ifada إفادة

ifada إفادة


الإسلام السياسي ومسألة النفور من الإسلام

الإثنين 20 أبريل 2020 - 17:46 , افادة
الإسلام السياسي ومسألة النفور من الإسلام
كمال ازنيدر كاتب إسلامي وباحث في الأداء السياسي والمؤسساتي

نشأة الإسلام السياسي، واحدة من النقط الشائكة التي يصعب الخوض فيها نظرا لتعدد القراءات والرؤى بشأنها. فالباحث في هذا الموضوع يجد نفسه أمام متاهة من المعطيات المختلفة والتقديرات المتعددة، الشيء الذي يجعل مهمة الحسم بخصوص هذه النقطة مهمة ليست بالسهلة، وبالنسبة لبعض الباحثين مهمة مستحيلة. 
فالخلاف القائم بشأن هذه النقطة هو ليس مجرد خلاف تاريخي حول التقدير الزمني لحدث معين ظهر معه الإسلام السياسي بل هو أيضا خلاف فلسفي، فكري، عقائدي متعلق بماهية وحقيقة الدين الإسلامي وكذا مفاهيمي مرتبط بتعريف الإسلام السياسي. 
فالشخص المسلم أو الغير مسلم الذي يرى في الدين الإسلامي مجرد شعائر تربط الإنسان بخالقه أو ما يعتقده خالقه، يموقع نشأة الإسلام السياسي أو بداية عملية تسييس الدين الإسلامي في حقبة زمنية خارج عصر النبوة المحمدية. ومن يرى أن الديانة الإسلامية ليست مجرد طقوس روحانية بل هي ديانة يمتزج فيها الروحي والسياسي تكون له نظرة وقراءة أخرى، يموقع على إثرها هذه النشأة في عهد هذه النبوة.

وكذلك الشخص الذي يحصر الإسلام السياسي في الجماعات والمنظمات التي تنشد السلطة باحترام قواعد اللعبة السياسية والقوانين المعمول بها في مجتمعاتها، أي بالقبول بمفهوم المشاركة السياسية وخوض الانتخابات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع كآلية للوصول للسلطة أو سدة الحكم، فهو يموقع بناء على نظرته هذه ظهور هذا التيار السياسي في إحدى حقب القرن العشرين. والشخص الذي يرى الإسلام السياسي كتيار إصلاحي يحاول التوفيق بين العلم والدين بغية النهوض بالأمة الإسلامية فهو يموقع ظهور الإسلام السياسي في أواسط القرن التاسع عشر.
هذا باختصار. وبشكل أدق، يرجع البعض جذور حركة الإسلام السياسي بمفهومه الحديث إلى انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وقيام مصطفى كمال أتاتورك بإقباره لنظام الخلافة الإسلامية في 3 مارس 1924 وتأسيسه لجمهورية تركية على النمط الأوروبي ألغت الشريعة الإسلامية من المؤسسة التشريعية، ناهيك عن قيامه بحملات ضد كثير من رموز الدين والمحافظين. 

ويرى الكاتب المصري ورئيس برنامج دراسات المجتمع المدني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أيمن السيد عبد الوهاب أن ما حدث بتركيا في مارس 1924 من إلغاء الخلافة العثمانية الإسلامية من قبل كمال أتاتورك وإعلان العلمانية كنظام جديد للحكم، ومنع تدريس الدين في المدارس الحكومية، وإغلاق المحاكم الإسلامية ومنع ارتداء الحجاب على النساء، وتعويض الحروف العربية بالحروف اللاتينية، ومنع استعمال اللغة العربية حتى في الأذان للصلاة، قد شكل دورا هاما في نشأة الحركات الإسلامية الجديدة في مصر ثم السودان وتونس والجزائر وبقية الأقطار الإسلامية.

وذهب بعض آخر إلى أن نشأة الإسلام السياسي بدأت مع الشيخ اللبناني محمد رشيد بن علي رضا (1865 - 1935) الذي دعا في كتاب له "الخلافة أو الإمامة العظمى" أصدره سنة 1922 إلى عودة الخلافة، ربط فيه بين نهضة المسلمين وإحياء الاجتهاد الذي كان توقفه سببا في تخلف المسلمين وتفرنج البعض منهم وتخليهم عن الدين.
وذهب توجه آخر إلى أن نشأة الحركة الإسلامية السياسية بدأت مع المرشد والقائد الإسلامي المصري حسن البنا (1906 - 1949) الذي قام سنة 1928 بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين. ويرى اتجاه رابع أن أصل الإسلام السياسي مصدره شبه القارة الهندية وبالضبط أفكار وأراء رجل الدين والمفكر الباكستاني أبو الأعلى المودودي (1903 - 1979)، الذي أنشأ في مطلع أربعينيات القرن العشرين الرابطة الإسلامية الباكستانية.
ويقول حسن البنا في رسالته إلى المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين : "إن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها، والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة (رضوان الله عليهم) النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي (صلى الله عليه وسلم) ودفنه، حتى فرغوا من تلك المهمة، واطمأنوا إلى إنجازها. والأحاديث التي وردت في وجوب نصب الإمام، وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها، لا تدع مجالا للشك في أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حورت عن منهاجها".

كما تحدث في رسالة له عنوانها "نظام الحكم" عن دعائم الحكم الإسلامي ومسؤولية الحاكم عن وحدة الأمة وضرورة احترام رأي الأمة. وطرح في منهجه التربوي السياسي خمسة مراحل ضرورية للوصول إلى الخلافة الإسلامية. هذه المراحل تبدأ بتكوين الفرد المسلم ثم البيت المسلم ثم الشعب المسلم ثم الحكومة المسلمة ثم الخلافة الإسلامية الكبرى التي تجمع وتوحد ما قام بتشتيته وتمزيقه الاستعمار.
ويرجع بعض آخر ظهور الحركات الإسلامية إلى رد الفعل الشعبي الذي تمخض عن انتشار الإحساس أن تطبيق الشريعة الإسلامية في تراجع وأن هناك نكسة في العالم الإسلامي بسبب الاستعمار الأوروبي والغزو الثقافي الغربي. بينما يعزي اتجاه آخر ظهور الإسلام السياسي إلى فشل القوات العربية في استرجاع القدس وانهزامها في المعارك التي خاضتها ضد إسرائيل وقيام بعض الأنظمة العربية بالاعتراف بالدولة العبرية. وذهب تقرير للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات إلى أن الإسلام السياسي يعود أصله إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي مع الثورة الإيرانية وروح الله الخميني، قائد الثورة الإسلامية ومؤسس جمهورية إيران الإسلامية سنة 1979.

ويربط الأستاذ الجامعي في الأديان والشؤون الدولية والدراسات الإسلامية الأمريكي جون إسبوسيتو نشأة الإسلام السياسي بفشل المشروع النهضوي العربي وافتقاد الأنظمة العربية الحديثة للمشروعية. بالنسبة له، فشل النماذج الغربية المستوردة وعلى رأسها العلمانية والاشتراكية والليبرالية التي تبنتها الأنظمة العربية الحاكمة عقب الاستقلال في تحقيق الوحدة العربية والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية للغرب، تولدت عنه الحاجة إلى البحث عن نموذج بديل، وأصبح العديد من المواطنين يرون أن "الإسلام هو الحل".

ويرجع قطب آخر نشأة الإسلام السياسي إلى أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي في ظل مجموعة من الظروف المجتمعية والفكرية وخصوصا السياسية التي أودت إلى حصول تشققات داخل المدارس والجماعات الإسلامية وتطرف أجزاء منها وظهور فكر إسلامي تكفيري حكم بكفر التراث والمجتمع والأمة ووصف أنظمة الحكم العربية ومجتمعاتها بأنظمة ومجتمعات الجاهلية ودعا إلى نسفها والانقلاب عليها.
وجاء في كتاب "تفاعل الإسلام السياسي مع الديمقراطية : البرنامج السياسي للإخوان المسلمين في مصر كدراسة حالة" لمهند مصطفى وأيمن طلال يوسف "حيدرية" أن ظهور الإسلام السياسي بدأ في منتصف القرن التاسع عشر، مع قيام مجموعة من المفكرين مثل جمال علاء الدين الأفغاني ومحمد عبده بتطوير الإسلام اتجاه التعامل مع العالم المتقدم من حولهم. واعتقد هؤلاء الإصلاحيون أن الشعوب الإسلامية تعيش في مصاعب لأن حكوماتها جد ضعيفة وغير قادرة على حمايتها من التدخل الأجنبي، وأن أفضل طريقة لمعالجة هذا الوضع هو الجمع المنطقي بين العلم والدين، من خلال إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية شاملة.

وارتأى بعض الباحثين أن حركات الإسلام السياسي ليست وليدة هذا العصر بل هي امتداد وتجديد لحركات إسلامية فكرية ظهرت عبر مختلف مراحل تاريخ الإسلام. هذه الحركات تنشط وتضعف حسب الأحوال تبعا لظروف الزمان والمكان التي تظهر فيه. ويؤكد هؤلاء الباحثون على أن هذه الحركات لا تختفي تماما في أي عصر من العصور وقد تظهر في حالة كمون في أسوأ الظروف، وأن أصلها يعود إلى بداية الرسالة، وهذا ما يوافق مذهب كل الجماعات والأحزاب الإسلامية السياسية التي ترجع أصل فكرها الإسلامي السياسي إلى عهد الحكم النبوي بالمدينة المنورة.

وفي هذا الصدد، يقول برنارد لويس (1916 - 2018) - أستاذ جامعي بريطاني متخصص في تاريخ الإسلام والتفاعل بين الإسلام والغرب - في كتابه "اللغة السياسية للإسلام" : "الإسلام الكلاسيكي لا يميز بين الكنيسة والدولة. بينما في المسيحية، وجود السلطتين معا يعود إلى مؤسسها الذي نصح أتباعه بأن يعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فعلى طول امتداد تاريخ المسيحية، كان هناك دائما سلطتان، الله والقيصر، متمثلتان في هذا العالم في الكهنوت والملكوت، أو في العصر الحديث، في الكنيسة والدولة. قد تكون هاتين السلطتين مترابطتين، قد تكونان منفصلتين، قد تعيشان في وفاق أو في صراع ؛ قد تهيمن الأولى كما قد تهيمن الثانية، قد تتداخل الواحدة منهما في شؤون الأخرى، قد تقوم الأخرى بالاحتجاج كما أصبح معلوما اليوم. ولكن يبقى دائما كونهما اثنتان : السلطة الروحية والسلطة الزمنية، كل واحدة مزودة بقوانينها الخاصة وبتشريعاتها، ببنيتها الخاصة وهرميتها. أما الإسلام، قبل مرحلة التغريب، هو لم يعرف هاتين السلطتين، بل عرف سلطة واحدة، وبالتالي مسألة الفصل لم تكن مطروحة لديه. الفصل بين الكنيسة والدولة، الذي نجده متجذرا بعمق في المسيحية، لا وجود له في الإسلام".
المرجع ذاته يقول في إحدى حواراته الصحفية : "في الإسلام، لا يوجد فرق بين الكنيسة والدولة، بين الدين والحكومة، في حين أن هذا أساسي في العالم المسيحي. لعدة قرون، كان المسيحيون أقلية مضطهدة، إلى أن اعتنق الإمبراطور المسيحية وأصبحت هذه الديانة دين الدولة. اليهود، هم كذلك كانوا أقلية مضطهدة في معظم مراحل تاريخهم. لكن الإسلام، فقد انتصر وكانت له الغلبة خلال حياة مؤسسه.
النبي محمد لم يؤسس ديانة فحسب، بل أيضا دولة إسلامية سرعان ما أصبحت إمبراطورية. الفصل بين الكنيسة والدولة، وهو أمر مهم للغاية عند المسيحيين، ببساطة لا يوجد لدى المسلمين. الكنيسة والدولة لا يشكلان إلا ذاتا واحدة. أزواج معينة من الكلمات المألوفة لدينا - مثل العلماني والكنسي، المقدس والعامي، الروحي والزمني - ليس لها مثيل في اللغة العربية الكلاسيكية".


نفس الشيء يؤكد عليه كيفان بيرام ـ أمين عام وباحث مشارك في مركز ثوسيديد بجامعة بانتيون أساس الفرنسية : "في أصول الإسلام، ارتبط الدين والسياسة ارتباطا وثيقا. في نفس الوقت، قائد ديني وسياسي وعسكري، وضع النبي محمد أسس النظام السياسي الذي، عند وفاته عام 632، كان مسيطرا على شبه الجزيرة العربية. وهذا ما تمخض عنه نشأة الخلافة الإسلامية، التي كان الخليفة فيها يمتلك في الآن ذاته السلطة الزمنية والروحية". 
وفي مؤلف "المفردات الإسلامية : كلمات مفتاحية للغة الفقهية الدينية والسياسية للإسلام السلفي الوهابي" الذي أعده يوسف شهاب - الخبير في الإسلام السياسي وإسلام فرنسا والمشكلات الحضرية (الأحياء الحساسة) والتغيرات في العالم العربي المعاصر - لمركز أبحاث المخابرات الفرنسية، نجد تمييزا بين الإسلام النبوي أو الإسلام المكي والذي كانت فيه الممارسة الدينية الإسلامية ممارسة سرية والإسلام السياسي أو الإسلام المدني - نسبة إلى المدينة المكرمة - والذي انتظم فيه المجتمع المسلم في شكل دولة مبسطة ترأسها النبي محمد وجمع فيها بين قيادة الجيش والزعامة الروحانية والقيادة السياسية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هناك من يرى أن مصطلح الإسلام السياسي ما كان ليرى النور لولا قيام الأقطاب الصوفية بداخل العالم الإسلامي باعتزال السياسة ورفضها حتى مناهضة الاستعمار.

الطرح الذي يرجع ظهور الإسلام السياسي إلى بداية الرسالة، يبقى - من وجهة نظري - هو الأرجح. فقد ظهر هذا التيار السياسي مع محمد (صلى الله عليه وسلم). هذا الرجل كان رسولا وكذلك سياسيا تأسست على يده في القرن السابع الميلادي أول دولة إسلامية بالحجاز. ناهيك عما يحويه القرآن الكريم من توجيهات وتعاليم ربانية تؤثث لتوجهات قانونية (مدنية، مالية، جنائية...)، سياسية، اقتصادية واجتماعية.
أيضا وحتى قبل تأسس هذه الدولة الإسلامية وبداية توسعها انطلاقا من المدينة المنورة أو يثرب كما كانت تسمى سابقا، الدعوة النبوية بمكة المكرمة لم تكن دائما سرية بل أصبحت بعد فترة علنية وتضمنت أفكارا تعد اليوم سياسية كالمساواة وتحرير العبيد وإنسية المرأة أزعجت سادة قريش وجعلتهم يعلنونها حرب اضطهاد وإبادة ضد محمد (عليه الصلاة والسلام) وأتباعه مما اضطر بالعديد منهم إلى الفرار من مكة والهجرة بداية إلى الحبشة ثم بعد ذلك إلى يثرب.
عمليا إذن، نبي الإسلام (صلوات الله عليه وسلامه) هو أول سياسي إسلامي بالإضافة إلى كونه أول زعيم دولة عرفه تاريخ الإسلام السياسي. بعده، جاء حكم الخلفاء الراشدين : أبو بكر، عمر، عثمان وعلي (رضي الله عنهم أجمعين). نهاية حكم رابع هؤلاء الخلفاء ترمز - مع كامل الأسف - لنهاية حكم الإسلام السياسي. هذا الحكم لم يدم إذن طويلا. هو لم يدم أكثر من 39 سنة، من سنة 622 ميلادية إلى سنة 661، إذ تم إقباره بواسطة معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الإمبراطورية الأموية.

هاته الإمبراطورية تمخضت عنها أبشع البدع الفكرية والتحاريف الدينية التي عرفها تاريخ الديانات السماوية. في ظل حكمها، ظهرت العديد من الأحاديث المكذوبة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وكذلك الشأن بالنسبة للتفاسير المحرفة لكلام الخالق عز وجل. حكام هاته الإمبراطورية وجدوا في تحريف الأحاديث والتفاسير وسيلة لشرعنة خبث نزواتهم وشرور أهوائهم. بفضل هذا الزيف، نجحوا في إخضاع عالمهم لانحرافهم وثقافتهم الجاهلية.
مسلمون، على علم بهذا التحريف، قاموا باستنكاره. ثاروا ضد زور وظلم هؤلاء الحكام الفاسدين. لكن مصيرهم كان، ومع كامل الأسف، القتل الذي تم تبريره هو الآخر بأحاديث نسبت كذبا إلى رسول الله (عليه الصلاة والسلام). أما البقية، فمنهم من كانوا متفقين مع خروقات هاته الإمبراطورية ومنهم من كانوا متخوفين من النظام الحاكم. أعينهم، أقفلوها ولم يفعلوا شيئا لمحاربة ما عرفه زمانهم من فتنة. والفتنة التي لا يستنكرها أحد تكف عن كونها سلوكا مجتمعيا مرفوضا وتصبح مع الوقت عادة من عادات المجتمع.

الأجيال اللاحقة من المسلمين لم يصلها ما حدث خلال العصر الأموي  -وأيضا العباسي- . وجدت نفسها أمام مجموعة من الانحرافات والتسيبات فحسبتها عن جهل "قيما ومبادئ وممارسات إسلامية". في مجتمعاتها، أصبحت المبادئ الإسلامية الحقة تعتبر اجتماعيا كانحراف، وأصبح الانحراف ينظر إليه اجتماعيا على أنه مبدأ إسلامي. وبهذا انقلب الوضع بعالم الإسلام رأسا على عقب. هذا العالم تحول من عالم عادل إلى عالم ظالم. أصبح عالما همجيا يستبيح ويمارس كل الفظائع والقاذورات الإيديولوجية (الذكورية، العبودية، الاستعمار، السلطوية، الإرهاب، البيدوفيليا، إلى آخره).
التحريف هذا الذي عرفته الأحاديث والتفاسير والذي ابتدأ مع العهد الأموي صعب من عملية فهم ليس الإسلام السياسي فحسب بل الدين الإسلامي برمته وتولد عنه ظلما وفسادا عظيما في الأرض. أساء لنبل الفكر الإسلامي ولطخ الصورة الجميلة لمحمد (عليه الصلاة والسلام). فجزء كبير من هاته المصادر يعطينا اليوم انطباعا بأن الإسلام فكر يشرعن لجميع أشكال الظلم والجرائم ضد الإنسانية ويصور لنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في هيئة شخص كان يستبيح كل أشكال الأعمال البربرية والحيوانية.

وهذا ما يفسر اليوم النفور من الإسلام وخصوصا الإسلام السياسي الذي أصبحت تشهده شتى أرجاء العالم. فمعظم جماعات وأحزاب الإسلام السياسي تستمد مرجعيتها - أو على الأقل جوانب عديدة منها - من التحاريف الدينية التي ظهرت بعد انهيار الخلافة الراشدة ووصول الأمويين إلى الحكم بالعالم الإسلامي. تقريبا كلها تدعو إلى مبادئ وأفكار من شأنها العودة بنا إلى أزمنة الجاهلية الثانية. ولهذا ترى اليوم حتى بداخل الأراضي الإسلامية، معظم المثقفين يفضلون العلمانية على الإسلام السياسي... وهذا أفضل - وليس الأفضل - في ظل ندرة الجماعات والأحزاب الإسلامية التقدمية أو غيابها التام في معظم دول العالم ـ وبما في ذلك بلدنا المغرب ـ.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :