ifada إفادة

ifada إفادة


مشروع الحكم الذاتي وسيلة لحل نزاع الصحراء (2)

الجمعة 27 ديسمبر 2019 - 22:31 , افادة
مشروع الحكم الذاتي وسيلة لحل نزاع الصحراء (2)
محمد ابن احمد باحث في القانون العام

بعد استحالة إجراء الاستفتاء لحل مشكل الصحراء الذي عمَّر أزيد من أربعة عقود  ، واستوعبت سواء منظمة الأمم المتحدة وكذا الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية وصول قضية الصحراء إلى النفق المسدود، حيث لم يعد مقبولا الإبقاء على هذه الوضعية إلى ما لا نهاية، وإنما أضحى أمر البحث عن حل آخر أكثر إلحاحا، وهو ما دفع بالأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان يدعو إلى استكشاف سبل ووسائل التوصل إلى حق سريع ودائم ومتفق عليه للنزاع القائم حول قضية الصحراء، أو ما سيعرف بالحل الثالث، فمثل هذا الحل الذي يشكل جهوية في أقصى مراحلها ضمن الدولة الموحدة ليس بغريب على المغرب ولا على المغاربة ، فالمجال المجتمعي التقليدي المغربي أفرز واقعا تاريخيا تميزت به الإمبراطورية الشريفة، هذا الواقع التاريخي يتمثل في الواقع القبلي الذي يعتبر فضاء متميزا بمكوناته البشرية المتنافرة، وبنياته الاقتصادية والتنظيمية المستقلة، وبروابطه الثقافية والفكرية واللغوية المشتركة، فالقبائل المغربية لم تكن فقط وحدات اقتصادية واجتماعية متعلقة بل كانت أيضا عبارة عن وحدات تدافع عن مصالحها وعن كينونتها وهويتها القبلية، بل أكثر من ذلك أن القبيلة لعبت دورا أساسيا في وصول عدد غير قليل من الدعوات إلى الحكم وترسيخها، والحفاظ على كيانها، فحضورها أثبت فعاليته في كل المشاريع السياسية المطروحة، فالمجموعات القبلية الكبرى وخاصة منها قبائل السيبا  كانت تمارس ما يشبه الحكم الذاتي بواسطة مجالسها الخاصة بها وطبقا لأعرافها الخاصة في معزل عن السلطة المركزية وباعتراف تام بسلطة السلطان العصبوي أو الشريفي الذي يجسد السيادة الجماعية باعتباره أميرا للمؤمنين يتمتع بالسلطة الروحية والأدبية وممثلا للإسلام؛  ومن أجل هذا، إذا كانت الجهوية  السياسية تصلح كحل وسط لإنهاء نزاع الصحراء بشكل نهائي وصون الوحدة الترابية للدولة المغربية (المبحث الأول)، فإنه كذلك لا يمكن استثناء باقي الجهات ببلادنا من هذا الخيار ترسيخا للديمقراطية الحقة بتوسيع دائرة المشاركة والممارسة السياسية في كل مناطق المغرب التي يبقى تمديد الحكم الذاتي فيها، إنما هو "ربط المغرب بماضيه التقليدي دون أن يمس ذلك بوحدته الوطنية أو بمؤسساته التقليدية والموروثة والمقدسة"  (المبحث الثاني). 

الفقرة الثالثة: المحاكم الجهوية
تشكل الهيئة القضائية الضلع الأخير في مثلث مؤسسات الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وليس احتلالها المرتبة الأخيرة في حديثنا عن الجهاز  المؤسساتي للحكم الذاتي دليل على قلة أهميتها، بل اختيارنا للحديث عنها في نهاية المطاف كان بسبب ما أثارته هذه المؤسسة من إشكاليات حساسة مست بالسيادة المغربية، وكانت إحدى الأسباب التي أدت إلى تحفظ المغرب على اتفاق الإطار ورفضه لخطة السلام.
لقد أنيطت السلطة القضائية وفق الفقرة الثالثة من اتفاق الإطار بالمحاكم المحلية التي تقتضيها الحاجة، وبقضاة يتم اختيارهم من المعهد الوطني للدراسات القضائية على أن يكونوا من الصحراء المغربية، وهذه المسألة تثير بعض الإشكالات الدستورية على مستوى التنفيذ ونوعا من الغموض فيما يخص المسطرة، فالدستور المغربي لسنة 1996م ينص في فصله 84 على أن القضاة يعينون من طرف جلالة الملك بظهير شريف وبناء على اقتراح المجلس الأعلى ، كما أن الفصل 83 من الدستور ينص على أن الأحكام الصادرة يجب أن تصدر وتنفذ باسم جلالة الملك، لأن القضاء في المغرب مرتبط بمؤسسة الملك، إذ يعتبر أهم ضمانات استقلال القضاء وعدالة أحكامه باعتباره حامي حقوق وحريات المواطنين .
أما بالنسبة للقرارات الملكية فهي غير قابلة للطعن كيفما كان شكلها ومضمونها، في حين نجد أن عبارة اختيار القضاة من ا لمعهد الوطني للدراسات الوطنية، على أن يكونوا من الصحراء المغربية عبارة غامضة وفضفاضة يمكن أن يفهم منها تجريد الملك من صلاحياته الدستورية المتعلقة بتعيين القضاة، كما يمكن أن يفهم منها أيضا مخالفة الأحكام الدستورية السابقة الذكر ، الشيء الذي يعتبر في نظر المغرب تهديداً لسيادته في الصحراء المغربية .
هذا بالنسبة لاتفاق الإطار، أما بالنسبة لخطة السلام فقد نصت على أن السلطة القضائية تمارس من طرف سلطة محكمة عليا بالإضافة إلى محاكم سفلى أخرى تتشكل من طرف السلطات المحلية بالصحراء المغربية، أما تعيين أعضاء المحكمة العليا والمحاكم السفلى فهو يتم من طرف الرئيس التنفيذي وباتفاق مع الجمعية التشريعية، كما أن المحكمة العليا تصدر أحكاماً قضائية تكون مطابقة لأي قانون تعتمده الصحراء المغربية، وهي تملك السلطة النهائية في تأويل القوانين السارية بالصحراء، ولها سلطة التصريح بإلغاء وعدم صلاحية أي قانون أو تشريع أو قرار من القرارات التي تتخذها السلطات المحلية في الصحراء المغربية، ولا يحق للمجلس الأعلى بالمغرب في هذا الإطار إلا سلطة توضيح الأحكام القضائية الصادرة عن المحكمة العليا .
بعيدا عن فكرة إبقاء نفس النظام القضائي للدولة بالوحدة الترابية المستقلة ذاتيا، أجازت المبادرة المغربية للبرلمان الجهوي إحداث محاكم للبث في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها الهيآت المختصة لجهة الحكم الذاتي للصحراء، وتُصدر هذه المحاكم الأحكام الكاملة الاستقلالية، وباسم الملك ، وهو ما يفهم منه أن هذا النظام القضائي المحلي في كليته يضل ضمن دائرة – وإن لم تصرح بها المبادرة – الجهاز القضائي للمملكة ، ومما يؤكد هذا المعطى هو الفقرتين 23 و24 من المبادرة المغربية.
ففي الفقرة 23 التي جاءت بالمحكمة العليا الجهوية كأعلى هيأة قضائية الجهة التي تتولى النظر انتهائيا في تأويل قوانين الجهة، نجدها تدعو إلى عدم الإخلال باختصاصات المجلس الأعلى والمجلس الدستوري للمملكة، أما الفقرة 24 فقد أكدت أنه إلى جانب القوانين والمراسيم التنظيمية يجب على الأحكام القضائية الصادرة عن هيأة الحكم الذاتي للصحراء أن تكون مطابقة بالإضافة إلى نظام الحكم الذاتي للجهة، إلى دستور المملكة، وها الأمر مفهوم لأن غير ذلك سيتم فيه المس بوحدة القضاء المعمول به في المملكة، إن هذه الإشارة المستوحاة من الفقرة 24 إنما أتت لتسد الباب أمام أي تأويل للفقرة 22 التي قد يُفهم منها أن القضاء المحلي سيكون مستقلا عن القضاء الوطني.
إن منح الجهة محاكم محلية ذاتية يعد مخالفا لما جاءت به توصيات لاند "Lundi" التي فضلت استمرار الاعتماد على النظام القضائي السابق على منح الجهة الحكم الذاتي وذلك بالثقة فيه، ودعت إلى ضمان استقلالية هذا النظام بدعمه بآليات الوقاية من النزاعات، التحكيم، الوساطة .
إلى جانب هذه الهيآت نصت المبادرة المغربية في فقرتها 26 إلى ضرورة أن تتوفر الجهة على مجلس اقتصادي واجتماعي يتشكل من ممثلي القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية والجمعوية، ومن شخصيات ذات كفاءات عالية.
تجدر الإشارة إلى أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تضمنت في آخر فقراتها مسار الموافقة عليها وكيفية تفعيلها، حيث سيطرح الحكم الذاتي للجهة موضوع التفاوض على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر ضمن استشارة ديمقراطية وهو ما يعد في حد ذاته ممارسة حرة من لدنهم لحق تقرير مصيرهم ، كما أدرجت الآليات لتفعيله بعد موافقة سكان الصحراء عليه: بحيث يتم تعديل الدستور المغربي بإدراج الحكم الذاتي فيه وذلك لضمان استقرار هذا النظام وإحلاله المكانة الخاصة اللائقة به داخل المنظومة القانونية للمملكة ، كما يتم إدراج الأشخاص العائدين إلى الوطن إدماجا تاما في حظيرته بالشكل الذي يحفظ كرامتهم وسلامتهم ويحمي ممتلكاتهم ، ولهذه الغاية ستصدر المملكة عفوا شاملا يستبعد أي متابعة أو توقيف أو اعتقال أو حبس، أو أي شكل من أشكال الترهيب .
إن المبادرة المغربية لما تضمنته من عناصر استطاعت إقناع مجلس الأمن  والعديد من دول العالم بجديتها وبكونها ذات مصداقية، كما تأكد للكل بأن المبادرة تعد الأداة الوحيدة القادرة على حل النزاع حول الصحراء، وجعل دول المنطقة تتجه صوب التنمية وتفعيل الاتحاد المغاربي الذي أضحى مطلبا محليا لمجموع الشعوب المغاربية الخمسة، إن الحكم الذاتي الموسع لم يعد فقط وسيلة لإنهاء الصراع حول المناطق الجنوبية للمملكة وإنما تعدّى ذلك ليصير مطلب العديد من المغاربة لتطبيقه على باقي تراب بلادنا.
ولما كان النظام القضائي في المغرب نظاما موحدا ومركزيا ومحوره محكمة عليا واحدة، تقيم التنفيذ الموحد للقانون بواسطة الهيئات القضائية الأخرى، فإنه يصعب التوفيق بينه وبين وجود محكمة عليا تابعة للسلطة المحلية، لأن في ذلك ما يشبه لنظام اتحادي متقدم غير قابل للتطبيق في المغرب، كما أن استقلالية المحكمة العليا المحلية تبقى محل التشكيك على اعتبار أن أعضاءها يعينون من طرف السلطتين التنفيذية والتشريعية في الإقليم، فكيف يمكن لمحكمة بهذه الخصائص أن تتعامل مع التجاوزات المحتملة للسلطة المحلية في ممارسة إختصاصاتها؟ .
وأمام هذه الانتقادات الموجهة لكل من اتفاق الإطار وخطة السلام جاء المغرب بمبادرة جديدة للحكم الذاتي في الصحراء، حاول فيها أن يعبر عن وجهة نظره ويبين للعالم بأجمعه تشبثه بالسيادة في منطقة الصحراء المغربية، هكذا خولت المبادرة المغربية للبرلمان الجهوي الحق في أن يحدث محاكم تتولى البث في النزاعات الناشئة عن تطبيق القوانين التي تضعها هيئات الحكم الذاتي بالصحراء، كما منحت للمحكمة العليا الجهوية سلطة التأويل النهائي لقوانين الجهة بشرط عدم المس باختصاصات المجلس الأعلى والمجلس الدستوري للمملكة، وفي مقابل هذه الحقوق وضمانا للسيادة المغربية، نصت المبادرة المغربية على أن الأحكام القضائية التي تصدر عن المحاكم الجهوية يجب أن تكون مطابقة لقوانين نظام الحكم الذاتي وللقوانين الوطنية ولدستوري المملكة .

المبحث الثاني: تمديد الحكم الذاتي الموسع على باقي الجهات 
إذا كان تمتيع جهة الصحراء بوضع خاص استثناء على التراب الوطني يجد مبرره في حل نزاع مفتعل عمَّر أكثر من ثلاثة عقود، بالشكل الذي تقسم فيه المملكة إلى منطقتين كمرحلة أولى، منطقة الجنوب ذات نظام خاص تطبق فيه، نظام الجهوية السياسية القائم على الحكم الذاتي، وأخرى ذات نظام عادي يقوم على اللامركزية الإدارية مع التنصيص على مبدأ وحدة الدولة وعدم قابليتها للتجزيء؛ فإن ربط الجهوية السياسية بجهة واحدة فقط (جهة الصحراء) قد يكون مغامرة غير محسوبة العواقب، إذ وإن تم حل النزاع بواسطتها فإنه قد ينتج عنها مشاكل أخرى قد تعصف بالوحدة الترابية للمملكة.
فمشروع الحكم الذاتي المطروح للتفاوض والذي قد يلقى قابلية لدى الطرف الآخر ويجعله يتخلى عن طرحه الانفصالي، لأحق بأن يُمكن منه كل المغاربة ويستفيدون منه، فلدى هذا المشروع كل العناصر والمقومات التي تجعل منه بذرة لإحياء دولة الحق والقانون التي تجعل المواطن يجدد ارتباطه بالوطن عبر إعطائه فرصة تسيير شؤونه بنفسه.
فإذا كان هناك من يتوجس  من إقرار جهوية سياسية بداعي أن ذلك سيفسح الباب أمام ظهور حركات انفصالية ببلادنا، وبالتالي يدعو إلى تبني سيناريو الحفاظ على الجهوية الحالية مع إضافة بنود دستورية تعطي للأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا، فإنه بالمقابل هناك من يرد عليهم بأنه لا مبرر لهذا التوجس ما دامت الجهات تربطها بملك البلاد رابطة البيعة، كما أنه إذا كان شعب موحد- كالشعب الجرماني - اختار لنفسه نظاما فيدراليا فلا يعقل حرمان بلد "بمثابة فسيفساء بشرية، وجغرافية،  هو حقل هوياتي متعدد الأبعاد والاتجاهات، أو استثناء بعض مناطقه من نظام هو أدنى درجة من الفيدرالية.
كما أن بلادنا التي استلهمت مقترحها حول الحكم الذاتي لإنهاء مشكل الصحراء من تجارب الدول القريبة منا جغرافيا وثقافيا لا يمكنها أن تتغافل ما سارت عليه هذه الدول التي لم تكتف بمنح نظم الاستقلال الذاتي إلى بعض جهاتها وإنما عممته على سائر ترابها وإن تم ذلك عبر مراحل، ولربما هذا ما بدأت تفكر فيه المؤسسة الملكية، فقد جاء في خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس يوم 31 يوليوز 2007 «...وفي هذا الصدد، نؤكد من جديد توجهنا الراسخ، إقامة جهوية متدرجة ومتطورة، جهوية متضامنة تشكل كل مناطق المملكة، على أساس تقسيم جديد وصلاحيات موسعة ضمن مسار مغربي - مغربي، بإرادتنا الوطنية الخاصة، مراعاة لخصوصيات كل جهة،...».
إن الدعوة لتعميم نظام الحكم الذاتي الموسع على كافة جهات المغرب يجد أسسه أيضا في كثير مزاياه وإن كنا واعين أن تطبيق مثل هذا النظام في بلاد ما زال يتلمس طريقه نحو الديمقراطية ستواجهه الكثير من العوائق والمثبطات، (المطلب الأول)، كما أن النهج الذي سيتبع في تعميمه لن يخرج عن إحدى النموذجين الإسباني، أو الإيطالي المؤسس على اللامركزية المتقدمة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مزايا وعيوب تعميم الحكم الذاتي الموسع لباقي جهات المملكة
إذا كانت اللامركزية السياسية أسلوب من أساليب الحكم – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – تتعلق بممارسة الوظائف الأساسية للدولة من تشريع وقضاء وإدارة، فإن ما يميز تطبيقها في المغرب هو ارتباطها المباشر بالمؤسسة الملكية حفاظا على وحدة الدولة حيث ذلك الارتباط يمثل وجاء يحمي من التفكك رغم ما يكون للجهوية من استقلالية، إن خصوصية التجربة المغربية تضل في الارتكاز على العرش رمز الوحدة واستمرارية الدولة، مما يضعف شك وتخوف البعض من الحكم الذاتي في إمكانية أن يتسبب في ظهور نزاعات انفصالية، هذا ما عبّر عنه الملك الراحل الحسن الثاني عندما أكد أنه: "... يمكن أن نسير في اللامركزية إلى أبعد الحدود ما دمنا متمسكين برابطة البيعة، فكلما تم احترام هذا الميثاق من طرف الأجيال المقبلة كان بإمكان السلطة المركزية ترشيد الجهات المغربية أكثر فأكثر..." . فهذا المنظور الملكي الاستباقي والمتطور للجهوية، إنها هو نابع من إدراكه لكثير مزايا الجهوية السياسية التي وصفها بالفضيلة من خطاب له بتاريخ 15-9-1992، هذا مع إدراكه في الوقت ذاته ما في الأمر من صعوبات وعراقيل بل ومخاطر حيث وجب التريث والتدرج والتهييء لها جيدا قبل أي تطبيق لهذه الفضيلة، وهو ما دفع بجلالته رحمه الله في نفس الخطاب أن دعا لأن تكون بداية التطبيق على الأقاليم الصحراوية.
الفرع الأول: مزايا تعميم الحكم الذاتي 
هي كثيرة ترتبط في أغلبها بالغايات التي ستتحقق إذا ما نحن عممنا مثل هذا النظام على كامل تراب المغرب، هذه المزايا:
ــ احترام الحقوق الأساسية التي تكمن في التعددية الثقافية والاستقلال الذاتي، وترسيخ الديمقراطية الحقة بتوسيع دائرة المشاركة والممارسة السياسية وتقريب السياسة إلى الجمهور، كل هذا يدرب الفرد داخل الجهة على تحمل المسؤولية وينمي المهارات القيادية والحنكة السياسية الشيء الذي يمهد الأرضية لبروز نخب جديدة  وتيارات سياسية مختلفة متضاربة أو متناقضة.
فتعددية الجهات السياسية التي تتحقق من التعميم لا بد أن تقوم على أساس رباط المواطنة، الذي يعتبر القاسم المشترك بين مختلف الجهات، حيث لا يسمح لهذه التعددية بأن تؤدي إلى انعزال كل جهة باسم خصوصيتها المتميزة فتلغي كل إمكانية للتآزر والانسجام في ظل الوحدة الوطنية . 
ــ تعزيز فصل السلط والاختصاصات إن عموديا أو أفقيا، على اعتبار أن الجهوية السياسية ما هي إلا إعادة للتوزيع الترابي للسلطة في أقصى تجلياتها على مستوى وسطي بين الدولة والوحدات المحلية  .
ــ فعلى الصعيد الاقتصادي خصوصا والتنموي عموما سيتم بفضل الحكم الذاتي إعادة توزيع الثروة بشكل عادل بين كافة الجهات وتحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك بتمكين سكان المناطق بصفتهم المعنيين الأوائل ببرمجة وتنفيذ المشروعات الخاصة بنطاقهم والاستفادة من خيرات جهاتهم، ويتم هذا في ظل تنافسية حقيقية بين كل المناطق يكون المستفيد الأول هو الدولة المغربية، ولن تتحقق هذه الغاية إذا ما لجأت كل جهة في "تنمية ذاتها بالاستناد فقط على مقوماتها وشروطها الخاصة إلى درجة تشكل به دولة داخل دولة أو تدخل في صراع تناحري مع جهات أخرى، وإنما يجب على جهات الحكم الذاتي أن تنخرط في إقامتها لمشاريعها التنموية ضمن صيرورة تنموية شمولية مرتكزة على الاعتماد المتبادل بين الجهات المكونة للمجتمع وعلى التكامل بين الخاص والعام وبين الجهوي والوطني" . 
بتعميم الحكم الذاتي على باقي جهات المملكة ستستعيد الدولة المركزية توازنها التي كانت بافتقاده ستؤثر سلبيا على الجهات المحورية منه، ولنا في التجربة الإسبانية خير مثال التي نودي فيها في بادئ الأمر بتمتيع كطالونيا وبلاد الباسك وكاليسيا بالاستقلال الذاتي دون باقي المناطق، وإن جاء دستور 1978 بالنقيض من ذلك النداء عندما سمح لجميع المجموعات المستقلة بأن تلج نظم الحكم الذاتي الموسع إلا أنه قسم المناطق إلى مجموعتين إحداها باختصاصات أوسع من الأخرى  ، والنتيجة كانت دولة مختلة التوازن وتقليص للحكم الذاتي الموسع لجميع المجموعات المستقلة ، وقد خلفت هذه الوضعية كثيرا من الانتقاد كادت أن تعصف بالتجربة برمتها لولا التفاهم الذي جرى بين أهم المكونات السياسية للجارة الإيبيرية سنة 1992 والذي تساوت بفضله في الاختصاصات المجموعات المستقلة السبعة عشر.
ــ يسمح للدولة - في إطار الوظيفة التعاونية La Subsidiarité – من خلالها كتنظيمة عليا أن تتدخل أو تجر لنفسها تلك المهام التي لا تستطيع التنظيمية الدنيا (الجهة) القيام بها بشكل مرضي رغم توفرها على موارد بشرية ومالية كافية .
ــ هو أفضل آلية تمكّن من التعايش بين وحدويين وانفصاليين ملكيين وجمهوريين، ولما في نموذجي إسبانيا وإيطاليا خير مثال، فبالحكم الذاتي الموسع وحده أمكن الجمع بشكل قل نظيره في حكومة جهة كتالونيا بعد انتخابات المجموعات المستقلة لسنة 2004، ائتلاف ثلاثي ضم حزب جمهوري هو حزب اليسار الجمهوري ERC إلى جانب الحزب الاشتراكي العمالي واليسار الموحد (فرع كتالونيا)، كما أنه بفضل نظام الحكم الذاتي تم استيعاب القوميين الباسكيين الممثلين في الحزب الوطني الباسكي - هذا الأخير هو من يحكم منطقة الباسك منذ عقدين من الزمان- ضمن المملكة الإسبانية بالشكل الذي يؤكد أن الحكم الذاتي إنما هو "أساسا صيغة تفاهم مع إثنية معينة لا تقبل بمؤسسات مركزية وتبحث عن قواسم مشتركة  وإن كانت ضعيفة للتعايش في فضاء جغرافي يجمعهما ، فإذا ما تم قبول المقترح المغربي سنرى على أرض الواقع تعايشا بين سكان الصحراء الملكيون والجمهوريون، الوحدويون والانفصاليون هؤلاء ستعطي لهم المبادرة المغربية العمل ضمن مؤسسات مغربية، كذلك إذا ما تم تعميم التجربة على جهات المغرب سنرى كيف سيتم استيعاب مثلا أنصار الحركة الأمازيغية الداعين إلى تعميم نموذج الحكم الذاتي المطروح تطبيقه بجهة الصحراء كحل وحيد لحفاظ باقي مناطق المغرب على خصوصياتها وتنوعها الثقافي والإثني، والجناح العروبي المناصر لتقوية سلطة الدولة المركزية والرافض الذهاب أبعد من تبؤ الجهة أكثر من اللامركزية الإدارية اتقاء لأي بلقنة مستقبلية للمملكة على غرار ما حدث في إيطاليا حيث تم التوفيق بين اتجاهين أحدهما الداعي إلى استقلال ذاتي واسع والآخر المطالب باستقلال ذاتي ضيق، وهو ما ترجمته المادة الخامسة من دستور 1948 بتأكيدها مبدأ وحدة الجمهورية وعدم تجزئتها من جهة وتشجيعها الاستقلال الذاتي واللامركزية من جهة ثانية.
الفرع الثاني: عيوب تعميم الحكم الذاتي .
مقابل هذه المزايا نجد أن للحكم الذاتي الموسع عيوبا قد يخلفها تعميمه على باقي تراب بلادنا، فأول ما يعاب عليه هو ما قد يمس وحدة الدولة من تهديد جراء بروز جهات قوية بالشكل الذي يضعف الدولة وهو ما يفسر التحجيم الذي عرفته الكثير من الجهات في أوربا وإن أرجع البعض ذلك إلى الخصوصيات التاريخية.
والأكيد أن حجم الجهات ليس وحده هو الذي يشكل تهديدا لوحدة الدولة، أيضا إذا ما اقترن حجمها مع خصائص أخرى كما هو  حال اليوم في بلجيكا المهددة في وحدتها بسبب اجتماع الفروقات اللغوية بالاختلالات الاقتصادية التي يتواجه بسببها الوالونيون والفلامنيون ؛ لدى تعمل الدول عند تشكيل الجهات ومؤسساتها بإرفاقها بكثير من الضمانات القانونية ضمانا لوحدة الدولة، ففي إسبانيا إلى جانب المادة الثانية من دستور 1978 التي تعلن الوحدة غير القابلة للتجزئ للأمة الإسبانية، هناك المادة 145 التي تمنع الاتحاد بين المجموعات المستقلة؛ وأن كل اتفاقات التعاون بينها يتم إخضاعها وجوبا لترخيص الكورتيس أو مواد 153 إلى 155 التي جاءت بآليات الرقابة اتجاه المجموعات المستقلة كي يتم ضمان إنجاز هذه الأخيرة لواجباتها اتجاه المملكة الإسبانية. 
فمن مخلفات تعميم الحكم   الذاتي على باقي جهات المملكة حرمان الدولة المغربية من المزيد من وسائل تدخلها لتنفيذ سياساتها، فإذا كانت سلطات الرباط في إطار قانون 47.96 و 111.14 تعتمد بموجب الجمع بين آليتي اللامركزية وعدم التركيز على إدارتها الترابية وكذلك على ما منحها القانون السالف الذكر من وصاية ثم رقابة على أعمال المجالس الجهوية، فإن الأمر لن يبقى كذلك عند تطبيق الحكم الذاتي الموسع والذي سينتج عنه إحداث برلمانات جهوية منبثقة من انتخابات محلية ومباشرة مما سيعرض "سيادة الدولة الداخلية" إلى الخطر ، لاسيما إذا ما نتج عن تطبيق نظام الحكم الذاتي ما هو قائم بالتجربة الإسبانية من ريادة رئيس الحكومة الجهوية للمشهد السياسي والإداري على تراب جهته  .
كذلك قد ينتج عن تمديد الحكم الذاتي على سائر الجهات ببلادنا تخوف الجماعات المحلية التحتية (جماعات حضرية، قروية) من أن يتم المس بصلاحياتها والانتقاص من استقلاليتها، هذا الأمر تنبّه له المشرع الدستوري الإسباني عندما فرض على أي مجموعة مستقلة أرادت لنفسها الحكم الذاتي الموسع أن تحصل على موافقة (بموجب الفصل 143) الدوائر الإقليمية Diputaciones provinciales وثلثي البلديات الممثلة على الأقل لنصف ساكنة كل إقليم أو جزيرة، هذا التخوف والقلق على المس بالاستقلال الذاتي للوحدات الترابية التحتية (القاعدية) سيبلغ مداه الأقصى في حالة إيطاليا الذي يجد مبرره في رسوخ وقدم تلك الوحدات على الجهات التي مازالت تبحث عن موضع قدم لها بين الوحدات المشكلة للجمهورية الإيطالية، لدى كان الدستور الإيطالي لسنة 1947 واضحا في مادته 114 الفقرة الثانية، عندما أكد على أن كلا من البلديات والأقاليم الحواضر الكبرى Urbes metropolitanas والجهات وحدات مستقلة بذاتها لها نظامها الأساسي، اختصاصاتها Facultades ومهامها وفقا للمبادئ المقررة في الدستور. إن مثل هذا التخوف كان سببا كافيا في إعاقة مسار الجهوية في البرتغال حيث بلدياتها – التي يعود تأسيسها إلى القرون الوسطى ـ تتوجس من إحداث الجهات التي سيفقدها دورها في إدارة البلاد، فبدون ضمانات دستورية للاستقلال الذاتي للبلديات سيظل تطبيق الجهوية يعرف التعثر والعرقلة .
إن هذه العيوب مهما بلغت حدّتها تظل مقارنة بما رأيناه من مزايا وفضائل تمديد الحكم الذاتي ضعيفة التأثير، فالنظام اللامركزي عموما والحكم الذاتي خصوصا يكتسي قيمة ديمقراطية لا محيد عنها فبه تتجسد سياسة القرب والتشاركية عندما يتمكن السكان حقيقة تسيير مرافق ومؤسسات الجهات التي ينتمون إليها.
إن الدعوة إلى تمديد الحكم الذاتي على باقي جهات المغرب يستتبع التساؤل عن أي السيناريوهات، سيتم إتباعها في ذلك؟

المطلب الثاني: أوجه تمديد الحكم الذاتي .
لما كان مشروع الحكم الذاتي لفائدة جهة الصحراء قد تم إعداده وفق أهم ما جاءت به تجارب الدول القريبة من المغرب جغرافيا وثقافيا، فإنه يكون من المنطقي في حالة تمديده على باقي جهات المملكة إتباع السبيل الذي انتهجته نفس تلك الدول، بما يعني السير على منوال إحدى الطريقتين الإسبانية أو الإيطالية.
فالطريقتان تختلفان في تطبيقهما لمقتضيات الحكم الذاتي الموسع، حيث تتميز كل منهما عن الأخرى كما وكيفا؛ فإذا كان الدستور الإسباني أقر لكل القوميات والجهات المشكلة لإسبانيا حق الحكم الذاتي حيث أغلب القوانين التي تنظم هذا الحق ترده إلى المستقبل (الفرع الأول)، فإن الدستور الإيطالي جاء أكثر تحديدا وتدقيقا وإن احترم مبدأ التدرج فيما عرف باللامركزية المتقدمة (الفرع الثاني). إن إدراج الطريقتين لا يعني أن بلادنا ملزمة باتباع أي منهما، فقد يحدث أن تأخذ منهما على حدى أو عن كليهما فقط ما تراه يناسب ويوافق مسيرته وصيرورته التاريخية ويعبّر عن تميزه واختلافاته الجغرافية ويلبي تطلعات سكانه.
الفرع الأول: تمديد نظام الحكم الذاتي على الطريقة الإسبانية
فكما سبقت الإشارة إلى ذلك أن الدستور الإسباني إنما أتى نتاج توافق عسير لما كان يُعتمل داخل الساحة الإسبانية من صراعات ونزاعات ترابية وحزبية خلفت تضاربا وتعارضا في التوجهات لا سيما فيما يخص التنظيم الترابي؛ بحيث لم يكن ممكنا بلوغ التوافق إلا بفضل حلول جد واقعية وعملية بعد رفض العديد من الاقتراحات "نماذج" وترك أبرز القرارات للمستقبل  فأول ما تم القيام به هو إدخال أكبر قدر من المرونة على نظام الحكم الذاتي الموسع حيث تم الاتفاق على وضع حلول فورية للمشاكل التي تعرفها بعض المناطق (كتالونيا، بلاد الباسك وكاليسيا) وترك الباقي – للغموض دون تحديد – لما ستسفر عنه قرارات الدوائر الإقليمية وللبلديات.
إن الاتفاق حول نظام الحكم الذاتي المتضمن بالجزء الثامن من الدستور، لم يكن من الممكن إدراكه بإتباع بعض النماذج في القانون المقارن وإنما بالتركيز فقط بحل بعض القواعد العامة وربط تحقيقه بقوانين مستقبلية أساسا بالأنظمة الأساسية للمجموعات المستقلة وبعض القوانين العامة للدولة كالقانون التنظيمي المتعلق بتمويل المجموعات المستقلة ، فهذا الجزء تضمن بالفعل بعض المبادئ العامة (كحرية التجول)، وبعض الحدود (كالاختصاصات الابتدائية الأولية للمجموعات المستقلة في حدودها الدنيا والقصوى) وكثيرا من الإجراءات والمساطر (من أجل بلوغ الحكم الذاتي، ومن المصادقة على الأنظمة الأساسية، إلخ...).
فالدستور المغربي عند مراجعته عكس التطورات التي يشهدها داخليا وأتى بحلول تجيب عن كثير من انتظارات الشعب المغربي لاسيما فيما يخص تنظيمه الترابي، فمن بين ما يجب أن يضمه القانون الأسمى بين مواده الأولى الإقرار بتعدد مكونات الشعب المغربي مع التأكيد على وحدة الأمة المغربية غير قابلة للتجزيء واختلاف جهاته مع ضمان حقها في الحكم الذاتي لكن أن يتم ذلك بالتضامن فيما بينها ، بعده يتم تخصيص باب للتنظيم الترابي للمملكة وفيه يجب أن يسلك تقنية النص المفتوح حيث يكون تفسيره وتطبيقه مرتبطا بمجموعة من القوانين والقرارات السياسية المستقبلية على الخصوص بالأنظمة الأساسية للجهات؛ فقد يتم منح الحكم الذاتي الموسع كمرحلة أولى إلى جهة الصحراء ثم يليه في مرحلة موالية التمديد لكل جهات المغرب استجابة وتحقيقا لمطالب إحدى مكونات الأمة المغربية (الأمازيغ) التي ما فتئت تطالب بمثل هذا النظام حفاظا على خصوصياتها ولغتها، دون أن يعني هذا أننا ندعوا إلى إرساء جهوية عرقية أو إثنية ما دام أن الحكم الذاتي سيعم جميع مناطق المغرب ذات الأصول العربية أو البربرية، وفي هذا الخصوص لا نساير ما جاء في التصميم الوطني كون المناطق التي يتكلم غالبية سكانها البربرية لا تشكل جهات بربرية كما لا نتفق مع من اعتبر أن هذه الجهات لا تندرج في إشكالية الاستقلال أو الحكم الذاتي، فقط في نظره ترتبط بكل بساطة بمسلسل اللامركزية واللاتمركز  ؛ إن تحديث ممارسات الحكم ومساهمة المواطنين في تسيير شؤونهم المحلية والجهوية بشكل فعلي لا يمكن الوصول إليه إلا بتقنية نظام الحكم الذاتي الموسع، فهذا الأخير لم يعد فقط اختيار سياسي وإنما هو نتيجة منطقية لمسار بلادنا التاريخي.
الفرع الثاني: تمديد نظام الحكم الذاتي على الطريقة الإيطالية
إذا كان التنظيم الترابي في إسبانيا عرف طريقه إلى الصيغة المتوافق عليها بفضل تقنية النص المفتوح الذي صبغ به دستور 1978، فإنه في إيطاليا تم نهج اللامركزية المتقدمة وفق مسلسل متدرج يساير الواقع الجغرافي والتحولات التي تعيشها إيطاليا، فمن سنة 1947 حتى اليوم عرف عدد الوحدات الجهوية المستقلة ذات الأنظمة الأساسية تزايدا من 5 إلى 20، بل سمح الدستور الإيطالي في مادته 132 بإمكانية اندماج الجهات أو إحداث جهات جديدة بساكنة تقل عن مليون نسمة إذا ما كان ذلك مطلب البلديات الممثلة على الأقل لثلث السكان المعنيين ويتوجب تأكيد ذلك بأغلبية أولائك في استفتاء، أضف إلى هذا أن الفقرة الثانية من نفس المادة خولت بموجب قانون جمهوري لأقاليم معينة وبلديات الانفصال عن جهات والالتحاق بأخرى.
لكن يبقى وصف اللامركزية الإيطالية بالمتقدمة بما لهذا النموذج من قدرة تعايش نسقين في نظام واحد، نظام الجهوية السياسية بخمس الجهات ذات الأنظمة الأساسية الخاصة مع باقي الجهات ذات الأنظمة الأساسية العادية التي يطبق فيها حقيقة نسق اللامركزية الإدارية  .
فإذا كانت الجهات الخمس دخلت أنظمتها الأساسية  حيز النفاذ مباشرة بعد العمل بدستور 1947، فإن الجهات الأخرى بأنظمة عادية لم تصبح حقيقية واقعا إلا سنة 1970 مع أول انتخاب للمجالس الجهوية.
فاللامركزية الإيطالية لن تقف عند هذا الحد، بل ستستجيب لمتطلبات المرحلة مرة أخرى حيث سيعمل المشرع على توسيعها سنة 1997 بموجب القانون رقم 59 لــ 15 مارس 1997 الذي عمل على تمكين الجهات والأقاليم والجماعات وتحويل المهام إليها.
إذن على المشرع الدستوري المغربي وهو يسير وفق نهج النموذج الإيطالي أن يماثل في ذلك بين الجهوية والترابية المبنية على التفاوت في منح السلطات حسب خصوصية كل منطقة، بحيث يكون تدخل الدولة بدرجات متفاوتة  ، كما هو حاصل في إيطاليا بين الجهات الخمسة ذات النظام الخاص والجهات المتبقية ذات النظام العادي، وعليه يجب أن تتكلف الهيآت المشرعة في البلاد في وضع ميثاق جهوي يقسم المملكة إلى منطقتين، منطقة الجنوب ذات نظام خاص فيها الجهوية السياسية القائمة على الحكم الذاتي، حيث تتنازل الدولة لهذه الجهة (الصحراء) عن بعض سلطاتها واختصاصاتها لتجعل منها منطقة يمارس سكانها عن طريق هيآت تنفيذية وتشريعية وقضائية السلطة الكلية على إدارة الحكم المحلي ، على أن تحتفظ الدولة المركزية المغربية بالسلطة الكلية على كل ما يتعلق بمظاهر السيادة. أما المناطق الأخرى فيتم إبقاء سريان اللامركزية الإدارية عليها، لكن وفق قانون جديد يتجاوز تصور قانون  47.96  و111.14، لاسيما فيما يخص تحديد وتوزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات تفاديا لكل تضارب في الأدوار والتدخل الذي لا يخدم التنمية... فالمشرع لم يعد مقبولا منه إصدار قانون يتضمن عبارات غامضة وغير دقيقة، بل يجب أن تكون محددة بوضوح «حتى يتم تفادي تداخل وتشابك الصلاحيات وكذا تسلسلية الشؤون السياسية وطريقة إدارتها» ، أسوة بالدستور الإيطالي في مادتيه 117 و118 والذي حدد بوضوح في المادة 117 الاختصاصات الحصرية للدولة وكذا الاختصاصات المتنافس عليها بينها وبين الجهات مضيفة فيما يخص هذا النوع من الاختصاصات بشكل لا يدع مجالا للتأويل، أن للجهات حق التشريع في كل الميادين المتنافس عليها باستثناء ما يتعلق بتحديد المبادئ الأساسية المنظمة لتلك الميادين فإن حق التشريع فيها يكون فقط للدولة.
كما أن المادة 117 نصت بصريح العبارة في أحد فقراتها أن كل مادة غير مدرجة كاختصاص حصري للدولة فهو يصبح من صلاحيات الجهة يحق لها التشريع التنظيمية بين الدولة وجماعاتها الترابية التحتية حيث جعلت سلطتها التنظيمية في كل الميادين فإلى هذه الأخيرة ينعقد تنظيمها، كما تكون السلطة التنظيمية من نصيب البلديات والأقاليم والحواضر الكبرى لتنظيم ومباشرة الصلاحيات المخولة لها بنفس التوضيح والتدقيق أتت المادة 118 التي خصصت للبلديات المهام الإدارية التي تباشرها بشكل انفرادي، كما تعهد بها، إلى الأقاليم والحواضر الكبرى والجهات والدولة وفقا لمبادئ التفريع subsidiariedad والتفاضلية diferenciacion والتكييف adecuacion، أو ما جاء في الفقرة ما قبل الأخيرة من هذه المادة والتي تنص على أنه يتم تحديد بواسطة قانون طرق التنسيق بين الدولة والجهات في مواد الهجرة والنظام العام والأمن مع استثناء للشرطة الإدارية المحلية، كذلك تحدد أشكال الاتفاق والتعاون فيما يخص الخدمات الثقافية.
فيجب على المشرع الدستوري المغربي وكذا المشرع العادي أن يقتفيا أثر النموذج الإيطالي لتلافي الازدواجية وتضارب الجهود وتشتيت الوسائل بين الدولة وكافة الوحدات الترابية التحتية، ومن أجل بلوغ هدف تخويل مؤسسات جهوية سلطات تقريرية وجعلها وحدة ترابية لامركزية تتمتع بالاستقلالية وتتوفر على هياكل مؤسساتية وأجهزة إدارية واختصاصات يتم توزيعها توزيعا جيدا بين المركز والجهات من جهة وبين الجماعات والإقليم والجهة من جهة أخرى.
إن تطبيق المقترب السياسي للجهوية ببلادنا سواء أكان على الطريقة الإسبانية أو الإيطالية لمن شأنه ليس فقط أن يحل نزاع قضية الصحراء وإنما سيعمل على تحجيم التفاوتات الصارخة بين تراب جهات المملكة، كذلك سيعطي السكان المحليين فرصة حكم مجالهم بأنفسهم وهو ما سيفتح الباب أمام تنافسية حقيقية بين جهات المغرب بل سيوقدها ويشعلها، حيث يكون التراب الوطني بكامله هو المستفيد على جميع الأصعدة أولا وأخيرا، بالشكل الذي سيكون معه خيار الجهوية السياسية، صيغة ملائمة وحلا مناسبا يصون الحقوق الثابتة للمغرب ويحفظ خصوصية المنطقة ويفتح أفاقا رحبة للبناء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والتساكن المبني على التضامن الوطني"  .

وبالترتيب على كل ما سبق ذكره، سيتضح بأن تبني المغرب لمقاربة جديدة للتهيئة المجالية وإعطائها الدور الحقيقي للتأثير إيجابيا في السياسة العمومية وفق منظور المفهوم الجديد للسلطة يكون قد استوعب الدرس جيدا وتعلم من أخطاء التي ارتكبتها السياسة الترابية القديمة التي لم تكن تتوفر على إطار قانوني، فبالإضافة إلى ما جاء به المنظور الجديد لإعداد التراب من فلسفة جديدة بمبادئ (التشاركية، المواطنة والفعالية) واختيارات (ضمان وحدة المجال، إعادة بناء العلاقة الترابية وخلق دينامية محلية للنمو) فإنها أرفقتها بآليات لتفعيلها على أرض الواقع فكان أن تمت صياغة ميثاق لإعداد التراب وإحداث المجلس الأعلى لإعداد التراب وإنجاز التصميم الوطني لإعداد التراب.
إن الهدف من هذا التغيير كان هو تجاوز النظرة الأحادية التي كانت تطبع التعامل مع قضايا إعداد التراب وتعويضها بنظرة شمولية أساسها التشاور والتواصل وكذا التعاون والتنسيق بين كل الفاعلين، مع التأكيد على أولوية البعد الجهوي والمحلي في هذه المقاربة وذلك في إطار تسيير تشاركي لا مركزي ينزل قضايا إعداد التراب على أرض الواقع بتمكين المسئولين على التنمية المحلية والجهوية من أدوات تقنية تحمي الخصوصيات وتشجع الابتكار، كل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تعاملنا مع المجال كما هو وليس كما نريد أن يكون لأجل توفير مجالات للتنمية تكون قادرة على إنجاز المهام المنوطة بها، ولبلوغ هذه الغاية لا بد من ضمان الانسجام والتكامل الجغرافي، التاريخي، الإثني، اللغوي والثقافي... آنذاك فقط يمكن الذهاب في تطبيق على تلك إطارات الترابية أقصى مراحل اللامركزية المجسدة في الحكم الذاتي، هذا الأخير سيفتح أمام المغرب فرصة تأكيد وحدة أراضيه الترابية من خلال الحل النهائي لنزاع الصحراء، والمرور بعد ذلك إلى تفعيل أوراش التنمية بباقي تراب المملكة وتكريس دولة العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة