ifada إفادة

ifada إفادة


قول في الديمقراطية

الأربعاء 16 ديسمبر 2020 - 09:55 , افادة
قول  في الديمقراطية ذ عبد الحميد لبيلته

المجتمعات التي تتجه إلى تحقيق انتقال نحو الديمقراطية كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، لابد لها بالضرورة، من قوى حاملة لمشروع ديمقراطي، ومن نخب تجسد قواعد هذا المشروع في علاقاتها الداخلية، وفي علاقتها بباقي مكونات المجتمع. فالديمقراطية لها ثمن قبل أن تتحقق، وتصبح الوسيلة المثلى للتعاقدات المجتمعية. والديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه دوليا، تستدعي، أولا، وجود أحزاب وتنظيمات اجتماعية و مدنية ديمقراطية، لا تهادن ولا تساوم على مبادئ وقواعد الديمقراطية، وتتوفرعلى استعداد مبدئي لتقديم جميع التضحيات، مهما كانت جسامة كلفتها الاجتماعية والسياسية. 
وبالعودة إلى مجتمعنا المغربي، فسؤال الديمقراطية بدأ يطرح مع الاستقلال السياسي.  حيث اتضح منذ البدايات الأولى للاستقلال أن نظام الحكم عمل على نهج اختيار يناقض بناء دولة وطنية ديمقراطية، هذا التوجه لنظام الحكم، أحدث تنازعا حول السلطة، الشيء الذي أفرز توجهات متعددة ومتناقضة، أخذت في التشكل، نتج عنها فرز قوى متصارعة على السلطة. إذ كانت إرادة بعض القوى الوطنية مصرة على استكمال الاستقلال بإعتماد نظام ديمقراطي، وما يستلزم من إحداث مؤسسات ديمقراطية دستورية. في حين كان توجه  نظام الحكم يعتبر أن المجتمع المغربي غير مؤهل بعد للديمقراطية. لذلك عمل هذا النظام على التطبيع مع التقاليد المخزنية الاستبدادية والتحالف مع فلول الاستعمار الجديد والإقطاع والرجعية. 
إن هذا التنازع  والهيمنة واحتكار نظام الحكم للسلطة، عرف أشكالا وأنواعا من الصراع، وصل في بعض المراحل من التاريخ السياسي الحديث للمغرب، إلى استعمال نظام الحكم كل أشكال القمع والتصفيات الجسدية والإعتقالات والمحاكمات الصورية. وفي ظل هذا الصراع، وسيادة حالة الاحتقان الاجتماعي بفعل الاستبداد، لم يتخل بعض الوطنيين الديمقراطيين عن النضال والتعبئة المجتمعية من أجل  تحقيق حلم الديمقراطيةـ غداة ما عرف باستراتيجية النضال الديمقراطي. 
وتحت تأثير عوامل داخلية وخارجية، وأمام شدة المطالبة بالديمقراطية، وتحت تأثير الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتحولات التي شهدها العالم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. بدأت تلوح في الأفق السياسي التحضير لتوافقات سياسية بين طرفي الصراع السياسي. غير أن هذا التوافق لبس لبوسا غير طبيعي، كان من تجلياته؛ عدم تخلي نظام الحكم على سلطاته ومصالحه. مما جعل هذا التوافق يتخذ طابع المساومة على مبدإ التعاقد الدستوري و السياسي. وبالنتيجة عرفت الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية التي راهنت على هذا التوافق العديد من الإنتكاسات والتشتت. وبذلك عبدت الطريق لسطو طغمة انتهازية على هذه الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية. مما عمق أزمة الانتقال نحو الديمقراطية، هذا النكوص للأحزاب الوطنية وللديمقراطيين المغاربة، ترك فراغا في التأطير السياسي والاجتماعي والثقافي، وأصبح المشهد السياسي يتسم بالتراجعات والسلبية والخلط والتضليل... واستفراد قوى الاسلام السياسي بفئات واسعة من المجتمع المغربي موظفة المشترك الديني كإيديولوجية لملأ هذا الفراغ، مستفيدة من تحول إقليمي ودولي مدعوم ماليا من ريع البترودولار، وسياسيا مدعوم بخطط السياسة الخارجية الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية التي انتصرت لما يسمى بالاسلام السياسي المعتدل كوصفة صالحة لتحقيق المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقية.
وأمام اتكاسة الإنتقال الديمقراطي. انبعثت نقطة ضوء جديدة تمثلت في حركة 20 فبراير التي  كان من نتائجها حلحلت بركة هذا النكوص بمطالب شبابية، أعادت الروح لتجديد مطلب الديمقراطية. غير أن ترهل الأحزاب الوطنية والديمقراطية وتشتت قوى اليسار، لم يستطيع هذا الحراك الشبابي  غير فرز دستور 2011 الذي بدوره تم التعامل معه في الولاية الحكومية والتشريعية السابقة بانتقائية قتلت روح بعض مقتضياته في إنعاش الحياة السياسة، وتدعيم المشاركة الديمقراطية.
أما بعد؛ فكل المؤشرات الحالية، وخصوصا بعد انتخابات 7 أكتوبر 2016 وتعيين رئيس للحكومة من حزب العدالة والتنمية الذي حصل على أغلبية المقاعد في البرلمان. الذي انتهج طريقة في تدبير مشاورات تشكيل الحكومة، منفتحا على الجميع بدون اي برنامج أو تصور. هذه المقاربة الخاطئة انتهت إلى أزمة سياسية. أرجع بعض المحللين أسبابها إلى نية جهات متحكمة في اغتيال المنهجية الديمقراطية، وبالتالي تحضير الإنقلاب على مقتضى الفصل 47 من الدستور. و في تقديري أعتبر أن السيد بنكيران هو ضحية لغروره، ونفاقه السياسي، وعدم قدرته على إدارة الحوار السياسي كرجل دولة، واضعا مسافة ضرورية بينه وبين التكتيكات الحزبية الضيقة. 
إذن الديمقراطية لها ثمن لكي تحيا بشكل طبيعي وتستقيم في مفاصيل الحياة العامة المؤسساتية والمدنية. فكل تقصير أومساومة  أومهادنة، لا يمكن إلا أن يصب في طاحونة أنصاف الحلول والتضليل السياسي، وإضعاف المؤسسات، وتمييع الحياة السياسية، وتقزيم المشاركة الديمقراطية للمجتمع. والخلاصة: فلا ديمقراطية حقيقية بدون ديمقراطيين.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :