ifada إفادة

ifada إفادة


منهجية النظام السياسي المغربي في تدبير إشكالية الكونية والخصوصية (1/3)

السبت 20 مارس 2021 - 14:52 , افادة
منهجية النظام السياسي المغربي في تدبير إشكالية الكونية والخصوصية (1/3)
حسن البوهالي دكتور باحث في مجال حقوق الإنسان

مما لاشك فيه إن موضوع الكونية والخصوصية في مجال حقوق الانسان يطرح الكثير من الإشكاليات والتساؤلات الهامة على المستوى النظري أو على مستوى الواقع، وخاصة في ظل ما نعيش من تناقض بين التطور الذي عرفته كونية حقوق الإنسان، وبين ما هو موجود في الممارسة الدولية، التي تصر على ألا تحظى هذه القواعد بالتطبيق الفعلي والفعال تحت درائع مختلفة تصل إلى حد تحدي هذه العالمية، الشيء الذي يجعل من قواعد حقوق الإنسان مجرد قيم مطلقة ومثل عليا ومفاهيم مجردة. 
وعلى هذا الأساس فإن المجهودات المبذولة من أجل إشكالية الكونية والخصوصية، تثير عدة قضايا وإشكالات على مستويين: فهناك مستوى دولي يحاول الكشف عن التحديات التي تواجه تلك الإشكالية من خلال البحث عن مسبباتها في السياسة الدولية، ومن جهة أخرى فهناك مستوى داخلي يسعى إلى خلق توازن بين القانون الدولي والقانون الداخلي.
وسنحاول الاقتراب من هذه الإشكالية من خلال الأسئلة التالية : هل حقوق الإنسان فعلا تمتاز بالعالمية أم أنها تمتاز بالخصوصية ؟ وكيف استطاع النظام السياسي المغربي تدبير هذه الإشكالية ؟ 
للإجابة على كل هذه التساؤلات سنتطرق في المبحث الأول إلى حقوق الإنسان بالمغرب وإشكالية العالمية والخصوصية في حين سنخصص المبحث الثاني للمصادقة والتحفظ كآلية لتدبير هذه الإشكالية. 

المبحث الأول : حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية   
إن من الإشكالات التي يثيرها انتشار حقوق الإنسان هي جدلية الكونية والخصوصية، فإذا كانت النصوص الأولى المتعلقة بحقوق الإنسان تميزت بطابعها المحلي والخصوصي، كالوثيقة الكبرى الإنجليزية 1215 Magna carta(1)وإعلان الحقوق 1689(2)، وإعلان الاستقلال الأمريكي يوم 24 يوليوز 1776(3)، فإنه ابتداء من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن، ستشكل الشمولية خاصية مرافقة لجل المواثيق التي جاءت بعدها ومنها المواثيق الدولية كالإعلان العالمي للحقوق، حيث تهم الحقوق المنصوص عليها جميع البشر بغض النظر عن "العرق أو اللون، أو المولد، أو أي وضع آخر" وستتعزز الشمولية في مواثيق من الجيل الثالث من حقوق الإنسان التي تنص على الإنسانية برمتها(4)، كما سيتعمق ذلك بفضل مصادقة جل دول العالم تقريبا على المواثيق الدولية. 
غير أن الإقرار القانوني وانتشار فكرة كونية حقوق الإنسان نظريا، تواجه صعوبات واقعية متعلقة بمرجعية قانونية تفسِّر واقعيا بالثقافة الغربية وتفوقها على باقي الثقافات، والتي غالبا ما يتم توظيفها كأداة للهيمنة وخدمة مصالح سياسية وإيديولوجية واقتصادية، وهو ما يطرح ردود أفعال من قِبل ثقافات أخرى تنتمي إلى عوالم حضرية وغير غربية تتشبث بالخصوصية، باعتبارها تتوفر على تقاليد وعادات اجتماعية وتاريخية وقيم ثقافية تتعارض مع بعض جوانب شمولية حقوق الإنسان(5). 
ورغم بساطة هذه الإشكالية ظاهريا، فإن الموضوع لازال مطروحا بشدة بين المدافعين عن الكونية والمنتصرين للخصوصية وهذا يدفعنا إلى طرح التساؤلات التالية، محاولة منا لفهم هذه الإشكالية : هل تمتاز حقوق الإنسان بالكونية ؟ وأم على العكس تمتاز بالخصوصية ؟ وكيف استطاع المغرب تدبير هذه الإشكالية من خلال دستور 2011 ؟ 

المطلب الأول : التأصيل النظري   
إن الاتفاقيات الدولية أهم وسيلة تعتمدها الأمم المتحدة والمنظمات المنبثقة عنها في حملتها لإقرار الحقوق والحريات ونشرها عبر العالم، إلا أن تفعيل هذه الحقوق وبلورتها على مستوى التشريع في كل دولة يظل رهينا بمواقف سياسية وإيديولوجية تعبر عن صعوبة التوفيق ما بين عالمية حقوق الإنسان وبين وجود خصوصية تتميز بها دول العالم الثالث. 
تُرى هل تمتاز حقوق الإنسان بالكونية أو هل بالعكس تمتاز بالخصوصية ؟، ما الإشكالات المترتبة عن الأخذ بمعطيي العالمية أو الخصوصية ؟  
الفقرة الاولى : على المستوى الدولي : شمال / جنوب   
إن موضوع حقوق الإنسان بين الكونية والخصوصيات الوطنية يطرح الكثير من الإشكالات والتساؤلات الهامة، التي لم يقع الاهتداء بعد إلى الجواب المقنع، حيث لم تستطع مختلف المقاربات المعتمدة إيجاد الحل النهائي الذي يرضى كل الأطراف. 
فما هي المقاربات المعتمدة خلال كل هذه الإشكالية على المستوى الدولي ؟  
أولا : كونية حقوق الإنسان 
إن أهم مبدإ كرَّسته مرجعية حقوق الإنسان هو الكونية، فقد بنى فلاسفة أوربا منذ القرن الثامن عشر حقوق الإنسان على مرجعيات تتجاوز الخصوصيات الثقافية. إنه تأسيس يرجع حقوق الإنسان إلى البداية إلى ما قبل كل ثقافة وحضارة، إلى حالة الطبيعة، ومنها إلى العقد الاجتماعي المؤسس للاجتماع البشري(6)، وبالتالي إلى الثقافة والحضارة. إن عالمية حقوق الإنسان تتجه إلى الجميع دون أي تمييز، وهي حقوق شمولية، فالحقوق المعنية هي حقوق "عالمية" بمعنى أنها حقوق الناس كافة. 
فالكونية يقصد بها الانخراط أكثر ما يمكن فيما أفرزه الضمير العالمي من قيم وحقوق وعدم التعلل بالخصوصية المحلية لتبرير انتهاكات معيبة لحقوق الإنسان(7). 
فمفهوم عالمية حقوق الإنسان ، يقتضي وجوب تطبيقها في كافة المجتمعات الإنسانية، أيا كان موقعها، وأيا كانت التمايزات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تميز كل مجتمع عن الآخر(8) فالإنسان واحد في كل مكان وزمان، الإنسان الكامل، لا المواطن فحسب، بل الأجنبي واللاجئ والمدني والعسكري(9). 
وما يؤكد خاصية العالمية، المصادقة المكثفة على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة من طرف عدد كبير من دول العالم، بالرغم من تبلور هذه الاتفاقيات في سياق تاريخي متميز من العالم الغربي الذي تختلف ثقافته وتقاليده عن دول العالم السائرة في طريق النمو(10) حيث أنها أصبحت تمثل تراثا مشتركا للإنسانية(11). كما تم تأصيل عالمية حقوق الإنسان من خلال التزام الدول في دساتيرها الوطنية بحماية حقوق الإنسان كما هو متعارف عليه دوليا(12)  وطبقا لهذا الاتجاه، فإنه لا يمكن لأي دولة أن تمنع مواطنيها من التمتع بهذه الحقوق، لأنها حقوق الإنسان المجرد وكل توظيف للخصوصيات الثقافية أو الدينية هو مس بالمبادئ التي ترتبط بحقوق الإنسان وهي العالمية والشمولية(13). 
وقد استطاعت الجمعية العامة من خلال الشرعة الدولية(14)، وإصدارها للعديد من الإعلانات والاتفاقيات أن تبلور قانونا دوليا خاصا لحقوق الإنسان، ومتسما بالعالمية التي لا تقبل التحلل من الالتزامات والحقوق الواردة به، تحت ذريعة الخصوصية الثقافية أو الاجتماعية(15) فهي تخاطب الدول الأعضاء بشكل جماعي وتضع على عاتقها التزامات دولية مرتبطة بضمان الاحترام العالمي لحقوق الإنسان، والاعتراف الفعال بالكائن البشري كمحور للحقوق المتساوية اللصيقة بالكرامة الإنسانية. 
فكونية حقوق الإنسان تتجلى في كون ميثاق الأمم المتحدة جعل احترام حقوق الإنسان أحد المقاصد الرئيسية للأمم المتحدة وأحد السبل الأساسية لتحقيق السلْم والأمن الدوليين(16). فالمادة الأولى من الميثاق تعلن أن أحد مقاصد الأمم المتحدة أن تحقق التعاون الدولي في تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا، والتشجيع على ذلك بلا تمييز بسبب العرق أو الجنس  أو اللغة أو الدين(17). 
إلا أن طرح حقوق الإنسان هذه، واجهت عدة انتقـادات(18)، فالبعـض اعتبرها وجها من أوجه الهيمنة الثقافية الغربية، وأنها طريقة لفرض توجه معين، ألا وهو النظرية الغربية لحقوق الإنسان(19) وأن الحديث عن كونية حقوق الإنسان فيه إعادة للخطاب الاستعماري الذي كان يضفي الشرعية على إخضاع الشعوب والثقافات الأخرى بتصدير الحضارات الأوربية، ولمواجهة هذه الكونية يؤكد هذا الاتجاه على الخصوصية الوطنية(20). 
هل توجد فعلا خصوصية بالنسبة لحقوق الإنسان ؟ 
ثانيا : الخصوصية 
إن أنصار نظرية خصوصية(21) حقوق الإنسان يرون أن الكونية المدعاة لحقوق الإنسان هي وجه من وجوه الهيمنة الثقافية الغربية التي أفرزتها الثورة الفرنسية، ينضاف إلى ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي جاء في سياق تاريخي اتسم بهيمنة القوى الكولونيالية على العديد من البلدان والشعوب من إفريقيا وآسيا وغيرها(22). وقد كتب محمد أركون في هذا الصدد: <<في ذلك إعادة للخطاب الاستعماري الذي كان يضفي الشرعية على إخضاع الشعوب والثقافات الأخرى بتصدير الحضارة الأوربية>>(23). ولمواجهة هذه الكونية المدعاة يؤكدون على الخصوصية الوطنية، والتي تتميز بتنوع محيطها الثقافي والديني، ويرون أن لكل حضارة حقوق إنسان خاصة بها تتناسب وثقافتها، وأن اختلاف الإنسان في القدرات والمؤهلات والموارد عوامل تؤثر على درجة استفادة كل واحد من هذا النظام، فلا وجود لإنسان عالمي مجرد بسبب اختلاف الأفراد حسب أوضاعهم الاجتماعية والثقافية(24). 
كما أدى ظهور النظريات الأنتربولوجية التي قامت بدراسات ميدانية عن الإنسان المتوحش في أدغال إفريقيا وأمريكا، والتي ترى أن الإنسان المجرد لا وجود له، وأن لكل فرد خصائصه. ولذلك لا مجال للحديث عن حقوق الجنس البشري(25). وبغض النظر عن حقيقة وجود الخصوصيات الثقافية أو عدمها. فإن الأكيد هو وجود نزعة قوية في مجال حقوق الإنسان تظهر في شكل تيارات فكرية تخترق وتجزئ مفهوم حقوق الإنسان(26). 
وقد ولَّد هذا الخلاف الفكري، خلافا وصراعا سياسيا واضحا في العديد من المؤتمرات الدولية، فدول الجنوب تتجه بدرجات متفاوتة إلى الربط بين الكونية والسيطرة، فالكونية المتمسك بها من طرف الدول الغربية، هي في نظر المناصرين للخصوصية قناع هيمنة وأداة سيطرة ووسيلة استلحاق سياسي واجتماعي وثقافي لدول الجنوب بدول الشمال، بل هي في بعض الأحيان أداة للتدخل في شؤون هذه البلدان باسم أهداف إنسانية أو حماية لحقوق الإنسان فيها، إنها صورة استعمارية جديدة ملطفة(27). 
كما يرى العديد من الباحثين أن الصفة الكونية الملصقة لحقوق الإنسان هي مجرد نزعة عالمية مرتبطة بتوسع السوق الرأسمالية(28)، ومرتبطة كذلك بالهيمنة(29)، حيث باسم حقوق الإنسان تمت عمليات استعمار الشعوب وعمليات إبادة الهنود الحمر من الأمريكيتين، وتحميل العبيد من إفريقيا إلى أمريكا الشمالية(30). 
إضافة إلى هاتين النزعتين، هناك نزعة توفيقية ترى أن الكونية لا تُنَحِّي الخصوصية، وأنه يمكن الجمع بينهما. 
فما هي الصياغة التوفيقية التي اعتُمدت لتدبير الاختلاف بين الكونية والخصوصية ؟ 
ثالثا : تكاملية حقوق الإنسان   
إن إشكالية عالمية أو خصوصية مبادئ حقوق الإنسان ليست بالقضية التي تُحسم بالترجيح النظري لأحد الطرفين، وإنما تتطلب تدبيرا توفيقيا متناسبا وموضوعيا للإشكالية، من خلال التأكيد على عالمية حقوق الإنسان مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الوطنية والإقليمية، بكل تجلياتها الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية والثقافية والدينية والسياسية(31). وهو السياق الذي اعتمدته ديباجة قرار الجمعية العامة القاضي بإحداث مجلس حقوق الإنسان بالتأكيد على عالمية وترابط مبادئ حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة، مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الوطنية والإقليمية بغض النظر عن الأنظمة السياسية والاقتصادية والثقافية المختلفة للدول(32) وقد وجدت هذه النزعة تكوينا رسميا لرؤياها في الإعلان النهائي الصادر عن مؤتمر فيينا حول حقوق الإنسان سنة 1993 والذي نص على مايلي : <<جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة، ومترابطة ومتماسكة ويجب على المجتمع الدولي أن يعامل الإنسان على نحو شامل وبطريقة منصفة ومتكافئة وعلى قدم المساواة وبنفس القدر من التركيز، إلا أنه يجب أن توضع في الاعتبار أهمية الخاصيات الوطنية والإقليمية ومختلف الخلفيات التاريخية والثقافية والدينية، فإن من واجب الدول بصرف النظر عن نظمها السياسية والاقتصادية والثقافية تعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية>>(33). 
إن البيان الختامي للمؤتمر تبنى صياغة توفيقية، أكدت عالمية حقوق الإنسان من جهة، ولم تتجاهل الخصوصية الثقافية من جهة أخرى، على أن لا تُخِل هذه الاعتبارات بواجب الدول من حيث تعزيز وحماية حقوق الإنسان. 
غير أن الفيلسوف محمد سبيلا(34) يرى أن الانتقادات الموجهة لمنظومة حقوق الإنسان باعتبارها أنها أولا إيديولوجيا للسوق وثانيا إيديولوجيا للهيمنة، لا يطعن في الطابع الكوني لهذه الحقوق بقدر ما يوجه نقده إلى التوظيفات والاستعمالات والاستثمارات التي خضعت لها سواء باستعمالها كأداة صراع سياسي داخلي، أو ضمن صراع سياسي دولي. 
بجانب هذا التوجه النظري في الصراع حول كونية وخصوصية حقوق الإنسان هناك شق آخر عملي وسياسي إذ لوحظ أن التمسك بالخصوصية إنما هو قول حق وراءه باطل، لأنه غالبا ما يكون محيطه لإخفاء بعض أشكال القمع وعدم احترام حقوق الإنسان، فالأستاذ بلعيد بودريس وهو أحد المنتقدين للخصوصية، يرى أن الخصوصية لا تُطرح إلا عندما يتعلق الأمر بالانتهاكات بدعوى الخصوصية الدينية والثقافية ولا تطرح أبدا عندما يتعلق الأمر بالتمتع بالحقوق. كما يرى أن الخصوصية استعملت أول الأمر للاعتراض على تنامي المد المدافع عن حقوق الإنسان(35). 
فالخصوصية والتنوع الثقافي والحضاري، هي واقع لا يمكن إنكاره غير أنه لا يمكن قبولها كذريعة وحجة لانتهاك حقوق الإنسان، وبالتالي فالخصوصية المطلوبة والمدافع عنها هي تلك التي تدفع بحماية حقوق الإنسان إلى الأمام وإلى الرقي وتدعم العالمية وليست تلك التي تُنقص منها(36). وقد أكد المؤتمر العربي على ذلك عندما ما أكد أعضاء المؤتمر العربي لحقوق الإنسان الذي عُقد في القاهرة سنة 1992، بمبادرة من اتحاد المحامين العرب والمنظمة العربية لحقوق الإنسان إذا اتخذ أعضاء المؤتمر موقفا واضحا معارضا لاستغلال الدول العربية للخصوصية من أجل تبرير انتهاكاتها لحقوق الإنسان أو لتنصلها من الالتزامات الدولية. كما أثار قرار المؤتمر أن الحكومات العربية تنظر إلى مفاهيم حقوق الإنسان على أنها إطار لممارسة المعارضة السياسية(37). 
إن مرتكز التكامل بين العالمية والخصوصية في ميدان حقوق الإنسان يفترض توافق كل النظم القانونية والحضارية في العالم، فضلا عن موضعة كافة الحقوق والحريات الأساسية في منزلة واحدة من حيث احترامها وتطبيقها. 
فاحترام حقوق الإنسان على الصعيد الكوني دفع إلى تحريك جهود المنظمات الدولية والوطنية العاملة في مجال حقوق الإنسان في الاتجاه الذي تصبح فيه قضية حقوق الإنسان ذات لغة مشتركة للإنسانية جمعاء، ومن أبرز تجليات ذلك هي أن حقوق الإنسان أصبحت عالمية مع عدم قابليتها للتجزيء، فقد أصبحت حقوق الإنسان جزءا من القانون الدولي بوجود أكثر من 100 معاهدة واتفاقية وعهد دولي، وافقت عليها معظم دول العالم، وأصبحت هذه الاتفاقيات بمثابة المرجعية الدولية لحقوق الإنسان(38). 
فإلى أي حد استطاع النظام السياسي المغربي احتواء هذه الإشكالية ؟ و هل ذهب المشرع المغربي في اتجاه كونية حقوق الإنسان أم خصوصيتها ؟ 
وهذا ما سنجيب عنه من خلال التطرق إلى إشكالية كونية وخصوصية حقوق الإنسان من خلال الفكر المغربي، وأخذنا هنا مفكرين كبيرين، كان لكل منهما موقفه من هذا الإشكال الذي طُرح منذ بداية النهضة العربية، وكما سنتطرق إليه من خلال المشرع الدستوري وكيف استطاع التوفيق بين هاتين المرجعيتين المختلفتين. 


لائحة المراجع
1) تعد هده الوثيقة و التي يطلق عليها كدلك العهد الاعظم من اهم الوثائق التاريخية لحقوق الانسان و اشهرها التي يتردد اسمها عند دكر نضال الانسان من اجل حقوقه و حرياته في مواجهة الاستبداد  و الظلم و من اهم الحقوق التي جاءت بها ندكر على سبيل المتال لا الحصر : - حرية التنقل – التظلم امام القاضي من أي حبس او اعتقال غير قانوني او تعسفي - - فاي شخص حر لا يمكن ان يتم اعتقاله او حبسه او تنتزع منه ممتلكاته ا وان يتم نفيه مهما كان الامر – حق كل مواطن انجليزي من ان لا يؤاخد عن جريمة مسندة اليه الا متى تبتت ادانته عنها شرعا امام محلفين من مجلس القضاء 
 انظر علي  كريمي ، "حقوق الإنسان  تطورها و مرجعيتها " مطبعة دار النشر المغربية عين السبع – الدار البيضاء ، الطبعة الاولى 1999 ص 36 و ص 37 .
2) جاءت هده القائمة كميتاق قيد سلطات الملك المطلقة ، و اقر مقابل دلك سيادة الشعب و تاكيد سلطات القانون ، و قد وضعت فيها ضمانات لحماية حقوق الانسان و الحريات العامة من طرف البرلمان  انظر علي كريمي ، مرجع سابق ، ص 40.
3) لقد جاء هدا الاعلان " اننا نعتبر الحقائق التالية و اضحة في حد داتها و هي ان الناس كلهم خلقوا متساويين و ان الخالق منحهم حقوقا تابثة لا يمكن انتزاعها منهم ، و من هده الحقوق ، الحياة و الحرية و نشدان السعادة ، ولضمان هده الاخيرة قد اسست الحكومات بين الناس تستمد سلطاتها العادلة من رضى المحكومين و انه عندما يصبح أي شكل من اشكال الحكومات اداة هدم لتلك الغايات فمن حق الشعب ان يغيرها و يزيلها .." انظر علي كريمي مرجع سابق ص 40 من مرجع اخر كمال ابو المجد " دراسة النظم الدستورية المقارنة : محاضرات ملقاة على طلبة دبلوم القانون العام ، جامعة القاهرة 1966 ص 66.
4) محمد الرضواني، "حقوق الإنسان وجدلية الكونية والخصوصية، قراءة في كتاب الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان"، www.mounrimoun.com/articles/4620
5) لحسن أيت لفقيه، "ندوة حقوق الإنسان بين الكوني والخصوصي : الحوار المتمدن"، العدد 3575 بتاريخ 2011، الموقع الإلكتروني www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=287326
6) محمد عابد الجابري، "الديمقراطية وحقوق الإنسان"، كتاب أصدرته اليونسكو 1996، ص : 14. الموقع https://kutupdfcafe.com 
7) محمد الحبيب الشريف، "النظام العام العائلي"، مركز الشعر الجامعي، تونس 2006،          ص : 165.
8) محمد نور فرحات، "مبادئ حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية" http://www.saasi
9) رينه جان دبوي، "عالمية حقوق الإنسان : ضمن ترجمات في الحماية الدولية لحقوق الإنسان"، إعداد محمد أمين الميداني، مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، تعز، اليمن، 2000، ص : 21.
10) نعيمة البالي، "ملاءمة التشريع المغربي لاتفاقيات حقوق الإنسان"، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة محمد الأول، وجدة 2002، 2003، ص : 24 – 25.  
11) محمد المساوي، "حقوق الإنسان بين النظرية والحماية"،  مكتبة قرطبة، أكادير، الطبعة الأولى 2013 ، ص : 22.
12) يوسف البحيري، "حقوق الإنسان المعايير الدولية وآليات الرقابة"، مطبعة الوراقة الوطنية الداوديات مراكش، الطبعة الأولى 2010،  ص : 83.  
13) محمد المساوي، مرجع سابق ص 23.  
14) المادة 30 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 5 من العهدين الدوليين نقصان صراحة على مبدأ كونية حقوق الإنسان.
15) عبد العزيز لعروسي، "التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان : ملائمة قانونية ودستورية"، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الطبعة الأولى 2014،        ص : 153.
16) يوسف البحيري، مرجع سابق، ص : 85.
17) أكد كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة السابق : أمام جامعة طهران بتاريخ 10 ديسمبر 1998 بأن حقوق الإنسان عالمية، لأنها تقوم على أساس كرامة كل إنسان بغض النظر عن العنصر أو اللون أو الجنس أو الأصل الاثني أو الاجتماعي أو الدين أو اللغة أو الجنسية      أو السن أو الميل الجنسي أو الإعاقة أو أي سمة أخرى مميزة، لأن جميع الدول وجميع الأشخاص يقبلونها فإنه تنطبق بقدر متساو بدون تميز على كل شخص ولا تتغير من شخص لآخر أو من مكان لآخر.
18) مقولة باتريك ووتسمان Patrick washmann عندما أكد أن <<الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان يكتسي أحيانا غطرسة من النوع الاستعماري وأن هذه الكونية هي من إنتاج المنطق الغربي>>. 
أنظر محمد نور فرحات، "مبادئ حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية"، المجلة العربية لحقوق الإنسان عدد 1 لسنة 1994،    ص : 22. 
صرح الكاتب (إدلمان برنارد) سنة 1991 قائلا : عندما تحدث عن كونية حقوق الإنسان، فإننا ندعي إضفاء صبغة كونية على كونيتنا، فمن هذا المنطلق يكون الحديث عن الكونية وجها من وجوه تخليد الخطاب الاستعماري المهيمن. 
أنظر رافع بن عاشور، "حقوق الإنسان بين الكونية والخصوصيات"، موقع https://www.startime.com. 
19) محيد حادون، "حقوق الإنسان بين جدل الكونية والخصوصية"، نشر في بوابة إقليم ميدلت يوم 7/8/2012. 
20) محمد المساوي، مرجع سابق، ص : 24.
21) إن مفهوم الخصوصية يعد منطلقا نظريا لفهم ظواهر المجتمع ويصلح للتطبيق في كل مناطق الهيمنة ومناطق التبعية، ويضيف أنور عبد المالك في تناوله النظري لمفهوم الخصوصية : <<حتى الآن لازالت معالجة أغلب مظاهر الخصوصية تتم ضمن الاستثنائية، إذ أنه من غير المتوقع أن تختفي الفرضيات السائدة حاليا، والمتمحورة حول الغرب وثقة الغرب بنظرياته الاختزالية، من المشهد الراهن المقابل لعالم متقلب، يشهد بزوغ حضارات وثقافات أمم الشرق الناهض، ويشهد في الوقت نفسه إحساسا متناسيا بالأزمة من المجتمعات الغربية الصناعية المتقدمة ذات الطابع الاستهلاكي، ولكن هذا لا يعني أن الخصوصية غير موجودة وباقية حتى وإن لم تستخدم كأداة مفاهيمية بشكل صحيح>>. 
أنظر : أنور عبد المالك، "ملاحظات حول مفهوم الخصوصية"، مجلة الكرمل، العدد 53، خريف 97، ص : 69.
عبد الله حمودي يذهب إلى أن نظرية الخصوصية تهيأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وذهب إلى ذلك بعد أن لاحظ أن رفض كل نقد ذي نزعة كونية عامة، يرافقه إلحاح على الخصوصية، وأن هذا الإلحاح على الخصوصية يركز على طبيعة الشعب، أو على ثقافة تحولت إلى طبيعة على حد قوله، كما يذهب إلى أن كل الأنظمة العربية تدعي هذه الخصوصية قصد تدبير سلطات ملكية مطلقة  أو رئاسية لا تقل إطلاقية، وأن كلا النوعين من السلطات يحاول الاستئثار، بما في المجتمعات وحاضرها ومستقبلها. 
أنظر عبد الله حمودي "الشيخ والمريد"، دار توبقال للنشر، البيضاء 2000، ص : 216. 
22) مصطفى الحسناوي، "حقوق الإنسان بين الكونية والخصوصية"، عن جريدة المساء، مارس 2011 http//likjaetarbia.ove.blog.com/artride – 70386271 html.
23) رافع بن عاشور، "حقوق الإنسان بين الكونية والخصوصية"، مرجع سابق.
24) روبير تسارفان وجان جاك سوير، "حقوق الإنسان والحريات الشخصية"، ترجمة د. علي ضوى، منشورات المؤسسة العربية للنشر والإيداع 1999، ص : 34.
25) رافع بن عاشور، "حقوق الإنسان بين الكونية والخصوصيات"، مرجع سابق.
26) Mbaye (kà : concept de l’universalité des droits de l’homme, op.cit,           P : 29.
27) محمد سبيلا، "جدل الكونية والخصوصية". 
http://minbaralhuriyaa.org/index.php/Mohamed-sabiha/mdraned_sabila07. 
28) يقول الباحث Jtouchard <<إن البورجوازية تخلط قضيتها بقضايا الإنسانية برمتها. وقضيتها هي قضية الاقتصاد، سعادة السوق والمثالية الأخلاقية الأنجيل والمال أنظر : 
 Guislaim : genése et orientations de l’déologie des droits de l’homme, inle droit (ovrage collectif), ellipese 1988, P : 180. 
29) ذكرت الفيلسوفة حنة أرنت من كتابها "الإمبريالية" <<بأن الدول الأوربية لم تكن في القرن 19 قادرة على ضمان حقوق الإنسان لأفراده ينتمون إلى أوطانها إذ لم تكن هذه الحقوق مضمونة إلا بالنسبة إلى المواطنين. وتخلص الباحثة من ذلك أن المفاهيم الغربية لحقوق الإنسان لا تصلح للتعميم على المستوى الإنساني العالمي لأنها جزء عضوي من الحالة الغربية المعاصرة ومعادلاتها الداخلية والخارجية. 
أنظر : Avents : l’impercalisme, Paris 1982, P : 275.
30) منيف شفيق، "حول الأسس الفكرية لمفهوم حقوق الإنسان من الغرب"، مجلة الإنسان المعاصر، بيروت، 1995، ص : 12.
31) عبد العزيز لعروسي، "التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان"، مرجع سابق، ص : 153.
32) A.Res (60/257) Nations Unies, 3 avril 2006, A/60/148 60 E session
33) أنظر إعلان وبرنامج عمل فيينا الصادر عن المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان المنعقد بفينا خلال الفترة من 14 إلى 25 يونيو 1993. http//www.arabhumanrights.org  
لقد اعتبر المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا في يونيو 1993 وما سبقه من اجتماعات تحضيرية، بمثابة جلية دقيقة للمواجهة بين العالمية والخصوصية فخارج النظام الإقليمي الأوربي وخارج منظومة الدول الأكثر تقدما هناك تستر خلف الخصوصية الثقافية والحضارية والاجتماعية ضدا عن العالمية، وقد أدى ذلك إلى احتكاك قوي بين الحكومات والمنظمات الغير الحكومية والتي تبان المواقف بينهما وقد أكدت الحكومات على الخصوصية بينما شددت المنظمات الغير حكومية على العالمية.  
أنظر علي كريمي، "الأمم المتحدة وعالمية حقوق الإنسان : في نصف قرن من الأمم المتحدة"، أعمال الندوة التي نظمتها كلية الحقوق بمراكش أيام 26 – 27 – 28 أكتوبر 1995، منشورات كلية الحقوق بمراكش، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد السابع، 1997. 
وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة في كلمته الافتتاحية أثناء هذا المؤتمر على عالمية مبادئ حقوق الإنسان باعتبارها ركيزة أساسية لفهم الأمم المتحدة لهذه الحقوق بينما تضمنت كلمات كثير من ممثلي الدول الأسيوية والإفريقية والعربية تحللها من مبدأ العالمية وتأكيدها على مبدأ الخصوصية باعتبارها واقعا لا يمكن تجاهله أما المنظمات الغير الحكومية فقد أعادت تأكيد مواقفها القائمة على عدم إمكانية أن تكون الخصوصية مبررا الانتهاك حقوق الإنسان أو للتحلل من الالتزامات الدولية بشأنها.  
أنظر محمد نور فرحات، "مبادئ حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية"، المجلة العربية لحقوق الإنسان، العدد الأول 1989،   ص : 26.    
34) محمد سبيلا، "جدل الكونية والخصوصية"، مرجع سابق انترنيت .
35) بلعيد بودريس، "مرجعية حقوق الإنسان : الكونية والخصوصيات الثقافية والدينية"، مجلة الكرامة، العدد الخامس، يناير 2000، ص : 40.
36) محمد احميميد، "عالمية حقوق الإنسان"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة من القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق، السنة الجامعية 2000 – 2001، ص : 85.
37) مجيد حادون، "حقوق الإنسان بين جدل الكونية والخصوصية"، نشر في بوابة إقليم ميدلت يوم 7/8/2012 موقع انترنيت.
38) عبد العالي حامي الدين، "حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية"، www.alquds.co.uk/?p260285


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة