ifada إفادة

ifada إفادة


على هامش "توبة" البسطاوي هاشم

الجمعة 28 مايو 2021 - 13:30 , افادة
على هامش
بقلم: عز الدين بوركة

في آخر ندوة شاركت فيها، ناقشت موضوع صناعة المواطن الجمالي (الاستتيقي بالمعنى الأشمل)، ذلك المواطن المؤمن بشرط وجوده في المجتمع كفاعل استتيقي ملزم بالحفاظ على جمالية محيطه وقادر على الخلق والإبداع.. وأيضا متجاوز للمحلية ليصير منخرطا في المواطنة التي تتخطى كل الحدود لصالح الإنسانية، والفن هو الكفيل (بكل أنواعه) لصناعة هذا المواطن، بدءا من المدرسة.
كانت هذه الندوة قبل أيام من إعلان "الفنان!" (الممثل) هاشم البسطاوي اعتزاله ، أو بالأحرى -كما جاء في تدوينة- توبته عن، الفن.. كأن الفن بمثابة خطيئة وذنب يمكن التوبة عنه، أو جرم أخلاقي (بالمعنى الديني) يجب التخلص من أوزاره بالتوبة النصوح.. وبعيدا عن أي أسباب قد تكون هي الداعي لتخلي هذا الممثل عن ممارسة هذه المهنة القديمة والحضارية.. ولتكن تلك الأسباب مهما تكن، لا تهمنا في شيء أمام قوله واستعماله لمصطلح "التوبة" وليس الاعتزال، بينما البسطاوي الأب الفنان الممثل l'interpréteur الراحل قد ترك خلفه صدى يخلد ذكراه، ومات وهو ينجز عملا فنيا.. هاشم اختار مفهوم التوبة وليس كلمة أخرى.. ما ذكرني بفنانة مغنية شعبية مشهورة جدا في احدى حواراتها المتلفزة سألها المحاور عن رؤيتها لمستقبلها الفني قالت بأنها ترغب في "التوبة عندما تصبح مسنة".!!! وغيرها الكثير من استعملوا الخطاب ذاته..
هاشم البسطاوي ليس نموذجا مستقلا بل إنه مثال عن مجموعة كبرى من ممارسي الفن، حتى لا أقول فنانين، لا يؤمنون بما يقومون به، معتبرين إياه زلة ووزر وذنب وحشومة بكل ما تحمله هذه الكلمة الدارجة من معان.. هاشم اختار التوبة لأنه يرغب في الخلاص le salut، يعني أنه كان يحمل في ذهنه أن ما يقوم به هو خطيئة قد لا تدخله للجنة، وعليه أن يتخلص منها ولكن كيف؟ بالتوبة! متناسيا أنه لا يوجد نص ديني إسلامي قد حرم التمثيل ! فقط لأن التمثيل باعتباره فنا لم يكن قد عرف النور عند العرب والمسلمين إبان كتابة "الوحي".. فهو دخيل، لدرجة أن ابن رشد أخطأ في ترجمة التراجيديا والكوميديا.. هاشم لا يعرف بأنه يزاول مهنة حضارية سابقة عن مفهوم التوبة ذاك! هاشم البسطاوي لا يعي بأن التمثيل كان جزءا في بناء الإنسان الغربي منذ الاغريق مرورا بتوظيف الكنيسة للمسرح المتنقل (مسرح الشارع) لنقل تعاليم الكتاب المقدس، وصولا الى يومنا هذا..
هاشم البسطاوي لم يتب عن التمثيل بل عن ممارسته لما يراه هو خطيئة.. هاشم لم يكن يؤمن قط بالفن، فلو كان يفعل لوظف مفاهيم وكلمات مغايرة ومختلفة عن التوبة.. 
هاشم ليس إلا نموذجا بسيطا لممارسي الفن المغاربة الذين لا يؤمنون بفنهم، والمتأثرين بخطابات الدعاة الرجعية (أنظر لصورة من يتابعهم هاشم على الانستغرام)! لهذا لا يمكننا أن نصنع الإنسان الاستتيقي إلا بعد التخلص من تيارات معادية للفن في مدارسنا وفي هذا الافتراضي..

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :