ifada إفادة

ifada إفادة


تحالف الضرورة بين: براغماتية تركيا وعقائدية إيران

السبت 26 سبتمبر 2020 - 15:51 , بقلم عبد الدين حمروش
رشيد السمكي

يظهر العالم العربي، على الخريطة، واقعا بين كماشتين: إيران وتركيا. هذا ما تشي به الجغرافيا، فماذا يقول التاريخ؟ في ما قبل الإسلام، كانت إمارة الغساسنة في الشمال، وإمارة المناذرة في الجنوب. الإمارتان العربيتان، معاً، ظلتا تابعتين إلى النفوذين البيزنطي والفارسي، إلى أن تغيرت الأوضاع الجيوبوليتيكية بقدوم الإسلام. وفي القرآن، بعض من خبر عن تنافس الإمبراطوريتين، مع تصور ما يمكن أن يجري داخل مناطق نفوذهما "غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون". 
واقع الغساسنة والمناذرة، في ما قبل بعثة النبي محمد (ص)، هو ما بتنا نتابعه، من تسابق "عرب اليوم" على خدمة مصالح الآخرين. لقد ظلت الخريطة ذاتها، مع ظهور فاعل جديد: الكيان الإسرائيلي. الحديث عن ثلاث كماشات، في سياقنا العربي هذا، صار في حكم الثابت. لنُهمِل تدخل الفاعل الجديد، وَلْنولِ عنايتنا بالفاعليْن القديميْن. التركيز على الأخيريْن، من هذه الناحية، يستطلع إمكانية وجود تحالف بينهما، في أفق الحدّ من نشاط الفاعل الإسرائيلي، ومن خلفه الدّاعم الأمريكي. والسؤال الكبير، الذي يمكن طرحه، بهذا الخصوص، هو الآتي: ما الذي يحول دون حدوث تحالف استراتيجي، تقوده كل من تركيا وإيران؟
مهما أوغل الماضي في البُعد، فما يلبث أن يعود من جديد، لمجرد انبعاث شرارة ما في الأفق. غالبا ما نتناسى حين نتفق، ونتذكر حين نختلف. على كل حال، التاريخ كالماء، لابد له من منفذ ليتسرّب. وفي استرجاعنا لتاريخ العلاقة بين الفرس والترك (ورثة البيزنطيين على السلطة)، سنجد أن ميْسمها التنافس. دخول الإسلام "على الخط"، بعد سيطرة وجيزة للعرب، سيمنح لذلك التنافس بُعدا آخر. الصراع بين القوميتين، التركمانية والفارسية، سيأخذ منحى مذهبيا. ويعود التحول، في طبيعة الصراع، إلى قيام الدولة الصفوية بإيران. فإضافة إلى القومية الفارسية، صارت هناك عقيدة جديدة، قائمة على المذهب الإثناعشري (الإمامي). الرغبة في التمايز عن العثمانيين السُّنّة، كانت وراء التحول المذهبي في إيران، حتى داخل الأسرة الصفوية نفسها، التي بدأت سُنية في أول منشئها. هذه القراءة السياسية لطبيعة التحول المذهبي، وإن بدت لآخرين غير مقبولة، جديرة بالاهتمام. 
بخلاف الشاه إسماعيل الأول، الذي وطّن التشيُّع في إيران، ستؤول السلطة للوصي على عرش الشاه الصغير "عباس الثاني". اسم هذا الوصي "نادر شاه"، وهو في مشئه "مُغامر"، عاش حياة "قُطّاع الطرق، في شبابه الأول. نادر شاه هذا، غير المنتمي إلى الأسرة الحاكمة، ستكون له معارك فاصلة مع الأتراك، في رقعة جغرافية إقليمية واسعة. نحن نتحدث عن مجال جغرافي شاسع، يطول العراق، أذربيجان، تركمنستان، أوزبكستان، جورجيا، أرمينيا، إضافة إلى إيران بالطبع.
لقد كان من بنود معاهدات السلام، بين الصفويين والعثانيين، رفع الضّيْم عن سُنّة إيران (معاهدة 1555). وذلك ما حصل مع إسماعيل الثاني، لولا أن سياسته "التسامحية" ستنتهي إلى الفشل. هذا، كما ستفشل سياسة نادر شاه، في الاتجاه ذاته، بعد محاولته سنّ مذهب جديد: يجمع بين مذهبيْ السنة والشيعة. العامل السياسي، كان من وراء هذه المحاولة، أيضا، على قاعدة أن مُعظم جيشه كان من الأفغان السُّنّة.
التوسع الإقليمي، والاستئثار بالنفوذ، كانا يكتسيان طابعا مذهبيا. في هذا الامتداد الإقليمي الشاسع، كانت إيران راعية الشيعة، في حين كانت تركيا راعية السُّنة. المُعادلة الموصوفة يُراد لها أن تعود مُجدَّدا، مع حامل لواء العثمانيين المتأخر، "الثعلب" الطيب أردوغان. هذا ما تلعبه تركيا المعاصرة بنجاح، مع حنق شديد من الثلاثي: السعودية، مصر والإمارات. وعلى الرغم من مناوءة "اللعب" التركي، من أطراف كثيرة ومتنوعة، إلا أن هذه الأطراف تبدو في غاية من الضعف (الاستراتيجي). المجال لا يحتمل أي دور رئيس لـ"مصر السيسي"، بفعل عدد من الصعوبات التي تتخبط فيها: انسداد الأفق السياسي، شحّ الموارد المالية، بروز لاعبين كبار في الإقليم، مثل إيثيوبيا (ومبادرتها إلى بناء سدّ النهضة، وتعبئة بحيرته الكبيرة). كما أن المجال لا يحتمل الدور السعودي أيضا. مسألة ترتيب الخلافة، بارتباط مع الفشل في حرب اليمن، وتقلص الموارد المالية المستمر، من بين العوامل التي تحبط فاعلية الدور السعودي. هل تتصدر السعودية الإسلام السني، فعلا، اليوم؟ ولو في العالم العربي على الأقل؟ 
السعودية تنكفئ على ذاتها، عاما بعد آخر، جراء عدد من الأخطاء الاستراتيجية. انكفاؤها الملحوظ ذاك، هو ما يمنح حرية الحركة والمبادرة لفاعلين أقلّ حجما، مثل الإمارات بالتحديد. وفي المقابل، تبدو تركيا، بتاريخها ومجْدها الإمبراطورييْن، إضافة إلى نهضتها الاقتصادية والعلمية الضاربة، أكثر تأهيلا للاضطلاع بلعب دور محوري في الساحة: في شمال إفريقيا، والبحر المتوسط، والشرق الأوسط العربي، وحتى القوقاز. فقط، هناك ملاحظة ينبغي إبداؤها، وهي أن الزعامة السُّنِّية لتركيا، مع حزب العدالة والتنمية، أخذت تكتسي لَبوسا "إخوانيا". والملاحظ أن هذا "اللّبوس"، بقدر ما يُساعد في توطين "أقدام" تركيا في مناطق، فهو يشكل عامل تعطيل في مناطق أخرى. ولولا انقلاب العسكر في مصر على "مرسي"، لكان قد تحقق لـ"إخوان تركيا" نجاح استراتيجي عظيم.
اليوم، تجد تركيا نفسها شبه معزولة. وفي فترة جد قريبة، كانت البلاد على شفا نجاح مُغامرة خطيرة: انقلاب يوليو 2016. غير أن فشل الانقلاب، بخلاف ما كانت تجري إليه الأمور، سيسمح لأردوغان بإحكام قبضته على السلطة. إلى حدود اللحظة، زعيم "العدالة والتنمية" يتحرك بصفة "خليفة"، على قاعدة الانقلابات الاستراتيجية المتواصلة، التي تحدث تحت إمرته. وعلى الرغم من كثرة المُتربصين بـ"انقلاباته"، التي حقق من خلالها نجاحات ظرفية، حتى الآن، إلا أن العزلة أخذت تُضيِّق الخناق على حكمه. فمما لاشك أن أردوغان على وعي بما يمكن أن يقوله أحد وزراء الخارجية الأتراك، مثل يشار ياكيش، من أن التّوتُّرات الحالية تذكرنا بحرب البلقان في 1912، عندما اتّحدت مجموعة من الأعداء ضد الإمبراطورية العثمانية، ودمرت جيشها واستولت على ثلاثة أرباع من أراضيها.
سياسة "تصفير عدد المشاكل"، راحت أدراج الرياح، برواح الديبلوماسي داود أوغلو (استقال من حزب أردوغان، على خلفية خلاف قوي معه). تركيا بمواجهة أعداء كثر في الوقت الراهن: المحور السعودي الإماراتي المصري، الاتحاد الأوروبي (اليونان، فرنسا وألمانيا)، الكيان الإسرائيلي (في أسوء مراحل علاقته مع تركيا أردوغان). وفي سياق ذلك، تشتغل الديبلوماسية التركية على أكثر من ملف حارق: "تبعات" ما يعرف بالثورة السورية، دعم حكومة الوفاق في طرابلس، النزاع حول مصادر الطاقة في شرق المتوسط (إلخ). ولكن، ما علاقة تركيا بجارتها إيران؟
يبدو أن خصوم تركيا المركزيين، في محاولة للإجابة عن السؤال المطروح، هم خصوم إيران تقريبا. والمحور الإماراتي- السعودي، في هذا الإطار، يمثل مصدر المُناكفة الأبرز. إن الخصوم المُشتَركين يوحدون الأصدقاء المشتركين. ولذلك، لمسنا اقتراب إيران من تركيا في الملف الليبي، بقدر اقتراب تركيا من إيران في الملف اليمني. الاقتراب التركي في اليمن، مُوجه لخدمة "حزب الإصلاح"، في سياق تناقضه مع التدخل الإماراتي (تحديدا). تطوير التحالف التركي- الإيراني، وبخاصة في ظل علاقة تركيا الباردة بدولة الاحتلال من جهة، ودخول الأزمة السورية في مفاوضات أستانا من جهة أخرى، يمكن أن يؤتي ثمارا في نهاية المطاف. 
العزلة، أو الاقتراب من حافّتها، من شأنهما أن يساعدا في تحقيق التعاون التركي- الإيراني. وللتوضيح، فليس للعزلة، هنا، أي تبعات سلبية حتى الآن. ذلك أن الصمود الإيراني، في وجه الحصار والعقوبات، بل وتحقيق الانتصار الديبلوماسي في مجلس الأمن، مُجسَّدا في رفض قرار تمديد حظر التسليح، من قِبَل أقرب حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، يشكل نجاحا دالا لديبلوماسية محمد جواد ظريف. أما انتصارات حلفاء إيران، في العراق وسوريا واليمن، في مقابل المآزق التي يتخبط فيها المحور "السعودي- الإماراتي"، يعطي للتضحيات الإيرانية دلالات إيجابية. ثبات التدخل الإيراني، لفائدة حلفائه، استحقّ تحصيل ثمن الانتصار (المعنوي حتى الآن). 
وليست تقلُّ تركيا عزما عن تحقيق مكاسب استراتيجية على خريطة المنطقة. غير أن السياسة التركية، تبدو أكثر براغماتية من نظيرتها الإيرانية، بما يسمح لها إعادة "ترتيب الأوراق" كل مرة وحين. احتفاظها بالعلاقة مع دولة الاحتلال، إضافة إلى تجنب تصعيد التناقضات مع روسيا، يشكلان رصيدين قيِّميْن في حسابات أردوغان. أما الإدارة الأمريكية الحالية، فيبدو أنها أقرب إلى تركيا في أكثر من ملف، وبشكل خاص الملف الليبي. ولا ننس أن تركيا بدأت مؤيدة لحملة التحالف السعودي ضد الحوثيين، لولا أنه سيزول في إثر مقتل خاشقجي.
في مقابل "عقائدية" الفاعل الإيراني، كانت هناك البراغماتية التركية، التي تتحرك على أكثر من صعيد. والملاحظ أن هذه البراغماتية، ظلت في قلبها رعاية المصالح الاقتصادية، بل وتوسيعها وتثمينها. ولذلك، تبدو تركيا أكثر راحة وسَعة من الناحية الاقتصادية. هذا، بينما تبدو إيران مُستنزفة اقتصاديا، على خلفية أكثر من عامل:
- تدخلاتها في أكثر من "ساحة": العراق، سوريا، لبنان، اليمن؛
- العقوبات الأمريكية المستمرة، بسبب ملفها النووي، وكذا صواريخها بعيدة المدى.
اليوم، تقترب إسرائيل من التحالف السعودي- الإماراتي، عبر بوابة التطبيع الرسمي وغير الرسمي. ويستهدف الاقتراب الإسرائيلي، من التحالف المذكور، إيران بالدرجة الأولى كما هو مُعلن. لكن، هل من شأن مثل هذا الاستهداف أن "يوفر" تركيا؟ مثلما قلنا، فالعلاقات التركية- الإسرائيلية في حالة برود مستمر. وفي ظل الاختراق الإسرائيلي المُتزايد للدول العربية، لم يعد التطبيع الإسرائيلي- التركي "ورقة" ذات أهمية قصوى بالنسبة لدولة الاحتلال. وبالنظر إلى كون الأخيرة معنية بغاز شرق المتوسط، فلا يُستبعد إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية لشرق المتوسط. 
حتى الآن، هناك أكثر من طرف مناوئ لتركيا، في ما تدعوه حقوقا بشرق المتوسط. وكان قد سبقت خلافات تركيا مع اليونان، في الآونة الأخيرة، خلافات أخرى مع مصر السيسي في الانقلاب على الرئيس مرسي، ومع الاتحاد الأوروبي حول تكلفة ضبط الهجرة السورية إلى أوروبا (إضافة إلى الخلافات المتصاعدة مع فرنسا، على خلفية اقتحام تركيا المجال الاقتصادي الحيوي للأولى في إفريقيا). ومع العلم بدخول الإمارات على خط أزمة الشرق المتوسط، عبر المناورات المشتركة مع اليونان، يمكن تصور حجم التحديات المتربصة بتركيا. وعلى هامش المناورة، المتاح لـ"تسطيح" بعض خلافاتها مع مصر والسعودية، تحديدا، يمكن لتركيا التفرغ لمعالجة تناقضاتها الرئيسة: حقوقها في غاز شرق المتوسط، تحييد قوات سوريا الديمقراطية، اتِّقاء التّدخُّل الإسرائيلي لصالح الإمارات.
بين إيران وتركيا، مصالح اقتصادية هائلة بمليارات الدولارات. وعلى الرغم من تأثر التجارة بين الدولتين، بفعل العقوبات الأمريكية المسلطة على إيران، إلا أن البراغماتية التركية لا تعدم سبيلا، في رعاية مصالحها مع جميع الأطراف. لكن، هل تستمر العلاقات التكتيكية بين الفاعلين الإقليمين، بما يجنيانه من مصالح مادية، دون التأسيس لعلاقة استراتيجية، تُغيِّر موازين القوى في المنطقة بشكل جذري؟ للإجابة عن هذا السؤال، أتصور أن النظام الإيراني في حاجة إلى قدر من براغماتية النظام التركي، في مقابل حاجة النظام التركي إلى قدر آخر من عقائدية النظام الإيراني.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :