ifada إفادة

ifada إفادة


الجذور العقدية للإرهاب في الفكر الإسلامي "تجاوز الخلاف" (الحلقة 3)

الجمعة 04 ديسمبر 2020 - 20:07 , افادة
 الجذور العقدية للإرهاب في الفكر الإسلامي
الدكتور رضوان رشدي*

"في هذا البحث المركز يحاول الدكتور رضوان رشدي ملامسة الجذور العقدية الأولى للارهاب في العالم الإسلامي، عن طريق تشخيص وتفكيك بنية النص المؤسس تاريخيا للظاهرة.
 وقد تطرق للامر عبر مجموعة من المحطات التي ادلى خلالها بدلوه، مستنجدا بما راكمه من رصيد معرفي، ابان إنجازه العديد من البحوث، ترصد الخطاب الإسلامي، السياسي، والحركي الدعوي، وانتهاء بخوضه في التاريخ البعيد، المنتج للارهاب الديني في الثقافة الإسلامية."



ثالثا: توصيات لتجاوز علة الخلاف العقدي:

لا يسعنا هاهنا وإن الخلاف العقدي المفضي لإحداث فتنة طائفية مسوغة للقتل والإرهاب وجعل الأفكار المسندة على أدلة ظنية حاكمة على فكر الناس وعقولهم بحيث تجعل المعترض لها في حكم الكافر ... قلت لايسعنا هاهنا إلا وضع قواعد تساهم في البناء العقدي للأمة وتغيير واقعها الحضاري، لاسيما وإن القيم المناغمة مع الفطرة والنقل دافعة للتغيير النفسي والواقعي في آن واحد.
من تلكم القواعد:
1. القرآن حاكم عقديا فضلا عن النصوص القطعية دلالة وثبوتا.
من المعلوم جليا أن الآليات المعتمدة عند أرباب الجرح والتعديل الذين دققوا في الرواة ضبطا وعدالة، فضلا عن التدقيق في التاريخ والسند اتصالا وانقطاعا، قد خلصت إلى ثمرات ممثلة في استخلاص النص الديني من شوائب الوضع والافتئات وجعله أداة للاستدلال، لكن درجة النص من الظنية والقطع أو الصحة والضعف تختلف بين نص وآخر... بمعنى أن النظرة التبسيطية للنص، واختزالها في القبول القطعي لنص صحيح مستخلص بآليات الجرح والتعديل النسبية هو فيه نظر في تصورنا، إذ النص وإن قررنا صحته الظاهرة فإن ذلك لا يعني صحته في ذاته، كما قال ابن الصلاح في علوم الحديث..
يقول هاهنا في طيات قوله عن الحديث الصحيح:" ومتى قالوا:" هذا حديث صحيح، فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول. وكذلك إذا قالوا في حديث:" إنه غير صحيح" فليس ذلك قطعا بأنه كذب في نفس الأمر، إذ قد يكون صدقا في نفس الأمر، وإنما المراد به أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور."  
وكأنه يشير إلى أن الحكم بصحة حديث العدل الواحد إنما هو حكم نسبي لا يحمل على إطلاقه، ومن ثم فإن مثل هذا النص لايرتقي إلى مستوى قطعي لنص وصل درجة التواتر مبنى أو التساوق مع المقاصد الكبرى والكليات الأساسية للدين معنى...
والمقصود من حديثنا هاهنا أن ما درج عليه أئمة فن العقائد في إثبات العقائد على أسس القطع ثبوتا ودلالة راجح في تصورنا على الذين أسسوا العقائد على بساط النسبية باعتمادهم على أخبار الآحاد فوسعوا دائرة التكفير بمخالفات لنسقهم العقدي الذي ألبسوه لبوسا يقينيا.  
وقد نزعم أن إجماع أئمة الأصول كائن واقع، مقارنة مع الاختلافات السائدة في فنون عدة، وذلك لإطباقهم على قطعية النصوص المؤسسة لأصول العقائد خلافا لمن أسس صرحه العقدي على نص مختلف فيه وخاصة إذا كان مثخنا بالجراح سندا ومخالفا للأصول القرآنية والمقاصد الشرعية المعتبرة متنا، وتجدر الإشارة هنا أن حديثنا هاهنا عن القصد الشرعي إنما هو حديثنا عن قصد ظهر إلى الوجود بتتبع أفراد جزئية، واستقراء كلي لنصوص عدة قرآنا وسنة، ولم يؤسس أبدا على خبر الواحد كما قال الإمام الشاطبي :" ...ودليل ذلك استقراء الشريعة، والنظر في أدلتها الكلية والجزئية، وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة على حد الاستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة ... وما أشبه ذلك، فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليل مخصوص، ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات، والمطلقات والمقيدات، والجزئيات الخاصة، في أعيان مختلفة، ووقائع مختلفة، في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتى ألفوا أدلة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد، هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال، منقولة وغير منقولة" .
ثم إنه يفصل رحمه الله في درجة القطع للنصوص التي استندت عليها الكليات قائلا:" كون الشارع قاصدا للمحافظة على القواعد الثلاث الضرورية ، والحاجية ، والتحسينية ، لا بد عليه من دليل يستند إليه ، والمستند إليه في ذلك ، إما أن يكون دليلا ظنيا أو قطعيا ، وكونه ظنيا باطل ، مع أنه أصل من أصول الشريعة ، بل هو أصل أصولها ، وأصول الشريعة قطعية حسب ما تبين في موضعه ، فأصول أصولها أولى أن تكون قطعية ، ولو جاز إثباتها بالظن ، لكانت الشريعة مظنونة أصلا وفرعا ، وهذا باطل ، فلا بد أن تكون قطعية ، فأدلتها قطعية بلا بد."   
 
2. منهج السلف: إمرار الصفات كما جاءت دون تكييف أو تعطيل أو تشبيه، ولئلا تحمل النصوص العقدية محمل الظاهر يسوغ العلماء تأويلها بما يتوافق مع معهود العرب في خطاباتهم.
ففي التفويض، نجد الإمام أحمد حين سئل عن أحاديث الصفات قال:" نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى." رواه عنه الخلال بسند صحيح
ويقول الحافظ الترمذي في سننه:" والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا: تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف. وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الإشياء كما جاءت ويؤمن بها، ولا تفسر، ولا تتوهم، ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه."  
ونقل الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء، عن الإمام مالك في رواية الوليد بن مسلم أنه قال في أحاديث الصفات: " أُمِرُّها كما جاءت بلا تفسير."
وقال الحافظ الذهبي هناك: فقولنا في ذلك وبابه: الإقرار، والإمرار، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم." 
فالإمرار هاهنا هو منهج السلف وهو متوافق مع قوله تعالى:" وما يعلم تاويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا." 
وأما التأويل فقد درج عليه أئمة كبار لصيانة نصوص الصفات من الفهم الظاهري الذي يوهم بالتجسيم... وقد ساق الحافظ ابن كثير في " البداية والنهاية"  حديثا عن البيهقي قائلا:" روى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأول قوله تعالى:" وجاء ربك" أنه جاء ثوابه. وقال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه." 
ونقل الحافظ البيهقي في " الأسماء والصفات" عن البخاري أنه قال:" معنى الضحك: الرحمة" وقال الحافظ البيهقي:" روى الفربري عن محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى أنه قال: معنى الضحك فيه أي الحديث : الرحمة."  
وفي قوله تعالى:" يوم يكشف عن ساق." (القلم/ 42)  قال ابن عباس: يكشف عن شدة" فأول الساق بالشدة. 
 وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري  والحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره   حيث قال في صدر كلامه على هذه الآية:" قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد."
وفي قوله تعالى" والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون." قال ابن عباس : بقوة. كما في تفسير الحافظ ابن جرير الطبري   وتستعمل لفظة أيد مجازا وتؤول في عدة معان منها:" القوة " كقوله تعالى :" والسماء بنيناها بأيد أي بقوة، منها:" الإنعام والتفضل، ومنه قوله تعالى:" واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب.
وروى الحافظ ابن عبد البر في التمهيد   والحافظ الذهبي في السير   أن مالكا رحمه الله تعالى أول النزول الوارد في الحديث بنزول أمره سبحانه، وهذا نص الكلام من " السير" قال ابن عدي: حدثنا محمد بن عارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب حدثنا حبيب بن أبي حبيب حدثني مالك قال:" يتنزل ربنا تبارك وتعالى أمره، فأما هو فدائم لا يزول."  

3. الإيمان لدى السلف غير التطاحنات الفكرية العقدية. 
إن مَن دَقَّقَ النظر في تاريخ الجدال الكلامي لهذه الأمة، والصراع الفكري الذي اعترى العقيدة الإسلامية قرونا طوالا  مقارنا بين ما كان يعيشه جيل الخلافة الأولى الذين صاحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم واغترفوا من مشكاته رأسا، وبين مَن يليهم من أجيال متعاقبة  يجد فرقا شاسعا، وبونا واسعا، بين النموذجين، ذلك أن جيل الخلافة لم يجادل في هذه العقيدة أبدا، ولم يستحدث آليات التحليل العقلي ردا على الخصوم، ولم يستقدم قواعد المنطق الأرسطي إفحاما للأنداد ودحضا لحججهم، بل عاش هذا الإيمان تحقيقا، وانسكب في قلبه يقينا، وتذوق صدقا هذه العقيدة وتنسم من فيحائها وجال في رحابها  فألفيت القومَ متلفعين بمُرَط الهناء النفسي، والسعادة القلبية، والاطمئنان الروحي، والسكينة الزلال المنسكبة على تلك الأفئدة فازدادت وهجا ونورا انصبغت بها تلك الوجوه، فغدت متلألئة بسيماء الطهر والنور والوضاءة المتوهجة، فإذا رآهم الرائي ذكر الله وخشع قلبه.
إن هذا اليقين الذي باشر شغاف القوم لم يكن يوما من أيامهم لجاجا وحجاجا عقليا منحصرا في أدمغة المجادلين، وصراعا قويا بين المجادلين، بل هو تصديق وتحقيق وقَر في القلب وصدقه العمل، بل هو النعمة الكبرى التي وهبت لهذا الوجود كله، وبفقدانها ينفرط عقد نظام الكون كله، وتعتريه الفوضى والاضطراب، ولما لم تستطع الإنسانية الحائرة تلقفها والفوز بها عاشت في سديم الشقاء وظُلَم الوباء والتعاسة المظلمة، المتجلية في العض والتكالب على اللذات والانغماس في حمأة الشهوات المفضية للنزاع والشقاق والتفكك والاقتتال وصنوف الإجرام .
ورسوخ هذا الإيمان في القلب لم يكن عبثا أو هزلا، بل لَمَّا كان الإيمان فيصلا في النجاة، والسبب الحقيقي في مصير الإنسان، فإن محل إيوائه ومنزل احتضانه لابد وأن يكون أعظمَ مضغة في الجسد البشري وأخطرَها وهي القلب الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، فهو ملك الأعضاء بلا نزاع، وبه تأتمر وتنتهي، ومن تم فالفعل الظاهري إنما هو نتاج لما وقر في هذا القلب، ولن تصلح سلوكات البشر بدون النظر في علل القلب وأسباب عافيته، فكان العقلاء من بني آدم مشمرين على إصلاحه وساعين لصحته بتطهيره من أدناس الكبر، والرياء وأرجاس الهوى وغيرها من مهلكات القلوب ليكون سليما منيبا مخبتا. بل ليكون كائنا موجودا " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد "،  وعلى قدر سلامة هذه المضغة يكون الإنسان سليما وينجو قطعا من لهيب الأرق والضنك والعقد النفسية والتشييء والسفال البهيمي، بل سينتظم، إذا عوفي، مع الوجود كله خضوعا وسجودا، واستسلاما مطلقا للذات الإلهية، وعزفا لأنشودة التعبد مع الكائنات المسبحة والذرات العابدة، فيبدو الكافر عنصرا شادا في الكون، منبوذا في ركن الغضب الإلهي.
وهكذا يَزِلُّ زللا كبيرا من ظن بأن العقيدة كلمات تَمُجُّها الأشداق وتنثرها الأفواه، كما ظن الأعراب الجفاة في قولهم :" آمنا " بألسنتهم، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ". أو من اعتقد بأن الإيمان ليس سوى فكر وجدال واستدلال عقلي، ولم يُعِرْ اهتماما للقلب، أو انتقص من علماء التزكية الذين كان ديدنهم تنقيته من شوائب العلل والأسقام ليكون الإنسان إنسانا.
وقد كان الرعيل الأول عندما يتحدثون عن الإيمان يربطونه بمآلاته والأفعال التي تستتبعه، كحب الله وحب الرسول وحب آل البيت والإحسان للوالدين والجار والقريب والحيوان، لكنه لما اختلط الناس وظهر فيهم من لم يتشرب تربية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع عن تزكيته، ولم يقتنع بالأصول الستة للإيمان التي نَبَّهَ عليها المَلَك جبريل عليه السلام انبرى علماء الأمة، ودعاتها للتدليل على صحة هذه الأصول وسوق الحجج العقلية والبراهين المنطقية لنفي شبهات المغرضين وإقناع مَن في قلبه الشكوك والوساوس الناخرة لكيانه، فيعرف حقيقة الإيمان عقلا، ويَجِدَّ باحثا عن دليل به وبصحبته ينسكب الإيقان في قلبه باطنا. وهكذا ظهر علم الكلام كعلم من العلوم الإسلامية التي تنافح عن عقيدة المسلمين بصوارم اليقينيات العقلية وأسِنَّة الحجج الفكرية للإقناع وإزالة الشُّبَه الواردة على المجتمع الإسلامي، لكن علم الكلام هذا ليس هو العقيدة، وفهم جزئياته ليس بأمر لازم ضروري المعرفة لكل أفراد المسلمين، بل لم يأت بعقيدة من عنده، إنما كان الهدف من استحداثه هو الدفاع عن هذا الإيمان وأصوله بقواعد عقلية كما أشرت سلفا.

4. قيمة الحرية وشهود الأمة أصل في التصور الإسلامي.
لقد انبنى النسق الشيعي العقدي على إنه الإلزام القهري بالطاعة للأوصياء، وتساوق معه نسق الجبرية الأموية في الخضوع لأمر فرد سمي بولي أمر دون اختيار له من قبل أمة  شاهدة، ليطرح السؤال الجوهري هاهنا:" لم كان ذاك التسليم بهكذا غرباء متسلطين قرونا؟ لم انحنت الأمة دهورا لأناس لم تخترهم أصلا؟ ولم تهافت بعض العلماء وعلية القوم من النخبة والثقافة لتسويغ أمر دون الرجوع لإرادة الأمة الحرة في اختيارها؟
نعم قد تتضح لنا المسألة بجلاء حين نقفز على فترات زمنية سحيقة لنرجع إلى بداية تشكيل الدولة الإسلامية مع الرعيل الأول الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وجاهدوا لنهوض الأمة وتحرير العالم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد قوات الفرس آنذاك.
لقد فهم هؤلاء الناس أن القرآن لم يعط لأحد بعد النبي سلطة تسيير الدولة من بعده، وأدركوا أن اختيار الحاكم إنما هو رهين بهم ويدخل في نطاق إرادتهم واختيارهم، وفرقوا بين أحاديث المناقب التي تشرف أناسا وتعطيهم منازل سامقة بسبب تقواهم وأخلاقهم... وبين حق الاختيار وحرية الانتخاب لحاكم نيطت به مسؤولية التسيير الفعلي لدواليب السلطة، بل إنهم لم يلتفتوا للعلائق والوشائج والارتباطات العائلية وإن كانت متعلقة بشخص النبي صلى الله عليه وسلم... فأكبروا بعائلته وأقاربه وآله عليهم السلام واحتفظوا لهم بحق التربية وبناء الإنسان ودعوة الخلق إلى رحاب الحق سبحانه، لاسيما وإن جل أئمة آل البيت عليهم السلام كانوا ربانيين ساروا بين الناس بأنوار الزهد والتعبد ووضاءة الإحسان... نعم أعلوا من قدر هؤلاء، ولكنهم لم يسلموا القياد لهم سياسيا، بل إنهم اجتمعوا وتشاوروا واختاروا حكاما سموا بعد ذلك بالخلفاء الراشدين لأنهم مروا على بساط الاختيار ولم يقفزوا قهرا على كرسي الحكم عن طريق السيف والإجبار.
منطق الجبرية هذا سيمتد بخفاء نحو البناء المعرفي للأمة، حيث إن أغلب الصروح المعرفية سواء كانت فقهية أو أصولية أو صوفية، انزاحت نحو الشخص وفعله في التاريخ، بحيث إن الآتي لن يكون سوى تابعا أومقلدا له قهرا، وإن ارتقى إلى مستوى المجدد الأول حزما وعزما وألمعية ونباهة، فلا ترى في الأفق سوى أناس خاضعين دون اختيار منهم لتوجه (الفرد) ولا يحق لهم - في عرف المقلدة - بناء أو نسخ أو تغيير أو إعادة البناء النظري الذي أقامه الأول... ومن ثم فالتجديد المعرفي الكفيل بتوقد الطاقات وتأجيج الإرادات وتغيير مقتضيات الواقع... شَهد ضمورا عبر قرون سحيقة بسبب هدم الاختيار الذاتي للإنسان تجاه المعرفة السائدة تغييرا أو نقدا أو استبدالا، أو بسبب إنشاء جدر منظومة معرفية لا يحق له تكسير طوقها أبدا من قبل حراس المتوارث ومانعي التحديث.
لكن المعارف القهرية عند التحقيق آفلة مع الزمن، ولن تصمد مع بحوث الجادين والعدول المجددين، ولا أدل على ذلك رمي معتقدات القساوسة والرهبان جانبا بذاك السيل المعرفي الذي أنشأه العلماء الكونيون من بين فرث ودم، فطَم على وديان محاكم التفتيش وفضائعها وأتى على بنيانها المعوج من القواعد فتركه هباء عفت عنه الآثار.
وبعد  ....
 إنها قبسات نقدية في الديدن العقدي لدى الشيعة أو السلفية الجهادية، قصدنا من خلالها طرح حلول لتنعم الأمة بحريتها وينغرس الإيمان حقيقة في قلوب أفرادها وتنطلق نحو البناء وإسعاد البشرية بالحفاظ على الذات الإنسانية، حرية للاعتقاد دينا، وحفاظا على ذوات الناس عقلا وعرضا ومالا، فضلا عن بث القيم القرآنية في الآفاق كلها.
     إنه يبدو في نظرنا أنه لا فكاك لخضخاض التفرقة المحدثة من قبل نافخي كير الأفكار النسبية التي ألبسوها لبوسا عقائديا إلا بإعمال العقل المنهجي الذي يمحص النص صحة ودلالة وثبوتا وعلاقته بالكليات والمقاصد الكبرى للشريعة، فضلا عن التمييز بين نصوص الصفات أو نصوص الأحكام أو التفريق بين نصوص الحس أو نصوص الملكوت، وكذا المزايلة بين عالم الشهادة والغيب، والتفصيل في قياس الشاهد على الغائب، ثم الدخول إلى معمعان التاريخ العقائدي الذي تناغمت فيه العلمية مع الشخصنة فانزلقت فهوم متأخرين بعقائد ظهرت إلى الوجود بأسباب اجتماعية كقتل الحسين أو علمية كمحنة أحمد بن حنبل أو سياسية كأصول المعتزلة.
       وحقا إن جوهر الفعل الإصلاحي للأمة إنما هو بناء لأفرادها قيميا وعقديا، وذلك بانغراس الأصول الستة للإيمان فضلا عن انسلاك قيم الإنهاض والتغيير الذاتي في النفوس محبة وتسامحا واعتدالا وتساندا واعتضادا وتآزرا وتوحدا لأفراد الأمة الشاهدة على الأمم حضاريا، وكل ذلك هو مناقض للخلاف العقدي وتأجج النزعة الطائفية وظهور رؤوس التكفير والتبديع التي تحدث فتنا وتفييئا وتكسرا حقيقيا لوحدة الأمة وتمزعها أشتاتا...
وكذلك الأمر في حالة ما إذا توثب رجالات التجديد لتغيير الدولة وإصلاحها وبناء الأسس الإنسانية فيها.
وحيث إن الواقع يشي بعرقلة الخلاف العقدي للصرح الذي ود رجالات التجديد بناءه دولة وإنسانا، فإن الأمر يقتضي آنذاك أن تحدث في الأمة يقضة وتوثب خاصة لرجالات التجديد لضبط نسق هؤلاء الطائفيين وتصوراتهم وأدلتهم التي تهوي بالناس في أتون التعصب العقدي.
لذلك فإنه يبدو لنا بجلاء أهمية طرحنا الممتد واقعيا، فضلا عن تلك النظرة الاستشرافية لما ستؤول له الأمة فيما إذا تمدد فكر عقدي طائفي وانحبس فكر الإسعاد المقاصدي الكلي للأمة، ليكون صرح المجتمع آيلا للسقوط وهاويا إلى درك الاقتتال والاحتراب والتعصب، وهو ظاهر في الأمة حاليا كسوريا مثلا.
لا ريب أن الأمر جد يقتضي تحريكا للآليات الفكرية المنهجية الكفيلة ببناء تصور عقدي إصلاحي مبني على اليقينيات القطعية عما حرره جهابذة هذا الفن من علماء الأشاعرة أو الماتريدية أو غيرهم من الفلاسفة كابن رشد والغزالي أو جلة الفقهاء كالقاضي عياض والنووي وابن حزم وابن حجر والباجي ...فضلا عن المقاصديين أساطين الكليات وقصود الشريعة كالعز بن عبد السلام والشاطبي والطاهر بن عاشور وغيرهم....
حمى الله هذه الأمة من كل سوء ورزقها السداد والرشاد فكرا، واليقين والإحسان قلبا، وبناء دولة العدل والحريات والحقوق سياسة والحمد لله رب العالمين.

*الدكتور رضوان رشدي، دكتور الفن والجماليات من علماء دار الحديث الحسنية، المغرب

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :