ifada إفادة

ifada إفادة


لماذا علينا أن نصفح؟

الأربعاء 27 يناير 2021 - 15:50 , افادة
لماذا علينا أن نصفح؟
عزالدين بوركة (شاعر وباحث مغربي)

• المنتصرون والمهزومون:
ما الذي يفعله المنتصرون بعد نهاية الحرب؟ إنهم يُحمّلون كل الأوزار، الأوزار كلها، على ظهر الخاسرين.. خاصة أولئك الذين وقعوا فريسة الأسر، ولم يستطيعوا الانفلات من شباك المحكمة التي ينصبها المنتصرون. في أوقات الحرب، كل شيء مباح وممكن من قبل الطرفين، حتى يسقط أحدهما في خندق الهزيمة المظلم. وبتحول الكفة لصالح المنتصر تسقط كل الأوزار من على جلده لتقع فوق رأس المنهزم، الذي يغدو اسفنجة تمص كل الويلات وكل الاتهامات وكل مساوئ وأهوال الحرب.
لكن ألا يحق لنا أن "نأخذ بالثأر" من العدو؟ في هذا المنحى أتساءل، ألم نكن نحن أيضا أعداء لذلك العدو، فما الذي كان سيحدث لو كنا المهزومين؟ الأكيد لا يمكننا الإجابة لأننا لا نمتلك مفاتيح التنبؤ، الذي تمتلكه الأقدار التي كتبت علينا كل هذه الحروب. بعيدا من النبوءات قريبا من الإنساني، أستحضر هنا عنوان كتاب حنة أرندت: "تفاهة الشر"، لنتساءل، وهو تساءل مشروع، هل يصح للشر أن يكون تافها؟ ومتى يمكنه أن يغدو كذلك؟ إن تفاهة الشر قابعة في أن يصير "المنتصر" متلبسا سلطة قانونية، قانونه الخاص، ليحاكم "المهزوم"، الذي وقع في شراك وفخاخ الأسر فقط، وتلبيسه تهم "كل النظام" الذي أمره أن ينفذ الأوامر. وإنه لتفاهة أن نحمّل شخصا، أو بعض الأشخاص، وزر ما قام به النظام كله (الضابط آيخمان والنظام النازي في هذه الحالة). 
هكذا هو الحوار بين المهزومين والمنتصرين، بعد أن تهدأ نيران الحرب ويخضع الأعداء في شباك محاكم الأعداء: ولكن أنتم أيضا قُمتم بأشياء فظيعة، نعم فعلنا ذلك، ولكن أنتم من يقول ذلك، أنتم المنهزمين، أما نحن فق انتصرنا، إذن نحن من سيشنقكم. ولكن عليكم تحمل مسؤولية ذلك . على المنهزمين، مهما كانت قلتهم، تحمل كل المسؤولية، مسؤولية الحرب كلها، التي قد يكون من شنها غير معروف، من بدأ أولا؟ إنه لسؤال تافه بعد نهاية الحرب، وخاصة بعد أن يصبح المنهزمون سجناء أقفاص المنتصرين.
إننا رهيني الانتقام، نبحثُ عن إراقة دماء العدو، ولو مجازا (قد يكون الحكم بالمؤبد معادلا للحكم بالشنق)، ولكن هل علينا أن نعفو على من أراق دماءنا ودماء من نحب؟ ألسنا المنتصرين الذين يكتبون التاريخ الجديد، تاريخ ما بعد الحرب؟ وأليست جرائم العدو تقع في خانة ما لا يقبل الصفح ولا العفو ولا حتى التسامح؟ أ يمكن أن ننسى الضحايا الذين أريقت دماءهم وأزهقت أرواحهم ونظل من المنتصرين؟ ماذا عن الذين طلبوا الصفح؟ يا لها من معضلة كبرى، أن تصفح وألا تصفح ! أن تختار متى وكيف، وأن يكون الصفح رهين الطلب والمنح. سنبحث عن الإجابة عند كل من دريدا وجانكيليفتش وأرندت، حيث رسم كل من هؤلاء الفلاسفة الثلاثة خطوطا مخالفة لتصوراتهم حول الصفح، بما تتطلبه حالة ما بعد الحرب، فهل يغدو حلا أم لا يرتقي ليبلغ ذلك؟
• تحقيقا للصفح:
يربط جاك دريدا في حديثه عن الصفح pardon ، في ما بعد حدوث: "الحدث الفظيع"، -متجنبا ذكر كلمة "الجريمة"- بالهبة don، فأن تصفح أي أن "تهب بـ" par-donner (بِ= par)، أن تهب بلا أي انتظار للطلب أو لرد الجميل، أن تهب بحرية وبلا مقابل من قبل الذي تم تقديم الهبة إليه. إذ إن مفهوم "الصفح" مطلوب اليوم بشكل مستعجل وكثيف، ومن حيث إنه ضد تدبير النسيان الممنهج والمؤسس، ومن حيث إنه لا يتحقق إلا أمام ما هو "مستحيل الصفح عنه"، أي "ما لا يقبل النسيان" inoubliable. وبالتالي، ، إنه (أي الصفح) مطلق ولامشروط، ولا يتطلب إعلان التوبة وبدون مقابل، عند دريدا. إلا أنه لا يتم ولا يمكن ذلك إلا في ارتباطه بـ"ما لا يتقادم" imprescriptible، أي بما لا يقبل التقادم، أي ما لا يقبل النسيان، ما يبقى في الذاكرة راسخا... ذاكرة الأجيال القادمة بالتحديد. فحينما عمدت فرنسا إلى "طلب الصفح" عن جرائم الحرب أواخر فترة الاستعمار للأراضي الجزائرية، أنشأت لذلك نصبا تذكاريا في باريس، دشنه رئيس البلدية وأقيم بالموازاة معرض يضم رسوما صحافية تدين "المجزرة"... لقد أنشأت إذن فرنسا نصبا تذكاريا أي أنها وشمت الذاكرة، وعلمتها. وجعلت للأجيال القادمة دليلا وعلامة لا تقبل النسيان، شاهدا عما "اقترفته" وأنه تم الصفح عنها.
ربط دريدا الصفح بما لا يقبل التقادم، بمعنى ربطه بالاستحالة واللاممكن، أي أن نصفح على ما لا يمكن الصفح عنه، ما يجعل هذا المفهوم أرقى المفاهيم الإنسانية وأنبلها، لأنه لا ينتظر أمرا سماويا فهو يتخطى كل أشكال اللاتسامح والأصولية والتمامية، إنه تجاوز لكل عنصرية وانفلات من التشابه والعدو. بل إن الصفح يغدو انتصارا على تلك الغريزة اللامتسامحة فينا، التي قال عنها أمبرتو إيكو: إن اللاتسامح سابق على أية نظرية. وبهذا المعنى، فإن له جذورا بيولوجية، ويتجلى بين الحيوانات من خلال التنافس على فضاءات خاصة بكل نوع . ولا يوجد حل له إلا عبر تربية الأجيال القادمة، تربية دائمة، سلوكا وممارسة على التسامح.
• لا رجعية في الصفح:
وهل نحن ملزمون –إذن- أن نكون نبلاء أمام ما ارتبكبه العدو (المهزوم) من مجازر (المحرقة النازية نموذج) تتجاوز كل ما كان يمكن تخيله؟ وألم يعاود الألمان –خلال الحرب العالمية الثانية- ارتكاب ما هو أكثر فظاعة مما ارتكبوه زمن الحرب الأولى؟ بل ليس في حق الغرباء بل حتى في حق المواطنين اليهود الألمان أنفسهم؟ هذه الإشكالية دفعت بفلادمير جانكيليفتش أن يصرح، "الصفح الحقيقي هو علاقة شخصية مع أحدهم" ، إنه يتطلب أن تكون علاقة بين شخصين، وليس "هبة" من قبل أحد دونما أي حضور للآخر، الذي قد يكون ميتا، أو غائبا. يعني لزوم طلب الصفح، عكس دريدا الذي يلغي خاصة الطلب عن الصفح، باعتباره هبة إنسانية نبيلة وليس غفرانا ربانية يستدعي التوبة. أمام هذه المعضلة الأخلاقية يتعارض كل من دريدا وجانكيليفتش في تحديد مفهوم الصفح. من حيث إنه ضرورة إنسانية، تقع بين الطلب وعدمه، إلا أنهما يشتركان في خاصة عدم النسيان، التي ترتبط بالصفح. أو كما قال نيلسون مانديلا بعدما اعتلى سدة الجمهورية، "نعم للصفح، لا للنسيان"، فأن نصفح لا يستدعي الأمر محو الذاكرة، بل إحداث وشم لكي لا تنسى الأجيال القادم ما حدث.. وتتخذ منه العبر.
يتخذ دريدا موقفا (توجها) مخالفا ومعاكسا لجانكيليفتش، الذي قدم تعريفا فلسفيا خالصا لتقليد يهودي-مسيحي -في الآن نفسه- للصفح. فهذا التباعد في النظر بين دريدا وجانكيليفتش، حول مفهوم الصفح، يمس مسألة أساسية، تتعلق بـ"ما لا يقبل الصفح". وخلاف دريدا وجانكيليفتش، يشتد عند ربط الصفح بما لا رجعة فيه، أي تلك الاستحالة للعودة إلى ما حدث لتغييره، فما حدث قد حدث، لهذا كل منهما يرى في الصفح إمكانية التحقق أو عدم الإمكان، من حيث إن دريدا يخبرنا بأن الصفح يحمل في طياته استحالة (=تحويل) المستحيل im-possible (اللا-ممكن) إلى ممكن possible. أما جانكيليفتش الذي يتخذ من مفهوم "ما لا رجعة فيه" أرضية فلسفية لتعزيز موقفه، فيرى بأن يقين ما حدث ولم يكن لألا يحدث فإنه يتحدا لاجذريا (لا نسبيا) الصفح. إذ إن كان الزمن الإنساني لا يقبل الرجعة فبالتالي، بالنسبة لجانكيلفتش، يقدم الصفح حالة محدودة، أي أنه يقدم استحالة (عدم التمكن) من إلغاء ما حدث، وبالتالي تنعدم أي رجعية أخلاقية. 
• تحررا من تبعات أفعالنا:
بين صراع هذا الثنائي، يأتي موقف مختلف يتخذ مسارا فلسفيا-سياسيا ترسمه المنظرة السياسية حنة أرندت. إذ إن الصفح عن الجلاد، كما هو عند أرندت، يصير تحقيقا للانسجام والمشترك. فيغدو بالتالي من الواجب تحقيقه من حيث إنه ضرورة بشرية للانفتاح على المستقبل وعدم البقاء حبيسي فعل ماض يصعب تجاوزه. إذ ولأنه لا إمكانية للرجوع إلى الوراء، فيكمن الخلاص –إذن- إلا في الوضعية التي يستحيل فيها الرجوع إلى الوراء، ما لا رجعة فيه، أي إلى تصحيح الفعل الأول، ولا نجد إلا الصفح كردة فعل تصحيحا للأخطاء وتجاوزها، لكن لا لنسيانها ودفنها نهائيا، حيث عبر تذكرها يبقى الصفح قائما وممكنا.
وإن كان الصفح مفهوما مطلوبا وأساسيا اليوم، إلا أنه يجب الإدراك بكونه "فعل إنساني جديد" إلى حد ما. فلا القانون الدولي ولا الفلسفة السياسية الكلاسيكية، عموما، يفسحان المجال لظهور هذا المفهوم، بل إنهما يكادان لا يثقان به. ويبقى التساؤل الملح هنا، ما الذي يأتي بالصفح من حيث إنه يجد لنفسه أصلا ومقابلا دينيا، الغفران في هذه الحالة، إلى مجال الوضع البشري والشؤون البشرية؟ لم يكن ذلك من باب الصدفة، وذلك إن رجعنا إلى التطور الذي حدث على مستوى المفاهيم السياسية والانتقال من "الطبيعة البشرية" إلى الحديث مع حنة أرندت عن "الوضع البشري" في القرن العشرين. إنه (أي الصفح) مرتبط بجميع الفجوات التي حدثت في ذلك القرن وحتى قرننا الحالي. وذلك أمام حدوث العديد من الجرائم، جرائم ضد الإنسانية في هذه الحالة، مثل جرائم الأنظمة التوتاليتارية (النازية والستالينية...) والحروب الأهلية والإبادات الجماعية، وكذلك أمام الانقسامات العميقة بين الأمم والشعوب. إذ يصير لا بد من التغلب على ثقل الماضي والانفتاح على المستقبل، أي اللجوء إلى العفو والمصالحة، بل إلى الصفح كأسمى القيم البشرية الممكنة، حتى نتمكن من سد الفجوات التي تبلور عنها نسيان الماهية السياسية للإنسان، كما تذهب أرندت، بسبب صعود الأنظمة الشمولية. وتصرّ بالتالي هذه الفيلسوفة على "الفعل" action، من حيث إنه القدرة التي تميز الإنسان باعتباره كائنا فاعلا ومبدعا وسياسيا في الآن ذاته.
في الوقت الذي يعتبر فيه جانكليفيتش بأنه "ليس من الصعب فهم لماذا أنّ واجبَ إعمال الصفح pardonner بات اليوم مشكلنا" ، يرجع إلى حنة أرندت الفضل في تحديد قيمة الصفح باعتباره حقيقة أساسية في مجال الأوضاع والشؤون البشرية. فإن كانت المسيحية –التي تؤسس عليها أرندت رؤيتها لهذا المفهوم- هي من كشفت عن الصفح (المغفرة) في العلاقات البشرية، فوفقا لهذه الفيلسوفة فإننا تجاهلنا لزمن طويل الاهتمام بتدريس ودراسة هذا المفهوم بحجة أنه ديني بطبيعته. إلا أن اليسوع –كما تقول- كان يعلم أن المغفرة هي في يد الناس وهم مدعوون إلى الصفح عن بعضهم البعض. حيث كما تخبرنا، قد كان المسيح الناصري وراء اكتشاف الدور الذي يلعبه الصفح في مجال الشؤون الإنسانية. ولا يجوز التذرّع بكون هذا الاكتشاف قد تم في سياق ديني وجرى التعبير عنه بلغة دينية، لكي لا نعامله بالجدية المطلوبة من منظور علماني صرف . واستنادا إلى التعليم الإنجيلي، تظهر أرندت المكانة اللازمة للصفح بسبب ما آلت إليه الشؤون البشرية من هشاشة. لهذا يأتي الصفح منقذا للإنسان من صيرورة أفعاله، من حيث إنه أفق مفتوح على المستقبل، وتحرر من تبعات أفعالنا. 

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :