ifada إفادة

ifada إفادة


سكرة الانتساب الديني وأثرها في إفساد العالم

الأربعاء 20 مايو 2020 - 19:51 , افادة
سكرة الانتساب الديني وأثرها في إفساد العالم
الدكتور رضوان رشدي رئيس مركز ابن رشد للدراسات والأبحاث الإنسانية redouanrohdi@gmail.com

حين يؤسس الإنسان صرحا فلسفيا مبنيا على الانتخاب والاصطفاء والحقانية والتمييز عن الكل مع انتفاء أي صورة للمؤاخذة الدينية أو الحساب المرتقب لأنه في عرفه قد جاوز القنطرة وتحقق له الخلاص الأبدي لمفرده، فإنه سيتجاسر حتما على اقتراف أبشع الجرائم دون أن يرف له جفن. 
والتاريخ الديني حافل بنزعة الاستعلاء الانتسابي واقتصار الخلاص على أناس بعينهم كالذين أسسوا تصورهم مثلا على أنهم شعب الله المختار، وأن نبيهم الذي ينتسبون إليه متعال عن البشر لأنه ابن لله، ومن ثم فغيرهم سواء كانوا (أمميين) أو(جوييم) لا يسري عليهم الناموس والشريعة الخاصة بهم لأنهم أدنى منهم، ومن ثم فغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى سينبذون ويُبْعدون وتُمَارس عليهم شتى أنواع الإكراه وإهدار الكرامة الإنسانية، والتاريخ يوضح كيف تم استئصال أتباع عيسى عليه السلام استئصالا بشعا كاضطهاد (نيرون) 64 م الذي قتل فيه (بطرس) و(بولس) واضطهاد (دمتيانوس) 90 م واضطهاد (دقلديانوس) 284م الذي قرر فيه إبادتهم بإيعاز ممن ظنوا أنهم أفضل الخلق على الإطلاق.
علة الاستعلاء هاته لم ينج منها كذلك بعض المسيحيين حين اعتقدوا أن نبيهم هو ابن لله حقق لهم الخلاص حين فداهم بدمائه يوم الجمعة، جمعة الآلام. وهذا الفداء يحمل بين طياته محوا كليا لذنوبهم سواء الآنية أو القادمة، ومن ثم فلن يضرهم ما سيفعلون من بعد ذلك لأنه تحقق لهم في عرفهم خلاص مطلق، وهو الوارد فيما وصفه (بولس) فى رسالته إلى (أفسس): "اَللهُ الَّذِى هُوَ غَنِى فِى الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِى أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُون وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِى السَّمَاوِيَّاتِ فِى الْمَسِيحِ يَسُوعَ" أفسس2. 
هذا التأسيس العقدي فسح المجال رحبا نحو الإفساد في الأرض، ذلك أنه حين تأتت لهم فرصة الحكم والتسيير السياسي كَفَّروا بدورهم المخالفَ، ونَكَّلوا به، ونصبوا له المشانق دون تسامح، وما محاكم التفتيش التي وضعها البابا (غريغوري) التاسع لقمع (أصحاب البدع الهرطوقية) سوى نموذج لفساد الذمم حين يعتقد المرء أنه مصفى من الخطايا التي أزيحت بدماء المسيح. 
ولم يشذ عن هذه القاعدة طوائف من المسلمين كذلك، إذ اعتقد أناس مثلا أنهم الأخيار من دون الناس كلهم لأنهم انتسبوا إلى السلف الصالح وحملوا شعار الكتاب والسنة ونفووا البدع والمستحدثات عن الدين، ليصنفوا أنفسهم مستحقين لأن يكونوا ضمن الفرقة الناجية المباينة في منهجها للفرق الإثنين والسبعين الضالة الأخرى التي سيحل بها العذاب والنيران الملتهبة في عرفهم، ومن ثم وجدنا هذه الطائفة (السلفية) شديدة التفييء للمسلمين وإحداث التمييز بينهم ومقاضاتهم، إذ يكفي أن يعرف الواحد فيهم أن تصور فلان هو مخالف لمنهجهم (منهج السنة والجماعة) حتى يرمى صاحبه بأشنع الأوصاف وأقدح النعوت كفرا وتضليلا وتبديعا وتفسيقا ... وما يفضي إليه ذلك من تفجير وقتل وإحلال للدم. والواقع يوضح بجلاء كيف أن هناك ارتباطا بين العنف والتقتيل الذي تمارسه جماعات العنف وبين التصور السلفي الذي يستدعي تراث ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من فقهاء المذهب الحنبلي. 
ولنرجع إلى الأصل الذي قعدناه هاهنا وهو أنه لو لم ينظر هؤلاء لذواتهم نظرة استعلاء على الناس واصطفاء لأنفسهم بسبب نزعة الخلاص المخصوصة لهم لما عاثوا في الأرض فسادا. 
نعم في التصور الإسلامي كذلك هناك من اعتقد أن من شايع عليا عليه السلام وآزره فهو المؤمن حقيقة، وكُتب له الخلاص الأبدي، ومن لم يعترف بإمارته فهو مخالف لمنهج آل البيت عليهم السلام، لتجد نزعة الاعتداد بالذات هي ذاتها المهيمنة على النسق الشيعي، ومن ثم فالمخالف منبوذ عندهم، ومن جحد إمرة علي فقد جحد رسالةَ النبي عليه السلام لأنه من طينة النبي وزوج ابنته ... كما أورد الصدوق في أماليه :" أنا – أي النبي- وعلي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين حجج الله على خلقه، أعداؤنا أعداء الله وأولياؤنا أولياء الله."وفي الكافي إن :"عليا صلوات الله عليه باب فتحه الله، من دخله كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا." 
وهناك نصوص مستفيضة في تكفير المخالف أوردناها في كتابنا الخلاف العقدي... لكن الذي يهمنا حقيقة أن الاطمئنان والدعة المشيدة على صرح احتكار الخلاص لابد وأن تصوغ أناسا متعالين معتدين بأنفسهم ينظرون إلى غيرهم نظرة إزراء وتنقيص وهي بداية الإقدام على أبشع الجرائم بطمأنينة نفس وراحة ضمير إذا عضدت بقوة عسكرية. 
وما التقتيل الذي مارسته الميليشيات الشيعية في العراق وتمثيلها بالجثث (السنية) سوى نزر ضئيل لما اتسم به هؤلاء من استعلاء عقدي وطمأنينة في الخلاص. 
وفي المجال الصوفي كذلك، هناك بعض الناس حين اعتقدوا أنهم حينما انتسبوا إلى شيخهم الذي هو باب وسائطي بينهم وبين الله، ونظروا إليه أنه المتكفل حقيقة بتخليصهم ونجاتهم وإن أخذوا بطرف من ثيابه، وحين وضعوا في حسبانهم أنهم وصلوا حقيقة إلى مقام الإحسان على الرغم من أنهم لما يُحْكِموا مقام الإسلام أصلا، فلا عجب أن تجدهم مطمئنين فرحين بما ساروا عليه من الاصطفاء بالنور النبوي في اعتقادهم، وبالموازاة تجدهم ناظرين إلى الناس نظرة إزراء وكأنهم موتى غافلون عن إدراك الحقيقة الإلهية، بل إنك تجدهم مستخفين بالتكاليف الشرعية وفاسحين لأهوائهم مجالات عديدة ومتوحلين في خضخاض المفاسد العظمى دون أن تأخذهم صحوة ضمير بذاك التصور الاعتقادي الذي بنوه، وهو تصور بني على أصل الخلاص والاستعلاء الذاتي وحقانية ما اعتقدوه... 
ذاك وصف لواقع ديني يقتضي منا طرح حل لهذه الإشكالية التي ساهمت في إفساد كلي للعالم. 
نعم، إن ما نقترحه هاهنا إنما هو التناغم مع طبيعة الخلق الإنساني التي جعلت كل فرد له ذاته المستقلة به، وأعطته حرية متفردة خاصة به دون سواه، بحيث إن ثقافة التجميع البهائمي منافية للحكمة من الخلق الإنساني، وهذه الحرية الذاتية مفضية لكي يتحمل كل فرد مسؤوليته في جل أعماله، ولا دخل لأي كان في خلاصه لاسيما وإن الخلاص دينيا إنما هو مرتهن بما قام به الإنسان من عمل خاص به. ثم إنه في القرآن يتحدد الخلاص فرديا بتحصيل الإيمان بالله واليوم الآخر وتجسيد هذا الإيمان عملا صالحا دون سواه، ودون اعتبار لأي طائفة دينية في إزاحة كلية لاحتكارية الخلاص من قبل تلك الطوائف ... 
ومن بين تلك الأدلة التي نستند عليها في هذا المقام آية أعيدت مرتين للتأكيد على قطعية معناها في التفرد وتحمل المسؤولية الذاتية، كقوله تعالى في سورة البقرة :" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وكذا قوله في سورة المائدة :" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69). 
ومن ثم فلا يحق لأي طائفة أن تدعي خصوصية واحتكارية للخلاص، لتتشظى الأحلام والأماني لأي طائفة في قوله تعالى:" لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123). 
ثم إن التفرد في الجزاء يتجلى كذلك في أن لكل واحد كتابا خاصا به تُحصي له دقائق الأشياء كما ورد في تعجب أناس حالمين حين بغثوا بالحقيقة فقالوا :" يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49). 
فلا يحلمن أحد أنه مُخَلص بتصور يدفعه للهناء والاعتداد ثم الفساد فيما بعد.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :