ifada إفادة

ifada إفادة


مشروع الحكم الذاتي وسيلة لحل نزاع الصحراء (1)

الخميس 26 ديسمبر 2019 - 22:45 , افادة
مشروع الحكم الذاتي وسيلة لحل نزاع الصحراء (1)
محمد ابن احمد باحث في القانون العام

بعد استحالة إجراء الاستفتاء لحل مشكل الصحراء الذي عمَّر أزيد من أربعة عقود  ، واستوعبت سواء منظمة الأمم المتحدة وكذا الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية وصول قضية الصحراء إلى النفق المسدود، حيث لم يعد مقبولا الإبقاء على هذه الوضعية إلى ما لا نهاية، وإنما أضحى أمر البحث عن حل آخر أكثر إلحاحا، وهو ما دفع بالأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان يدعو إلى استكشاف سبل ووسائل التوصل إلى حق سريع ودائم ومتفق عليه للنزاع القائم حول قضية الصحراء، أو ما سيعرف بالحل الثالث، فمثل هذا الحل الذي يشكل جهوية في أقصى مراحلها ضمن الدولة الموحدة ليس بغريب على المغرب ولا على المغاربة ، فالمجال المجتمعي التقليدي المغربي أفرز واقعا تاريخيا تميزت به الإمبراطورية الشريفة، هذا الواقع التاريخي يتمثل في الواقع القبلي الذي يعتبر فضاء متميزا بمكوناته البشرية المتنافرة، وبنياته الاقتصادية والتنظيمية المستقلة، وبروابطه الثقافية والفكرية واللغوية المشتركة، فالقبائل المغربية لم تكن فقط وحدات اقتصادية واجتماعية متعلقة بل كانت أيضا عبارة عن وحدات تدافع عن مصالحها وعن كينونتها وهويتها القبلية، بل أكثر من ذلك أن القبيلة لعبت دورا أساسيا في وصول عدد غير قليل من الدعوات إلى الحكم وترسيخها، والحفاظ على كيانها، فحضورها أثبت فعاليته في كل المشاريع السياسية المطروحة، فالمجموعات القبلية الكبرى وخاصة منها قبائل السيبا  كانت تمارس ما يشبه الحكم الذاتي بواسطة مجالسها الخاصة بها وطبقا لأعرافها الخاصة في معزل عن السلطة المركزية وباعتراف تام بسلطة السلطان العصبوي أو الشريفي الذي يجسد السيادة الجماعية باعتباره أميرا للمؤمنين يتمتع بالسلطة الروحية والأدبية وممثلا للإسلام؛  ومن أجل هذا، إذا كانت الجهوية  السياسية تصلح كحل وسط لإنهاء نزاع الصحراء بشكل نهائي وصون الوحدة الترابية للدولة المغربية (المبحث الأول)، فإنه كذلك لا يمكن استثناء باقي الجهات ببلادنا من هذا الخيار ترسيخا للديمقراطية الحقة بتوسيع دائرة المشاركة والممارسة السياسية في كل مناطق المغرب التي يبقى تمديد الحكم الذاتي فيها، إنما هو "ربط المغرب بماضيه التقليدي دون أن يمس ذلك بوحدته الوطنية أو بمؤسساته التقليدية والموروثة والمقدسة"  (المبحث الثاني). 
إن تبني نظام الجهوية الموسعة يفرض تعديلا دستوريا لن يقتصر على مستوى محدود داخل البنية الدستورية وإنما سيمتد ليشمل فصل السلط العمودي، أساس التمثيل السياسي وشكل الدولة وغيرها، وهي أبعاد حسب البعض لا يمكن لتعديل دستوري محدود أن يجيب عنها، إذ القدرة الاحتوائية لسياسة التعديل الدستوري لسنوات 1992- 1996 لم يعد بالإمكان إنتاجها، فالأمر هنا لا يتعلق بالبحث عن التوافق مع أحزاب المعارضة، ولا إلى امتصاص الحركات الاحتجاجية الحقوقية. 

المبحث الأول: مشروع الحكم الذاتي حل وسط لإنهاء نزاع الصحراء المغربية
بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1495 في يوليوز 2003 بأن الاستفتاء لم يعد خيارا ممكنا لإنهاء النزاع في الصحراء، وتأكيد ذلك بشكل نهائي في فبراير لسنة 2006 عندما تم إعلان وفاة مخطط التسوية لمّا أعلن الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره أن ثمة خيارين لا ثالث لهما لإيجاد حل قضية الصحراء: إما الاستمرار في الوضع الحالي مع خطر الانزلاق نحو العنف، وإما خيار التفاوض والحوار المباشر بين الأطراف المعنية أساسا بالنزاع – ويعد الخيار الأخير الإطار الأمثل والملائم لفض هذا النزاع بشكل يرضي سائر الأطراف -، أصبح خيار الجهوية السياسية يمثل صيغة سياسية ملائمة وحلا مناسبا يصون الحقوق الثابتة للمغرب ويحفظ خصوصية المنطقة ويفتح آفاق رحبة للبناء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي التساكن المبني على التضامن الوطني، كما أن هذا الحل يعد السبيل الوحيد الذي يسمح بالخروج من النفق الذي وضعته جملة الأخطاء التاريخية التي استغلتها الجزائر لدعم النزعة الانفصالية التي تشخصت في حركة البوليساريو ، فإرساء جهوية موسعة بالصحراء يمثل الحل الأمثل والواعي لأن الجهوية أثبتت جدارتها في بلدان كثيرة كإيطاليا، وإسبانيا... فلا الخيار يتعلق بصيغة الاندماج الكلي التي يدعو إليها المغرب عبر الاستفتاء التأييدي، أو بصيغة الاستقلال التام الذي تتشبت بها جبهة البوليساريو وانطلاقا من مبدأ تقرير المصير ، وإنما هو صيغة وسطية توفيقية تنظر إلى منطق الأشياء على أرض الواقع ، والمبني على السيادة والوحدة الترابية للمملكة ومنح سكان الأقاليم الصحراوية صلاحيات واختصاصات واسعة في الميادين التشريعية والتنفيذية والقضائية لتدبير شؤونهم المحلية .
وفعلا استجاب المغرب للنداء الصادر عن المجموعة الدولية حين قام بإعداد مشروع نظام حكم ذاتي لجهة الصحراء واضعا بهذه المبادرة الكرة في ملعب الطرف الآخر، لا سيما وكما نعلم أن هذا الأخير المدعوم من طرف دولة الجزائر استطاع فرض هذه الجهوية الموسعة ضمن مخطط أممي بحيث عدم تطبيقها كان سيجر بلادنا للمواجهة الصريحة مع المنتظم الدولي وهو ما تسعى الجزائر إليه دائما، هذا المسعى سيخيب إذ بهذه المبادرة سيتم إحباط مناورة الانفصاليين والذين يدعمونهم، فهي كانت واضحة في عرضها للجهوية الموسعة كمحطة نهائية متفاوض عليها لكنها في الآن ذاته عملت على إبعاد فرضية الاستقلال، وهنا نتساءل عن مدى جدية الطرح المغربي، وهل بإمكانه وضع حد نهائي لهذا الصراع المفتعل؟ (المطلب الثاني) بتمكين سكان جهة الصحراء وحدويين وانفصاليين من حقوقهم وعزتهم وكرامتهم وضمان للمملكة المغربية سيادتها ووحدتها الترابية، بل وقبل هذا سنبحث في الممررات والأسس التي طالما حاججت بها بلادنا في دفاعها الصامد والثابت عن هذا الجزء من ترابه، والعدول عن مواقفها وقبولها لكل الخيارات ما عدا الانفصال (المطلب الأول).

المطلب الأول: الأسس والمبررات لتمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي
بعد تشكل الهوية المغربية التي استلهمت عناصرها أساسا من الدين الإسلامي ومما توارثته من تقاليد وعادات الأجداد، سار المغرب دائما في البحث عن ذاته والانفراد بخصوصياته وتطوير أساليب حياته الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية  التي ساعدته في مواجهة المشاكل التي اعترضت سبيله، خصوصا الأطماع الخارجية التي كانت دائما تتربص به وبمجاليه الذي سيتعرض لعملية التجزيء من طرف القوى الاستعمارية التي تكالبت عليه، هذه الأخيرة وعند استشعار نهاية تواجدها على أرض المغرب عمدت إلى خلق كيان مصطنع ينهي الوحدة الترابية التي جمعت عبر التاريخ شمال المملكة بجنوبها.
فإذا استطاعت الهوية المغربية – التي ارتبطت بالعناصر الدينية والسياسية واندماجها مع العنصر الاجتماعي- من إفراز مقاومة شعبية وطنية نالت من الاحتلال ومخططاته وفرضت عليه الخروج، فإن هذه الروح المقاومة ستظل مستمرة إلى اليوم، إذ من معينها ستنهل الدولة في محاولتها الدفاع عن حوزة ترابها بالاعتماد على مجموعة من الأسس القوية- التي تدحض ادعاءات من انقلبوا على هويتهم المغربي لصالح هوية مزعومة لا أساس لها- هذه الأسس منها ما هو داخلي أفرزته تشكل الهوية المغربي عبر مسار تاريخي مديد، ومنها ما هو خارجي تأكد بها – بعد التحقق من قوة حجية الأسس الأولى – أن الخيار الأمثل يظل إبقاء المنطقة تحت سيادة المملكة المغربية.
الفرع الأول: المبررات والأسس الداخلية لتمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي
لقد كان للفتح العربي الإسلامي لشمال إفريقيا دور كبير في التأثير على المجرى التاريخي للمنطقة عموما وعلى المغرب خاصة الذي أصبح جزءا من دار الإسلام، وإن انسلخ النفوذ المركزي للمشرق  فإنه بقي ملزما بإتباع الإرث الإسلامي المتواتر عليه ، الذي يستمد منه الذين تقلدوا أمر شؤونه أدوات المشروعية لتجسيد الممارسة السياسية واستمراريتها؛ فكانت البيعة  الأداة الفاعلة في الحياة السياسية والدينية منذ دولة الأدارسة إلى اليوم ، والتي بواسطتها أمكن للسلاطين وملوك المغرب أن يمارسوا مهامهم على كامل ترابه عبر جهاز مخزني شملت تدخلاته كافة المناطق بما فيها جهة الصحراء، هذه المنطقة سيتأكد ارتباطها التاريخي والقانوني بالمملكة من خلال مبايعة سكانها لملوك المغرب، وكذا من خلال تشكل ملامح إدارة مخزنية بتلك المنطقة انبثقت من السلطان وعملت على تنفيذ أوامره فيها.
الفقرة الأولى: بيعة سكان جهة الصحراء للملوك المغاربة.
لقد أثبتت الوقائع التاريخية ارتباط الصحراء المغربية بمنطقة سوس، وذلك نظرا لكون منطقة سوس تعتبر معبرا للقوافل المتجهة نحو الصحراء أو نحو الشمال. ومنذ عهد محمد بن إدريس الثاني، تولى عبد الرحمان بن إدريس الثاني عمالة لمطة ثم بنى بها مدينة تامدلت، وقد تمكن الأدارسة من مراقبة الطريق التجاري الممتد إلى غانا جنوبا ، وهدا ما يدل على أن الأدارسة باشروا حكمهم على الصحراء المغربية.
أما بخصوص المرابطين فإن النواة الأولى لهذه الدولة ظهرت في الصحراء وبالتالي فإن الكلام عن البيعة في هذه الفترة لا يخضع لأي شك ما دام المنطلق هو الصحراء.
وفي العهد المريني، تزامن حكمهم مع ظهور الزوايا، وقد تحدث ابن خلدون عن زوايا أولاد بونعمان المعقليين على ساحل البحر، وقد تلقى ملوك المرينيين بيعة سكان الصحراء وبالخصوص بيعة المعقليين، ونظرا لارتباطهم بالملوك المرينيين فقد استنجد بهم يعقوب في بعض تحركاته سنة 670 هــ. وفي سنة 683 قام المرينيون بغزوة ضد الخوارج بسوس وقد اقتفى الجيش أثرهم إلى الساقية الحمراء.
أما السعديون ففي عهدهم أنشئت عمالة بالجنوب مقرها (تكاوست) وقد ساعدت نجدات هذه العمالة المنصور الذهبي في حملته إلى السودان سنة 992 هــ.
وهكذا ففي عهد السعديين انتشرت طريقة توجيه البيعات كتابة على يد وفود القبائل والمدن بالإضافة إلى البيعة المباشرة. واستند السلطان أحمد المنصور الذهبي في دعوته   للبيعة إلى تزكية النسب القرشي وكذا الانتماء إلى السلالة النبوية.
والعلويون منذ أن تولوا أمر قيادة المغرب عملوا على أن يدخل في البيعة جميع الأطراف التي لها صفة تمثيلية أو مكانة   اجتماعية، وكذلك ممثلو القبائل، وتتم بيعة السلطان بحضور الأمراء والوزراء والعلماء والصلحاء، ثم يأتي بعد ذلك دور وفود الحواضر والبوادي مصحوبين بهدايا العاهل.
فقد اهتم العلويون بالصحراء، وذلك أن مؤسسي الدولة العلوية ينتمون إلى الصحراء وتجمع بينهم روابط الدم و القرابة، فقد شهدت سنة 1265 هجرية قدوم الشيخ ماء العينين إلى السلطان مولاي بعد الرحمن من أجل أداء البيعة، وفي سنة 1300 هــ تمت زيارة الشيخ ماء العينين إلى سلطان المولى الحسن الأول لأداء البيعة مع وفود أخرى من الصحراء، وفي عهد المغفور له جلالة الملك محمد الخامس قدمت البيعة بتاريخ 18 نونبر 1927 وتكلمت الصحافة الأجنبية والوطنية عن ازدحام الوفود القادمة من جميع جهات المملكة لتجديد البيعة وذلك سنة 1958، وقد تقدم نائب الصدر الأعظم محمد الأغظف لجلالة الملك محمد الخامس من أجل تقديم البيعة، وحاول الاستعمار الإسباني وهو في طريقه إلى الرباط، وبعد وصوله إلى إقليم كلميم انتقل إلى الرباط على متن طائرة خاصة .
هذا وفي 2 نونبر 1975 رفع خطري ولد سعيد الجماني اليبعة   إلى الملك الراحل الحسن الثاني رحمهما الله، وذلك باسمه واسم السكان الصحراويين وقد كان الجماني يشغل آنذاك رئيسا للجماعة الصحراوية. هذا وبعد عودة الصحراء المغربية إلى حظيرة الوطن، قدَّم سكان الداخلة ووادي الذهب البيعة إلى الملك الحسن الثاني وذلك بـ 13 غشت 1979، ومن ضمن ما جاء في نص البيعة "... واجتمعت كلمتنا التي لا تجتمع على ضلال على أن نجدد لأمير المؤمنين وحامي حمى الوطن والدين، سيدنا الحسن الثاني، حفظه الله بالسبع المثاني، البيعة التي بايع بها آباؤنا وأجدادنا، آباءه وأجداده الكرام، نعَّم الله أرواحهم في دار السلام، فبايعناه على ما بايع عليه رسول الله  ( صل الله عليه وسلم) أصحابه تحت شجرة الرضوان وأقررنا بحكمه والتزمنا طاعته ونصحه في كل وقت وآن، فنحن أنصاره وأعوانه وعساكره وجنوده نوالي من ولاه ونعادي من عاداه، أخذنا بذلك على أنفسنا العهود والمواثيق راضين مختارين راغبين مستبصرين وأشهدنا الله علينا وهو خير الشاهدين...".
هكذا كانت البيعة تقدم من قبل سكان الصحراء إلى السلاطين المغاربة كتابة أو شفوية حضورا أو مراسلة، وكان علماء الجنوب يحثون قبائل الصحراء على تقديم البيعة. 
الفقرة الثانية: العمل السلطاني في جهة الصحراء
إن تقديم البيعة من طرف سكان الصحراء للسلطان المغربي لا يعني سوى شيئا واحدا، وهو اندماجهم المباشر ضمن المجال الترابي المغربي، وأن الصحراء المغربية جزء من المملكة المغربية، وإذا كانت البيعة تجسد إحدى ملامح الهوية السياسية في المغرب، فإنها تعطي للسلطان حق ممارسة الشؤون اليومية بما فيها السياسية والإدارية للدولة المغربية إما مباشرة بنفسه أو عبر جهاز مخزني ، وتعد المعاهدات التي يبرمها السلطان إحدى هذه الممارسات حيث إبرامها إنما ينبثق من عقد البيعة الذي يخوله هذا الحق، فالإمام أو الخليفة هو اللسان الناطق باسم جماعة المؤمنين فإنه بهذه الصفة يمكنه إبرام معاهدات مع دول أجنبية.
ولإبراز تدخل السلاطين وملوك المغرب في جهة الصحراء يمكن العودة إلى ما تم إبرامه من طرفهم من معاهدات واتفاقيات مع دول أخرى تقر إما صراحة أو ضمنا سيادتهم على أرض الصحراء (1) وكذلك عبر تعيينهم من يمثلهم في تلك المنطقة (2).
1- تدخل ملوك المغرب في الصحراء من خلال إبرامهم للمعاهدات والاتفاقيات مع الدول الأجنبية:
هذه المعاهدات صنفان منها ما يقر ضمنا بسلطان الدولة المغربية على هذا الإقليم ومنها التي تقر بذلك صراحة  .
فمن بين المعاهدات التي تقر ضمنا سلطان الدولة المغربية على إقليم الصحراء، نجد العديد منها تخص الصيد البحري والتجارة فعلى سبيل المثال هناك المعاهدة التي أبرمها السلطان سيدي محمد بن عبد الله مع الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1789 حيث تم التنصيص في إحدى بنودها على ما يلي: "... إذا ما جنحت سفينة أمريكية بضفاف وادي نون أو على الضفاف المجاورة له، فإن ركابها يبقون في الأمان إلى أن تتيسَّر العودة إلى بلادهم إن شاء الله ..." وقد تم تجديد هذه المعاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية من طرف السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام وذلك سنة 1886م. 
فمن خلال ما ورد في هذه المعاهدة يتضح بما لا يترك مجالا للشك أن السلطان يمتد نفوذه إلى ما وراء وادي نون وهو ما يعني أن سيادة الدولة المغربية مبسوطة على أرض الصحراء المغربية. 
 أو ما أورده الأستاذ القباج في كتابه "قضية الصحراء المغربية"  حول الاتفاقية المبرمة بين المغرب وإسبانيا والتي تم التوقيع عليها سنة 1799 وتطلب إسبانيا من خلالها، حماية السلطان للأساطيل الإسبانية وطاقمها عند الرسو في وادي نون، أو ما وراء هذا الواد يعني الصحراء المغربية. أما المعاهدات والاتفاقيات التي تقر صراحة بسط سيادة الدولة المغربية على الأراضي الصحراوية، يمكن الاستدلال بالاتفاق المغربي البريطاني حول رأس طرفاية سنة 1885 وقد تضمن هذا الاتفاق ما يفيد صراحة سلطان الدولة المغربية في إحدى فقراته والتي جاء فيها: "...إذا اشترى المخزن زينة المحل المذكور لا يبقى كلا م لأحد في الأراضي التي من وادي درعة إلى رأس بوخادور والمعروف بالطرفايا المذكورة  وكذلك فيما فوق هذا المحل من الأراضي لكون ذلك كله من حساب أرض المغرب...". 
كما يمكن الاستشهاد بمجموعة من الاتفاقيات بين المغرب والدول الأوربية أو بين الدول الأوربية والصحراء التي نجدها كلها تقر بأن المغرب يمارس اختصاصاته السياسية بالصحراء المغربية، وكمثال على هذا البروتكول المغربي الإسباني المؤرخ في 20 يونيو 1900 الخاص بإيفني والاتفاق الفرنسي الألماني المؤرخ في نونبر 1911 . 
2- سيادة المغرب على الصحراء من خلال تعيين ممثلي السلطان:
إذا تأكد أن ملك المغرب وسلطانه كان الفاعل وممثل بلاده على المستوى الخارجي، فإنه قبل ذلك باعتباره أمير المؤمنين ورئيس الدولة وجهازها التنفيذي (المخزن)  يمارس اختصاصاته على كل تراب المغرب، ومن هذه الاختصاصات تعيين أو خلع من يمثله، هذا الاختصاص الذي كان في الغالب يباشره عبر تقنية الظهير  والتي لا زال العمل جاريا بها حتى اليوم. فعلى سبيل المثال نجد السلطان مولاي إسماعيل عندما قام بعزل القائد أحمد بن أحمد وعوضه بالقائد الزرهوني بتوات، كما خلع السلطان المولى الحسن الأول الشيخ الحبيب وقام بتعيين شقيقه الطالب الحبيب قائدا على منطقة بالصحراء المغربية وذلك بمقتضى وثيقة محررة بتاريخ 2 رمضان عام 1299 هــ .
كما عيَّن السلاطين المغاربة مجموعة من القواد على قبائل الصحراء المغربية من خلال ظهائر، وكان السلاطين المغاربة يختارون قوادا من وسط المملكة أو شمالها وأحيانا يختارون شخصية لها نفوذ في  بعض القبائل الصحراوية ويعينونها على رأس هذه القبائل، والملاحظ أيضا أن السلطان قد يعين خليفة له في الصحراء من أفراد عائلته المقربين له، وقد يعين أميرا أو خليفة بالجنوب بمراكش أو الصويرة أو آسفي أو أكادير، ويقوم هذا الأخير بمباشرة شؤون الصحراء .
وما يبرز ذلك مثلا ويؤكده:
لما قام الأمير مولاي إدريس بن عبد الرحمان بتسليم ظهائر تعيين عمال المخزن إلى رؤساء وأمراء وشيوخ بالصحراء معينا آنذاك خليفة لأخيه مولاي عبد العزيز بالصحراء المغربية. 
إن الذي أسلفناه يؤكد وجود بيعة سكان جهة الصحراء وما يتبع ذلك من نتائج بممارسات سلطانية على أرض تلك الجهة والتي تستوجب تواجد إدارة مخزنية والتي يُعين رجالاتها السلطان بمقتضى ظهائر، هؤلاء يقومون بمتابعة القضايا ويرفعون التقارير إلى الأجهزة العليا وينفذون التعليمات وبهذا يتم ربط (الجنوب) الصحراء بالمركز من ناحية ومن ناحية أخرى بشمال المملكة.
 الفرع الثاني: المبررات والأسس الخارجية لتمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي.
إن تمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي الموسع لا يقفل عند المبررات والأسس الداخلية، وإنما يتخطاه إلى ما هو خارجي تمظهر أساسا في الرأي الاستشاري الذي صدر عن محكمة العدل الدولية حول الصحراء المغربية، بعدما طالب المغرب من هيأة الأمم المتحدة من التدخل لحمل إسبانيا على التفاوض لاستعادة أراضيه، كما تجلى ذلك في استحالة تطبيق مخطط بريز ديكويلار أو ما عُرف بمخطط التسوية من أجل تنظيم استفتاء حول تقرير المصير بالصحراء، والذي بدى منذ الوهلة الأولى أنه غير قابل الإنجاز.
الفقرة الأولى: الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول الصحراء المغربية
كرد فعل للمغرب على نية إسبانيا المحتلة لأراضي الصحراء - عزمها الأحادي تنظيم استفتاء لتقرير مصير الصحراء المغربية   التي تحتلها والذي كان الهدف منه خلق دويلة مصطنعة – أن اقترح عليها في 17 شتنبر 1974 أن تطلب من محكمة العدل الدولية التدخل لفك النزاع الترابي العالق بينهما حول أراضي الصحراء بالنظر في مسألة: هل الصحراء كانت تابعة لسيادة المغرب إبان احتلالها، وهو ما كان سيوقف مؤقتا تنظيم الاستفتاء أو بشكل نهائي في حالة الرد الإيجابي للمحكمة؛ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فما هي الروابط القانونية التي كانت تربط هذا الإقليم بالمملكة المغربية ومجموع موريطانيا. 
وقد طلبت الجمعية العامة من خلال توصياتها- التي طلبت بموجبها الاستشارة من محكمة العدل الدولية ومحاولة الحصول على الإجابة عن التساؤل السابق- من إسبانيا أن تمتنع عن إقامة الاستفتاء الذي كانت تنوي تنظيمه في الصحراء لأن الجمعية العامة لم تبث بعد في السياسة التي يجب اتخاذها قصد تصفية الاستعمار بالمنطقة في أحسن الظروف طبقا للتوصية رقم (XV) 1514، وعلى ضوء الرأي الاستشاري الذي ستصدره محكمة العدل الدولية. كما طلبت الجمعية العامة من خلال نفس التوصية من أطراف النزاع [المغرب، موريتانيا وإسبانيا] أن يقدموا لها جميع  الوثائق حول مدى طبيعة الصحراء  الغربية ارض خلاء مستقلة أم تابعة للسيادة المغربية وفي 16 أكتوبر 1975 أصدرت المحكمة حكما أجابت فيه عن التساؤل الأول بالإجماع على أن الصحراء المغربية لم تكن أرضا خلاء كما كانت تدعي إسبانيا.
وفي الشق الثاني أكدت المحكمة بأن إقليم الصحراء كانت له روابط بيعة بين بعض قبائل الصحراء وملك المغرب ؛ لكن المحكمة وقبل أن تنهي خلاصاتها في الموضوع، أعلنت أمام استغراب الجميع بأنه لم تستخلص وجود روابط قانونية التي من شأنها تغيير التوصية (XV) 1514 المتعلقة بتصفية الاستعمار بالصحراء المغربية وبالخصوص تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والأصلي لإدارة سكان الإقليم. 
إن مثل هذه الخلاصة   لتحمل تناقضا كليا مع ما جاء في شِقي جوابها عن التساؤل المركزي عندما أقرت المحكمة بوجود روابط قانونية بين الصحراء والمغرب وموريتانيا.
والحقيقة أن المحكمة حاولت الخروج برأي توفيقي  بين المغرب وإسبانيا وأن أسباب اتخاذها لهذه الاستشارة على هذا النحو جاء نتيجة لعدة عوامل تتعلق بتشكيلها وبالظروف والاعتبارات السياسية، وتأثر أغلب أعضائها بالفكر الغربي الأوربي وعدم إلمامهم بالهوية الإسلامية والهوية السياسية والاجتماعية المغربية، إذ لم يتمكن بعض قضاة المحكمة من فهم تلك الهوية لكونهم لم يفرقوا بين السيادة بمفهومها الكلاسيكي ورابطة البيعة، بين السيادة في ظل الدولة الأوربية العصرية التي تقيم علاقة مباشرة بين الدولة والأرض، وبين السيادة في ظل الدولة التقليدية التي تتجسد في رابطة البيعة والتي لا تقبل الفصل بين ما هو ديني وسياسي.
الفقرة الثانية: فشل مخطط التسوية
تكللت المساعي الحميدة  للأمين العام للأمم المتحدة خافيير بريز ديكويلار بتقديم اقتراحه يوم 11 غشت 1988 للتسوية من أجل السلام الهادف إلى تنظيم استفتاء تقرير المصير بالصحراء، هذا المقترح سيتم قبوله من كافة الأطراف المعنية في 30 غشت، الذي سيحظى بدعم مجلس الأمن في 20 شتنبر من نفس السنة، وهو ما سيشجع الأمين العام في البحث عن وسائل لتفعيل ذلك الاقتراح، غير أن بحثه سيصطدم بعدة عراقيل جعلت من مخطط التسوية مستحيل التحقيق، فهو من جهة: شكل قطيعة مع ممارسة هيأة الأمم المتحدة فيما يتعلق باستفتاءات تقرير المصير، فالمنتظم الدولي كان دائما ينأى بنفسه عن تنظيم مثل هذه الاستفتاءات ويترك المهمة للبلد المعني بمستقبل الإقليم موضوع النزاع، بحيث الأمم المتحدة في شخص مبعوثها والموظفين التابعين لها ينحصر دورهم كملاحظين ملزمين بإخبار الجمعية العامة حول الظروف التي مرت فيها الاستشارة، فعلى غير هذا النهج سار مخطط التسوية  عندما أكد في فقرته 47: «بأن منظمة الأمم المتحدة ستعمل على تنظيم ومراقبة الاستفتاء وستنشر وستعمل على نشر اللوائح، والقواعد والتوجيهات الضرورية لحسن سير تنظيم الاستفتاء» وأضافت أن «الممثل الخاص للأمين العام... سيكون المسؤول الوحيد بكل المواضيع المتعلقة بالاستفتاء لا سيما تنظيمه مراقبته»، إن المخطط لم يقف عند هذا الحد بل تجاوز ذلك في الفقرة   10 من المخطط، التي أعطت سلطات شبه مطلقة على إقليم الصحراء للمبعوث الخاص بشكل يلغي في المرحلة الانتقالية- أثناء إعداد اللوائح وعميلة التصويت- الإدارة، القوات المسلحة والقوات المساعدة المغربية على أرض الصحراء المغربية.
 ومن جهة أخرى، أتى مخطط التسوية غير كامل لعدم نصه على المعايير المحددة للأشخاص المؤهلين للتصويت في الاستفتاء، ففي الوهلة الأولى حاولت لجنة تحديد الهوية اعتماد إحصاء 1974 الذي قامت به إدارة الاحتلال الإسباني دون استقصاء منها لأهداف مثل هذا الإحصاء، وهو ما سيولد احتجاجات شيوخ القبائل أثناء  أول اجتماع للجنة بجنيف في يونيو 1990، حيث أوضحوا ما يعتري الإحصاء الإسباني من عدم الدقة والنقصان لإزاحته كثيرا من الصحراويين خصوصا الذين لجأوا إلى المغرب بسبب قمع المحتل الإسباني.
وأمام رفض سكان الصحراء لمثل هذا الإحصاء وكثرة الاحتجاجات تدخل الأمين العام لهيأة الأمم في العديد من المرات مقدما اقتراحات في شأن اللوائح التي وجب أن تشارك في عملية التصويت .
لكن رغم كل الاقتراحات لن يُكتب لمخطط التسوية النجاح حيث سيدخل نفقا لن يرى بعدها النور بسبب تباعد مواقف طرفي النزاع، فإذا كانت البوليساريو تتشبث بإحصاء 1974 فإن المغرب ألح على إقحام الذين لجأوا إلى داخل المغرب إبان احتلال الصحراء، وقد اعتبر المغرب مطالبة هؤلاء بالإدلاء بوثائق هوية مكتوبة مقدمة من طرف المحتل قبل عقود من الزمان، يشكل عقوبة بل مطلبا تعجيزيا يراد به إقصاء من هم أهل لتحديد مصير أرضهم، فالمعروف عن هؤلاء الذين هم جزء من الساكنة الرحل ذات الطابع التقليدي اعتدادها فقط بالقرآن والدلائل الشفوية.
لكن رغم هذا التباعد والصعوبات الجمة فقد استمرت جهود الأمين العام والتي ستتكلل باجتماع بين أطراف النزاع بالعيون 17- 19 يوليوز 1993 للتقريب بينها، هذا اللقاء لن يسفر عن أي جديد حيث بقي التنافر يطبع مواقفها، إلا أنه ومع ذلك سيعلن المنتظم الدولي رسميا في 8 فبراير 1994 بداية عملية تحديد الهوية بفتح عدة مراكز للتسجيل في العيون وتندوف، وحتى 15 أكتوبر 1994 اليوم الأخير للتسجيل، تقدم المغرب بــ176.533 طلب و42,468 من قبل البوليساريو؛ وأثناء فحص الملفات لوحظ أن هيأة تحديد الهوية تبنَّت في ذلك إحصاء 1974 وتجاهلت المعايير المقترحة من طرف بريز دي كويلار، وهو ما سيدفع المغرب إلى تقديم شكواه معيبا على الهيأة عدم حيادها، آخذا عليها التغاضي على مناورات شيوخ جبهة البوليساريو الرافضة والمُبعدة للشهادات الشفوية، هذا الأمر سيدخل المغرب والهيأة المكلفة بتحديد الهوية في أزمة ثقة، هذه الأزمة ستشتد  .
إن هذه الأزمة ستكون موضوع اجتماع مجلس الأمن في 31 يناير 1996 والتي عبر في شأنها بانشغاله بالمأزق الذي دخل فيه مسلسل تحديد الهوية داعيا طرفي النزاع بالتعاون مع الأمين العام والمينورسو من أجل إحياء عملية تحديد الهوية، والتغلب على كل ما يعرقل سريانها الطبيعي وتطبيق العناصر الأخرى لمخطط التسوية وفق التوصيات الصادرة في الموضوع ذاته)  وستبلغ مداها الأقصى مما سيحكم على عمل الهيأة بالتوقف بشكل نهائي.
إن غياب اتفاق بين الأطراف حول معايير تحديد الهوية جعل من مخطط التسوية غير قابل للتطبيق، مما تطلَّب البحث عن حل بديل، هذا الأخير بمرور الوقت سيأخذ شكل الحكم الذاتي الترابي فوحده القادر على الصمود والاستمرار وحل هذا النزاع المفتعل . 
المطلب الثاني: المبادرة المغربية لتمتيع جهة الصحراء بحكم ذاتي موسع (قراءة المشروع)
تدخل المبادرة المغربية بمنح جهة الصحراء حكما ذاتيا موسعا ضمن التزام المملكة الدائم بمبدأ التسوية السلمية للنزاع وتشبتها الصارم بالحل السياسي المتفاوض حوله والقائم على فكرة لا غالب ولا مغلوب، لا سيما بعدما تأكد تعذر تطبيق مخطط التسوية لسنة 1991، كما تندرج هذه المبادرة  – وفق ما نصت عليه الفقرة الثالثة منها – في إطار بناء مجتمع ديمقراطي حداثي، يرتكز على مقومات دولة القانون والحريات الفردية والجماعية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن هذه المبادرة هي ككل أنظمة الحكم الذاتي إنما هي في «المبدأ استجابة لحاجيات وضعية معينة، أو نتيجة مفاوضات بين الدولة والأقليات من أجل تدبير حالة لها خصوصياتها؛ كذلك هي تجسيد لعلاقات القوة المتواجدة في وقت معين بين أطراف النزاع»  .
وحتى نتمكن من تشكيل فكرة عن مضمون وفحوى هذه المبادرة يتوجب معاينة مدى استجابتها لتوصيات لجنة الخبراء المستقلين- المحدثة من قبيل المفوض السامي من أجل الأقليات الوطنية في 1998 (التابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوربي) – إضافة إلى مقارنتها بالتجارب المتقدمة والسابقة التي طبقت نظام الحكم الذاتي حيث تبقى هذه الأخيرة أبرز مثال لقياس مدى جدية الطرح المغربي من عدمه.
إن من بين المعايير الواجب توفرها في أي نظام حكم ذاتي ناجح متعارف عليه عالميا هو ضرورة تمتيع الجهة المستقلة ذاتيا بمجموعة من الاختصاصات الماسة بكثير من القطاعات مع استثناء ما يتعلق بالسيادة التي تبقى من الصلاحيات الحصرية للدولة المركزية، ووجود هيآت محلية: جمعية تشريعية محلية وحكومة محلية منبثقة من انتخابات حرة مباشرة وسلطة قضائية محلية  .
فهل بالفعل تضمنت المبادرة المغربية لتمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي الموسع مثل هذه المعايير والمقتضيات؟ أو بمعنى آخر، إلى أي حد احترمت المبادرة المغربية هذه المعايير؟.
الفرع الأول: الاختصاصات المنصوص عليها في المبادرة المغربية
بقراءة مشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب نجده خص جهة الصحراء باختصاصات جد واسعة في ميادين عدة، في حين أبقى على أخرى حصرية لفائدة الدولة، أما التي لم يتم التنصيص على تحويلها صراحة فإنها تمارس باتفاق بين الطرفين، وذلك عملا بمبدأ التفريع . 
الفقرة الأولى: اختصاصات جهة الصحراء المستقلة ذاتيا  
لقد خصت المبادرة جهة الحكم الذاتي للصحراء بعدة اختصاصات تمارسها داخل حدودها الترابية، هذه الاختصاصات شملت الميادين التالية:
ــ الإدارة المحلية والشرطة المحلية ومحاكم الجهة؛
ــ على المستوى الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع الاستثمارات والتجارة والصناعة والسياحة والفلاحة؛ ميزانية الجهة ونظامها الجبائي؛
ــ فيما يخص البنى التحتية: الماء والمنشآت المائية والكهرباء والأشغال العمومية والنقل؛
ــ على المستوى الاجتماعي: السكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية؛
ــ على المستوى الثقافي: التنمية الثقافية، بما في ذلك النهوض بالتراث الثقافي الصحراوي الحساني؛
ــ البيئة.
فالملاحظ أن هذه الاختصاصات الممنوحة لجهة الصحراء تتماشى مع ما هو متضمن في التجارب المتقدمة في تطبيق الحكم الذاتي (إسبانيا، وإيطاليا)، كما تحترم الضوابط والمعايير المتعارف عليها عالميا في هذا الشأن، بل هناك من ذهب   إلى حد اعتبار أن ما جاء في المشروع المغربي متفوق في كثير من مقتضياته على توصيات لجنة لاند "lundi" التي أوصت على وجوب أن تمس اختصاصات الجهة "قطاعات: التربية، الثقافة، استعمال لغات الأقليات، البيئة، إعداد التراب المحلي، الثروات الطبيعية، التنمية المحلية، حفظ النظام المحلي، السكن، الصحة والخدمات الاجتماعية" في حين استثنت من ذلك ميادين مهمة جاءت متضمنة بالمبادرة المغربية كاختصاص لجهة الصحراء مثل العدل، والجباية، السياحة والنقل، التي جعلت (لجنة لاند) منها اختصاصات مشتركة بين الجهات والسلطات المركزية.
ولتمكين جهة الصحراء من ممارسة اختصاصاتها، وتحقيق تنميتها على جميع الأصعدة، حددت المبادرة المغربية الموارد المالية الضرورية التي ستساعدها في ذلك وقد اشتملت على:
ــ الضرائب والرسوم والمساهمات المحلية المقررة من لدن الهيآت المختصة للجهة؛
ــ العائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة؛
ــ جزء من العائدات المحصلة من طرف الدولة والمتأتية من الموارد الطبيعية الموجودة داخل الجهة؛
ــ الموارد الضرورية المخصصة في إطار التضامن الوطني؛
ــ عائدات ممتلكات الجهة . 
ومن خلال هذه الموارد يتضح بما لا يدع مجالا للشك انعقاد الاختصاص للجهة الصحراء فيها يخص السياسة الجبائية (المحلية)، وهو ما يجعل من المبادرة المغربية متميزة عن توصيات  "Lundi" التي ترفض مثل هذا الاختصاص للسلطة الجهوية المستقلة لوحدها والتي تدعو لاقتسامه (الاختصاص) مع السلطة المركزية المعنية . 
الفقرة الثانية: الاختصاصات الحصرية للدولة
مقابل اختصاصات جهة الصحراء المستقلة، نجد الدولة احتفظت لنفسها باختصاصات حصرتها، في الفقرة 14 من المبادرة، في كل:
ــ ما يتعلق بالسيادة، لا سيما العلم والنشيد الوطني والعملة؛
ــ ما هو متعلق بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك بصفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية وللحريات الفردية والجماعية؛
ــ ما يخص الأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية؛
ــ العلاقات الخارجية؛
ــ النظام القضائي للمملكة.
وتباشر هذه الاختصاصات من طرف مندوب الحكومة في جهة الحكم الذاتي للصحراء . 
فإذا كنا لاحظنا في الفقرة السابقة توسعا في الصلاحيات التي منحتها المبادرة لجهة الصحراء مقارنة بأهم أنظمة الحكم الذاتي، فإننا كذلك نستشف تقليصا واضحا فيما خصت به الدولة من صلاحيات بالموازاة مع ما جاءت به التوصية رقم 15 للجنة لاند Lundi التي حددت المهام الخاصة بالسلطات المركزية في: الدفاع، الشؤون الخارجية، الهجرة والجمارك، السياسة الماكرو- اقتصادية والسياسة النقدية.
فالأمر لم يتوقف عند هذا الحد وإنما ذهب أبعد من ذلك، ففي الفقرة 15 من المبادرة المغربية ثم إشراك جهة الصحراء في أحد أبرز الاختصاصات الحصرية المشار إليها أعلاه الخاصة بالدولة وهي الاختصاصات الديبلوماسية عندما تكون لها صلة مباشرة باختصاصات جهة الصحراء المستقلة، كما أعطيت هذه الأخير،إمكانية إقامة علاقات تعاون مع جهات أجنبية بعد تشاور مع الحكومة.
إن المبادرة المغربية في هذا الشأن أتت جريئة بالشكل الذي لا نجده إلا باستثناء في بعض الأنظمة المتقدمة للحكم الذاتي كالمطبق بالمجموعات المستقلة الإسبانية.
الفرع الثاني: هيآت جهة الحكم الذاتي للصحراء
فعند معاينة المشروع الذي تقدمت به المملكة، نجده خصص فقرات من 19 إلى 26 للحديث عن هيآت الجهة والتي جاءت كالتالي:
الفقرة الأولى: البرلمان الجهوي
من بين الأشياء التي يقتضيها الاستقلال الداخلي الذي يتمتع به إقليم الحكم الذاتي وجود مؤسسة تشريعية ، يتم اختيار أعضائها عن طريق أسلوب الانتخاب الذي يعتبر دليلا على مشاركة سكان الإقليم في إدارة حياتهم السياسية بشكل ذاتي ، وتتولى هذه المؤسسة سن القوانين وإصدار قرارات محلية وتتشكل بطريقة تتوافق مع القانون وتجعلها موضع اتفاق السكان.
وفي نفس الاتجاه نصت المبادرة المغربية من أجل منح الصحراء حكماً ذاتياً على ضرورة توفر برلمان محلي يتكون من أعضاء منتخبين من طرف مختلف القبائل الصحراوية، وكذا من أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة ومن نسبة ملائمة من النساء ، ويمارس هذا البرلمان جميع الاختصاصات التي تدخل في إطار الوظيفة التشريعية المحلية مع اشتراط مطابقة جميع القوانين الصادرة عنه لنظام الحكم الذاتي في الجهة، ولدستور المملكة والقانون الوطني ، وفي حالة وقوع تعارض بين القوانين المحلية والوطنية أو في حالة ظهور بعض الاختصاصات التي لم يتم التنصيص عليها في مشروع المبادرة يتم اللجوء إلى تطبيق مبدأ التفريع ، ويجوز للبرلمان أن يحدث محاكم تتولى البث في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها الهيئات المختصة لجهة الحكم الذاتي للصحراء .
وفي المقابل نص اتفاق الإطار الذي وضع مقترحه المبعوث الخاص للأمم المتحدة "جيمس بيكر" في 20 يونيو 2001، على أن السلطة التشريعية تمارسها جمعية تشريعية منتخبة، ويشارك في انتخابهم كل الأشخاص الذين توفر فيهم الشروط التالية:
شرط السن: أن بلوغ الشخص 18 سنة كاملة.
شرط الإقامة: ويقصد به أن يكون الشخص مقيما بشكل متواصل في الإقليم منذ 31 أكتوبر 1998، أو أن يكون ممن أدرجت أسماؤهم في قائمة العودة إلى الوطن في 31 أكتوبر 2000 . 
كما يشترط في الانتخابات والاستفتاءات التي يتضمنها الاتفاق أن تكون متلائمة مع قواعد السلوك المتفق عليه بين المملكة المغربية والبوليساريو في سنة1997 .
أما بالنسبة لخطة السلام من أجل تقرير شعب الصحراء المغربية، فقد نصت على أن السلطة التشريعية للصحراء تمارسها جمعية تشريعية منتخبة من طرف السكان المحليين الذين تشترط فيهم ألا تقل أعمارهم عن 18 سنة، وأن تكون أسماؤهم واردة في اللائحة المؤقتة المؤرخة في 30 دجنبر 1999، أو لائحة المفوضية  السامية الخاصة بالنازحين والمؤرخة في 31 أكتوبر 2000، مع وجوب تحديد هؤلاء الأشخاص من طرف هيئة الأمم المتحدة، شريطة مراعاة الانتخابات والاستفتاءات المشار إليها في هذه الخطة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان ومبادئ مدونة السلوك المتفق عليها بين المملكة المغربية، وجبهة البوليساريو سنة1997 .
وإذا ما قارنا بين المحاولات الثلاثة المتعلقة بمنح الحكم الذاتي للصحراء المغربية، نجد أن جميعها أسندت مهمة التشريع وسن القوانين المحلية لجمعية تشريعية أو برلمان الحكم الذاتي، لكنها وضعت لهذه الممارسة شروط محددة في حالة وقوع تعارض بين القوانين المحلية والوطنية، أو في حالة ظهور اختصاصات لم يتم التنصيص عليها في هذه  المشاريع، حيث يتم اللجوء إلى شرط العمل بمبدأ التفريع، الذي يختلف تأويله من مشروع إلى آخر، ففي المبادرة المغربية من أجل التفاوض لمنح الصحراء حكماً ذاتياً وفي اتفاق الإطار ثم الاعتماد على ترجيح كفة القوانين الوطنية، حفاظا على وحدة المملكة  في حين اختارت خطة السلام مبدأ التفويض لصالح السلطة المحلية ا لذي يستند إلى فكرة: كل ما لا يخول للسلطة المحلية يعد من اختصاص السلطة المركزية  ، فالأصل هو السلطة المحلية.
وإذا كانت المبادرة لم تأت بجديد في حفاظها على النهج الديمقراطي باعتماد الاقتراع المباشر المعبر عن الإدارة الحرة للسكان والتي من خلالها تنبثق كل هيآت الجهة المستقلة ذاتيا، فإنها زادت على ذلك عندما أكدت على ضرورة أن يمثل البرلمان المحلي كافة أطياف ومكونات المجتمع القبلي الصحراوي، فهذا الأمر يدخل في خانة حماية الأقليات الوطنية أو التجمعات القبلية ذات الهوية والخصوصيات المحلية في مفهومها الخاص؛ وهذه الإشارة هي استنباط لما قد يحمله الانتخاب الحر والمباشر – من بلوغ أغلبية – من جور وتعسف في حق بعض الأقليات التي تتشكل منها قبائل الصحراء، وفي هذه النقطة نجد المبادرة المغربية مستلهمة ذلك المقتضى من الدستور الإسباني الذي ينص في فصله 152 الفقرة الأولى على التمثيل النسبي الضامن لتمثيل لمختلف المكونات البشرية للمجموعات المستقلة، وقد رأى البعض في إقحام فئة ممثلي القبائل ضمن الهيئة الناخبة أمرا غير مفهوم ما دام البرلمان المحلي يتم انتخاب أعضائه من مختلف سكان الجهة بأغنيائها وفقرائها وأعيانها وقبائلها كما اعتبروا اعتماد هذه الفئة تعارضا مع الأسلوب الديمقراطي في انتخاب المؤسسات، فهذه الطريقة قد تفتح المجال مشرعا للتلاعب بإدارة المواطنين والتأثير عليها إما عن طريق استعمال المال أو من خلال تدخل السلطة لفرض ولائها داخل البرلمان المحلي.
أضف إلى هذا أنه رغم خصوصيات المجتمع القبلي الصحراوي، فالمبادرة أبت إلا أن تضمن تمثيلية للنساء الصحراويات بنسبة ملائمة يتفق عليها ويتضمنها النظام الأساسي لجهة الحكم الذاتي، وهي – أي المبادرة – في هذا إنما أتت مواكبة لتطور المجتمع المغربي المكرس بتخصيص 30 مقعد للنساء بالبرلمان الوطني . 
الفقرة الثانية: الحكومة الجهوية
يمارس السلطة التنفيذية في جهة الحكم الذاتي للصحراء رئيس حكومة ينتخبه البرلمان الجهوي وينصبه الملك، فهو من يمثل الدولة في الجهة ، كما يتولى تشكيل حكومة الجهة ويعين الموظفين الإداريين الضروريين لمزاولة الاختصاصات الموكولة إليه، بموجب نظام الحكم الذاتي، وهو مسؤول أمام برلمان الجهة . 
تُعتبر الهيئة التنفيذية إحدى المؤسسات الأساسية التي يتطلبها نظام الحكم الذاتي، إذ أنها تمثل رمز استقلالية السلطة المحلية وقدرتها على القيام بتنفيذ الأعمال القانونية ، ويتم تشكيل هذه الهيئة من طرف المجلس التشريعي المحلي، حيث ينتخب هذا الأخير أعضاء المجلس التنفيذي ورئيسه أو يكتفي فقط بترشيحهم للسلطة المركزية،  في حين يصدر قرار التعيين من رئيس الدولة، ويلعب رئيس المجلس التنفيذي دوراً مزدوجا، إذ أنه يشرف على الإدارات والمؤسسات الإقليمية من جانب ويمثل الإقليم في علاقاته مع الحكومة المركزية من جانب آخر .
وقد أناطت الفقرة الثالثة من اتفاق الإطار السلطة التنفيذية في الصحراء المغربية بهيئة تنفيذية تنتخب بأصوات الأشخاص المدرجة أسماؤهم في قوائم الناخبين المؤقتة المنجزة في تاريخ 30 دجنبر 1999، وذلك لمدة أربعة سنوات، وبعد ذلك تنتخب الهيئة التنفيذية بأغلب أصوات أعضاء الجمعية التشريعية، وتعين الهيئة التنفيذية إداريين للدوائر التنفيذية لمدة أربع سنوات .
أما بالنسبة لخطة السلام فقد أقرت في فقرتها العاشرة: بأحقية شعب الصحراء المغربية بانتخاب رئيس تنفيذي طبقا للشروط المنصوص عليها في الفقرات 15 و16 و17 من هذه الخطة  ، ويمارس الرئيس المنتخب السلطة التنفيذية، ويمكن أن يعين بعض الإداريين لمساعدته في ممارس الإختصاصات التي تخولها له الخطة وذلك إذا اقتضت الضرورة .
وبالنظر إلى ما قد يترتب عليه انتخاب السكان المحليين المباشر للرئيس التنفيذي من مشاكل وصعوبات خاصة على مستوى العلاقات التي تربط بين هذا الشخص والجمعية التشريعية، التي غالباً ما تطغى عليها الاتجاهات السياسية المختلفة، رفض المغرب خطة السلام جملة وتفصيلا واعتبرها تراجعا عن المكتسبات التي حققها اتفاق الإطار، فهي لن تساهم إلا في إذكاء الحالات التنازعية مما قد يصيب الأجهزة بالشلل .
في المقابل حدد المغرب موقفه الرسمي على ضوء الحل السياسي الذي يعتبره حلا وسطا يتمثل في حكم ذاتي ضمن سيادة مغربية، بمقتضاها ينتخب البرلمان الجهوي رئيس الحكومة وينصبه الملك، فيمارس الرئيس السلطة التنفيذية ويكون ممثلا للدولة في الجهة مسئولا أمام البرلمان الجهوي، ويتولى تشكيل حكومة بتعيينه للموظفين الإداريين الضروريين لمزاولة الإختصاصات الموكولة إليه بموجب الحكم الذاتي .
من هنا يتبين لنا أنه هناك نوعا من التشابه التقريبي بين المبادرة المغربية واتفاق الإطار بخصوص السلطة التنفيذية، فكلاهما يعتبران الهيئة التنفيذية بمثابة حكومة إقليمية تمارس صلاحية التنفيذ والضبط والإدارة المحدودة بنطاق الإقليم، وليس لها صلاحيات سيادية كما ينص على ذلك اتفاق الإطار لأنها تظل مرتهنة بوجود الدولة، وتقتصر ممارستها على الدولة المركزية باعتبارها تتمتع بكامل الشخصية الدولية على صعيد العلاقات الدبلوماسية والدولية، في حين أن الجهات وأقاليم الحكم الذاتي لا تتمتع بمثل هذه الشخصية .
فهكذا وكما يتضح من الفقرتين فإن السلطة التنفيذية لجهة الحكم الذاتي للصحراء يتولها رئيس ينتخبه البرلمان المحلي، مما يجعل مسؤوليته تنعقد فقط أمامه ومن خلاله أمام ساكنة منطقة الصحراء، كما أن الرئيس يتم تنصيبه من الملك والتنصيص على ذلك إنما يدخل في إطار الشكليات التي يراد بها التذكير بالوحدة الترابية للدولة المغربية وليس للإستناد في مزاولة صلاحياته، كما أنه بذلك التنصيب يكون الممثل للدولة في الجهة، وهذه الصفة لا تنعقد لمندوب الحكومة حسب ما جاء في الفقرة 16 من المبادرة والتي لم تسمّه ممثلا للدولة وإنما مندوبا ينفذ اختصاصات الدولة في الجهة المنصوص عليها في الفقرة 14، فالمشروع اكتنفه غموض فيما يخص مؤسسة مندوب الحكومة بسبب غياب أي إشارة لطبيعتها القانونية،  وكذا لأهم الوظائف المنوطة بها خاصة بما يرتبط بطبيعة العلاقة بين هذه المؤسسة ورئيس السلطة التنفيذية لجهة الحكم الذاتي للصحراء هذا من جهة وعلاقتها من جهة أخرى بمختلف الوحدات الإدارية التحتية لجهة الحكم الذاتي- من عمالات وأقاليم وجماعات حضرية وقروية- ورجال السلطة وأعوانها من عمال وولاة... المنتمون لنفس تراب جهة الحكم الذاتي للصحراء.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة