ifada إفادة

ifada إفادة


الجذور العقدية للإرهاب في الفكر الإسلامي "مقتل الحسين وخلق القران" (الحلقة 2)

الأحد 22 نوفمبر 2020 - 20:06 , افادة
الجذور العقدية للإرهاب في الفكر الإسلامي مشهد تمثيلي لمقتل الحسين
الدكتور رضوان رشدي*

"في هذا البحث المركز يحاول الدكتور رضوان رشدي ملامسة الجذور العقدية الأولى للارهاب في العالم الإسلامي، عن طريق تشخيص وتفكيك بنية النص المؤسس تاريخيا للظاهرة.
 وقد تطرق للامر عبر مجموعة من المحطات التي ادلى خلالها بدلوه، مستنجدا بما راكمه من رصيد معرفي، ابان إنجازه العديد من البحوث، ترصد الخطاب الإسلامي، السياسي، والحركي الدعوي، وانتهاء بخوضه في التاريخ البعيد، المنتج للارهاب الديني في الثقافة الإسلامية."




ثانيا، جذور الخلاف العقدي تفكيكا: محنتان تاريخيتان
1: مقتل الحسين ومآلاته:
1ـ1: بسط ميسر للصرح العقدي. 

إستقراء للمصادر المعتمدة التي بنى عليها الفكر العقدي الشيعي الإمامي صرحه كأمالي الصدوق وأصول الكافي وتقريب المعارف للحلبي وغيرها... يلفي أن جل عقائدهم إنما هي مستقاة مما طرأ لآل البيت من محن، لاسيما مقتل الإمام الحسين رضي الله عنه، فكان التاريخ هاهنا سيدا على فعال الناس من بعد، وأضحت العقائد مؤسسة على فعل تاريخي محض، نُظر إليه قدرا مقدورا، وأضحت الحوادث التاريخية دينا، وارتقى الشخص إلى منزلة هي أعلى من النص القطعي، مع العلم أن البداهة تقول بأن مصدر العقائد إنما هي نصوص قطعية دلالة وثبوتا.
يقول الحافظ الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه"  في باب: القول فيما يرد به خبر الواحد، بعد أن ساق حديثا لمحمد بن عيسى بن الطباع فيه:" كل حديث جاءك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغك أن أحدا من أصحابه فعله فدعه."
وإذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رُدَّ بأُمور :
أحدها : أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه، لأنّ الشرع إنّما يَرِدُ بمجوّزات العقول وأمّا بخلاف العقول فلا.
والثاني : أن يخالف نصَّ الكتاب أو السُنَّة المتواترة فيعلم أنّه لا أصل له أو منسوخ .
والثالث : يخالف الإجماع فيستدلُّ على أنه منسوخ أو لا أصل له ... 
والرابع : أن ينفرد الواحدُ برواية ما يجب على كافّة الخلق علمه فيدلُّ 
ذلك على أنه لا أصل له لأنّه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من 
بين الخلق العظيم. 
الخامس : أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر فلا يُقْبَل 
لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية... 
ذلك أن الأسس التي انبثق منها خبر الآحاد من تدقيق نسبي في العدالة والضبط لا يوجب القطع، وهو معمول به في الأمور المتعلقة بالعمل عند العلماء إلا في باب أصول العقائد، لأن المطلوب في هذا الباب إنما هو عقد القول على الثابت الذي لا يطرأ عليه خطأ ولا وهم ... ومن نظر في قضايا الاعتقاد الأصلية وجدها قد ثبتت بأدلة قطعية الدلالة والثبوت، وهي أصول الاعتقاد وليست محتاجة لأحاديث الآحاد، وهذه هي أصل الدعوة التي كانت تصل إلى البلدان والنواحي بطريق الاستفاضة والتواتر...  
وحيث إن صاحب الشريعة إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يقر به مسلم أن الدين اكتمل في حياته، ولن يزاد فيه من قبل أي كان، وما طرأ بعد موته، لن يؤسس عقيدة أخرى مصاحبة للعقيدة الأم التي انبثقت من القرآن وسنته قولا أو فعلا أو تقريرا متواترا. 
لكن الذي طرأ إنما هو بزوغ عقائد أقرها التاريخ لا النص القرآني أو الحديث المتواتر ... ومن ثم فهناك خلل منهجي في استصحاب حوادث التاريخ كحدث مقتل الحسين رضي الله عنه لتأسيس فكر مذهب التشيع، أو إلباس البقاع لبوسا مقدسا، بحيث انتقلت (كربلاء) من مكان مغمور في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين إلى مكان مقدس تلتمس بركاته بحصياته في الصلاة لأنه المكان الذي شهد مقتل الحسين، فكان الفعل التاريخي مؤسسا لعقائد، ومصدرا من مصادرها.
وستتأجج المسألة في النسق العقدي الشيعي الإمامي حين تجعل عليا رضي الله عنه خليفة شرعيا وحيدا وأولا، ظُلم باستخلاف أبي بكر في سقيفة بني ساعدة واستخلاف عمر بعده ... وقد تتخذ مسارا تصاعديا حين تُقَيد الأمة الشاهدة على الأمم بسلسلة وراثية تدخل في إصرها وغلها اضطرارا بنصوص دينية نسبية خالية من القطعية دلالة وثبوتا. 
وحين يؤسس المرء صرحا عقديا متساوقا مع ميولاته الوجدانية، لابد وأن يستدعي نصوصا نقلية مسوغة لما يعتقده بداهة، وكأن الصرح العقدي يبدو شرعيا باستدعاء تلك النصوص واستحضارها، بل إنها الأس الحقيقي لاستمالة الآخر ودعوته لما يعتقده.
وإنني أتفق نسبيا مع بعض القواعد التي طرحها (العسكري) في معالم المدرستين حين قال:" وأما السنة التي رويت لنا سيرة وحديثا في روايات كثيرة، فإن الله لم يحفظها من التحريف، كما يتضح ذلك جليا في اختلاف الروايات النبوية التي بأيدي جميع المسلمين اليوم، ولتعارض بعضها مع بعض. وأدى الاختلاف في الحديث الشريف إلى أن يهتم بعض العلماء بمعالجته، وألفوا كتبا مثا: تأويل مختلف الحديث، وبيان مشكل الحديث، وبيان مشكل الآثار، ومن جراء اختلاف الأحاديث، اختلف المسلمون في فهم القرآن وتشتت كلمتهم أبد الدهر...
من كل ما ذكرنا يظهر جليا أن المسلمين في هذا اليوم وبعد كل ما مر على الإسلام من تيارات فكرية، بحاجة شديدة إلى دراسات مستفيضة لأقوال الفرق الإسلامية وتمحيصها ما لديها، خلافا لما يراه بعض المسلمين الغيارى الذين يرون السكوت عن كل ذلك أولى، حفظا لوحدة المسلمين." 
لكنه حين أراد أن يثبت ولاية إمامة علي وأبنائه أو وصيته، لم تكن النصوص القرآنية معتمدا خالصا صريحا لما يعتقده، مما جعل الاعتضاد لإيضاح معاني النصوص لن يكون إلا بالاستناد على الروايات الحديثية التي نظر إليها نظرة المرتاب آنفا.  
ففي ولاية علي في القرآن، يقول: نصت الأحاديث السابقة على ولاية علي على المؤمنين بعد رسول الله، وهذا بعينه ما عنته الآية الكريمة :" إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون."  
وحين وردت الولاية جمعا أحدثت استشكالا لدى المؤلف ليدخل حمى التأويل وصرف اللفظ القرآني عن ظاهره فقال :" توهم من قال ذلك، ـ أي من نفى أن التنصيص هاهنا ليس لواحد بل إنه موجه لجمع  ـ  فإن الذي لا يجوز إنما هو استعمال اللفظ المفرد وإرادة الجمع، أما العكس فجائز وشائع في المحاورات.. 
وحين أراد أن يستدل على أن (أولي الأمر) هم علي والأئمة من ولده، قال :" أثبتت الروايات المتظافرة المتواترة السابقة أن عليا هو مولى المؤمنين، وولي أمره بعد رسول الله ص، كما أنها تفسر المراد من أولي الأمر في الآية الكريمة :" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم."  
ودلت على ذلك الأحاديث الآتية: في شواهد التنزيل عن علي أنه سأل رسول الله عن الآية وقال : يا نبي الله من هم؟ قال : أنت أولهم.  
وهكذا فانتزاع نص قرآني واحد من سياقه واعتصاره وتجميع نصوص حديثية لتسويغ عقيدة، مع التسليم أن هناك نصوصا حديثية طالها الوضع والافتئات إنما هو يدل على مغمز في تلك العقيدة.
ثم إن مصطلح أهل البيت أصلا إنما هو خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم انطلاقا من سياق سورة الأحزاب في قوله تعالى:"  وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ."   
 ولا بد من الإشارة إلى ملمح هاهنا، وهو أن حديثنا عن مذهب التشيع الإمامي لم يكن الدافع فيه نقضه أو بيان تهافته، بل إن قصدنا في هذا البحث إنما هو الوصول إلى علة التكفير والتفريق والاستعلاء وما تستجلبه على الأمة من تقتيل وإرهاب واستحداث تمزع وتشظ بين أبناء الأمة الواحدة، فضلا عن التنقيب عن نصوص الإخضاع الديني للشخص بمعزل عن النصوص القرآنية المرجحة لشهادة الأمة على نفسها دون إركاع.  
من تلكم النصوص المؤسسة لذلك، ما أورده الكليني في الكافي حين تحدث عن الحجة، بحديث منسوب للحسين:" ... فقلت لهم: من قيم القرآن؟ فقالوا ابن مسعود قد كان يعلم، وعمر يعلم، قلت: كله؟ قالوا: لا، فلم أجد أحدا يقال: إنه يعرف ذلك كله إلا  عليا عليه السلام."  
ولا حرج من التزيد في القرآن بقراءة شاذة لإضافة شخص (المحدث) عن الرسول والنبي، ذلك أن الكليني حين تحدث عن الفرق بين النبي والمرسل والإمام أو المحدث، ساق نصا عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل:" وكان رسولا نبيا، ما الرسول وما النبي؟ قال: النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك، قلت: الإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث." 
ومن ثم فطريق معرفة الله عندهم إنما تُستقى من الإيمان بالله عز وجل والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والتصديق بأصول التشيع: وصية لعلي رضي الله عنه وأبنائه، ويؤكد ذلك ما سيق من حديث لأبي جعفر عليه السلام يقول فيه:" إنما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالا، قلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله عزوجل، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم وموالاة علي عليه السلام والائتمام به وبأئمة الهدى عليهم السلام والبراءة إلى الله عزوجل من عدوهم، هكذا يعرف الله عز وجل."  
ولتسويغ الوصية ونفي اختيار الأمة وجعلها متسلسلة لأبناء علي خضوعا مسيجا بالدين، ساق الصدوق في أماليه حديثا منسوبا للنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه:"إن عليا خليفة الله، وحجة الله، وأنه لإمام المسلمين، طاعته مقرونة بطاعة الله، ومعصيته مقرونة بمعصية الله، فمن جهله فقد جهلني، ومن عرفه فقد عرفني، ومن أنكر إمامته فقد أنكر نبوتي، ومن جحد إمرته فقد جحد رسالتي، ومن دفع فضله فقد تنقصني، ومن قاتله فقد قاتلني، ومن سبه فقد سبني، لأنه مني، خلق من طينتي، وهو زوج فاطمة ابنتي، وأبو ولدي الحسن والحسين، ثم قال صلى الله عليه وسلم: أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين حجج الله على خلقه، أعداؤنا أعداء الله وأولياؤنا أولياء الله." 
وحيث إن القرآن لم يتناول التنصيص على أبناء علي رضي الله عنه تصريحا أو أو تلميحا أو تلويحا فإن المعتمد إنما هو اعتصار نصوص ظنية، وسوق أحاديث مشكوك في صحتها سندا، كقول الكليني في باب ما جاء في الإثني عشر والنص عليهم." عدة من أصحابنا، ( ولست أدري من هم هؤلاء الذين هم عدته من أصحابه)... عن أحمد بن محمد البرقي عن أبي هاشم ...  ثم ساق السند إلى علي رضي الله، وفيه أن الخضر عليه السلام قد شهد على الإثني عشر بقوله:" أشهد ألا إله إلا الله ولم أزل أشهد بها وأشهد أن محمدا رسول الله ولم أزل أشهد بذلك وأشهد أنك وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقائم بحجته وأشار إلى أمير المؤمنين، ولم أشهد بها وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته وأشار إلى الحسن عليه السلام وأشهد أن الحسين بن علي وصي أخيه والقائم بحجته بعده، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين بعده، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين، وأشهد على جعفر بن محمد بأنه القائم بأمر محمد، وأشهد على موسى أنه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسى، وأشهد على علي بن محمد بأنه  القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على الحسن بن علي بأنه القائم بأمر علي بن محمد، وأشهد على رجل من ولد الحسن لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملأها عدلا كما ملئت جورا والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى وبركاته. ثم قام فمضى."  
وحيث إن قوة الاستدلال بالنص لم تحالف مؤسسي المذهب لاسيما إيراد شرعية التسلسل الوراثي، نجد السوق ينحصر في أحاديث الأئمة ذاتهم كقول ذريح قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كان أمير المؤمنين عليه السلام إماما، ثم كان الحسن عليه السلام إماما، ثم كان الحسين عليه السلام إماما، ثم كان علي بن الحسين عليه السلام إماما، ثم كان محمد بن علي إماما، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم."  
ولاشك أن الحدث التاريخي في النسق الشيعي الإمامي ملق بظلاله على التأصيل العقدي، وكأن الجبرية الكربلائية قدر محتوم على الأمة لكي ينفتح المذهب ويتأسس على المأساة، وينفسح على تقييد الأمة وإخضاعها لتوريث تعوزه النصوص المثبتة. ففي الأمالي، عن الريان بن شبيب قال: دخلت على الرضا عليه السلام، فقال: يابن شبيب، إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها صلى الله عليه وسلم، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبدا، يابن شبيب، إن كنت باكيا لشيء، فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السموات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم، فيكونون من أنصاره، وشعارهم: يا لثارات الحسين .. 
ومع تأسيس شرعية التوريث، سيقت نصوص كثيرة لفرض طاعة الأمة للأوصياء واعتبارهم حجة على الخلق وذلك بإسباغ صفات كثيرة عليهم سيقت في كتاب الحجة للكليني سأعرض بعضا منها... فهم الهداة، وهو ولاة أمر الله وخزنة علمه، وخلفاء الله عز وجل في أرضه وأبوابه التي منها يؤتى، وهم نور الله عز وجل، وأركان الأرض، وولاة الأمر، والمحسودون، والراسخون في العلم، والمصطفون والوارثون علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم، والحاملون لجميع الكتب التي نزلت من عند الله عزوجل، والجامعون حقيقة للقرآن دون غيرهم، وأنهم يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، وأنهم إذا شاؤوا أن يعلموا علموا، ويعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم، ويعلمون ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء، وأن الله عز وجل لم يُعْلم نبيه علما إلا أمره أن يعلم أمير المؤمنين وأنه كان شريكه في العلم، وأن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه، وأن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار، وأنه ليس شيء من الحق في يد الناس إلا ما خرج من عند الأئمة عليهم السلام.   
بل هم شركاء الرسل في الطاعة، كقول أبي الحسن العطار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أشرك بين الأوصياء والرسل في الطاعة."  
تلك عقائد بنيت على نصوص ظنية، وُضعت بينها وبين النصوص القرآنية على مسافات متطاولة من الاعتضاد والإسناد، فكانت زوامل أسفار تنقصها أدلة مقنعة للتسويغ والتبرير، بحيث يكون الشخص مرتفعا عن النص، وهي ثنائية لابد من أن تؤخذ بعين الاعتبار. 

1ـ2: المذهب مفاصلة:
إنني أقصد بالمفاصلة: اعتماد المذهب على التعدي في علاقته بالآخر  لا اللزوم، بحيث إنه يفرض على الأمة تبني ما أسسه من عقائد، وفي حالة الحياد أو الرفض ينعت المخالف بالكفر والحكم عليه بالردة وما يستوجب ذلك من إبعاد وتعذيب وقتل وما شاكل...
فالمذهب الشيعي عند التحقيق ميال للمفاصلة دون المواصلة، التي تقتضي الإقناع والتغيير وهي المهمة الشاقة التي نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها تزكية وتعليما دون الحكم على الآخر بالكفر أو الضلال ....
عموما هناك نصوص تتوجه للمعترض بالتكفير والشرك إذا لم يتناغم مع الطرح الشيعي، ففي كتاب الإيمان والكفر،   يقول أبو جعفر عليه السلام:" إن عليا صلوات الله عليه باب فتحه الله، من دخله كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا."
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" طاعة علي عليه السلام ذل، ومعصيته كفر بالله."
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول:" أمر الناس بمعرفتنا والرد إلينا والتسليم لنا، ثم قال: وإن صاموا وصلوا وشهدوا أن لا إله إلا الله وجعلوا في أنفسهم أن لا يردوا إلينا كانوا بذلك مشركين."
ولا ننس أن الكفر والشرك أعلى رتبة من الاتهام التي تفضي لإحلال الدم والقتل، مما يدل على المزايلة والمفاصلة الكلية وما يترتب عنهما من مفاسد التشظي والتمزيق لعرى الأمة الموحدة ...
وفي مفاصلة كلية مع الأمة ككل حين لم تقم لنجدة الحسين رضي الله عنه، تساق نصوص تأنيبية لها كحديث الرضا، فعن الريان بن شبيب قال: دخلت على الرضا عليه السلام، فقال: يابن شبيب، إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها صلى الله عليه وسلم، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبدا، يابن شبيب، إن كنت باكيا لشيء، فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السموات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم، فيكونون من أنصاره، وشعارهم: يا لثارات الحسين .. 
 وهذا التكفير يتعدى إلى سلوكات يظن صاحبها أنها يسيرة فتأخذ حمولة الكفر، كمن اعتقد في عرفه تفضيل أبي بكر الصديق على علي رضي الله عنهما، فيتوجب آنذاك وسمه بالكفر استنادا على نص منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم:" من فضل أحدا من أصحابي على علي فقد كفر."    
وعلة التكفير هاته متجذرة في تاريخ التشيع، حيث إن هناك نصوصا عدة سيقت لتكفير الصحابة، لاسيما أبي بكر وعمر رضي الله عنهما باعتبارهما ممن سبقا عليا رضي الله عنه في الولاية دون استحقاق، يقول (الحلبي) شارحا خطبة علي بعد قتل عثمان حينما قال :" وقد أهلك الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا، ومات هامان، وهلك فرعون، وقتل عثمان، ألا وإن بليتكم قد عادت كيوم بعث الله فيكم نبيكم." يقول: فكنى عن الأول بهامان، وعن الثاني بفرعون، وصرح بذكر عثمان لارتفاع التقية عنه في أمره. 
ومن تلك النصوص الداعمة للتكفير، ما نسب لعلي قوله في خطبة الوسيلة:" ولئن تقمصها دوني الأشقيان، ونازعاني فيما ليس لهما بحق وهما يعلمان، فركباها ضلالة واعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا." 
أو قوله:" والله لأخاصمن أبا بكر وعمر إلى الله تعالى، والله ليقضين لي الله عليهما." أو ما نسب لعلي بن الحسين حين سأله مولاه في بعض خلواته: إن لي عليك حقا، ألا تخبرني عن هذين الرجلين، عن أبي بكر وعمر؟ فقال: كافران، كافر من أحبهما."   
ويشتد الأمر ضراوة حين تتهم الأمة كلها بخذلان الأوصياء، فتستحق اللعنة والطرد، ويكرر اللعن هذا في الدعاء الذي يستلزم تخشعا وتمسكنا، مما يشي بالتربية على الحقد كره خير أمة أخرجت للناس. 
فمما يقال من اللعن عند زيارة قبر الحسين مثلا:"  بكم تنبت الأرض أشجارها وبكم تخرج الأشجار أثمارها، وبكم تنزل السماء قطرها، وبكم يكشف الله الكرب، وبكم ينزل الله الغيث، وبكم تسبح الأرض التى تحمل أبدانكم. لُعنت أمة قتلتكم، وأمة خالفتكم، وأمة جحدت ولايتكم، وأمة ظاهرت عليكم، وأمة شهدت ولم تنصركم، الحمد لله الذى جعل النار مأواهم وبئس الورد المورود."   
1ـ 3: رؤية تقويمية
لاشك أن الصرح العلمي للتشيع إنما بني على أنقاض أمور طرأت في تاريخ الأمة تستوجب الكشف عنها لمعالجة الخلل الذي طرأ في تلك اللحظات، ذلك أن استصحاب الدراسة التاريخية للوضع السياسي الذي عاشه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة الخلافة الراشدة، ثم كيف اعوج النظام السياسي من شورى جامعة إلى تسلط قبَلي ممتمد عن طريق عصبية الدم... إنما هو رفع لجانب من الستار الذي به نـتبـين الأسباب التاريخية للانكسار المُرِيع الذي طرأ. ولن نفهم منهاج إعادة الشهود للأمة إن بقينا نغَطِّي وجوهنا كلما ذكرت تلك الفترة التي انزوى فيها الدين إلى جزئيات فقهية وانفتح على تأسيس عقائد التاريخ، مع ضمور فقه دستوري متعلق بإقامة الدولة على الحرية السياسية والشورى والاختيار.
إننا نعتقد أن الحرية السياسية جوهر وجود الأمة وأساس كيانها ، فهي التي تختار أمرا ليغدو شرعيا، بخلاف الإكراه والإجبار والإخضاع وأعراف التسلط التي تعد خوارم لأي أمر وجه لأمة حرة، فالزمن النبوي المقضي في مكة والمدينة إنما هو لتخليص الأمة من عبادة العباد والأشياء والعصبية والدم والقرابة لتكون حرة في اختيارها ومسؤولة عن توجهها، وهو الذي كان طيلة العهد الراشدي، لكنه أتى عليها زمن استولى على الحكم فئة تحركها العصبية والقرابة وولاية الدم، ليتغير الحكم من خلافة راشدة إلى ملك عصبي، مع بيعة إجبار وإكراه... وقد أشار إلى هذا الملمح ابن خلدون كذلك حين وصف البيعة في صيرورتها الزمنية بقوله:"وكان الإكراه فيها أكثر وأغلب، و لهذا لما أفتى مالك رضي الله عنه بسقوط يمين الإكراه أنكرها الولاة عليه، ورأوها قادحةً في أيمان البيعة، ووقع ما وقع من محنة الإمام رضي الله عنه. وأما البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذيل، أطلق عليها اسم البيعة التي هي العهد على الطاعة مجازاً لما كان هذا الخضوع في التحية والتزام الآداب من لوازم الطاعة وتوابعها، وغلب فيه حتى صارت حقيقيةً عرفيةً" .  
 لذلك كانت إلزامية البيعة الصورية سواء عند أرباب الاستبداد الأموي أو الشيعي إحكاما للأمة الحرة داخل قيدها، وإمعان في إضعافها وتكريس لإذلالها وخلع لأهليتها في الاختيار وسلخ لجوهرها وتقوية لتأليه الفرد وإعلاء لراية الإجبار والإخضاع. لاسيما وإن البيعة منذ ظهورها في النسق الإسلامي كبيعة العقبة والشجرة والنساء والسقيفة وغيرها تصرف اختياري بين حاكم ومحكوم يطبعه الحب والثقة والارتباط الوجداني والقيمي بينهما. لكنه بعد الغصب وطمأنينة الاستيلاء، أصبحت البيعة سلاحا تقاد به الأمة قهرا من قبل الأغيلمة المتنفذين،  أو من قبل الذين ظنوا أنهم الأولى بها دينا وقدرا، ليصبح الإجبار الأموي أو الشيعي جوديا ترسو عليه سفن أنظمة الاستيلاء وطغيان الفرد.
يقول ابن خلدون هاهنا: "واستحكمت لأهل ذلك النصاب صبغةُ الرئاسة. ورسخ في العقائد دينُ الانقيادِ لهم والتسليمِ. وقاتل الناس معهم على أمرهم قتالَهم على العقائد الإيمانية. فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبـير عِصابة، بل كأن طاعتها كتابٌ من الله لا يُبَدَّلُ ولا يُعْلَم خلافُه. ولأمْرٍ ما يوضَع الكلامُ في الإمامة آخرَ الكلام على العقائد الإيمانية)." 
ذلك إنه حين انفرط عقد الاختيار ودخلت الأمة سنوات وعقود القهر والإجبار فإنها شهدت آنذاك استبدادا سياسيا سيفضي إلى مفاسد وفضائع تاريخية كهدم الكعبة وقتل أهل المدينة فضلا عن قتل الحسين، وما يجتلبه من تأسيس عقائد مبنية على الأحداث التاريخية ... لذلك فالمنهج الأليق في نظرنا إنما هو الوقوف عند مرحلة التأسيس هذه والتدقيق في أصول الاعوجاج التي طرأت بعد الخلافة الراشدة ومعرفة أسباب استطالة عهود الاستبداد وعقائده التاريخية.  

2: محنة الإمام أحمد ومسألة خلق القرآن:
2ـ1 البسط الموضوعي للمذهب:

قد يظن ظان أن مسألة اعتبار القرآن مخلوقا أو غير مخلوق من فضول الكلام الذي راج بين علماء الكلام داخل دهاليز السلطة لدى العباسيين، بحيث إنها لن تتعدى قدرها في التباحث الكلامي المحض، لكن الواقع في تلك اللحظات جاء كاشفا للتفريق الذي أحدثته بين علماء الأمة فضلا عن بسطائها لاسيما وإن الإكراه السلطوي زمن المأمون والمعتصم هو الذي كان رائجا، ومن نفى القول بخلق القرآن عذب وسجن وقد يلاقي الموت.  
وقد اتفقت كتب التاريخ والنحل على أن أول من قال بخلق القرآن هو ( الجعد بن درهم) ثم (جهم بن صفوان) ثم تبعهما (بشر ابن غياث المريسي)، كما ظهر ذلك من كتاب " شرح السنة" للحافظ اللالكائي، ومن كتاب " الرد على الجهمية" لابن أبي حاتم الرازي، وغيرهما.
قال الحافظ الذهبي في سنة ثمان وعشرة ومائتين :" وفيها امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن. وكتب في ذلك إلى نائبه ببغداد. وبالغ في ذلك. وقام في هذه البدعة قيام معتقد متعبد بها. فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه، وتوقف طائفة. ثم أجابوا وناظروا، فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة بذلك، وهدد على ذلك بالقتل، ولم يصب أحد من علماء العراق إلا الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فقيدا وأرسلا إلى المأمون وهو بطرسوس. فلما بلغا إلى الرقة جاءهم الفرج بموت المأمون وعهد بالخلافة إلى أخيه المعتصم. " 
وممن تزعم هذا القول " بشر المريسي الفقيه المتكلم، وكان داعية إلى القول بخلق القرآن، هلك في آخر السنة، ولم يشيعه أحد من العلماء، وحكم بكفره طائفة من الأئمة."  
وقد حقق علماء في هذه المسألة بأن فرقوا بين فعل القارئ للقرآن، والقرآن ذاته، بحيث إن أفعالنا مخلوقة كما صرح البخاري، والقرآن إنما هو كلام الله تعالى، منه خرج وإليه يعود. يقول أبو حنيفة موضحا : "ما قام بالله غير مخلوق، وما قام بالخلق مخلوق. يريد أن كلام الله باعتبار قيامه بالله صفة له كباقي صفاته في القدم، وأما ما في ألسنة التالين، وأذهان الحفاظ، والمصاحف، من الأصوات، والصور الذهنية، والنقوش فمخلوق كخلق حامليها." فاستقرت آراء أهل العلم والفهم على ذلك بعده." 
   واستمرت هذه الفتنة من بعد عهد المأمون سنة 218هـ، إلى عهد المعتصم، ثم إلى عهد الواثق، ثم إلى أول عهد المتوكل سنة 232هـ، فلما تولى المتوكل الخلافة لم يتحمس للقول بخلق القرآن، كما كان عليه أسلافه الخلفاء الثلاثة، بل  قد نهى عن القول بخلق القرآن في سنة 234هـ، وكتب بذلك إلى الآفاق، فانطفأت الفتنة التي أقلقت الدولة والناس.
ولقي العلماء والمحدثون صنوف الإرهاق طوال هذه المدة 15 سنة، "وحبس الإمام أحمد رحمه الله زمن المعتصم 28 شهرا، وخلعت يداه، وضرب بالسياط، وأوذي أشد الإيذاء، كما أوذي وعذب في هذه المحنة أيام الواثق: يوسف بن يحيى البويطي صاحب الإمام الشافعي، فقد كتب ابن أبي دؤاد قاضي الخليفة في بغداد إلى قاضي مصر أن يمتحنه، فأبى البويطي أن يقول بخلق القرآن، وقال: لئن أدخلت على الواثق لأصدقنه، ولأموتن في حديد هذا، حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، وقد حمل من مصر إلى بغداد، ومات في سجنها في حديده سنة 231 رحمه." 
2ـ2 أثر المحنة:
بعد محنة الإمام أحمد، وانطفاء نار الفتنة التي أكلت رؤوس طوائف من العلماء، اتخذت هذه المسألة طابع شنآن خاص يميز به بين القائلين بها وغير القائلين بها، وأصبحت مدعاة خلاف وشقاق عريض بين كثير من أهل العلم...
ومن أمثلة التضاد ما كان بين الإمام أحمد بن حنبل وصاحبه الحسين بن علي الكرابيسي، أحد من حمل العلم عن الإمام الشافعي صداقة وصحبة قوية، فلما وقعت المحنة فرقت بينهما، وأبدلت صداقتهما وأخوتهما الوكيدة جفوة وعداوة شديدة.
قال الحافظ ابن عبد البر في " الانتقاء" في ترجمة الكاربيسي بعد أن أثنى على علمه وإتقانه وتصانيفه:" وكانت بينه وبين أحمد بن حنبل صداقة وكيدة، فلما خالفه في القرآن، عادت تلك الصداقة عداوة، فكان كل واحد منهما يطعن على صاحبه، وذلك ان أحمد بن حنبل كان يقول: من : القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: القرآن كلام الله، ولا يقول: غير مخلوق ولا مخلوق فهو واقفي، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع.
وكان الكرابيسي، وعبد الله بن كلاب، وأبو ثور، وداود بن علي، وطبقاتهم يقولون: إن القرآن الذي تكلم الله به: صفة من صفاته، لا يجوز عليه الخلق، وإن تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له، وذلك مخلوق، وإنه حكاية عن كلام الله، وليس هو القرآن الذي تكلم الله به، وشبهوه بالحمد والشكر لله، وهو غير الله، فكما يؤجر في الحمد والشكر والتهليل والتكبير، فكذلك يؤجر في التلاوة. 
   لكن جوهر المسألة هو متهافت عند التحقيق، لأنها ليست أصلا من أصول الدين كما قال ابن قتيبة في كتابه "الاختلاف في اللفظ" بعد أن استهل مقدمته ببيان مكانة العلماء قبل المحنة وما طرأ لهم بعدها، يقول هاهنا :" لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا، ولا يتضع فيه إلا من وضعوا، ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا، إلى أن كادهم الشيطان بمسألة لم يجعلها الله تعالى أصلا في الدين ولا فرعا، في جهلها سعة، وفي العلم بها فضيلة ... فنمى شرها، وعظم شأنها، حتى فرقت جماعته، وشتت كلمتهم، ووهنت أمرهم، وأشمتت حاسديهم، وكفت عدوهم مؤنتهم بألسنتهم وعلى أيديهم، فهو دائب يضحك منهم، ويستهزئ بهم، حين رأى بعضهم يكفر بعضا، وبعضهم يلعن بعضا،... وقد بلي بالفريقين المستبصر المسترشد، يعني به: الواقف الشاك، وبإعناتهم وإغلاظهم لمن خالفهم، وإكفاره وإكفار من شك في كفره."  
 وإذا كان هذا موقفهم من الشاك المستبصر المسترشد: إكفاره وإكفار من شك في كفره، فكيف يكون موقفهم من المخالف الصريح؟ ومن هذا تعلم مدى ضراوة الخلاف في هذه المحنة، ومدى اشتداد أثره في النفوس والأحكام على المخالفين.
على أنه لابد من التذكير بمسألة جنوح البعض ضدا على ما قرر العلماء الأثبات في المسألة إلى اعتبار الحروف وأصوات القارئين وكل هذه الأشياء المحدثة قرآنا، وهو غلو حقيقة كما أشار إلى ذلك الإمام العز بن عبد السلام في فتياه بقوله:" القرآن كلام الله صفة من صفاته، قديم بقدمه، ليس بحروف ولا أصوات، ومن زعم أن الوصف القديم هو عين أصوات القارئين، وكتابة الكاتبين، فقد ألحد في الدين، وخالف إجماع المسلمين، بل إجماع العقلاء من غير أهل الدين، ولا يحل للعلماء كتمان الحق، ولا ترك البدع سارية في المسلمين، ويجب على ولاة الأمر إعانة العلماء المنزهين الموحدين، وقمع المبتدعة المشبهين المجسمين. 
بل إن هناك من ادعى مناصرة الإمام أحمد بحمل الصفات الإلهية محمل الحس، فسقط في تشبيه الذات الإلهية بغيرها من الذوات الفانية مدعين الاستواء جلوسا، وكلامه سبحانه تلفظا بصوت وأضراس ولهوات، فكان بذلك انفتاح الباب على مصراعيه لعلة عقدية مازالت ممتدة إلى الآن وهي علة التشبيه والتجسيم، يقول الحليمي في (شعب الإيمان):" وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا الباري جل ثناؤه ببعض صفات المحدثين، فمنهم من قال: إنه جوهر، ومنهم من قال: إنه جسم، ومنهم من أجاز أن يكون على العرش كما يكون الملك على سريره، ... فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شيء، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض، ولأنه إذا لم يكن جوهرا ولا عرضا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من أنها جواهر كالتآلف والتجسم وضغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث أنها أعراض كالحدوث وعدم البقاء.". 
ويؤكد على سقوط بعض الحنابلة في علة التجسيم إمام حنبلي نزيه وهو الإمام ابن الجوزي في كتابه دفع شُبه التشبيه بأكف التنزيه حيث يقول:" ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لايصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي وابن الزاغوني، فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وأضواء لوجهه هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين. وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا: يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفس. ثم يرضون العوام بقولهم: لا كما يعقل." 
والسبب في نظره أنهم :" أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ... فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت الساط:" كيف أقول ما لم يقل." فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، ثم قلتم في الأحاديث: تحمل على ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت مريم، ومن قال: استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل، فإنا به عرفنا ربنا تعالى وحكمنا عليه بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها على الظاهر قبيح.... ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم ... وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان المذهب شينا لا يغسل إلى يوم القيامة." 
ومن أمثلة السقوط في علة التجسيم ما ساقة عبد الله ابن الإمام أحمد من نصوص في كتابه السنة تحمل بذور الحشو والتجسيم. 
"وعبد الله هذا لم يرو عنه من أصحاب الأصول الستة غير النسائي، مع أنهم يروون عمن هو أصغر سنا منه، والنسائي حينما روى عنه لم يرو عنه إلا حديثين، وعبد الله بن أحمد هذا قد ورث من أبيه مكانته من قلوب الرواة إلا أنه لم تمكن من المضي على سيرة أبيه، من عدم التدخل فيما لا يعنيه، حتى ألف هذا الكتاب تحت ضغط تيار الحشوية بعد وفاة والده، وأدخل فيه بكل أسف ما يجافي دين الله، وينافي الإيمان بالله من وصف الله بما لا يجوز." 
من النصوص الظنية المسوقة في كتابه   :  
في الصفحة الخامسة :" فهل يكون الاستواء إلا بالجلوس؟"، وفي الصفحة الثمانين:" إذا جلس الرب على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد."، وفي الصفحة الواحدة والسبعين:" إنه ليقعد على الكرسي فما يفضل منه إلا قيد أربع أصابع." وفي الصفحة الخامسة والثلاثين: " رآه على الكرسي من ذهب يحمله أربعة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، في روضة خضراء دون فراش من ذهب."
وفي الصفحة الرابعة والستين:" كيف كلم الله موسى؟ قال: مشافهة: أي شفة لشفة."
وفي الصفحة الثالثة والستين" قالت بنو إسرائيل لموسى:" بماذا شبهت صوت ربك ـ حين كلمك ـ من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته بصوت الرعد حين لا يرجع." 
وفي الصفحة الثانية والأربعين بعد المائة:" إن الرحمن ليثقل على حملة العرش من أول النهار إذا قام المشركون، حتى إذا قام المسبحون خفف عن حملة العرش."
وفي الصفحة الموالية:" السماء منفطر به، قال: مثقلة به ممتلئة به." 
وفي الصفحة السابعة والستين:" كتب الله التوراة لموسى بيده، وهو مسند ظهره إلى الصخرة، في الألواح من در يسمع صريف القلم ليس بينه وبينه إلا الحجاب."
وفي الصفحة الثامنة والستين:" إن الله لم يمس بيده إلا آدم خلقه بيده، والجنة والتوراة كتبها بيده، ودملج الله لؤلؤة بيده فغرس قضيبا فقال امتدي حتى أرضى وأخرجي ما فيك بإذني، فأخرجت الأنهار والثمار." وفي الصفحة التاسعة والأربعين بعد المائة:" أبدى عن بعضه." وفي الصفحة الرابعة والستين بعد المائة:" ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء."و" حتى يضع يديه في يده." وفي الخامسة والستين بعد المائة : "يمس بعضه" و"خذ يحقوى" وفي الصفحة السابعة والستين بعد المائة : " حتى يضع بعضه على بعض" و" حتى يأخذ بقدمه."
وفي الصفحة التاسعة والأربعين بعد المائة :" أوحى الله إلى الجبال: إني نازل على جبل منك، فتطاولت الجبال، وتواضع طور سيناء وقال: إن قدر لي شيء فسيأتيني، فأوحى الله إني نازل عليك لتواضعك ورضاك بقدري."
وفي الصفحة التاسعة والستين:" أن بورك من في النار، قال : الله، ومن حولها: الملائكة."
في الصفحة السابعة والسبعين بعد المائة :" ينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي... فيتمثل الرب فيأتيهم، والرب أمامهم حتى يمر." 
لكننا يجب أن نشير إلى معنى قوله تعالى :"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام"  أنه تعالى يأتيهم بعذاب في ظلل الغمام الذي ينتظرون منه الخير، ومثله قوله تعالى:" فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتم به : ريح فيها عذاب أليم." 
وخلافا للتوجه الشيعي الذي سلم به جمهرة الشيعة كلهم وأيقنوا بنصوصه الظنية إيقانا تاما واستسلموا لسطوة النصوص التي لا تعضدها الآيات القرآنية، وجدنا علماء ينتقدون ما ذهب إليه غلاة الحنابلة من الحشو والتجسيم، ففي كتاب دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الجليل الإمام أحمد لتقي الدين أبي بكر الحصني الدمشقي، نجده يضع قواعد في فهم نصوص الصفات خلافا لما دأب عليه المشبهة كقوله مثلا في قوله تعالى:" وجاء ربك."  قال القاضي أبو يعلى، قال الإمام أحمد: المراد به قدرته وأمره وقد بينه في قوله تعالى:" أو ياتي أمر ربك." يشير إلى حمل المطلق على المقيد وهو كثير في القرآن والسنة والإجماع، وفي كلام علماء الأمة لا يجوز عليه الانتقال سبحانه وتعالى. ومثله حديث النزول وممن صرح بذلك الإمام الأوزاعي والإمام مالك لأن الانتقال والحركة من صفات الحدث والله عزوجل قد نزه نفسه عن ذلك .
ومن ذلك قوله تعالى ( على العرش استوى) فإذا سأل العامي عن ذلك فيقال له : الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة... وإنما أجاب الإمام ربيعة بذلك وتبعه تلميذه مالك لأن الاستواء الذي يفهمه العوام من صفات الحدث وهو سبحانه تعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى:" ليس كمثله شيء.
وإنما قيل السؤال بدعة لأن كثيرا ممن ينسب إلى الفقه والعلم لا يدركون الغوامض في غير المتشابه فكيف بالمتشابه." 
ثم هو يحدد معنى قوله تعالى :" قل هو الله أحد." لنفي ما ذهبوا إليه من المشابهة والحشو بقوله:" قل هو الله أحد: لما فيها من نفي الجنسية والبعضية وغير ذلك مما فيه مبالغة في تنزيهه سبحانه وتعالى، وكان الإمام أحمد رضي الله عنه يقول: أَمِرُّوا الأحاديث كما جاءت، وعلى ما قال جرى كبار أصحابه كإبراهيم الحربي وأبي داود والأثرم ومن كبار أتباعه أبو الحسين المنادي وكان من النحققين وكذلك أبو الحسن التميمي ... وغيرهم من أساطين الأئمة في مذهب الإمام أحمد وجروا على ما قاله في حالة العافية وفي حالة الابتلاء. فقال تحت السياط: فكيف أقول ما لم قل، وقال في آية الاستواء هو كما أراد، فمن قال عنه أنه قال في الاستواء أنه من صفات الذات أو صفات الفعل أو أنه قال إن ظاهره مراد فقد افترى عليه وحسيبه الله تعالى فيما نسب إليه مما فيه إلحاقة عز وجل بخلقه." 
و لاننس أن المنهج المسلوك هاهنا من قبل الأمة كلها إنما هو حمل الصفات على محمل التأويل أو الإمرار والتفويض دون الغوص في الكيف، لاسيما وإن قياس الشاهد على الغائب قياس خاطئ. 
2ـ3 المذهب مفاصلة:
هناك عدة نصوص وردت في كتاب السنة لابن الإمام أحمد بن حنبل تسم المخالف بالكفر في حالة ما إذا اعتقد اعتقادا مخالفا لما دأب عليه المشبهة، بل إن النصوص تنضح باتهام المعترض بأشنع الأوصاف ومحاكمته بالقتل، مع العلم أن مسألة خلق القرآن لم تعضد بنصوص في القرآن، ولم يرد فيها حكم في كتاب الله. وخوفا من التطويل سأسوق بعضا من نصوص المفاصلة لمعرفة مفاسد الاختلاف العقدي وما يجلبه على الأمة من تمزيق.
يقول هاهنا: " حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا زهير بن نعيم السجستاني البابي ثقة، سمعت سلام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار لا يصلى خلفهم." 
حدثني أحمد بن سعيد أبو جعفر الدرامي، سمعت أبي سمعت خارجة يقول: الجهمية كفار بلغوا نساءهم أنهم طوالق، وأنهن لا يحللن لأزواجهن، لا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، ثم تلا(طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى) إلى قوله:( الرحمن على العرش استوى) فهل يكون الاستواء إلا بجلوس. 
سفيان بن عيينة، قال: من قال القرآن مخلوق كان يحتاج أن يصلب على ذباب يعني جبل.
قيل لوكيع في ذبائح الجهمية قال: لا تؤكل هم مرتدون.
"سألت معتمر بن سليمان فقلت يا أبا محمد : إمام لقوم يقول القرآن مخلوق أصلي خلفه، قال ينبغي أن تضرب عنقه. 
عبد الرحمن بن مهدي : أنا لا أرى أن أستتيب الجهمية.
وعنه: لو كان لي من الأمر شيء لقمت على الجسر فلا يمر بي أحد من الجهمية إلا سألته عن القرآن فإن قال مخلوق ضربت رأسه ورميت به في الماء." 
"عن المسعودي القاضي سمعت هارون يقول: بلغني أن بشرا المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني به إلا قتلته قتلة ما قتلتها أحدا قط." 
تلك نصوص تجعل متبعي المذهب لا يؤمنون بتقبل المخالف لهم عقديا إذ يكفي أن يؤاخذ الفرد بشبهة " يزعم" حتى تقام المحاكم في حقه وتنصب المقاصل لقتله، وهو إرهاب حقيقي استشرى مع التوجه الجهادي الذي يتناغم مع أصول التشبيه والتجسيم.
والواقع يدل على سهولة الحكم على الناس بالردة والتكفير من قبل (السلفية الجهادية) والإبداع في التمثيل بالجثث وإحراقها باستدعاء فتاوى النسق الحنبلي التاريخاني، مما يستلزم من قبلنا التأكيد على صحة طرحنا في التوجه إلى عقائد التاريخ والنحث فيها عموديا لبيان اهتزازها وتهالكها لاسيما وهي مناقضة لما عليه جمهرة المسلمين من صفاء عقدي مرتبط بأصول إيمانية مرتبطة بعمل صالح مستتبع.


*الدكتور رضوان رشدي، دكتور الفن والجماليات من علماء دار الحديث الحسنية، المغرب

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

دعاء برداد

الأحد 22 نوفمبر 2020 - 20:54

????

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :