ifada إفادة

ifada إفادة


الجذور العقدية للإرهاب في الفكر الإسلامي الحلقة (1)

الأحد 08 نوفمبر 2020 - 13:54 , افادة
الجذور العقدية للإرهاب في الفكر الإسلامي الحلقة (1)
الدكتور رضوان رشدي*

"في هذا البحث المركز يحاول الدكتور رضوان رشدي ملامسة الجذور العقدية الأولى للارهاب في العالم الإسلامي، عن طريق تشخيص وتفكيك بنية النص المؤسس تاريخيا للظاهرة.
 وقد تطرق للامر عبر مجموعة من المحطات التي ادلى خلالها بدلوه، مستنجدا بما راكمه من رصيد معرفي، ابان إنجازه العديد من البحوث، ترصد الخطاب الإسلامي، السياسي، والحركي الدعوي، وانتهاء بخوضه في التاريخ البعيد، المنتج للارهاب الديني في الثقافة الإسلامية."


مقدمة
إن المقاربة التي وددت أن أنتهجها إنما هي تلك التي تلامس موضوع الارهاب بعلمية وموضوعية خالية من الشخصنة أو الميولات.
 من خلال ملامسة حقيقة الإرهاب العقدية، جذوره ونقده فضلا عن التركيز على مآلاته وما يفضي إليه من مفاسد، لاسيما وهو في حقيقته دائر بين القناعة القطعية لأصول، ووسم المخالف بالكفر، وما في ذلك من مفاسد التمزيق لعرى الأمة كلها، بحيث إنه إذا اعتقد الواحد اعتقادا متصلا باعتقادات الآخرين اتفاقا واختلافا، فإنه آنذاك سيكون ذاك الاعتقاد حمالا لبذرة الموافقة التامة لمن يتساوق معه في الاعتقاد، أو بذور الشقاق والإبعاد لمن نأى بنفسه عن معتقده، ومن ثم فعنوان الإكراه سمة بارزة في الاعتقادات المتعدية للآخر، بخلاف الاعتقاد اللازم المنحبس عند من اعتقده دون تعد إلى معتقدات الآخرين.
ولطالما ألفيت العلماء الأثبات الذين اتسموا بالاتزان الفكري وهم يقلبون صفحات الاعتقاد المتعدد للناس، ممسكين عن التجاسر على وسم المخالف في الاعتقاد بدعوى الكفر أو الضلال أو الزيغ، بل إن مهمتهم الأساس إنما هي تمحيص المعتقد علميا وإيضاح مدى موافقته للأصول الإيمانية الستة أو مناقضته لها فقط.
لذلك فالإحاطة التامة بجذور الإرهاب من حيث العقيدة وملامسة جوهره هو تحمل لكل من الأثقال حقيقة لما يستدعيه من استقراء تام للنصوص المعتمدة من قبل العقائديين وفهمهم لها، وما تلاه من تقليد الأتباع من بعد، وكأن تاريخ الفكر يلاحقنا في طيات هذا البحث.
وحقيقة فإنني أريد أن أدقق النظر في الفكر التكفيري وأسسه العقائدية المعرقلة لسيرورة الفعل الإصلاحي للأمة، ذلك أن تأجيج النزعة الطائفية التفريقية للأمة إنما مردها الواقعي لتوجه تكفيري لا يؤمن بنسبية أفكاره أو أن يعرضها على القطائع العلمية الإيبستيمية، بل إنه يريد أن يتركها قابعة في مساحة الإيديولوجيا الهانئة التي لا تسدد لها سهام النقد أو تلامسها الخلخلة والتفكيك العلمي.


أولا: الإرهاب تشخيصا
بمنهج تشخيصي بحث، يتضح للعيان أنه كلما حضر توجهان بكلكلهما وثقلهما العسكري في بلد من البلدان الآمنة، كلما استحر القتل فيه، وغدا الفرد هناك مسؤولا عن نسقه العقدي أمام الحكام الجدد، ليدخل خانة التوافق معهم أو المخالفة لهم، وما في ذلك من تهديد حقيقي لحريته وحياته وكرامته وماله ...مع العلم أن كل عاقل لابد وأن يدين بشدة أي انتهاك يتعرض له الإنسان، ويأنف من كل وسيلة تفني النوع البشري كليا أوجزئيا، بل إن صفاء فطرته خير مرتكز للحفاظ على حرية الإنسان وكرامته واختياراته وفكره وتعبيره ونفسه وماله ....
والمقصود بذاك التوجهين إنما هما التوجه الشيعي الإمامي الذي نصب الفقيه وليا ارتقى إلى منزلة المهدي في الصرح العقدي لدى الشيعة، ثم التوجه السلفي الجهادي الذي ينصب أميرا على كل أرض اقتطعها من أصحابها وكأن الشرعية منوطة بالقوة العسكرية المغيرة. 
والمقام لا يسمح لسوق فضائع هذين التوجهين العقديين وإرهابهما على المستوى الواقعي، لاسيما وإن بلدانا قد شهدت حركية دائبة لإرهاب جماعي لأبرياء كانوا تحت سيطرة ذانك التوجهين تعذيبا وتجويعا وتقتيلا وتفجيرا وحصارا وإحراقا وإنزالا للبراميل المتفجرة على البلدات والقرى الآمنة.
ونحن لا ننفي أن علة الاستبداد السياسي مفضية لتلك المفاسد، غير أن قوة الدفع لذلك الاستبداد إنما هي كامنة في انغراس عقائد في دخائل الإنسان الذي تشربها، فغدت سلوكات واقعية تنفي المخالف وتستأصله، لاسيما وإن ثنائية الحق والباطل راجحة عند هؤلاء على ثنائية الخطأ والصواب.
والحق أن منطق القوة العنيف ينتمي لمجتمع القوة وصراع الحيوان ولا يظهر ارتقاء الإنسان وتميزه مقارنة مع غيره من الدواب التي تتخذ العنف والتكسير والتقتيل سبيلا لفرض وجودها ... ذلك أن الحضارات إنما شيدت بالفكر والعقل والتواد وسبل الوفاق مع المصالح المختلفة أو المتناقضة، في حين أن الظلم والاستئتار بالخيرات وسحق شعوب هو مؤذن بخراب العمران ..
إنه كلما انتشر هذان التوجهان العقديان في بلد من البلدان فإنه لابد وأن نجد القتل مستحرا فيه، وكأن القتل صنوان للفكر الشيعي الإمامي أو السلفي الجهادي المتمدد في تلك البلدان كباكستان وأفغانستان والصومال ونيجيريا والعراق وسوريا والسعودية، ويكفي أن نتذكر أن باكستان قد خسر أكثر من سبعين ألفا من أبنائه في غضون ثلاثة عشر سنة، وآخرها هجوم وحشي نفذه مسلحون على مدرسة تضم أكثر من مائة وثلاثين تلميذا في مدينة (بيشاور) شمال غربي باكستان. 
وإذا شئنا أن نلامس الأسس العقدية والفكرية الكلية لهذا التوجه التكفيري فإن المقاربة التاريخية قد تعيننا في إيضاح ماهية هذا التوجه، لاسيما وإن المرتكزات المعتمدة لدى التوجه (الإمامي) وكذا (الجهادي) إنما هي المرتكزات التي اعتمدتها طائفة الخوارج في التوجه إلى الآخر تقاضيا ومحاكمة فضلا عن إظهار تعبد سطحي خال من المعنى على المستوى الشخصي.  
وحيث إن هؤلاء لم يتمرسوا بالقواعد الأساسية لفهم النصوص الشرعية فإنهم مالوا نحو التعامل مع النص تعاملا ظاهريا سطحيا حرفيا سرى في مجال الفقه والعقائد، إذ غالبهم ينتهج التجسيم والحشو للذات الإلهية فضلا عن استنباط أحكام غريبة عن القواعد العلمية الكبرى التي أسسها أرباب المذاهب.
وفضلا عن السطحية الحرفيه في فهم النصوص، فإن جوهر هذا الفكر الخارجي إنما هو مقاضاة الآخر ووضع الفعل الإنساني على بساط المحاكمة وفق رؤيتهم للأشياء، وكأن ما اعتقدوه قطعيا وهو ظني نسبي أصبح معيارا لمقاضاة الآخر ومحاكمته... لذلك فالألفاظ المتداولة عندهم يندرج غالبها في هذا الإطار، كتردادهم بأن فلانا ضال مضل مبتدع كافر... وكلها تؤدي بالضرورة لقناعة استئصالية للمخالف واستباحة لحقه في التعبير والوجود الفكري.  

*الدكتور رضوان رشدي، دكتور الفن والجماليات من علماء دار الحديث الحسنية، المغرب

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :