ifada إفادة

ifada إفادة


المغرب-فلسطين "لغة المبادئ أم لغة المصالح"؟

الأحد 13 ديسمبر 2020 - 16:20 , بقلم عبد الدين حمروش
رشيد السمكي

كنتُ استبعدتُ، في تدوينة سابقة، تطبيع المغرب الرسمي مع دولة الاحتلال الصهيونية. اليوم، كل تلك المبررات المنطقية والتاريخية، التي كنت قد سُقتُها في حينه، آلت إلى البوار، بعد عزم المغرب فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي مُجدّدا. وللإشارة، فيوم فُتح مكتب الاتصال المشؤوم بالرباط، كان هناك داع إلى تشجيع السلام الفلسطيني- الإسرائيلي، بعد توقيع اتفاقيات أوسلو. غير أن استفراد دولة الاحتلال بالفلسطينيين، قتلا وتشريدا وتنكرا للحقوق، ما فتىء أن عجّل بإغلاق المكتب المذكور سنة 2000.
لعل ما يعنيني، بل ما يؤرقني كثيرا، هو "لغة المصالح" في مبررات التطبيع، لدى بعض المُدونين والكُتاب المغاربة. ويبدو التطبيع الثقافي، المُراد منه التطبيع الشعبي، من أخطر أنواع التطبيع. ماذا تحتاج دولة الاحتلال، ولديها الأرض الفلسطينية بالقوة العسكرية الغاشمة، وخلفها دول الغرب الكبرى الداعمة؟ إنها تحتاج إلى "الاعتراف" الذي يعتبر "التطبيع" أولى خطواته. ذلك أن من شأن هذا الاعتراف أن يوهم بتسوية الصراع، على أساس "تسويغ" احتلال شعب وأرض. ومن جهة أخرى، من شأن هذا الاعتراف، أيضا، الإيهام بإغلاق الباب أمام الأجيال القادمة، في سعيها لاستعادة الحقوق المهدورة. التوازنات الإقليمية والدولية في غير صالح العرب والمسلمين في المنطقة. ولذلك، فإن النأي عن الاعتراف، في انتظار صنع شروط أفضل، أجلب للمنفعة من توقيع أية اتفاقية مع العدو. عزل إسرائيل عنا، في مسافة معينة، يقينا شرها على الأقل.
يمكن أن تثير استنتاجاتي الأخيرة حفيظة البعض، من أولئك "الإنسانويين" الذين يتحدثون عن خيرات السلام، ومردوده على جميع "درية إبراهيم". بعبارة واضحة، السلام لا يمكن أن يتأسَس على حرمان شعب من حقوقه. وفي الإطار، لا يجوز أن ننسى أن تنازلات الفلسطينيين، على الرغم من كثرتها وخطورتها، لم تشفع لهم بوطن من 20 في المائة من أرضهم التاريخية. لقد تغيّر العرب والمسلمون، ولم يتغير الصهاينة عن أطماعهم قيد أنملة. اليوم، يُراد لنا أن نتحدث لغة المصالح: أية مصالح سنجنيها مع من في إيديولوجياتهم وسياساتهم "جرثومة" العنصرية؟ ألم تدعُ دول الاعتدال العربية (وليس إيران أو سوريا) إلى التطبيع مع إسرائيل مقابل الأرض؟ ما الذي تحقق من هذه الدعوة على الأرض، باستثناء تراجع تلك الدول وتخاذلها، وبالمقابل دفع الفلسطينيين إلى التنازل باستمرار. 
لقد أجهزت إدارتان صهيونيتان (إدارتا ترامب ونتانياهو) على كل الحقوق الفلسطينية: حق الدولة، القدس الشرقية عاصمة، حق العودة، الحدود؟ هذا هو الثمن الفادح الذي يؤديه المطبعون، ولا قيمة لتضامنهم مع الفلسطينيين، عبر "إعلان عن مبادئ" لا يسعف إخوانهم بشيء على الأرض. المنظومة العربية مُهترئة في الوقت الحالي، ما يدفع إلى التنازلات تلو التنازلات. والواقع أن ما يجري، بالنسبة لكل دولة، على حدة، لا يمكن إيقافه، في ظل الانهيار العربي الرسمي المريع. النزاعات البينية بين العرب والمسلمين عديدة، لدرجة نحتاج معها إلى "معجزة" للحديث بلسان واحد: على أساس أهداف مشتركة، تحمي حقوقنا من جهة، وتصون أمننا القومي من جهة ثانية. 
من أمثلة تلك النزاعات، التي استنزفت دُولنا ماديا وديبلوماسيا، مناوءة الجزائر لوحدتنا الترابية. ألم يكن هناك بديل لتجاوز نزاع الصحراء، على أساس الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين الجارتين، بما يخدم مصالح شعبيهما الشقيقين معاً؟ من المؤلم أن تتفرغ الجزائر لمناوءة المغرب، عبر استغلال إمكانياتها المادية، ليظل جارها مُنهكا ماديا وديبلوماسيا. لماذا لم يَرقَ النظام الجزائري إلى مستوى الوعي الاستراتيجي المطلوب، خدمة لأجندات البلدين المشتركة، ونصرة للقضايا القومية والإنسانية المشروعة، وفي طليعتها القضية الفلسطينية؟ لماذا استمر النظام الجزائري في مناوءة المغرب، على مدى عقود طويلة، إلى أن جاء ترامب مُشهرا إعلانه الرئاسي بـ"مغربية الصحراء". 
لقد كلفنا استكمالنا لوحدتنا الترابية الشيء الكثير: المال، الدماء، الجهد. ولقد تعرضنا لابتزازات كثيرة، من قبل القوى الصغرى والكبرى، في ظل توازنات دولية مُتغيرة باستمرار. ماذا قدمت لنا ماما فرنسا، التي هي أقرب للمغرب من حبل الوريد، من جهة مصالحها الاقتصادية والسياسية في المنطقة؟ لا شيء مُهمّا يُذكر، باستثناء إدامة الصراع، عبر ترضية "الخواطر" لهذا الطرف أو ذاك (المغرب مرة والجزائر أخرى). ما من شك في أن يكون لقرار ترامب "مفعول" مادي ما، حتى وإن جاء في الأيام الأخيرة من ولايته. نقول هذا الكلام، من جهة تسهيل مسلسل التسوية، على قاعدة "الحكم الذاتي". أما بالنسبة لحقوقنا في الصحراء، المنتزعة منا بفعل الاستعمار عنوة (مثل سبتة ومليلية والجزر الجعفرية السليبة إلى اليوم)، فلن يسلبها من المغاربة أحد، لا اليوم ولا غدا (حتى ولو كان ترامب نفسه). 
ما العمل، إذاً، بعد فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي؟ مثلما تمّ فتحُه، لا يستحيل إغلاقه، كما حصل خلال 2000. أعتقد أن التفاعل مع الأحداث، سواء بالنسبة لقضيتنا الوطنية أو القومية، كفيل بخلق التوازنات الإيجابية. ومن المقدمات الضرورية إلى ذلك، الرفض الثقافي للاختراق الصهيوني. فإذا كانت للأنظمة الرسمية حساباتها، فإن للمثقفين (رعاة التاريخ والرمزية الثقافية) حساباتهم. والواقع أن لا أخطر على بلاد من أن يتماهى خطاب مُثقفيها مع خطاب أنظمتهم الرسمية. وغني عن القول بأن في مناوءة المثقفين للخطاب الرسمي أكبر الفائدة، بالنسبة للدول الديمقراطية، من ناحية ضخِّه بالقيم المبدئية اللازمة، والطراوة النقدية اللازمة.
كنا نخشى، حتى الأمس القريب، من ولوغ مثقفينا في إناء الخليج (القبلي، الوهابي، إلخ). أما اليوم، فالخشية أعظم من الولوغ في الإناء الإسرائيلي، تحت ذريعة ما يتحدث عنه البعض، على سبيل تبادل المصالح المشتركة. فتح نقاشات "مفتعلة"، قد يكون فيها تزييف للتاريخ المغربي، يمكن أن ينشأ في أية لحظة...وربما قد بدأ منذ مدة. اليهود المغاربة إخوان لنا، ولكن خارج إطار من يتعصبون ضدنا، ويجحفون بحقوقنا.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :