ifada إفادة

ifada إفادة


المغرب بداية عصر جديد

السبت 13 مارس 2021 - 10:05 , افادة
المغرب بداية عصر جديد
ابراهيم حريري/ كاتب وباحث

لقد كانت مراسلة وزارة الخارجية بشأن طريقة المعاملة مع سفارة جمهورية ألمانيا بالرباط، وبالتالي طريقة تعامل المملكة المغربية مع الفيدرالية الألمانية، تنِم عن النِدِّية. لغة المراسلة وطريقة التدبير تقول بأن المملكة المغربية بصدد وضع أسلوب آخر مختلف للتعامل مع الدول، أساسه النِدِّية من جهة والاحترام من جهة ثانية وعنوانه الصحراء المغربية.
وبعيدا عن التحاليل السياسية و/أو الأسباب التي جعلت العلاقات بين المغرب وألمانيا تنحدر إلى هذا الدرك الأسفل وربما يكون بمثابة مقدمة لقطع العلاقات أو في حده الأدنى، استدعاء السفراء، فإن الأسلوب الجديد هذا، وجب الوقوف عنده وتحليله وتبيان مكامن القوة فيه ومثالبه أيضا إن وُجدت.

I – نهاية القرن العشرين مغربيا :
مع مطلع القرن العشرين وقبله بربع قرن، دخل المغرب في صراع مع القوى الأوروبية، ومنذ 1845 إلى 1912، لعب المخزن المغربي على أساس التناقضات بين الدول الاستعمارية من أجل الحفاظ على استقلاله. وفي ذلك الإبان، فإن النظرة الأوروبية للمغرب كان يشوبها كثير من التعالي من الجانب الأوروبي والإحساس بالضعف وبالدونية من الجانب المغربي.
سيستمر القرن العشرين طويلا بعد نهايته سنة 1999، وبقي المغرب ذلك البلد الضعيف، المستسلم، الخائف، وبقيت أوروبا، تلك القارة العجوز التي تحمل العصا كلما حاد الطفل (المغرب) عن جادة الصواب كما تتصوره هي وتحدده فلسفتها.
1.   روسيا، الصين، تركيا وإيران والمتغيرات الجيوسياسية عالميا:
الإحساس أو لنقلها بصراحة التفوقية البيضاء ذات الخلفية المسيحانية ستزداد نتيجة التغيرات في أوروبا الشرقية مع سقوط الشيوعية. هذا الإحساس بالفائض بالقوة سرعان ما بدأ يتآكل مع صعود دول أخرى ذات طموح كبير وخاصة الدول الإمبراطورية السابقة وهي روسيا والصين من جهة وإيران وتركيا من جهة ثانية.
ويقول ألكسندر دوكين بأن العصر القادم سيكون عصرا تَتَسَيَّدُه دول ذات ماض امبراطوري قوي كروسيا والصين والهند وغيرها، ثم سيطور تلامذته أفكاره وسيقومون بإضافة كل من تركيا وإيران لمجموعة الدول ذات الطموح الامبراطوري المتصاعد.  
ما يهمنا هنا هو أن هذه الدول، وعلى الرغم من اختلافاتها الجدرية مع بعضها البعض، استطاعت أن تكون نبراسا لدول أخرى تبحث عن سيادة حقيقية امَّحت بفعل القوة الغاشمة لأوروبا طيلة القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

2.   كوفيد 19 ونهاية السيطرة الأوروبية:
إن من نتائج هذا الوباء الذي ضرب العالم، أن أوروبا صارت أقل قوة على المستويات كافة، اقتصاديا وعسكريا وبالتالي سياسيا واستراتيجيا.
غير أن أوروبا لا يمكنها أن تستسلم بسهولة لهذا المصير، ورأينا العقوبات الاقتصادية التي توقعها أوروبا ضد روسيا وكذلك محاولة زعزعة الاستقرار في روسيا من خلال ورقة المعارض أليكسي نافالني. هذه هي الخريطة الجيوسياسية الجديدة التي أصبح عليها العالم والتي لا تروق أوروبا، لقد صارت أوروبا "جهة" عادية من وجهة نظر جيوسياسية وهذا ما قاله وما فعله دونالد ترامب دون مواربة.
في هذه الأجواء الجيوسياسية، يصبح الطموح السياسي لبعض اللاعبين الذين كانوا يُعتَبرون بدون أهمية، يصبح مشروعا ومفتوحا على مصراعيه.

II – المغرب، بداية عصر جديد :
 إن الخطوات التي يتخذها المغرب في الآونة الأخيرة تعبر من جهة على هذا الطموح الذي تكلمنا عنه وعن الخوف من التعثر. ومجموعة من الخطوات التي اتخذها المغرب ضد كل من هولندا والسويد بل ضد إسبانيا أحيانا وفي بعض اللحظات ضد فرنسا (تفضيل F16 على الميراج)، ثم من جهة أخرى، إعطاء الأولوية في الاقتصاد لفرنسا ضدا في الصين (مشروع القطار السريع بين مراكش وأكادير). بل حتى على مستوى علاقاته مع المشرق، نجد المغرب يساند السعودية في حربها ضد إيران على الساحة اليمنية من جهة وضدها (بصفة أقل) فيما يتعلق بقطر، وذات الأمر مع مصر والإمارات مع الحزم ضد إيران باعتبار المغرب زعيما سنيا كبيرا ويحترم آل البيت بشكل كامل.
هذه الخطوات المتناقضة ظاهريا تجعلنا نقول بأن المغرب يبحث عن عنوان للدخول في مصاف الدول الباحثة عن سيادة افتقدتها منذ نهاية القرن التاسع عشر واستمرت طيلة القرن العشرين وظلت تتأرجح منذ بداية الألفية الثالثة.

1.   الصحراء: العنوان أو المفتاح :
شكلت الصحراء المغربية حاجزا للمغرب حيث حالت دون أن يكون دولة مؤثرة في محيطه، ولعبت كثير من الدول على وتر هذه الورقة من أجل كسب امتيازات ضدا عن مصالح المغرب.
إن نقطة الضعف الكبيرة هاته، كما يتصورها الأصدقاء والأعداء على حد سواء، صارت بين ليلة وضحاها نقطة قوة، ولم يعد مسموحا مغربيا بأن تبقى قضية الصحراء المغربية جرحا ودملا في قدم المغرب بل آنَ الأوان لتصبح الصحراء عنوانا لأمل قادم وقوي.
طبعا المسائل السياسية لا تنبني على مجرد الطموح أو إرادة قلب نقطة الضعف إلى نقطة قوة، بل إن المغرب ومنذ حوالي ست سنوات، وهو يخطط ليحول نقطة ضعفه الكبيرة لنقطة قوة هائلة.
هكذا انخرط المغرب في اتفاقيات مع الدول الافريقية جنوب الصحراء وقدَّم طلبا للدخول لمنطقة "سيداو" الاقتصادية، ثم جاءت الدراسات المتقدمة لأنبوب الغاز النيجيري، ليتوج المغرب هذا المسار بجعل الصحراء المغربية منطقة استثمارية ضخمة تتوفر على ميناء بمواصفات عالمية (مشروع ميناء الداخلة). 

2.   الاعتراف الأمريكي : الصحراء عنوان المغرب:
شكل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء حدثا قويا زعزع اليقينيات الأوروبية التي عمرت طيلة قرنين من الزمن.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن أوروبا ظلت تعاكس كل طموح لدول جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط في القوة والمنعة، من مصر والعدوان الثلاثي إلى الحرب على سوريا إلى الضغط على تركيا الآن.
معاكسة أوروبا للطموح السيادي لدول جنوب البحر الأبيض المتوسط يجد جذوره في الصراع المرير بين الإمبراطورية الساسانية ضد أثينا ثم ضد روما بعدها، صراع مصر مع روما وصراع قرطاج مع روما أيضا، ثم جاء الإسلام ليوحد تلك الطموحات المتفرقة لفارس، قرطاج ومصر داخل وحدة مذهبية إيديولوجية وهي الإسلام ويعلن انتصاره على الشمال. سترد أوروبا بحملات صليبية ثم استعمار خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
هذه السجالات الحربية بين الشمال والجنوب من بحيرة البحر الأبيض المتوسط، لن تهدأ لأن المخيال الأوروبي ظل يذكيها. وتتناوب الدول الأوروبية في التصدي لطموحات دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، وفي كل مرة تنبري دولة معنية لتكون رأس حربة.
إن المواقف الألمانية تندرج في هاته الثقافة الضد جنوبية ويتم إعطاؤها عناوين أخرى للتغطية : "ضد الإسلام"، "ضد الدكتاتورية"، "ضد الراديكالية الإسلامية".

3.   الطموح المغربي، هل هو ممكن؟
يَعتبِر المغرب نفسه دولة امبراطورية قديمة، دولة امبراطورية غير توسعية بالمعنى البريطاني أو العثماني من جهة أو بالمعنى الفرنسي أو الأمريكي من جهة ثانية. ظل المغرب دولة قوية ومهابة الجانب، وفي العصر الوسيط المغربي، شكلت كل من معركة "وادي المخازن" ضد أوروبا (ضد البرتغال) ومعركة "وادي اللبن" ضد المشرق (ضد الدولة العثمانية) مناسبتين لتذكير تلك القوى بأن المغرب دولة قادرة على حماية نفسها وقادرة على العض بالنواجد على استقلالها.
منذ حرب "إيسلي" سنة 1845، انخرط المغرب في موجة من تقريض الذات وجلدها تُوِّجَت بالاستعمار، ولقد كانت فترة مقاومة الاستعمار فترة إحياء الجذوة لكنها سرعان ما خبى بريقها وخفت صيتها مع المشاكل التي رافقت الاستقلال.
وتُشكل سنة 2021 بداية عصر جديد للمغرب، فهو دولة ظلت بعيدة عن رياح الثورات الملونة التي اجتاحت أوروبا الشرقية (خصوصا أوكرانيا) والتي أخذت اسما شاعريا في منطقتنا وهو الربيع العربي، والمغرب ظل دولة تقارع الأصدقاء والأعداء على حدٍّ سواء من أجل استقلال موقفها وثبات مواقفها.
هذه الثقافة "الاستقلالية" ستتغذى بالطموحات الكبيرة للصين من جهة ولروسيا من جهة ثانية كقوتين تقضمان الكعكة الأوروبية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وأيضا للطموح الاقتصادي والسياسي التركي والطموح العسكري والسياسي الإيراني.
وعودة لألكسندر دوكين وفكرة إنشاء تكتل بقيادة روسيا ومتكون من روسيا، الهند، الصين ثم إيران كزعيمة للعالم الإسلامي صحبة تركيا من جهة والعالم الغربي التقليدي من جهة أخرى، فإن المغرب يرى نفسه ضمن هذه الشروط الجديدة في ذات الموقف بعد انتصاره في معركة "وادي المخازن" : دولة متوسطة القوة، شرسة في الدفاع عن ذاتها وقادرة على مواجهة صراع القوى العظمى والحفاظ على استقلالها.
خاتمة
لا تزال شرائح واسعة من الشعب المغربي غير قادرة على فهم طموح الدولة العميقة (الدولة العميقة هنا مفهوم إيجابي وليس قدحي كما في Establishment  أو عند تركيا)، ويزيد صمتها من عدم قدرة الشعب المغربي على تبني هذا المشروع التاريخي،  كما أن النخب المغربية، المرتبطة بالغرب، والتي لا تزال أسيرة القرن العشرين، غير قادرة على استيعاب التحولات العميقة في الطموح المغربي.
لكن تبقى التخوفات الحقيقية كبيرة جدا وكل طموح مهما كان صغيرا سيتم التعامل معه بقسوة من طرف أوروبا التي لا تعترف ولن تعترف بسيادة المغرب وطموحه، ستقوم بكل ما في وسعها من أجل كبح طموحه. لا تزال تجربة صدام طرية، لا تزال تجربة جمال عبد الناصر طرية، لا تزال تجربة أردوغان مستمرة، لكن للمغرب امتياز آخر: إنه غياب الطموحات التوسعية كثقافة أصيلة عند النخبة المغربية الحاكمة.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :