ifada إفادة

ifada إفادة


قراءة في كتاب أزمة دولة الرعاية الاجتماعية لبيير روزنفالون

السبت 19 يونيو 2021 - 12:12 , افادة
قراءة في كتاب أزمة دولة الرعاية الاجتماعية لبيير روزنفالون
إنجاز صابر الصحراوي دكتور باحث في القانون العام والعلوم السياسية

 بداية، وقبل التطرق لمضمون هذا المؤلف البديع، تجدر الإشارة إلى أن مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية، قد ظهر في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كنتيجة لانهيارِ القيم التي ارتكزتْ عليها الليبراليةُ الكلاسيكية، وكرد فعل لما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية من تقهقر، الأمر الذي دفع بالدولَ إلى التفكير في خلقِ مواءمة بين اعتبارات التنمية وضرورات الرعايةِ الاجتماعية.
وكنتيجة لذلك ظهرت المدرسة الكينزية نسبة إلى جون مينارد كينز، حيث أضحى الاجتماعي موجها ومحركًا للاقتصادي، بالإضافة إلى ذلك، بدأ التفكيرُ في تمويل النفَقات المتعلقة بالجانب الاجتماعي من خلال فرض الضريبة على الدخل، غير أن تضخُّم هذه النفقات قد أدى إلى تقلُّص الموارد بسبب التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وأدى تزايد حجم الاقتطاع الضريبي إلى تدني الأجور وانتشار البطالة وارتفاع نسب الفقر...وتحولت بذلك هذه الأوضاع الكارثية إلى أزمة أرخت بظلالها على جميع الميادين، ومن ثمَّ ظهور أزمة دولة الرعاية الاجتماعية.
            
           لقد حاول بيير روزنفالون  Pierre Rosanvallon ، بدءا من أول جملة افتتح بها مؤلفه القيم'' أزمة دولة الرعاية الاجتماعية "، تأكيد أطروحته التي تتأسس على فكرة مؤداها، أن دولة الرعاية الاجتماعية تعاني من أزمة أرخت بظلالها على مجموعة من الميادين الحيوية في الدولة؛ ولا أدل على ذلك العجز الذي تم رصده على مستوى الحماية الاجتماعية، البيروقراطية، رفض المواطنين للارتفاع الحاصل في الاقتطاعات الإجبارية، الأمر الذي ستضطر معه الدولة إلى تبني خيار التوجه الليبرالي، وهو حل من الخطورة بما كان على اعتبار النتائج الوخيمة التي يمكن أن تترتب عنه.

      لأجله، ذهب بيير روزنفالون إلى القول بضرورة إيجاد حل أو سيناريو ثالث وسطي، ما بين خيار التدخل في الميدان الاجتماعي الذي تبنته الدولة، والذي يتغذى- حسب رأيه- على الزيادة في  الاقتطاعات الإجبارية، وما بين الطرح أو السيناريو الليبرالي.
لقد عمل الكاتب على معالجة إشكالية أزمة دولة الرعاية الاجتماعية من خلال تبنيه للمقترحات الثلاثة الآتية:
1. لا يمكن اختزال أزمة دولة الرعاية الاجتماعية في أزمة  مالية، لأنه لا يوجد أي مشكل على مستوى التمويل، وفي هذا السياق، يرى روزنفالون بأن المشكل الحقيقي يكمن في ظهور عقد اجتماعي جديد un nouveau contrat social ما بين الدولة والأفراد والطبقات الاجتماعية المختلفة، وبالتالي يمكن القول، بأن الأسباب الكامنة وراء تخبط دولة الرعاية الاجتماعية في الأزمة، هي بالدرجة الأولى نتاج عوامل سوسيوثقافية.
2. من أجل الخروج من الأزمة، يقترح الكاتب حلا مفاده العمل على تجاوز الإطار الذي تشتغل فيه الدولة، كما أنه يرفض جميع الخيارات الليبرالية والنيوليبرالية، لأنها وبدل أن تمكننا من إيجاد حلول لهذه الأزمة، لا تقدم أي طرح بديل يمكن الوثوق به إن على المستوى السياسي أو النظري.
3. إذا ما سلمنا بضرورة الخروج من النقاش الدائر حول  قضية "الخوصصة/تدخل الدولة في الجانب الاجتماعي" ،كحل لأزمة دولة الرعاية الاجتماعية، يذهب روزنفالون إلى القول، بضرورة إعادة بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، وللوصول إلى هذا الهدف، يقترح امكانية بديلة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: اللامركزية، التنشئة الاجتماعية وكذا تمكين المجتمع من آليات تجعله قادرا على تدبير الشأن الاجتماعي، على أساس أن يتم تدبير هذا الثالوث وفق ألية تعتمد على:
o التقليل من تدخل الدولة في المجال الاجتماعي؛
o إعادة ادماج مفهوم التضامن الاجتماعي؛
o صياغة سياسات اجتماعية وفق رؤى اجتماعية واضحة.
كما أنه يقترح بأن يتم تجسيد هذه الديناميكية الثلاثية، في اطار توافق اجتماعي-ديمقراطي- compromis post-social-démocrate ، هذا التوافق يجب أن يضمن –حسب بيير روزنفالون- مرونة أكبر في تبادل الأنشطة الاقتصادية، وفي تخلي الدولة عن بيروقراطيتها...


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :