين، وإذا كان مكان تحقق الضرر هو المكان الذي يختل فيه التوازن بين مصالح الأطراف التي يهدف القانون إلى حمايتها، فإنه يتعين بذلك، تركيز الالتزامات الناشئة عن الفعل الضار في هذا المكان .
وقد تبنت مبدأ تطبيق قانون مكان تحقق الضرر، على نحو صريح، العديد من التشريعات المقارنة منها، القانون الدولي الخاص المجري لسنة 1979 ، والقانون الدولي الخاص التركي لسنة 1982 ، والقانون الدولي الخاص السويسري لسنة 1987 ، والقانون المدني البرتغالي لسنة 1966 ، وتنظيم روما الثاني المتعلق بالقانون الواجب التطبيق على الالتزامات غير التعاقدية لسنة 2007 .
وفي الاتجاه ذاته صرحت محكمة الاستئناف بالرباط في قرارها الصادر بتاريخ 3 يونيو 1983 بأنه:" في حالة ما إذا كان مرتكب الفعل المتسبب في الضرر والمتضرر بعيدين الواحد منهما عن الآخر، فإن تعيين مكان وقوع الجريمة أو شبه الجريمة من أجل تعيين المحكمة المختصة إقليميا، وكذلك القانون المحلي الواجب التطبيق يجب أن يتبع عادة مكان حصول الضرر، وعليه ، إذا كان الإعلان عن توفر رخصة استيراد ، وهو الذي يعتبر مكانا للخطأ يمكن حصره في فرنسا، فإن أثره المكون للضرر لم يحدث ولم يكن بوسعه أن يحدث إلا في المغرب حيث كان الإعلان قد تسبب في الإجراءات التي ذهبت ضياعا" .
وقد سلك القضاء الفرنسي نفس التوجه في العديد من قراراته، ففي القرار الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 8 فبراير 1983 في القضية المشهورة بقضية “Horn y Prado” اعتبرت المحكمة بأن القانون الواجب في حالة تفرق عناصر الإسناد بين عدة دول هو قانون مكان تحقق الضرر .
غير أن  اختصاص القانون المحلي يحكم المسؤولية التقصيرية قد تعرض للانتقاد من طرف الفقه الحديث، فبالإضافة إلى صفة العرضية  التي قد يتصف بها الفعل الضار في بعض الأحيان، تثير الجرائم المرتكبة عبر شبكة المعلوميات العديد من الصعوبات على مستوى الواقع العملي، ذلك أن الانترنت يعد شبكة لتداول المعلومات بين دول العالم وهذه المعلومات غالبا ما تنطوي على نزاعات ذات طابع دولي، وهو ما يجعل ضوابط الإسناد التقليدية المعتمدة في هذا المجال ضعيفة الصلة ولا تتناسب مع الخصائص المميزة للعالم الافتراضي، ولذلك، يبدو من المناسب البحث عن حلول أخرى لتجاوز الصعوبات التي تكتنف تطبيق القانون المحلي بشأن الأضرار المعلوماتية.

المطلب الثاني: الحلول الرامية الى تجاوز صعوبات تطبيق القانون المحلي بشأن الاضرار المعلوماتية
الفقرة الأولى: تطبيق القانون الشخصي للمضرور
نادى جانب من الفقه بتطبيق القانون الشخصي للمضرور بالنسبة للجرائم المرتكبة عبر شبكة المعلوميات لا سيما إذا وقع الاعتداء على البيانات الخاصة وحقوق الشخصية، ويستند القائلون بهذا الرأي إلى أن الأمر في هذه الفرضية يتصل بشخصية الفرد، والقواعد المتعلقة بتنظيم البيانات ذات الطابع الشخصي تهدف أساسا إلى حماية حق الأفراد في الحياة الخاصة .
وقد ذهب جانب من الفقه إلى المناداة بتطبيق قانون الدولة التي يوجد بها مقر المؤسسة أو المنشأة التي قامت بمعالجة البيانات ، وهذا ما أخذ به التوجيه الأوروبي رقم 95\46 الصادر بتاريخ 1995 المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين بالنسبة للمعالجة الآلية وحرية تداول البيانات ذات الطابع الشخصي.
وتمنح بعض القوانين المقارنة الحرية للمضرور بشأن اختيار القانون الواجب التطبيق على مسائل المسؤولية التقصيرية، ومنها القانون الدولي الخاص السويسري لسنة 1979، حيث تنص المادة 139 على أنه:" يسري على الانتهاكات التي تمس الحياة الخاصة وحقوق الشخصية عبر وسائل الاتصال، وعلى الخصوص، الصحافة أو الراديو أو التلفزة أو بكل وسائل الإعلام العامة، حسب اختيار المضرور:
- قانون دولة الإقامة الاعتيادية للمضرور، مع مراعاة عنصر التوقع بالنسبة للشخص المسؤول.
- قانون الدولة التي يوجد بها مقر أو مكان الإقامة الاعتيادية لمرتكب الفعل الضار.
- قانون مكان تحقق الضرر مع مراعات عنصر التوقع بالنسبة للشخص المسؤول".
وفي نفس التوجه تنص المادة 113 من القانون الدولي الخاص الروماني لسنة 1996 على أنه:" يسري على دعوى المسؤولية الناشئة عن انتهاك الحياة الخاصة وحقوق شخصية عبر الوسائل الحديثة مثل الصحافة والراديو والتلفزيون ووسائل الإعلام العامة الأخرى، حسب اختيار المضرور:
- قانون موطن أو محل إقامته الاعتيادية
- قانون مكان تحقق الضرر، مع مراعاة عنصر التوقع
- قانون موطن أو محل إقامة مرتكب الفعل الضار.
والملاحظ أن منح الاختيار للمضرور وإن كان يتفق ومقتضيات العدالة والإنصاف، إلا أن ذلك قد يكون بمثابة محاباة لصالح الضحية، فتمكين هذا الأخير من اختيار القانون الواجب التطبيق قد يترتب عليه الإخلال بالتوازن المطلوب بين حقوق الطرفين، وانعدام الحياد، لا سيما في ظل غياب عنصر التوقع من طرف الشخص المسؤول...
الفقرة الثانية: قانون مكان تحميل المادة المعتدى عليها
دعا جانب من الفقه إلى تطبيق قانون الدولة التي تم فيها تحميل المادة المعتدى عليها بشأن الجرائم المعلوماتية، ويستند القائلون بهذا الرأي إلى أن هذا المكان هو الذي تتمركز فيه المادة التي تم الاعتداء عليها، كما أن هذا المكان يشكل نقطة الانطلاق بالنسبة لعملية الانتهاك والتي يمكن التعرف عليها بسهولة قبل توزيع المادة إلى جميع دول العالم .
وفضلا عن ذلك، فإن تطبيق هذا الحل يضمن وحدة القانون الواجب التطبيق إذا كان العمل قد تم استقباله أو بثه إلى أكثر من دولة، ويعتبر بلد التحميل بلد النشر الأول حيث يتمركز مقدم المادة التي تم تحميلها أو مكان مقدم الخدمة، والذي يستطيع اختيار بث الرسائل الآتية من دولة لا يتمتع فيها المؤلفون بحماية قوية وحيث يستطيع هو نفسه أن يغير مركزه أثناء التحميل .
وهذا ما أخذت به اللجنة الأوروبية فيما يعرف بالكتاب الأخضر بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة الصادر بتاريخ 19 يوليوز 1995، غير أنه إذا أدى تطبيق قانون مكان تحميل المادة المعتدى عليها إلى عقد الاختصاص لقانون لا يحقق حماية كافية لا سيما في الحالات التي يلجأ فيها مرتكبو الفعل الضار إلى بث موادهم في دول ذات مستوى ضعيف من الحماية، فيمكن حينئذ تطبيق قانون دولة الاستقبال إذا كان يحقق قدرا كافيا من الحماية.
ويستمد أنصار هذا التوجه أفكارهم من الفقه الأمريكي الذي يرى بأن المعلومات لا يتم نشرها على شبكة الأنترنت عن طريق الدفع "PUSH" كما هو الحال في مجال الصحافة أو البث الإذاعي والتلفزيوني بل يتم البحث عن المعلومة بشكل فردي، أي أن النشر لا يتم هنا عن طريق الدفع بل عن طريق السحب، والتي تعني أن يبادر المستخدم إلى الاتصال بالمواقع الالكترونية قصد الحصول على المعلومة، وعلى ذلك يكتسي قانون مكان تحميل المادة المعتدى عليها أهمية عملية في تحديد القانون الواجب التطبيق على الأضرار المعلوماتية .
غير أن هذا التوجه لم يسلم من النقد فقد قيل في الرد عليه بأن الاستناد في تحديد القانون الواجب التطبيق على الضرر المعلوماتي على مفاهيم تقنية محضة يتجاهل الوظيفة الأساسية للقانون في التنظيم الاجتماعي، والتي تهدف إلى رصد النتائج الاجتماعية المترتبة على هذه التقنية وليس إلى وضع معايير تقنية.
الفقرة الثالثة: قانون مكان تفريغ المادة المعتدى عليها
خلافا للاتجاه السابق يذهب اتجاه آخر إلى القول بتطبيق قانون الدولة التي تم فيها تفريغ المادة المعتدى عليها سواء كانت هذه المادة مصنفات تم الاعتداء عليها أم دعاية كاذبة، أم مادة تتضمن الاعتداء على حقوق شخصية، ويستند القائلون بهذا الرأي إلى أن الضرر الناشئ عن هذا الاعتداء يتحقق في دولة استقبال أو تفريغ المادة المعلوماتية التي تمت الاستفادة  منها على نحو غير مشروع، وبالإضافة إلى ذلك، ففي هذه الدولة يتحقق الدور الإيجابي بالنسبة لمرتكب الفعل الضار، ذلك أن هذا الأخير هو من قام بتفريغ البيانات على الحاسب الآلي، وهو من يتحكم في كيفية الحصول على المادة المعتدى عليها .
وإذا كان تحميل المادة المحمية على شبكة المعلومات يغني عن وجود نسخ مادية منها أي نسخ ورقية، فإن تفريق تلك المادة من الشبكة يعد نوعا من أنواع النسخ والتوزيع غير المشروع إذا تم دون موافقة صاحب الحق.
بيد أن هذا التوجه قد تعرض للانتقاد، فتطبيق قانون مكان تفريغ المادة المعتدى عليها قد يكون فيه إجحاف بالنسبة لمرتكب الفعل الضار، ذلك أن مسؤولية هذا الأخير قد تتحدد وفقا لقوانين العديد من الدول التي تم فيها تفريغ المادة المعتدى عليها، كما أن تحديد مكان التفريغ قد يصطدم بالعديد من الصعوبات على المستوى العملي، وذلك في الحالة التي يتم فيها استخدام الحاسوب الشخصي في العديد من الأماكن والدول .
كما ان تطبيق قانون الاستقبال لن يؤدي في كثير من الأحيان إلى الحكم بتعويض شامل، إذ سيقتصر القاضي على تطبيق قانونه بالنسبة للضرر الواقع في دولته فقط.
الفقرة الرابعة: قانون الدولة التي يطلب فيها الحماية
يستند تطبيق قانون الدولة التي يطلب فيها الحماية على العديد من المبررات لعل أهمها أن فكرة تطبيق قانون الدولة التي يطلب فيها الحماية يؤدي إلى توحيد القانون الواجب التطبيق، ذلك أن خاصية الانتشار التي تتصف بها الشبكة الدولية للمعلوميات يزيد من صعوبة تركيز الضرر، كما أن قانون الدولة التي يطلب فيها الحماية يكون في الغالب قانون الدولة التي يقع فيها الضرر وقانون الإقامة الاعتيادية للمضرور، ويتفق مع متطلبات حماية الطرف الضعيف في العلاقة القانونية .
وقد تبنت هذا الموقف العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية ومنها، اتفاقية "Berne" لسنة 1886 المتعلقة بحماية الملكية الأدبية والفنية ، والاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان الموقعة في جنيف بتاريخ 1952 ، والقانون المدني الإسباني لسنة 1974 ، والقانون الدولي الخاص المجري لسنة 1979 ، والقانون الدولي الخاص السويسري لسنة 1987 ، والقانون المصري رقم 354 لسنة 1954 ، والقانون الإماراتي رقم 40 لسنة 1992 .
وتأسيسا على ما سبق نعتقد بأن اعتماد المشرع لقانون الدولة التي يطلب فيها الحماية بشأن الأضرار المعلوماتية كفيل بتجاوز الصعوبات التي تكتنف تطبيق قاعدة القانون المحلي، إذ سيؤدي اعتماد قاعدة قانون هذه الدولة إلى توحيد القانون الواجب التطبيق لاسيما في الحالة التي تتفرق فيها العناصر المكونة للالتزام بين أراضي عدة دول، وهذا ما يتفق مع الاتجاه القائم على إعطاء المضرور حق اختيار القانون الواجب التطبيق باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة القانونية.

خاتمة 
على الرغم من الأهمية الاجتماعية والاقتصادية التي تحضا بها الشبكة الدولية للمعلوميات والدور البارز الذي تلعبه في تطوير تقنيات التواصل الدولي وتقريب المسافات بين الشعوب، إلا أن الاهتمام التشريعي بمسألة تحديد القانون الواجب التطبيق على الجرائم المرتكبة عبر هذه الشبكة لم يرق إلى المستوى المطلوب، وإذا كانت الأضرار المعلوماتية هي أضرار ذات طابع دولي في غالب الأحيان، فإن ذلك يستدعي اعتماد ضابط إسناد محدد بالنسبة للتشريع المغربي، ونعتقد أن ضابط قانون الدولة التي يطلب فيها الحماية هو الأكثر حماية لمصالح الشخص المضرور كما أنه يحقق الحياد والتوازن المطلوب بين الأطراف.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :