ifada إفادة

ifada إفادة


إشهار الحرب في الدستور المغربي "عاصفة الحزم نموذجا"

الخميس 17 ديسمبر 2020 - 19:52 , افادة
 إشهار الحرب في الدستور المغربي
يوسف أشحشاح باحث في القانون الدستوري

نظمت كل الدساتير إعلان الحرب باعتبارها حالة من الحالات الاستثنائية. 
والحرب هي صراع أو كفاح مسلح "Lutte armée" بين دولتين أو أكثر لإنهاء حالة السلام " Etat de paix "بقصد فرض وجهة نظر سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وعموما للدفاع عن المصالح الوطنية للدول المتحاربة. 
وهناك من يعتبر الحرب على أنها فرع من فروع الحكم وهناك من يعتبرها كذلك ظاهرة اجتماعية. 
والحرب لا تنشب إلا بين دول ذات سيادة وهذا ما يفرقها عن الاضطرابات الداخلية مثل العصيان المسلح والحرب الأهلية والتمرد. 
فالحرب تقوم بغرض تحقيق أهداف ومصالح سياسية مثل الرغبة في التوسع الإقليمي مثلا، وقد تكون ذات أهداف عسكرية بهدف إلحاق الهزيمة بقوات الدولة الخصم والقضاء عليها، وقد تكون بسبب أهداف ومصالح استراتيجية مثل الاستيلاء على طرق ومواصلات هامة، وقد تكون بسبب أهداف مصالح اقتصادية.  والحرب قد تكون هجومية أو دفاعية. 
ولسبب معين قد تضطر الدولة إلى دخول حرب معينة سواء من تلقاء نفسها أو من جراء رد فعل على هجوم خارجي تعرضت له، إلا أن معظم الدساتير تحرم على رئيس الدولة إعلان الحرب الهجومية من تلقاء ذاته لما فيه من خرق للمواثيق القائمة على السلام والأمن الدوليين،  في حين أن البعض الآخر تخول لرئيس الدولة إعلان الحرب بنوعيه شريطة موافقة البرلمان، كما أن بعض الدساتير تميز بين الحرب الدفاعية والحرب الهجومية.
إذا أغضنا الطرف عن الجدال الفقهي الذي تثيره مسألة إعلان الحرب، وتساءلنا هل تندرج هذه الخطوة في القرار السياسي؟ أم في العمل التشريعي؟ أم هناك تداخل وتكامل بينهما؟ وهذه الأسئلة نابعة أساسا من التساؤل حو مدى أحقية رئيس الدولة/الملك في الأنظمة البرلمانية من امتلاك سلطة إشهار الحرب وإقرارا السلم؟وكيف تعاملت دساتير المملكةمع مسألة إشهار الحرب؟ وماذا عن مدى دستورية المشاركة المغربية في ما عرف إعلاميا بـ"عاصفة الحزم"؟ وما طبيعة النقاش الذي أفرزته على المستوى الدستوري؟

المحور الأول: مسألة إشهار الحرب في دساتير المملكة  في ضوء مستجدات دستور 2011
تعتبر المملكة المغربية من بين الدول المنضوية في إطار الدول المحبة للسلم ويتضح هذا بجلاء من خلال ديباجة دساتيرها، التي تؤكد أنها ماضية في الوفاء بتعهداتها اتجاه ما تقتضيه المواثيق الدولية، كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلام والأمن في العالم. دون إفراط في الذود عن حقوقه والدفاع عن كرامته وهذا ما يستشف من المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة نفسها. 
في الدستور الأول للمملكة لسنة 1962 في الفصل 51 منه على لأن "إشهار الحرب يقع بإذن من البرلمان" مما يعني الملك كان يتوجب عليه أن يستأذن البرلمان ويحصل على موافقته لإعلان الحرب سواء كانت دفاعية أو هجومية. 
وصياغة هذا الفصليطرح بعض الاشكالات على مستوى سرعة اتخاذ القرار التي يتطلبها مسألة الحرب خاصة الدفاعية منها لكون الساعات الاولى لبدايته قد تكون حاسمة، ولا يمكن انتظار موافقة البرلمان من عدمها، وبذلك إاذا كان منطقيا ومعقولا أن لا يكون إعلان الحرب الهجومية إلا بعد موافقة البرلمان باعتبار التصرف في مثل هذه الحالة بالغ الخطورة بالنسبة لمصير الشعب، ويتطلب تدخل البرلمان لدراسة الموضوع من جميع نواحيه والبحث في كافة الاحتمالات قبل الموافقة أو الرفض، وهذا ما  يجعل من موافقة البرلمان على الحرب الهجومية أمرا لازما لإعلانها، فإن الأمر في الحرب الدفاعية لا يمكن أن تنتظر مثل هذه الموافقة لاعتبارات سابقة الذكر. 
أما الدساتير اللاحقة على دستور 1962 فإنها اكتفت فقط بمجرد إحاطة البرلمان علما بذلك، وفي ذلك يقرر دستور 1996 في الفصل 74 منه على ما يلي: " يقع إشهار الحرب بعد إحاطة مجلس النواب ومجلس المستشارين علما بذلك".
أما الدستور الحالي للمملكة لسنة 2011 فهو الآخر ينص في الفصل 99 منه على ما يلي: "يتم اتخاذ قرار إشهار الحرب داخل المجلس الوزاري، طبقا للفصل 49 من هذا الدستور، وبعد إحاطة البرلمان علما بذلك من لدن الملك".
ومن خلال هذا النص يتبين لناالآتي:
أولا: إشهار الحرب حسب الفصل 99 من الدستور الحاليشأنه شأن الإعلان عن حالة الحصار. كلا القرارين يجب أن يعرضا على أنظار المجلس الوزاري حسب الفصل 49. كما أن ظهير إشهار الحرب يوقع بالعطف من طرف رئيس الحكومة طبقا للفقرة للفصل 42 من الدستور. 
ثانيا:الفصل 99 من الدستور لم يحدد ما المقصود بالضبط بعبارة "بعد إحاطة البرلمان علما بذلك من لدن الملك". وبهذا يبقى السؤال قائما حول ما إذا كانت الإحاطة علما في هذا الإطار تفيد الإذن أم الاستشارة، أم مجرد إخبار؟ وتوخيا للسرعة في التنفيذ التي تتطلبها مثل هذه القرارات أكثر، جاءت مقتضيات الفصل 99 بعبارة "إحاطة البرلمان علما بذلك"، على عكس صيغة "إحاطة مجلس النواب ومجلس المستشارينعلما بذلك" التي كانت واردة في مقتضيات دستور 1996 الذي ينص على عبارة ". 
ثالثا: يعتبر المشرع الدستوري المغربي في مسألة إشهار الحرب أكثر واقعية من غيره _ في باقي التجارب الدستورية المقارنة _ وذلك بجعل قرار إشهار الحرب مناختصاص السلطة التنفيذية في المجلس الوزاريبرئاسة الملك القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، والمسؤول الأول والأخير عن حماية وصيانة أجزاء الوحدة الترابية، لما يمتاز به الجهاز التنفيذي من السرعة المطلوبة في التداول والتقرير والتنفيذ، خصوصا وأن الحروب الحديثة غالبا ما تكون فيها الساعات الأولى حاسمة.
رابعا:الفصل 99 من دستور المملكة لم يشير إلى إمكانية توجيه خطاب إلى الأمة لإخبارها بقرار إشهار الحرب، كما هو الشأن بالنسبة للإعلان عن حالة الاستثناء.إلا أن الالتزامات التي يفرضها عقد البيعة_حسب بعض الباحثين _ تفرض على الملك لفت أنظار الأمة أثناء كل اللحظات الحاسمة التي يجتازها المغرب،  وقرار إشهار الحرب لا يمكن أن يخرج عنهذا الإطار.

المحورالثاني: إشهار الحرب في التجارب الدستورية المقارنة
لما كانت الحرب على مرتبة عالية من الخطورة، فقد اقتضى أن يكون إسناد إعلانها وإنهائها موكولا لرئيس الدولة، محاطا بضمانات قانونية دقيقة، وغالبا ما تكون فيه المساهمة من طرف بعض الأجهزة الدستورية. 
لذلك فقد منحتها مجموعة من الدساتير على مستوى التجارب المقارنة أهمية خاصة.
بحيث نجد الدستور الإسباني لسنة 1978  ينص في الفقرة الثالثة من المادة 63 على ما يلي: "يعود إلى الملك بناء على إذن سابق من الكورتيس إعلان الحرب وإبرام السلام."
والملك في إسبانيا يمارس هذه الوظيفة باعتباره رئيسا للدولة" El Jefedelestado" ورمزا لوحدتها واستمراريتها، وقائدا أعلى للقوات المسلحة "El mandosupermo" فقد أناط به صيانة السير العادي للمؤسسات، وحماية الوحدة الترابية الإسبانية. 
وتجدر الإشارة إلى أن القانونين الداخلي "للكورتيس العام" لم ينصا على مسطرة منح الترخيص المسبق المنصوص عليه في الدستور، مما ولد معه اختلافا بين فقهاء القانون الدستوري في إسبانيا  تمحور حول الطريقة التي يمكن فيها "للكورتيس" منح الترخيص المسبق للملك من أجل إعلان الحرب الهجومية. 
أما فيما يتعلق بأسلوب الدفاع (الحرب الدفاعية) قد كرس لها المشرع الإسباني نظاما خاصا، ويمكننا استعراض ذلك كالآتي:
أولا: فيما يخص البعثة الخارجية للجيش الاسباني يكون الغرض منه هو الدفاع عن العدوان الخارجي، ويقتضي هذا النوع من الدفاع إعلان الحرب الذي اسنده الدستور للملك وفقا للفقرة الثالثة من الفصل 63، بعد الحصول على ترخيص مسبق من "الكورتيس العام". 
لكونإعلان الحرب وإقرار السلم من المسائل المعقدة التي تربط الملك بباقي المؤسسات الأخرى. الحكومة التي تتولى التوقيع بالعطف من طرف رئيسها ووزير الخارجية،  ثم يأتي دور "الكورتيس العام" ليؤدي وظيفته ذات طابع خاص، لأنه دور يتطلب "عملا قانونيا لترخيص شكلي" ويسمى باللغة الاسبانية بـ: "Acto juridico de autorizacionformal".
ثانيا: فيما يخص التدخل المركب لكل من رئيس الدولة (الملك) والحكومة ورئيسها الذي مدى أوسع، يمكن أن يندرج في "تسيير خاص" لسياسة الدفاع. ولا يمكن فهمه فقط من خلال تعبئة جميع الطاقات في الوطن لردع العدوان. وإنما هو سياسة أيضا لتحقيق أحلاف مع دول أخرى. 
وترتيبا على ما سبق، يتضح بأن مسألة الدفاع اختصاص تنفرد به الدولة أي المؤسسات الوطنية، لكن بدون أدنى شك فإن الدستور الاسباني قد ربط مسألة الدفاع بالوحدة الإقليمية، لذلك وجب السماح للجماعات المستقلة أن تمنع كل شكل من أشكال الخطر الذي يهدد المصالح العامة لإسبانيا.لذلك ففي هذه الحالة يسمح رئيس الحكومة لرئيس الجماعات المستقلة، بعد ترخيص بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس الشيوخ باتخاذ إجراءات ضرورية لحماية المصلحة التي تقتضي طبعا التدخل العسكري. 
وبالرجوع إلىتاريخ اسبانيا القديم، يمكننا أن نؤكد بأن الملوك هم القواد الفعليون للقوات المسلحة، بل كانت بعض الملكيات نفسها تعتبر عسكرية،  وبالتالي  كان هذا الاختصاص من الصلاحيات التقليدية للملك الذي تم تنظيمه وإسناده لرئيس الدولة، ليساعده على ممارسة سلطة التحكيم، وحماية استقلال الدولة والنظام العام. 
أما في فرنسا، فقد بدا واضحا استئثار رئيس الجمهورية بالمجال الحربي إبان حرب الخليج، إذ استند على رئيس القيادة العامة من المقرب منه الأدميرال "لانكساند" ووزير الشؤون الخارجية "رولان دوما" في حين ترك الوزير الأول "ميشال روكار" آنذاك على الهامش، أما وزير الدفاع الذي كان يعارض سياسة فرنسا في حرب الخليج، فقد طبق على نفسه القاعة التي سبق وتم تداولها "الوزير يجب أن يصمت أو يستقيل"وقد تم تعويضه بتاريخ 29 يناير 1991. 
والدستور الفرنسي في المادة 35 الفقرة الأولى منه يقر بأن إعلان الحرب يكون بإذن من البرلمان. إذ ينص على ما يلي:  " يكون إعلان الحرب بإذن من البرلمان.
 تبلغ الحكومة البرلمان بقرارها الذي يسمح للقوات المسلحة بالتدخل في الخارج في ظرف ثلاثة أيام من بداية التدخل على الأكثر، وتحد الأهداف المسطرة لذلك. ويجوز أن يترتب على هذا الإبلاغ فتح مناقشة لا يتبعها أي تصويت.
وإذا تجاوزت مدة التدخل أربعة أشهر فإنه يفصل في هذا الطلب عند افتتاح دورته التالية". 
إذا كان إشهار الحرب يقره البرلمان في فرنسا  حسب مقتضيات دستور الجمهورية الخامسة، فإن هذا الأخير قد صاغ تقريرا عبر فيه عن الإقصاء والتهميش الذي يمارس في حقه من خلال جملة المحطات العسكرية الخارجية التي شاركت فيها فرنسا، ولم يتمكن فيها البرلمان من قول كلمته فيها. 
أما الدستور البحريني في المادة 36 منه ينص في هذا الإطار على ما يلي: " الحرب الهجومية محرمة، ويكون إعلان الحرب الدفاعية بمرسوم يعرض فور إعلانها على المجلس الوطني للبث في مصيرها".
 أما الدستور الكويتي في المادة 68 منه، ينص على ما يلي: "يعلن الأمير الحرب الدفاعية بمرسوم، أما الحرب الهجومية فمحرمة".
وبنفس الصيغة جاء بها الدستور القطري في المادة 25 منه. 
أما الدستور التونسي لسنة 2014 في الفصل 77 منه، نجده ينص على ما يلي: "يتولى رئيس الجمهورية تمثيل الدولة، ويختص بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة.
كما يتولى:
- إعلان الحرب وإبرام السلم بعد موافقة مجلس نواب الشعب بأغلبية ثلاثة أخماس أعضائه، وإرسال قوات إلى الخارج بموافقة رئيسي مجلس نواب الشعب والحكومة، على أن ينعقد المجلس للبت في الأمر خلال أجل لا يتجاوز ستين يوما من تاريخ قرار إرسال القوات.
أما الدستور المصري في مسألة إعلان الحرب، فنجده ينص في المادة 152 منه على ما يلي: "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمهقتالية الى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثيالأعضاء.
فإذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني."
هذا ما يتعلق بمسألة الحرب وتأطيرها دستوريا على مستوى التجارب المقارنة، وكذلك على مستوى دساتير المملكة المغربية من دستور 1962 الى دستور 2011.
فماذا عن مشاركة المملكة فيما يسمى ب"عاصفة الحزم"؟ وما مدى صحة وصم العملية بشبهة عدم الدستورية؟

المحور الثالث: مدى دستورية مشاركة المغرب في "عاصفة الحزم"؟
عرفت حقبة دستور المملكة لسنة 2011،اتخاذ قرارة مشاركة المملكة المغربية في الحرب التي تشنعلى "جماعة الحوثي" باليمن من طرف قوى التحالف العربي  فيما يعرف إعلاميا بـ"عاصفة الحزم"، ويلخص الأستاذ "عبد الرحيم منار اسليمي"،  اتخاذ المغرب قرار المشاركة في هذه العملية العسكرية لكبح تقدم قوات الحوثي في اليمنالمتحالفة مع علي "عبد الله صالح" والمدعومة من إيران في ست أسباب، أهمها: 
- مكانة الخليج في السياسة الخارجية للمملكة،
- التهديد الشيعي الزاحف الى كل الدول السنية،
- الدفاع عن مقتضيات الشرعية الدولية،
- تنفيذ الاتفاقيات العسكرية الموقعة بين المغرب والامارات،
وفي بحث له عن تفسير للموقف المغربي الداعم لـ"عاصفة الحزم"، يرى الأستاذ "سعيد الصديقي" بأن وراء هذه المشاركة العديد من الدوافع، منها سعي المغرب لتنويع شركائه، وتعزيز حضوره الإقليمي في كل من إفريقيا جنوب الصحراء والعالم العربي، حيث يبدو أن المغرب يعمل بشكل حثيث لتجاوز ما يسميه الأستاذ "سعيد الصديقي" بدبلوماسية المقعد الشاغر. 
وبغض النظر عن كل هذه الأسباب،خلفتهذه المشاركة بعض من الجدلوالنقاش الدستوري، والذي انصب أساسا حول ما إذا كان قرارمشاركة المملكة في هذه "الحرب"، قد احترمت فيهاالمساطر الدستورية المنصوص عليها أم لا؟
وقبل الاجابة عن هذا السؤال، تجدر الاشارة إلى أن ديباجة دستور 2011، قد ورد فيها بضريح العبارة عزم المملكة على مواصلة العمل للمحافظة على السلام والأمن في العالم.  والفصل 49 من الدستور في مسألة الحرب ينص أيضا على أن المجلس الوزاري له صلاحية التداول في مسألة إشهار الحرب، كما جاء في الفصل 99 أيضا، إذ يتم اتخاذ قرار إشهار الحرب داخل المجلس الوزاري، طبقا للفصل 49 من هذا الدستور، وبعد إحاطة البرلمان علما بذلك من لدن الملك. 
وبصدد هذا الجدل حول مدى دستورية مشاركة المملكة في "عاصفة الحزم"من عدمها، يرى الأستاذ "عمر بندورو"، بأن قرار مشاركة المغرب في الحرب باليمن، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، يعتبر إشهارا للحرب تنظمه المسطرة الواردة في دستور 2011.  وهذا ما لم يتحقق في اتخاذ قرار المشاركة في هذه الحرب.
وهذا ما ذهب إليه الأستاذ "أحمد البوز" أيضا، حينما أكد على أن الشكليات الدستورية للمشاركة المغربية في هذه الحرب لم تحترم، وأنه مهـما كان مفهوم إشهار الحرب غامضا وضبابيا، فإن احترام الشكليات الواردة في الدستور يبقى أساسيا. 
وعلى عكس ما ذهب إليه هذا الاتجاه، نجد هناك اتجاه آخر يرى بأن مشاركة المملكة في "عاصفة الحزم" ليست حربا بمفهومها التقليدي حتى نناقش مدى دستوريتها، إذ يرى "محمد بنحمو" أن مشاركة المغرب في "عاصفة الحزم" في اليمن، لا تعدوا أن تكون إلا مساندة لدول التحالف الإقليمي، والتي استجابت هي الأخرى لطلب الرئيس اليمني الشرعي، ومشاركة المغرب قد تمت بناء على التزامات المغرب الدولية والإقليمية. 
هذا ما سيؤكده أيض، الناطق الرسمي باسم الحكومةالسيد "مصطفى الخلفي"بالقول: "المشاركة المغربية في "عاصفة الحزم"، ليست إشهار للحرب على اليمن. وأوضح أن مشاركة المغرب في هذه الضربات العسكريةتأتي في إطار العمل العربي المشترك الذي تقوده السعودية، وتدخل في سياق واجب التضامن والدفاع عن الشرعية ورفض أي سلوكيات تؤدي إلى المس بالوحدة الترابية لليمن. 
ويلخص الأستاذ "سعيد الصديقي" هذه المشاركة في كونها تأتي في سياق المرونة الموجودة في اتخاذ القرار العسكري في المملكة، مبينا أن الشأن العسكري في المغرب لا يزال مجالا محفوظا للملك، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، مما يجعل معه عملية اتخاذ القرار العسكري تتسم بالمرونة، خاصة أن المجلس الأعلى للأمن لم يصدرالقانون المنظم له والمحدد لاختصاصاته بعد. 

على سبيل الختم
في الختام، لابد من التسجيل في هذا الخصوص ظاهرة الفقر المعرفي والفكري الذي يعاني منه موضوع الحرب في المغرب، لا من حيث المفهوم فحسب، بل من حيث التصنيف، كيفية إدارته، أهدافه، تداعياته..وهذا الشح النظري والفكري _ حسب المفكر "عبد الله العروي"_ له ارتباط وثيق بصمت المفكرين والفاعلين السياسيين المغاربة، والذين يبدون وكأنهم غير قادرين على التفكير في الموضوع. 
 وهذا الفقر المعرفي سيؤكده كذلكالمشرع الدستوري المغربي في تعاطيه مع موضوع الحرب في دستور 2011، إذ لم يميز أثناء صياغته لأحكام الدستور بين الحرب الهجومية التي تستلزم موافقة البرلمان، وبين الحرب الدفاعية حيث يقتصر فيها الأمر على مجرد إبلاغه بذلك. 
وأبقى المسألة على ما كانت عليه في الدساتير السابقة،على عكس ما نصت عليه بعض التجارب الدستورية المقارنة مثلا (أنظر المحور المتعلق بمسألة اشهار الحرب في الدساتير المقارنة أعلاه)، في مسألةتحديد مفهومالحرب، والتمييز بين الحرب الهجومية والحرب الدفاعية.
وأمام هذا الغموض على مستوى النص الدستوري في تحديد مفهوم الحرب والتمييز بينها وبين باقي العمليات العسكرية المشابهة، ليس هناك _ في نظرنا_ ما سيحددستوريا من الدور المحوري للملكباعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكيةفي كل العمليات العسكرية،والتيقد لا تندرج بالضرورة ضمن المفهوم التقليدي للحرب، الذي يتطلب اتخاذ قرار إشهاره _ كما سبق الذكر _ في المجلس الوزاري وإخبار البرلمان علما بذلك حسب منطوق الفصلين 49 و 99 من الدستور.
ونعتقد بهذا الخصوص، أن ما أثارته مشاركة المملكة في "عاصفة الحزم" من نقاش حول مدى دستوريتها ووصمها بشبهة عدم الدستورية، له علاقة وطيدة بغياب التحديد الدقيق لمفهوم الحرب، وكذا غياب تمييزواضح من خلال النص الدستوري نفسه بين الحربوبينباقي الأعمال العسكرية المشابهة.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :