ifada إفادة

ifada إفادة


سياسة التدبير الجهوي، "من الجهوية الناشئة الى الجهوية المتطورة

الإثنين 14 ديسمبر 2020 - 13:22 , افادة
 سياسة التدبير الجهوي، الملك يترأس بأكادير حفل إطلاق التنزيل الجهوي لمخطط التسريع الصناعي
الدكتور عبد النبي ضريف استاذ جامعي بكلية الحقوق- سلا

يحظى ورش الجهوية اليوم باهتمام جميع الفاعلين، فالسلطات العمومية تراهن على مسألة إعادة النظر في التقسيم الجهوي واختصاصات الجهة، وعلاقتها بالسلطة المركزية، وباقي الجماعات المحلية " الجماعات الترابية" كسبيل لمعالجة الاختلالات الجهوية، ومحو إشكالية المغرب النافع وغير النافع، التي خلفتها السلطات الاستعمارية، فلا أحد يمكنه أن ينكر بأن الدولة قامت بالعديد من المبادرات و المجهودات لحل هذا الإشكال، الذي يشل العديد من المناطق والجهات بالمملكة، كان بإمكانها أن تلعب دورا رياديا على مستوى مسلسل التنمية الشمولية، الذي انخرطت فيه المملكة منذ رحيل السلطات الامبريالية. وتبقى أهم المبادرات هي التقسيم الجهوي لسنة 1971، وإصدار الميثاق الجماعي لسنة 1971 ، والتقسيم الجهوي 1997.
التساؤل الذي يطرح الآن هو: هل السلطات العمومية اعترفت بحدود السياسات السابقة  المتبناة في هذا المجال؟ وفتحها لهذا الورش من جديد، هل هو رغبة أكيدة لقطع الصلة مع الماضي؟  وإذا ما سلمنا بهذا الطرح، فما هي الإستراتيجية الجديدة المتبناة من طرف السلطات العمومية لقطع الصلة مع الماضي؟ و ما هي الحلول المقترحة للتوقيع على سياسة جهوية بإمكانها حل كل المشاكل العالقة؟. خصوصا و أن المملكة لها مجموعة من الرهانات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، يتطلب تحقيقها جعل جميع الجهات ذات فعالية،وهذا لن يتم إلا بتوفير شروط التنمية المستدامة لجميع جهات المعمور،لأن التجربة أكدت على أن التنمية تنطلق من الأسفل إلى الأعلى، فالجماعات المحلية يمكنها أن تكون رافعة متميزة للتنمية المستدامة إذا ما توفرت لها الشروط الضرورية.
وهذا ما يتطلب إعادة النظر في السياسات العمومية المتبناة في هذا المجال، مثلا فالإفـراط في الوصاية، وعدم تصحيح منظومة اللاتمركز، وعدم إعطاء سلطات حقيقية للمجلس الجهوي، وغياب تقطيع جهوي يراعي خصوصيات كل منطقة على حدى ويعطيها حقها من التنمية، كل هذه المسائل إذا لم تتخذ بعين الاعتبار فسوف لن نتخطى المشاكل العالقة  .
و كسبيل للإحاطة بكل جوانب الإشكال المطروح سنتطرق للموضوع حسب التقسيم التالي :
I                      –كرونولوجيا السياسة الجهوية بالمغرب.
II                     -مؤشرات حدود السياسة الجهوية.
III                     -السياسة الجهوية اليوم.

I. كـــرونــولــوجــيــا الســيــاســة الــجــهــويــة بــالــمــغــرب.
يكاد يجمع جل الباحثين على أن المشاكل التي مازالت يعرفها التقسيم الجهوي الآن  يلعب التاريخ دورا كبيرا فيها، ذلك إن السلطات الامبريالية هي التي أسست لهذا التقسيم الذي شطر المغرب إلى مغرب نافع ومغرب غير نافع، لذا فاعتمادنا  للمنهج التاريخي هو تأكيد منا على المقاربة التاريخية لهذا الحدث أو لهذه السياسة التصحيحية التي تسارع السلطات العمومية إلى إعادة مأسستها، كما أن هذه السياسة تتجاذبها العديد من الإكراهات والرهانات أهمها الحراك الاجتماعي التي تعرفه المنطقة العربية الآن، وإكراهات الأزمة المالية ورهان العضوية في مجلس التعاون الخليجي، والظرفية السياسة التي تعرفها المملكة الآن، حيت ستعرف العديد من الإصلاحات ينتظر أن يفصح عنها الدستور في الشهور القادمة.

1) الإطار التاريخي للسياسة الجهوية
من الطبيعي أن يحتدم النقاش بين الباحثين حول وجود تقسيم جهوي قبل الحماية، إلا أن الأكيد هو أن دولة المخزن كانت تعرف تقسيما وليس بالصورة الحالية للجهوية، بل كان  التقسيم على أساس قبلي جغرافي، فكان هم سلطات المخزن هو إدارة تنظيم الدولة الشاسعة، لدرجة أن هناك من قسم المغرب إلى بلاد السيبة   وبلاد المخزن، إلا أن هذا التقسيم  تم تجاوزه في الكثير من الأحيان بسبب استرجاع سلطات المخزن لهذه المناطق من حين لآخر.
فالتقسيم الجهوي لم تظهر أولى بوادره إلا في عهد الحماية، حيث عملت السلطات الامبريالية على تقسيم المغرب إلى مناطق مدنية وعسكرية، فكان هذا التقسيم يخلو من إطار قانوني للجهة، حيث غاب التأطير اللامركزي للبلاد، فكان الهدف الأسمى هو ضبط المجال وتسهيل مراقبته من طرف الإقامة العامة، حتى يتسنى للسلطات الاستعمارية مد سيطرتها على جميع  أنحاء المعمور، وتسهيل تحويل ثرواتها إلى الدولة المركز. فالجهوية في عهد الحماية كانت ذات اعتبارات عسكرية وأمنية بالأساس، حيث عمل المستعمر على طمس روح النظام المحلي الجهوي الذي عرفه المغرب، وحلت أنظمة إدارية جديدة مستمدة من النظام الفرنسي، محل أساليب وهياكل الإدارة التقليدية للإمبراطورية الشريفة   .
بعـد رحيل سلطات الحماية، كان رهان السلطـات العمومية هو تحقيق الاستقلال  الاقتصادي، وتصحيح البنية التحتية الهشة، ومحو الفوارق الجهوية التي تركتها فرنسا. فتعويض الإدارة الفرنسية الذي  اتسم رحيلها بالسرعة، وضع أصحاب القرار في المغرب في محك، تطلب منهم إرساء  بنيات إدارية يمكنها تؤكد للدولة هويتها، و التي حاول الاستعمار طمسها، وبالتالي التأسيس لتنمية شمولية بإمكانها أن ترجع للمغرب توازنه الذي عصفت به الإمبريالية.
وعلما من الدولة أنه لن تتأت هذه التنمية إلا بمشاركة الجماعات المحلية، بدأت تدريجيا في إعطاء صلاحيات للجماعة والإقليم  ، وكان دستور 1962 هو المؤطر لهذه  الصلاحيات حيث أسس لإشراك الجماعات المحلية في  تدبير شؤون السكان، ورفع بذلك اللامركزية إلى مستوى القانون الدستوري.
ورغم إعتماد الإطار الإقليمي كوسيلة للتخفيف من حدة الفوارق بين مختلف الجهات، فإن هذا الإطار أثبت عجزه  عن مواجهة هذه الفوارق التي استمرت مع بداية الاستقلال، ولم يستطع تحقيق الهدف المرجو من التنمية الجهوية، وذلك بسبب ضيق اختصاصاته الاقتصادية والاجتماعية، وضعف الإمكانيات الموضوعة تحت تصرفه، وسلطة الوصاية القوية المفروضة عليه، ولكونه وضع تبعا لأهداف سياسية وإدارية بقصد ضمان تأطير جيد للسكان .
وأمام هذا الوضع، يمكن القول أن سياسة اللامركزية  عرفت فشلا ذريعا ، بسبب عدم   قدرتها على تصحيح الاختلالات التي خلفها المستعمر، وعجز تنظيمها الإداري على رسم سياسة تنموية واضحة، فكانت الحاجة ماسة للتفكير في تبني سياسة المخططات ضمن إطار جهوي، عقدت عليه كل الآمال لحل المشاكل العالقة، خصوصا وأن المملكة عرفت فترات سياسية حرجة، انطلاقا من حالة الاسثتناء ومرورا بأحداث الصخيرات.

2) الظرفية المصاحبة للتحضير لمشروع الجهوية
يأتي الورش الجهوية داخل مناخ تتجاذبه العديد من التحولات، يبقى الأهم فيها الحراك الاجتماعي والسياسي الذي تعرفه المنطقة العربية، إثر بروز حركات جارفة عصفت  بنظامين من أهم الأنظمة العربية، وهما النظامين المصري والتونسي، ومازالت في طريقها  إلى إسقاط أنظمة كانت حتى الأمس القريب يصعب حتى التفكير فيما آلت إليه الآن، ويكاد يجمع الكثير على أن هذه الانتفاضات سببها بالدرجة الأولى التهميش والإقصاء الذي تعاني منه فئات عريضة من المجتمع، وإذا استثنينا المغرب من هذه التحولات سنكون قد دخلنا في مغالطة الواقع و التاريخ، فبروز حركة 20 فبراير لخير دليل على أن المملكة المغربية هي الأخرى لها مشاكل قد تتشابه –ولو ليس بنفس الحدة- وتختلف مع الدول التي تعرف هذا الحراك، إلا أن ما ميز هذه الحركة القائمة لحد الساعة بالمغرب، هو مسيرتها السلمية ومطالبها المشروعة التي تنادي بسياسة تصحيحية، مفادها محاسبة رموز الفساد وتبني سياسة واضحة في تدبير المال العام. ولن نبالغ إذا قلنا بأن الورش الجهوية اليوم هو من الرهانات التي تعقد عليها السلطات العمومية كل الآمال لحل العديد من المشاكل العالقة، والتي أتت في صلب مطالب حركة التغيير، كالتهميش والإقصاء وعدم تكافؤ الفرص في استغلال الثروات الوطنية، فهذه المطالب هي من ضمن أهداف السياسة الجهوية في حلتها الجديدة، ولن نبالغ إذا قلنا بأن المغرب بإعادة فتحه لورش الجهوية قبل ظهور الحراك الاجتماعي والسياسي، يكون قد أصاب الهدف وكأنه تنبأ لهذه التحولات الجذرية التي تعرفها المنطقة  العربية. فالسياسة الجهوية كما كان قد أعلن عنها الملك محمد السادس في خطاب 3يناير 2010 جاءت كإجابة متقدمة و شاملة للعديد من المطالب لحركة 20 فبراير، وبهذا  فالمغرب يراهن على السياسة الجهوية لتحقيق التنمية الشمولية، على أسس تشاركية بين المركز والمحيط، خصوصا و أن الأزمة المالية العالمية الآن تتطلب من جميع الاقتصاديات تبني طرقا في التدبير تتماشى مع الإكراهات التي تعرفها جميع الدول حتى المتقدمة منها، لذا فحسن التدبير وحماية المال العام من الاختلاس، والاستعمال الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية، وتمتين  طرق مراقبة المال العام، والتأهيل الاجتماعين ومعالجة التفاوت  الجهوي، من أهم الحلول التي بإمكانها تحقيق التأهيل الشمولي، خصوصا وأن المغرب مقبل على العضوية في مجلس التعاون الخليجي ، وهذا ما يتطلب منه أن يكون في مستوى هذه الاقتصاديات القوية، فالسلطات العمومية يجب أن تعمل جاهدة على أن يكون المغرب قيمة مضافة لهذه المنظومة، حتى لا ينظر إليه كعبء عليها، فالمملكة لها من المقومات ما يجعلها أن تلعب دورا محوريا داخل هذه المجموعة، فالمغرب الغني بالكوادر العليا، من أطباء ومهندسين عمالة متخصصة، بالإضافة إلى مؤهلاته الطبيعية، و كثافته السكانية، بإمكانه أن يساعد هذه الدول على النمو الاقتصادي، وذلك عن طريق تطعيمها بالكوادر، كما أن المغرب الآن يفتح العديد من الأوراش ( الطرق، الموانئ، استثمارات فلاحية......)، والتي بإمكانها أن تجلب المستثمرين، وتساعدتهم على تصريف مدخراتهم المالية، خصوصا أن المملكة أظهرت للعالمين الاستقرار السياسي والأمني. كل هذه المقومات إذا ما تمت المراهنة عليها أثناء توقيع اتفاقية الانضمام، ستعمل على إعطاء المغرب مكانة مرموقة داخل هذه المجموعة، حيث أن المغرب في حاجة ماسة إلى تكتل إقليمي يساعده على تنمية مجهوداته في المجال الاقتصادي والاجتماعي، بعدما  ضاق درعا من التشتت الذي يعرفه المغرب العربي من جراء سياسة الجزائر التوسعية، فيمكن لمجلس التعاون الخليجي أن يكون خير بديل للمغرب عن المغرب العربي، نظرا لما تتوفر عليه هذه الدول من فوائض مالية، وبنية تحتية وسوق كبيرة لتصريف المنتجات، وسوق شغل كبيرة وقادرة على امتصاص عدد كبير من العمالة.
وعلى المستوى السياسي يراهن على الجهوية لضخ دماء جديدة في شرايين المشاركة السياسية، التي سجلت أضعف نسبة في تاريخ المغرب بسبب العزوف عن صناديق الاقتراع، فالجهوية في حلتها الجديدة قد ترجع المواطنين -خصوصا الشباب- لتغذية الجسم الانتخابي، وبالتالي إفراز نخبة سياسية جديدة بعيدة كل البعد عن تلك التي كانت السبب في ابتعاد الشباب عن صناديق الاقتراع، ويمكن القول أن الخطاب الملكي لـ9 مارس 2011 ، جاء كمحفز لهذه المشاركة السياسية، وذلك من خلال التنازلات التي عرضتها أعلى سلطة في البلاد، ويبقى أهمها انتخاب الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية، والذي يبقى لها القول والفصل في اختيار التشكيلة الحكومية، كما أن التأكيد على استقلال القضاء والمحاسبة من شأنه أن يعيد الدفء للحياة السياسية، وعلى  هذا المنحى، فإن ما ستسفر عنه التعديلات الدستورية هو الكفيل بإنجاح مسلسل الانتقال الديمقراطي، ودعم المشاركة السياسية، وتفعيل الأداء الحكومي والبرلماني، الذي تعرض لانتقادات شديدة اتهم من  خلالها بضعف المردودية،  وعدم قدرته على بلورة مطالب طبقة عريضة من المجتمع.

II. مــؤشــرات حـــدود الســيــاســة الــجــهــويـة
لا أحد يمكنه أن ينكر المجهودات التي قامت بها الدولة لإنجاح سياسة اللامركزية،إلا أن طراوة الدولة التي خرجت منهوكة القوى من الاستعمار،بالإضافة إلى تبني  المقاربة الأمنية في تدبير الشأن العام، والفرق الشاسع بين الجهات، والذي كان يتطلب نفقات الاستثمار كبيرة، استحال توفيرها بسبب انهيار أسعار الفوسفاط في الأسواق العالمية وارتفاع أسعار البترول من جراء الحرب العربية الإسرائيلية، وحرب الصحراء، كلها عوامل حالت دون تصحيح الاختلالات الجهوية.

1) الحلول المتبناة  لإنجاح السياسة اللامركزية
اتسمت المرحلة السالفة بالاعتماد على التنظيم الإقليمي والجماعي، كسبيل لفرض سلطة الدولة المستقلة إداريا وسياسيا، بحيث اعتبر التقسيم الإقليمي من أهم التقسيمات الإدارية للدولة، وأمام فشل هذه السياسة في تحقيق الأهداف المرسومة، اهتمت الدولة المستقلة بالمجال الجهوي، بعدما اتضح لها خطورة الفوارق و التفاوتات الجهوية، وعجز الإطار الإقليمي عن مواجهتها، وبسبب الاختلاف في بناء حجم الأقاليم وعدم تساويها من حيث عدد السكان، و الموارد الطبيعية،أصبحت الجهة هي الوسيلة الملائمة كاختيار لإعداد التراب الوطني والتنمية الجهوية، إذ بدأ الاشتغال بهذه التقنية في التدبير، من خلال المخططات التنموية الاقتصادية والاجتماعية، لذلك برزت فكرة الجهة كبعد مجالي لعمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك في إطار  مخطط 68-1972 ، وهذا لا يعني أن هذه الفكرة كانت غائبة في المخططات السابقة، بل سبق لكل من مخطط 60-1964 ومخطط 65-1967  أن مهدا لهذه الفكرة، وذلك من أجل تهييء الظروف الملائمة لوضع مخطط 68-1972 ، الذي يعتبر خطوة هامة في المسار الجهوي  ، وقد لاحظ واضعو هذا المخطط أن أهم العراقيل التي حالت دون تحقيق أهداف المخططات السابقة، هي عدم المعرفة بالحقائق المحلية، وبالتالي ضرورة إقحام البعد المجالي لعمليات التنمية في المخططات .
وبهذا صدر ظهير بشأن إحداث سبعة جهات اقتصادية بالمملكة  ، والذي عرف الجهة بأنها فضاء جغرافي للتفكير والمبادرة الاقتصادية لتدعيم تخطيط مركزي، حيث نصت المادة الثانية من الظهير المشار إليه أعلاه إلى أنه: " تعتبر الجهة إطار للمبادرة الاقتصادية تنجز فيه دراسات وتنفذ فيه برامج تهدف إلى تنمية منسجمة ومتوازنة بجميع مناطق المملكة"، إلا أن هذا الظهير لم يعط  لمجلس الجهة إلا اختصاصات استشارية إلى جانب الحكومة، وذلك بمقتضى المادة الخامسة من نفس الظهير.
والجهة المسؤولة حسب الظهير المشار إليه أعلاه، ليست بجماعة محلية ولا بوحدة ترابية، الأمر الذي جعل الأسس القانونية يلفها غموض قانوني، وهذا ما أسفر عن غياب إطار قانوني للجهة، وبالتالي عدم فعالية الأجهزة والمؤسسات التي نظمها هذا الظهير، كما أن التقسيم الجهوي المنصوص عليه داخل هذا  الظهير، لم يفلح في تجاوز الفوارق بين مختلف الجهات والمناطق الاقتصادية، حيث ظلت هذه الأخيرة بعيدة عن تجميع الأنشطة الاقتصادية الجهوية والخدمات العمومية الضرورية لحياة السكان، كتوفرها على مصالح اقتصادية واجتماعية وثقافية، وكذلك البنيات والتجهيزات الضرورية، وحتى إن وجدت فإن تنظيمها يأخذ أبعادا إدارية لا تساير التقسيم الجهوي، بل إن الطابع الإقليمي كان هو السائد على كل التنظيمات الإدارية المحلية .
وكسبيل لدعم اللامركزية تم إصدار الميثاق الجماعي الذي صدر بشأنه الظهير الشريف رقم 584-76-1 بتاريخ 30 شتنبر 1976 ، والذي أحدث تغييرا في سلوك الدولة والجماعات المحلية فيما يخص التدخل الاقتصادي، إذ عمل على إعادة  توزيع الأدوار بين الإدارة المركزية والهياكل المحلية من منظور التكاملية والشراكة، وتوج الجماعة كفاعل اقتصادي، وفي هذا الإطار نصت المادة 30 من نفس الظهير على أن الجماعة " تقرر الإجراءات التي يجب اتخاذها لضمان تنمية كلية اقتصادية واجتماعية وثقافية" . 
ويمكن القول بأن الانطلاقة الحقيقية للسياسة الجهوية بالمغرب، اتضحت معالمها منذ 1984، حيث أعلنت أعلى سلطة في البلاد أنذاك منظورا للصرح الجهوي الجديد، حيث أصبح الهدف الأسمى هو جعل الجهة فضاءا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما ظهر من خلال الخطاب الملكي ل 24 أكتوبر 1984 بمدينة فاس أمام المجلس الاستشاري للجهة الوسطى الشمالية، والذي أسس للحوار حول إعادة النظر في الدور الاقتصادي للجهة، والرسالة الملكية الموجهة للوزير الأول المتضمنة لتوجيهات مخطط المسار ل 1992-،1988، والتي أتت بتعريف من خلال التخطيط الجهوي للمهام الجديدة للجهة، وهي المساهمة في التنمية الاقتصادية.
إلا أن التحول الكبير الذي عرفته السياسة الجهوية بالمغرب هي رفع الجهة إلى جهة محلية منصوص عليها في دستور 1992، حيث نص الفصل 94 على أن الجماعات المحلية هي الجهات و العمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية، وهكذا أضحت الجهة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلاليين المالي والإداري كباقي الجماعات الأخرى. وقد سار على هذا النهج دستور 1996 الذي دعم بدوره الركائز الدستورية للجهة، وفي هذا السياق صدر قانون 96-47 المنظم للجهات والصادر بمقتضى الظهير الشريف 2 أبريل 1997، حيث أكد على أن الجهة أصبحت وحدة ترابية لامركزية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلال المالي والإداري، عبر إعطاء الحرية للخصوصيات المحلية و الجهوية في التعبير عن نفسها في كل ما يفيد تنمية الجهة، وكذا تنمية الوطن .
ولا شك أن القانون المنظم للجهات خول للجهة اختصاصات متعددة تهم كل القطاعات، و تسمح لها بالاضطلاع بدورها المتعدد المشارب في مختلف المجلات التنموية ،كما خول لها أجهزة منتخبة لها الصلاحية الكاملة للنهوض بالشأن المحلي وتقريب الإدارة من المواطنين، والتخفيف من أضرار الروتين الإداري، كما تهدف الجهة كتنظيم توفير مجال للتنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وخلق مجال للتضامن، في إطار مجموعة مندمجة تسعى إلى تكامل مكوناتها، والعمل على استثمار الصلاحيات المخولة إليها، والإمكانات الموضوعة رهن إشارتها  ، وبهذا أنيطت بالجهة مجموعة من الاختصاصات كان الهدف منها دعم مسلسل اللامركزية وتصحيح الاختلالات الجهوية، إلا أن النتائج المنتظرة لم تكن في مستوى تطلعات أصحاب القرار، وهذا ما يجبرنا على طرح التساؤل التالي: هل يكفي تعديل المنظومة القانونية لإنجاح  السياسات العمومية؟.

2) مؤشرات حدود السياسة الجهوية :
كما ذكرنا سابقا، فرغم المجهودات التي قامت بها الدولة لمحو آثار السلطات الاستعمارية، وآثارها الوخيمة على جهات المعمور، فإن كل المبادرات المتبناة لم تصل إلى الهدف المنشود، وكانت هذه  السياسة ظاهرة على كل المستويات.
أ‌- غياب النصوص التطبيقية لقانون الجهة:
ما ميز قانون الجهة 96-47 هو عدم صدور نصوصه التطبيقية، مما جعل هذه السياسة في حلتها الجديدة يكتنفها الغموض وتداخل الاختصاصات، ومن هذه  النصوص الذي كان بإمكانها أن تعطي شحنة قوية، نجد النصوص المتعلقة بالموظفين الجهويين، والنص المتعلق بإحداث صندوق الموازنة والتنمية الجهوية، وتعديل النصوص المتعلقة ببعض المؤسسات ذات الطابع الجهوي، التي ينبغي أن تكون الجهة ممثلة فيها كالمجالس المكلفة بالبيئة والثقافة والغابات ووكالات الأحواض المائية والهيئات المكلفة بالتعمير والجامعات والمعاهد العليا وغيرها، وإصدار النصوص التكميلية والتوضيحية في مجال الاختصاصات بين الجهة والدولة وبين الجهة والجماعات الأخرى.
وقد حاول دستور 1996 إدماج الجهة في المجال السياسي بواسطة نظام التمثيلية، مثلها مثل الأحزاب السياسية والنقابات والغرف المهنية، وذلك في إطار مجلس المستشارين كمؤسسة دستورية تمارس السيادة بصفة غير مباشرة وفقا للفصل الثاني من الدستور. ورغم الضمانات التي أوردها المشرع لفائدة المؤسسة الجهوية، فإنه لم يمنح لها أية ضمانة فيما يتعلق بالشخصية  المعنوية تاركا الأمر  للقوانين التشريعية، كما أن النص  الدستوري لم يحدد ولو بشكل عام اختصاصات الجهات، وأعطى الصلاحية في ذلك للسلطة التنظيمية في تحديد الاختصاصات الجهوية، بالإضافة إلى أنه لم يحدد الموارد المالية المستحقة لفائدة  الجهات، كما لم ينص على الطريقة التي يتم بها انتخاب أعضاء المجلس الجهوي .
إن القانون المنظم للجهة لم يتضمن أية مقتضيات تبين كيفية تقسيم الأملاك، والوسائل المختلفة في حالة تقسيم جهة إلى جهتين، أو في حالة إزالة جهة من عداد الجهات المحددة بالمرسوم المتعلق بها. أضف إلى ذلك مسألة تحديد الجهات ومسطرة إحداثها وتسميتها والتغييرات التي يمكن أن تدخل عليها، وكذا تقسيم الأملاك الخاصة بها الذي  قد عهد به المشرع إلى السلطة التنظيمية – مرسوم الوزير الأول- وليس للسلطة التشريعية كما نجد في عديد من الدول. فعدم تنظيم المشرع لمسألة تقسيم ممتلكات الجماعات ووسائلها  البشرية، يفضي إلى العشوائية في التوزيع واعتماد أكثر من أسلوب لذلك- قرارات أو محاضر- الشيء الذي يترتب عليه مشاكل الملكية وصعوبة الاعتراف بالجهة المالكة من قبل المحافظة العقارية .
ب‌- ضعف الموارد البشرية و المادية
على  مستوى الهياكل تجدر الإشارة إلى أن المجالس الجهوية لم تتمكن من إيجاد مقرات لها باستثناء ما بذله الولاة لتوفير بعض المكاتب قصد إيواء مصالحها، والتي  توجد بها المصالح التابعة للولاة مباشرة، وهذا ما لاحظته اللجنة المنبثقة عن المناظرة السابعة للجماعات المحلية، والتي أوصت في هذا  الصدد بالتعجيل بإحداث مقرات للجهات وهيكلة مصالحها الإدارية، مع ضرورة فصل الإدارة الجهوية للوالي عن الإدارة الجهوية التابعة المجلس الجهوي، وقد اقتصر  النص المنظم  للجهات على وضع رهن إشارة المجالس الجهوية كاتبا عاما ومكلفين بمهمة ومكلفين بالدراسات، وهذا إجراء لا يمكن أن يعوض إدارة ذاتية للجهة، كما أنه لم يوضح ضوابط ومعايير موضوعية لاختيار الكتاب العامين والمكلفين بمهمة أو بالدراسات .
وبالنسبة لضعف الموارد المادية، فلم يتم إصدار العديد من الرسوم المستحقة للجهة كالرسم المفروض على استغلال المناجم، و حصة الجهة من الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل، فالجهة يجب أن تتوفر على ضرائب، و رسوم ذاتية بعيدة كل البعد عن الدولة، لأنه لو تلقت نصيبها من الضرائب التي تستخلصها الدولة، فإن ذلك سيبقى على  شكل إمدادات وإعانات، مما يمس بالاستقلال المالي و المعنوي للجهة.
ج -الحدود المتعلقة بالتقسيم الجهوي
- إعادة النظر في التقسيم الجهوي:
من الملاحظات التي وجهها منتقدو التقسيم الجهوي ل 1997، كون المعايير  التي تم اعتمادها تتسم في مجملها بالعمومية، بحيث يمكن استعمالها في أي رقعة جغرافية كيفما كانت طاقتها وموقعها، فالجهات التي حددت اعتمادا على أساس الاستقطاب الحضري والتكامل الوظيفي، لا تختلف ميدانيا عن الجهات التي حددت  اعتمادا على المقاييس البيئية والتاريخية ومتطلبات الاندماج الوظيفي ، فهذه  المعايير تبقى هي  المعتمدة في خلق  هذه الجهة أو تلك  ،وفي هذا الإطار يشير المنتقدون إلى  أن الاعتبارات  التاريخية   والبيئية قد  أخذت  باهتمام كبير،إضافة كذلك إلى  المقاييس الجيوستراتيجية وعوامل التكامل الوظيفي والاستقطاب الحضري، فالملاحظة الأساسية حسب هؤلاء هي أن 13 جهة من أصل 16، كلها تتوفر على منفذ بحري، وهذه الخاصية ليست بالجديدة أو خاصة  بهذا التقسيم الجديد، بل هي نفسها التي تحكمت في التقسيم السابق.
و بهذا يظهر بأن هذا التقسيم أفرز جهات غنية بحكم توفرها مسبقا على بنيات تحتية مهمة وجهات معتدلة ثم فقيرة .
ومن جهة أخرى أكد الباحثون على أنه تم وضع الجهات على أسس إقليمية، وهي أسس تراعي الاعتبارات الإدارية والسياسية، أكثر من الاعتبارات التنموية والاقتصادية، فبدلا من أن يأخذ التقطيع الجهوي بعين الاعتبار تصاميم التنمية والتهيئة الجهوية، أخذ الإقليم كأساس وركيزة وحيدة لإحداث الجهة، خصوصا وأن الإقليم هو الآخر أحدث على أسس إدارية وسياسية، عوض أن يكون مؤسسا على معطيات ومؤشرات اقتصادية .
- ضعف سياسة اللاتمركز
تعد مسألة الإفراط في اللامركزية من الأسباب الرئيسية لعدم نجاح  سياسة اللاتمركز، وهذا ما جاء في تقرير البنك الدولي الصادر في أكتوبر 1995 حول الإدارة بالمغرب والمركزية المفرطة، في سياق تقرير البنك الدولي تعني "تجمع سلطات اتخاذ القرار داخل الإدارة المركزية، الشيء الذي يكون عائقا بالنسبة للمصالح الإقليمية للوزارات، التي تفتقد الكفاءات  و الاستقلال الذاتي الضروريين، ومن هنا فإن تفكيك هذا التجمع  للسلطات ليس فقط وسيلة لتحسين فعالية الدولة، بل هو شرط مسبق لإنجاح اللامركزية. وفق هذا فإن جماعة محلية تكون في حاجة لممارسة مهامها كما ينبغي، فيجب أن تسعى إلى إيجاد مخاطبين أكفاء في مصالح الدولة، قادرين على اتخاذ القرار في هذا المستوى" .
وحسب نفس الباحث فإنه يجب على الدولة  حينما تكون بصدد تطبيق سياسة اللاتمركز،  فلا يجب أن يكون الهدف هو تخفيف الأعباء عن المركز، وذلك عن طريق  تفويض السلطات في المشاكل الشائكة والمستعصية، بل يجب  تبني سياسة معقلنة عند التفويض، لأن  الأمر يتعلق بسلك المقاربة التشاركية داخل إطار التعاون والتشاور بين المركز والمحيط ، وهذا الذي  لن يتم إلا بإحداث مصالح غير ممركزة خارجية، ومنحها الوسائل المادية والبشرية الضرورية، وكذلك أخذ القرار على المستوى المحلي، مع التمكن و السهر على مراقبة تنفيذ العمال  و الإجراءات المفوضة لها .
- الإفراط في الوصاية.
وبالرغم من التقليص المقرر للوصاية على أعمال وقرارات  المجالس الجهوية، سواء من حيث عدد المواد والقضايا الخاضعة للمصادقة، أو من حيث الأجل المحدد لها، فإن ذلك لم يوسع كثيرا من استقلال الجماعات الجهوية . يضاف إلى ذلك وجود نصوص أخرى تفرض الوصاية على بعض الأعمال غير الواردة بالقانون المنظم للجهة، مثل الصفقات العمومية الخاضعة بموجب المرسوم المنظم لها لمصادقة وزارة الداخلية وتأشيرة القابض الجهوي. ومن الناحية العملية فقد تخضع بعض العمليات العقارية للوصاية، تطبيقا لنصوص قانونية تهم الجماعات الحضرية والقروية ، فالإدارة الوصية أخضعت هذه العمليات لمصادقة الوزير الأول، بعد تأشيرة وزير المالية ووزير الداخلية، تطبيقا للنصوص المنظمة للأملاك البلدية، وهو ما يعد خرقا لقانون الجهة تطبيقا خاطئا لقانون يهم البلديات على الجهات.
يضاف إلى ذلك أن غموض النصوص القانونية وضآلة  التعاون بين الدولة والجماعات المحلية على أسس قانونية واضحة، أدت في الممارسة العملية  إلى تشابك أدوار الجماعات العمومية وتضارب في اختصاصاتها في مجالات متعددة، بما يرتبط بذلك من أثر سلبي على تسيير الشؤون المحلية بصفة عامة.
فالجهات أحدثت لتقوم بدور أشمل وأوسع من الجماعات الأخرى، وتتفرغ بالخصوص للمشاريع الاقتصادية، وكل ما من شأنه أن يشجع أو ينمي الاستثمارات، خصوصا في ظل الأوضاع الراهنة التي ذهبت فيها الحكومة بعيدا في عدم  التركيز الإداري، لتقوية  السلطات الجهوية وتخفيف الوصاية عن الجهات وغيرها تطبيقا للتوجيهات السامية المضمنة في الرسالة الملكية حول التدبير اللامتمركز للاستثمار، وبعبارة أخرى كان من المفروض أن يكون للجهة تخصص محدد أو مهيمن وخاصة في المجال الاقتصادي، بدل التكلف بالشؤون الاجتماعية البسيطة كتقديم الإعانات للجمعيات ومساعدة الجماعات في المجالات الثقافية والقضايا المحلية البسيطة كمحو الأمية وغيرها .

III. السياسة الجهوية اليوم
لا أحد يمكنه أن ينكر المجهودات التي قامت بها الدولة المغربية لتثبيت ثقافة اللامركزية في تسيير دواليب الحكم واقتسام السلطات بينها وبني المحيط، رغم المشاكل الكبرى التي تركتها سلطات الحماية والتي تتعلق بالبنية التحتية الهشة، وتقسيم الدولة الشريفة إلى مغرب نافع ومغرب غير نافع، حيث كان الهاجس هو تحويل الثروات وتبني المقاربة الأمنية لتسهيل السيطرة على جميع أنحاء المعمور، إلا أن هذه المجهودات اتضح في الآونة الأخيرة على أنها لم تصب الهدف المنشود، ألا وهو مغرب متوازن تعطى فيه فرص التنمية الشمولية لجميع جهات المغرب لا فرق بين شرق المغرب مع غربه ولا شماله مع جنوبه، فالأكيد اليوم هو أن السلطات  العمومية  وعلى رأسها  أعلى سلطة في البلاد بصدد التوقيع على سياسة جدية ورشيدة ،لإيجاد الحل النهائي لهذه المعضلة التي تنخر جسم المملكة منذ الحصول على الاستقلال السياسي، خصوصا وأن المملكة الشريفة لها رهانات كبيرة ولامتناهية على كافة المستويات. ولتوضيح هذه السياسة الآن سنتطرق إلى الطرح الملكي حول الجهوية ومضامين تقرير اللجنة الجهوية الاستشارية المرفوع إلى الملك .

1) الطرح الملكي حول الجهوية.
باتت مسألة الجهوية من أهم المسائل التي تشغل بال أعلى سلطة في البلاد، إيمانا منها بأن التنمية الشمولية ووحدة البلاد لا يمكن أن يقتصر العمل بها على مستوى المركز، بل لا بد من تظافر الجهود بين المركز والمحيط حتى يتم الوصول إلى الهدف المنشود، لذا تم الحديث عن الجهوية في العديد من الخطب الملكية للملك الراحل والملك محمد السادس، ويعتبر  خطاب 1984 للملك الحسن الثاني أمام مجلس   الاستشاري  الجهوي للمنطقة الوسطى الشمالية الانطلاقة الحقيقية للانخراط في ورش الجهوية، حيث سعى الملك  إلى  إعطاء الجهوية  بعدا جديدا ، منح من خلاله  الأجهزة  الجهوية صلاحيات متميزة من الإمكانيات ما يسمح لها بالقيام بالمهام المنوطة بها، حيث جاء في مضمون الخطاب الملكي "وأطمح كذلك في وضع هياكل جهوية تكون أساسا لذلك كله، لها من الإمكانيات تشريعيا وماليا ما يجعلها قادرة أن تقف على رجليها، وان تعرف حاجياتها وأن تقيم سلم أسبقياتها وأن تعبر بصوت جماعي، بقطع النظر عن اختلاف الأحزاب أو المشارب السياسية عن الحاجيات وعن المطامح، وأن تكون هي الناطقة وهي المبرمجة وهي المخططة وهي البانية والمطبقة على أراضيها، وأقصد أرض الإقليم وليس أرض الجهة، وفكرت أن أضع أمام أنظار البرلمان مشروع قانون خاص بمجالس الجهات المغربية التي تكون لها سلطتها التشريعية وسلطتها التنفيذية الخاصة بها وتكون لها هيئة الموظفين...".
إذن، فابتداء من سنة 1985 أخذت المسألة الجهوية بعدا سياسيا ومؤسساتيا ملحوظا باعتبارها مدخلا للإصلاح السياسي والدستوري، وهكذا صار التفكير في المسألة الجهوية ليس على أساس أنها مجرد إطار للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التوازنات المجالية، بل على أساس أنها لبنة لتدعيم دولة المؤسسات وترسيخ الديمقراطية وفتح المجال أمام ديناميكية سياسية جديدة تمثلت على الخصوص في تبني نظام البرلمان ذي الغرفتين.
وإذا كان الخطاب الملكي لسنة 1984 قد سعى إلى إحداث  جهوية  ذات صبغة سياسية، فإن القانون الجهوي الصادر بتاريخ 2 ابريل 1997 قد حافظ على الصبغة الاقتصادية للجهوية ومن تم سوف يعتبر هذا القانون تراجعا بالنسبة لما جاء في الخطاب الملكي.
ويبدو أن المغفور له سعى للتقدم بالجهة بشكل تدريجي، فقبل الارتقاء بالجهة على مستوى التشريع نجده في خطاب العرش لسنة 1996، يؤكد الدور الاقتصادي والاجتماعي للجهة بقوله:" وسنعمل على تمكين الجهة من الإطار القانوني اللازم لهذا استكمالا للإصلاح الدستوري لسنة 1992 الذي ارتقى بالجهة إلى جماعة تدير بطريقة ديمقراطية شؤونها مشكلة بذلك الأداة الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية".
إن الحديث عن نوع مغاير من الجهوية، جاء على لسان الملك الراحل في كتابه "ذاكرة ملك" حيث يقول:"إن المغرب بمثابة فسيفساء بشرية وجغرافية، ولهذا الغرض أريد تحقيق اللامركزية لأترك يوما الجهات تتمتع باستقلالية كبيرة على شاكلة المقاطعات الألمانية "لاندر" وذلك سيكون بالتأكيد في مصلحة المغرب، بحيث يكون التنفيذ أسرع والتطور أكثر واقعية، فالمغرب حباه الله بتنوع رائع لأنه يزخر من الناحية الجغرافية بصحراء شاسعة وواحات نخيل وارفة الظلال، وثلوج تكسو جباله وسهول خصبة، فضلا عن سواحل مترامية الأطراف على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ولا ينقصه إلا صقيع القطب الجنوبي".
وعندما سئل الملك الراحل عن ما يمكن أن تسببه هذه اللامركزية في تشجيع تصاعد موجة التوتر وبروز نوع من الانفصال، أجاب: "إن الأمر لا يتعلق بمركزية مطلقة دون أن يكون هناك حد أدنى من الارتباط بالسلطة المركزية، وأثير هنا إحدى الخصوصيات، هي أننا يمكن أن نسير في اللامركزية إلى أبعد الحدود ما دمنا متمسكين برابطة البيعة، فكلما تم احترام هذا الميثاق من طرف الأجيال المقبلة كان بإمكان السلطة المركزية ترشيد الجهات المغربية أكثر فأكثر، لأن المواطن المغربي سيبقى على مر الأحقاب ذلك الإنسان المؤمن الذي يؤدي فريضة الصلاة ويصوم رمضان ويحج إلى بيت الله الحرام، وطالما هذا البلد بلد مسلم، فلن يكون هناك أي خطر، وعندما يصبح بلدا علمانيا، وهذا لن يحدث على الإطلاق، عند ذلك فقط يمكن أن تؤدي اللامركزية إلى التصدع".
وكان المغفور له الملك الحسن الثاني، قد أشار في خطابه السامي الموجه للأيام الدراسية حول " الثقافة واللامركزية" المنعقدة بتطوان في 25-26 ماي 1993 إلى أن من واجب كل جهة من جهات المملكة السهر على الحفاظ على مقوماتها وخصوصياتها التراثية حتى تضمن لنفسها الوجود الثقافي الذي يميز شخصيتها ويسهم بالتالي في إغناء الثقافة الوطنية وخلود التراث الحضاري المغربي.
بل إن الخطاب الملكي لـ 7 نونبر 1994 جعل الجهة أساسا وسببا للتوحيد والوحدة، لا سببا للانفكاك والتفرقة، وسبيلا للديمقراطية الحقيقية الحقة، وأداة تعين القوة المركزية بمعنى العاصمة وتعين البلد كله على الانجاز بسرعة وبإتقان وبتلبية تامة ومتلائمة مع ما يتطلبه ويطلبه السكان.
هذا وإذا كان الحكم الذاتي المتطور في إطار اللامركزية الجهوية والوحدة الوطنية، اختيار ملكي مفاده أن المغرب مستعد للتفاوض في كل شيء ماعدا الطابع البريدي والعلم المغربي. بمعنى الطرح الملكي جاء مستوف لسياسة جهوية عصرية ليس لها حدود ما عدا تلك التي تمس بالسيادة التي يرمز إليها الطابع البريدي وعلم البلاد.
وباعتبار الجهة حجر الزاوية في بناء صرح تنظيمها الإداري كما قال المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه في خطاب العرش الموجه للأمة يوم 3 مارس 1997، فإنها مدعوة لأن تصبح الركيزة الأساسية للتخطيط والتدبير على الصعيد الجهوي شريطة أن تكون مدعومة بسياسة اللاتمركز ناهضة من خلالها بالدور الهام على الصعيد الوطني بواسطة ممثليها في مجلس المستشارين الذين سيتمكنون في المستقبل القريب من الإسهام في تحديد الاختيارات الكبرى للاستراتيجية الوطنية.
وقد احتلت المسألة الجهوية مكانة خاصة في الفكر الإداري للملك محمد السادس نصره الله وتم إيلائها اهتماما استراتيجيا إلى جانب مسألة الصحراء  لذلك قرر جلالته في خطابه بمناسبة الذكرى 24 للمسيرة الخضراء في 6 نونبر 1999  أن يوسع لسكانها مجال تدبير مصالحهم المحلية وأن يتيح لهم مسؤولية هذا التدبير في نطاق الجهوية التي كان والده المغفور له الحسن الثاني قد دعا إليها في خطاب ذكرى المسيرة عام 1996 والتي سيعمل على تعميمها بما تستلزم
من لا مركزية نراها تستجيب لما يتمتع به المغرب من خصوصيات نابعة من تشكيل طبيعته الثرية وتكوين ثقافته الغنية داخل إطار من التعدد المتالف والتنوع المتناسق.
ومما لاشك فيه يضيف جلالته أن هذه السياسة التي نسلكها تغتني بالممارسة وستعطي حتما النتائج المتوخاة منها. وهنا أغتنم الفرصة للتذكير بأن أبواب المغرب مفتوحة في وجه أبنائه أينما كانوا ليساهموا في معركة التنمية والتحديث والديمقراطية ونجدد نداء والدنا تغمده الله بواسع رحمته إلى المغرر بهم "إن الوطن غفور رحيم".
لقد عمل المغرب على السير قدما والدفع أكثر نحو التجسيد الفعلي لأهداف ومرامي السياسة اللامركزية والجهوية، من أجل إعطاء التنمية المحلية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والإدارية معناها الحقيقي. وقد أكد ذلك الملك محمد السادس في الرسالة التي وجهها إلى المشاركين في ندوة "مغربية الصحراء في التراث التاريخي والأدبي" يوم الجمعة 20 أبريل 2001 التي نظمت بتطوان ما بين 20 و 22 أبريل 2001 حيث قال: "...إن الجهوية واللامركزية في أوسع معانيها وتجلياتها الديموقراطية في إطار الإجماع والسيادة والوحدة الترابية للمملكة تعد أحسن خيار وأقوم سبيل لتجاوز النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء. وأضاف جلالته أن المسار الديموقراطي الجهوي الذي نرعاه بكل حزم وعزم وإخلاص، يمكن المواطنين المغاربة ولا سيما أبناءنا في الصحراء، في معالجة قضاياهم وإدارة شؤونهم من موقع حاجياتهم ضمن منظور شكل فيه اللامركزية الجهوية ضرورة وطنية ومطلبا ديموقراطيا يستهدفان تفعيل كل الطاقات والموارد البشرية محليا وجهويا وإقليميا، معتقدين بأن التنوع هو الذي يغني الوحدة الوطنية ويدعمها، فليست الديموقراطية مجرد تجسيد للمساواة في ظل دولة الحق والقانون، وإنما لا بد لها أيضا من عمق ثقافي يتجسد في احترام الخصوصيات الجهوية وإعطاءها الفضاء الملائم للاستمرار والإبداع وإثبات الهوية.
ولترسيخ الديمقراطية المحلية; فقد سهر جلالته على ضرورة تمتين دمقرطة مدونة الجماعات المحلية وعصرنتها وعقلنتها; لتتحول الجماعات المحلية إلى رافعة قوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، موليا عناية قصوى في هذا المجال للجهة والجهوية، التي يعتبرها جلالته خيارا استراتيجيا، وليس مجرد بناء إداري، وننظر إليها على أنها صرح ديمقراطي أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وانبثاق إدارة لا ممركزة للقرب مسيرة من قبل نخب جهوية.
وإيمانا من جلالته بالتنوع الثقافي والتعددية في الأمة المغربية المنصهرة في بوثقة وطنية موحدة تحت ظل الملكية الرشيدة وأواصر البيعة العريقة،فقد اعتبر جلالته بأن الديمقراطية ليست مجرد تجسيد للمساواة في ظل دولة الحق والقانون الوطنية الموحدة، وإنما لا بد لها أيضا من عمق ثقافي يتمثل في احترام تنوع الخصوصيات الثقافية الجهوية، وإعطائها الفضاء الملائم للاستمرار والإبداع والتنوع الذي ينسج الوحدة الوطنية المتناسقة ; فإننا نعتبر عيد العرش المجيد، الذي يجسد وحدة شعبنا، وصلة ماضينا بحاضرنا، والذي يحثنا على التفكير في غد أفضل لأمتنا خير مناسبة لمكاشفتك، شعبي العزيز، بمسألة حيوية تهمنا جميعا، ألا وهي قضية الهوية الوطنية، المتميزة بالتنوع والتعددية، مثلما هي متميزة بالالتحام والوحدة والتفرد عبر التاريخ.
أما التعددية،يضيف جلالته، فلأنها بنيت على روافد متنوعة، أمازيغية و عربية، وصحراوية إفريقية وأندلسية، ساهمت كلها وبانفتاح وتفاعل مع ثقافات وحضارات متنوعة في صقل هويتنا وإغنائها. وأما الالتحام، فقد تحقق لها بفضل الأخوة في العقيدة الإسلامية التي شكلت العروة الوثقى لأمتنا. وقد تمكنت هويتنا من تجسيد الوحدة والاندماج والتمازج ضمن أمة موحدة، لم تعرف أغلبية أو أقلية لأن مواطنيها يتقاسمون جميعا التشبث بثوابتها، وذلك بفضل ديمومة نظامنا الملكي منذ ثلاثة عشر قرنا، الذي أولى هويتنا، في وحدتها وتنوعها، رعاية مستمرة;جعلتها تنفرد،عبر تطور تاريخنا الوطني بخصوصيات لا نظير لها.
وفي خطاب الذكرى  26 للمسيرة الخضراء أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس عزمه على توطيد الجهوية بمنظور للتنمية الجهوية المتوازنة لا يختزلها في مجرد هياكلها وأبعادها الإدارية والمؤسساتية والثقافية بل يعتبرها فضاء خصبا للتنمية الشاملة والمتواصلة بالجهة ومن أجلها.وقد ارتأت الإرادة الملكية أن يكون الشروع في تفعيل هذا المنظور في جهتي جنوب المملكة وشمالها بكيفية تراعي خصوصياتهما ضمن مخططات للتنمية الجهوية المندمجة وشكل الخطاب الملكي لـ6 نونبر 2009 منعطفا تاريخيا مهما في التعاطي مع قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية ،ذلك انه حمل إشارات بالغة الدقة للداخل والخارج على السواء وأعطى لمن لا يزال يحتاج إلى دليل على إن المغرب ماض قدما في تطبيق خطة الحكم الذاتي الموسع الذي اقترحه المغرب و احتضنته المنظومة الدولية واعتبرته الحل الأمثل لصراع مصطنع دام أكثر
من ثلاث عقود وأصبح عبئا على الأمم المتحدة أكثر ما أصبح عبئا على القوى المعنية بالصراع.
وقد جاء الخطاب الملكي السامي ليوم الأحد 3 يناير 2010 بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية حاملا لمشروع جهوية موسعة تندرج ضمن البناء الديمقراطي الحداثي للمغرب و النهوض بمسلسل التنمية الجهوية للبلاد في إطار الحكامة الجيدة والديمقراطية المحلية.
فالخطاب الملكي أكد على أن الجهوية الموسعة المنشودة ليست مجرد إجراء تقني أو إداري، بل توجها حاسما لتطوير وتحديث هياكل الدولة، والنهوض بالتنمية المندمجة.كما اقترح على اللجنة، إبداع تصور عام، لنموذج مغربي لجهوية متقدمة، تشمل كل جهات المملكة; وتأخذ بعين الاعتبار طبيعة نظام الملكية في المغرب،كما حدد الخطاب الملكي المرتكزات الأربع للإصلاح الجهوي المرتقب وهي:
أولا: التمسك بمقدسات الأمة وثوابتها،في وحدة الدولة والوطن والمجال الترابي،باعتبار الجهوية الموسعة تأكيد ديمقراطي للتميز المغربي الغني بتنوع  روافده الثقافية والمجالية.
ثانيا: الالتزام بالتضامن،  ويعني هذا المبدأ إحقاق التضامن والمساواة فيما بين الجهات فيما يخص توزيع الموارد، بهدف تكريس المساواة بينها أمام إمكانيات ووسائل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثا:اعتماد التناسق والتوازن في الصلاحيات والإمكانات، وتفادي تشابك الاختصاصات وتضاربها بين السلطات والمؤسسات،ثم انتهاج اللاتمركز الواسع القائم على التناسق والتفاعل.
و يمكن القول أن السياسة الجهوية ما زالت تحصد المزيد من المكتسبات داخل اهتمامات الملك، ذلك أن خطاب 9 مارس 2011 أعطى أهمية كبيرة للجهة، حيث أن الملك ألح فيه على المصدر الدستوري للجهوية بالمغرب حينما قال: " لقد اقترحت اللجنة،في نطاق التدرج،إمكانية إقامة الجهوية المتقدمة بقانون،في الإطار المؤسسي الحالي،وذلك في أفق إنضاج ظروف دسترتها. بيد أننا نعتبر أن المغرب،بما حققه من تطور ديمقراطي،مؤهل للشروع في تكريسها دستوريا. وقد ارتأينا الأخذ بهذا الخيار المقدام،حرصا على انبثاق الجهوية الموسعة،من الإرادة الشعبية المباشرة،المعبر عنها باستفتاء دستوري" و بالإضافة إلى هذا، فالمقتضيات الأخرى التي جاء بها الخطاب من فصل للسلط و توازنها و تأكيد على استقلال القضاء و تمتين أساليب المراقبة...كلها مقومات بإمكانها أن تعطي نفسا جديدا للجهوية اليوم.
2) تصور اللجنة الجهوية الاستشارية حول الجهوية المنتظرة.
كما ذكرنا سابقا فقد كلف الملك محمد السادس اللجنة الجهوية الاستشارية بوضع تصور عن الجهوية، والذي أكد فيه على أن نموذج الجهوية الموسعة المطلوب تهييئه  يجب أن يكون "مغربي مغربي" لا يمكن فيه اللجوء إلى التقليد الحرفي، أو الاستنساخ الشكلي للتجارب، إشارة من جلالته إلى أن عهد استيراد القوانين قد ولى، وأن التجربة أكدت نسبة نجاحها، لأنه لا يمكن تطبيق نظم وقوانين في بيئـة مخالفة، فالنظم القانونية الناجعة هي التي تأخـذ بعين الاعتبار الواقع المطبقـة فيه، وكـل منظومة ابتعـدت عـن أصولها الواقعية والفكـرية ستكون فـارغة المحتوى .
ويحتوي التقرير المرفوع إلى جلالة الملك على ثلاثة كتب وعلى ملحقات، فالكتاب الأول قدم التصور العام للجهوية المتقدمة، ويتضمن بعد التمهيد سلسلة من المقترحات انتظمت حول عدة محاور تعكس تمفصل المشروع برمته، وكتاب ثاني  يتضمن مجموعة من ا

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :