ifada إفادة

ifada إفادة


دور الحكامة الدينية في تعزيز الحكامة الأمنية: التجربة المغربية نموذجا

الإثنين 22 فبراير 2021 - 10:39 , افادة
دور الحكامة الدينية في تعزيز الحكامة الأمنية: التجربة المغربية نموذجا
إنجاز: صابر الصحراوي دكتور باحث في القانون العام والعلوم السياسية

وضعت الشرائع لحفظ مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي مصالح تتفاوت بتفاوت قوتها، وحاجة الخلق إليها، فمنها الضروري والحاجي والتحسيني، ولا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا برعايتها والمحافظة عليها، وفوات هذه المصالح-لاسيما الضروري منها- يعرض حياة الناس للتلف والفوضى وعدم الاستقرار. ولحفظ هذه المصالح أُلزم الخلق بامتثال التكاليف الشرعية جميعها، وهي من حيث حفظها لها نوعان، تكاليف تحفظها من جهة الوجود وأخرى تحفظها من جهة العدم.

ويعد تحقيق الأمن ببعديه المادي والروحي من أعظم ما تحفظ به هذه المصالح، من الجهتين، بل هو من مقومات الأمة الرئيسة، ولأجل ذلك اعتبره الشارع، وقضى بتحقيقه يوم خلق السماوات والأرض، وامتن به على خلقه، فاستحق لذلك الصدارة في شروط العيش الكريم(1) في قوله صلى الله عليه وسلم:"من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا"(2).

ومن المعلوم بأنه إذا كان الأمن المادي يهدف إلى حماية الأشخاص وممتلكاتهم والحيلولة دون الوقوع في الفتن، فإن الأمن الروحي يبتغي حصول الطمأنينة والسكينة التي يشعر بها الفرد والمجتمع، والتي تأتي نتيجة ممارسة الشعائر الدينية وفق نمط يقع عليه إجماع الأمة من اختيار للمذهب والعقيدة والسلوك، فيكون من نتائجها الحتمية نبذ العنف والتطرف واجتناب المحرمات والكبائر والاعتداء على حرمة الغير؛ ومن نتائجها أيضا تربية الفرد ليكون مطيعا لخالقه، صالحا في مجتمعه، نافعا لنفسه ولأهله ولوطنه، فيعم الرخاء وتسود الطمأنينة ويحصل الأمن الروحي والأمن المادي والرخاء المجتمعي(3).

وغني عن البيان بأنه ثمة علاقة جدلية بين الأمن الروحي والأمن المادي على اعتبار أن كل واحد منهما يفسح المجال للآخر ويخدمه. كمثال بسيط يمكن القول بأنه لولا الأمن العام     (la sécurité publique) بالشارع والطرقات لما استطاع الناس التوجه إلى المساجد لأداء الصلاة، ولولا الأمن العام بالأماكن المقدسة ما كان بقدرة الحجاج أن يؤدوا مناسكهم على الوجه المطلوب شرعا، وهكذا يتضح أن الأمن المادي في خدمة الأمن الروحي.

وحينما يقوم الواعظ بتأطير الناس دينيا فيبصرهم بما حرم الله من الاعتداء على المال والنفس والظلم والزنا والخمر وغير ذلك فتقل الجريمة يكون بذلك الأمن الروحي في خدمة الأمن المادي، وعليه ووفقا لتعريف إمارة المؤمنين(4) من جهة وخطورة الجمع بين السلطتين الروحية والمادية في يد غير أمير المؤمنين، كان من التبصر والحكمة وسلامة الأمة أن يتقلد أمير المؤمنين هذه المسؤولية تبعا للأمانة المنوطة به والمتمثلة في عقد البيعة التي تعتبر ميثاق ترابط وتلاحم شرعي مباشر بين الحاكم والمحكوم(5). وعلى هذا الأساس أسند المشرع الدستوري للملك جميع المجالات الكفيلة بالمحافظة على الأمن الروحي والأمن المادي(6) وهي الواردة بالتفصيل في باب الملكية من دستور 2011(7).

من هذا المنطلق، يمكن القول بأن الحكامة الدينية بالمغرب تكتسي أهمية إستراتيجية، بالنظر إلى دورها البارز في تدعيم تدبير الشأن الديني من منطلق منظور للتأطير الديني يتوخى الوحدة العقدية، وتوحيد المرجعية الفقهية والسلوكية سبيلا إلى تحقيق الأمن الروحي الذي يعتبر من مرتكزات الأمن القومي ولوازمه في التجربة المغربية القائمة على الوسطية والاعتدال والتسامح كقيم أساسية لتمتين العلاقة مع الآخر وتطمح بالكياسة إلى تبادل الخبرات وتحقيق أمن استراتيجي يهدف إلى سياسة وقائية تؤمن المحيط وتسد الذرائع المحتملة.

بالإضافة إلى كل ما ذكر فالمغرب تابع مسلسله الديمقراطي بإصلاحات دستورية، ولم يتأثر بوصول من يستحق إلى تدبير الشأن الحكومي كما هو الشأن في بلاد إسلامية معلومة، مما يعني أن بناء الأمن القومي المغربي يسير على محورين متكاملين. تأمين الداخل من أي دخيل يريد التدخل في الشأن الديني، وتأمين المحيط بإصلاحات فاعلة، وبكياسة تدمج التعاون في الشأن الديني وتقدم النموذج المغربي في السياسة الخارجية ما أمكن الأمر ذلك.

كل هذا نجده في التأطير الديني الذي ترسمه سياسة الدولة المغربية المرتكزة على ثوابت تتمثل في العقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتصوف السني(على طريقة الجنيد) مع اختيارات تجعل من خصائصها الوسطية والاعتدال والتسامح دون الخوض في تكفير الأفراد والجماعات(8).

ووعيا منا، بأن انفراد المغرب بتمايز تجربته في تدبير الشأن الديني، برصانة وحسم، في إطار الثوابت السالفة الذكر(العقيدة الأشعرية، الفقه المالكي والتصوف السني على طريقة الجنيد)، إنما يرجع بالأساس إلى قيام الدولة بتنظيم الحقل الديني بالاعتماد على هيكلة المؤسسات الدينية الرسمية التي أوكلت لها مهمة تحقيق الأمن الروحي وصيانة الأمن العقدي، إلى جانب فاعلين غير رسميين، مما ساهم في تثبيت أركان الاستقرار. فإننا نرى بأنه من المهم من الناحية المنهجية، تناول هذا الموضوع في فقرتين، تتناولان على التوالي: الفاعلون الرسميون وغير الرسميون في الحقل الديني(الفقرة الأولى)، في حين سنفرد الفقرة الثانية لتناول واقع ومستقبل الأمن الروحي بالمغرب.

الفقرة الأولى: الفاعلون الرسميون وغير الرسميون في الحقل الديني

سنتطرق في البداية للفاعلين الرسميين(أولا)، لنتناول بعد ذلك الفاعلين غير الرسميين(ثانيا).

أولا- الفاعلون الرسميون

سنتناول في البداية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية(أ)، لنتطرق بعد ذلك لمؤسسة العلماء(ب).

أ- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

تخضع هذه الوزارة في تنظيمها لظهير ملكي وليس لمرسوم وزاري على غرار باقي الوزارات الأخرى، وقد عرفت مجموعة من الإصلاحات خصوصا بعد الأحداث الإرهابية التي شهدتها بلادنا في 16 ماي 2003، أبرزها الظهير الشريف رقم 1.16.38 الصادر في 26 فبراير2016(9) ، والذي تم بموجبه نسخ أحكام الظهير الشريف رقم 1.03.93 الصادر في 4 دجنبر 2003(10)، وتحديد اختصاصات وتنظيم المصالح المركزية(1) والخارجية(2) التي تشتمل عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، هذا بالإضافة إلى قرار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية رقم 2836.09 الصادر في 18 يناير 2010 بتغيير وتتميم أقسام ومصالح المديريات المركزية التابعة للوزارة(11)، قرار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية رقم 679.16 الصادر في 10 مارس 2016 في شأن التنظيم الداخلي لنظارات الأوقاف ومندوبيات الشؤون الإسلامية وعددها ودوائر نفوذها الترابي(12)، وكذا المرسوم رقم 2.17.194 الصادر في 18 أبريل 2017 المتعلق باختصاصات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية(13).

1- المصالح المركزية

بالإضافة إلى ديوان الوزير الذي تم التنصيص على إحداثه بمقتضى المادة 2(14)، تنص المادة 3  من الظهير الشريف السالف الذكر، على أن الإدارة المركزية تشتمل على ما يلي:

- الكتابة العامة؛

- المفتشية العامة؛

- مديرية الأوقاف؛

- مديرية الشؤون الإسلامية؛

- مديرية المساجد؛

- مديرية تدبير شؤون القيمين الدينيين؛

- مديرية التعليم العتيق ومحو الأمية بالمساجد؛

- مديرية الشؤون الإدارية والتعاون؛

- مديرية الشؤون القانونية(15).

تناط بالكاتب العام، بمقتضى المادة 4 من الظهير السالف الذكر، مجموعة من المهام من بينها مؤازرة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في مباشرة التوجيه العام لسير الأعمال المتعلقة بالوزارة. كما يقوم بناء على تعليمات الوزير بجميع المهام المتعلقة بالتخطيط... .(16)

2- المصالح الخارجية

تتألف المصالح الخارجية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بمقتضى المادة 24 من الظهير السالف الذكر، من نظارات للأوقاف ومندوبيات جهوية وإقليمية للشؤون الإسلامية. وقد أناطت المادة 28 من نفس الظهير مهمة التنظيم الداخلي لهذه المصالح لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية.

تتكلف نظارات الأوقاف طبقا للمادة 25، بعدة مهام من بينها السهر طبقا لتوجيهات وتعليمات الوزارة على المحافظة على ممتلكات الأوقاف وتدبيرها وتنميتها وتحسين مداخيلها وكذا العمل على تتبع المنازعات المتعلقة بالممتلكات الوقفية...

بالنسبة لمندوبيات الشؤون الإسلامية فقد نصت المادة 26 على أن يعهد إليها بالقيام بجملة من المهام من قبيل الإشراف على تدبير وتسيير أماكن إقامة شعائر الدين الإسلامي والعمل على تتبع أحوالها، التشجيع على تنظيم الأنشطة الدينية بتعاون مع المؤسسات والهيئات المعنية... .(17)

ب- مؤسسة العلماء

تتولى هذه المؤسسة العريقة مهمة التأطير الديني داخل المجتمع عن طريق العمل على نشر الفكر الديني الصحيح، كما تقوم بدور اجتماعي وثقافي يتمثل في عرض الإسلام وتبليغه بطريقة سليمة مع الحرص على حماية الوحدة الوطنية وضمان الاستقرار السياسي والسلم والأمن الاجتماعيين(18).

إلا أنه ومنذ الاستقلال إلى أواخر السبعينات تعرضت هيئات العلماء للتهميش والإقصاء، حيث تم اعتبارهم ممثلين لقوى التخلف والجمود، لكن سياسة الإقصاء هاته أدت إلى ظهور فراغ إيديولوجي تضرر منه النظام السياسي المغربي، لهذا منذ سنة 1979 بادرت الدولة إلى اتخاذ إجراءات عديدة تهدف إلى إعادة الاعتبار لدور العلماء في تسيير الحياة العامة(19).

وفي هذا السياق تم إحداث المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية(1)، كما تم إحداث رابطة علماء المغرب ودار الحديث الحسنية(2)، بالإضافة إلى المجلس العلمي المغربي لأوروبا(3).

1- المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية

أحدث المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الإقليمية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.80.270 الصادر في 8 أبريل 1981، حيث تم بموجب هذا الظهير تحديد واجبات وكذا أشكال نشاط العلماء التابعين للدولة(20).

وفي إطار مواجهة التحديات التي شهدها المجتمع المغربي، خاصة بعد أحداث 16 ماي 2003 التي جسدت تسيب الحقل الديني وانفلاته من رقابة الدولة وكذا ضعف أداء العلماء في مهمة التأطير الديني، تم إصدار الظهير الشريف رقم 1.03.300 بتاريخ 22 أبريل 2004 القاضي بإعادة تنظيم المجالس العلمية(21)، وتوسيع نطاق عملها على نحو يجعلها قادرة على مواصلة مسيرة التطور والتحديث ومواجهة كل التحديات التي يمكن أن تعترضها.

هذا وتجدر الإشارة، إلى أن الفصل 41 من دستور 2011، ينص على أن "يرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه.

ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى المعتمدة رسميا، بشأن المسائل المحالة عليه، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة.

تحدد اختصاصات المجلس وتأليفه وكيفيات سيره بظهير"(22).

ولكونه ارتقى بمقتضى الفصل السالف الذكر إلى مرتبة مؤسسة دستورية، فقد أصبحت لهذا المجلس مكانة متميزة بين المؤسسات الدستورية الأخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أضحى بإمكان الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى بأن يقترح عضو من الأعضاء الذين تتألف منهم المحكمة الدستورية(23)، إضافة إلى أن الأمين العام لهذا المجلس يعتبر عضوا في مجلس الوصاية... .(24)

2- رابطة علماء المغرب ودار الحديث الحسنية 

تأسست رابطة علماء المغرب سنة 1961 بهدف إشراك العلماء في المؤسسات ومراقبة أنشطتهم ومجالات تدخلهم، غير أنها ظلت مؤسسة جامدة غائبة عن الحياة العامة حتى في أصعب الفترات التي واجهتها المرجعية الدينية للنظام السياسي المغربي حتى مع نجاح الثورة الخمينية، بحيث كان التنديد من علماء مستقلين ولم تصدر الرابطة أي رد فعل(25).

ولإحياء الرابطة فقد صدر ظهير بتاريخ 14 فبراير 2006 بتخويل جمعية رابطة علماء المغرب صفة مؤسسة ذات نفع عام تحت اسم جديد وهو الرابطة المحمدية لعلماء المغرب(26)، وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن هذا الظهير، قد استند في مرجعيته على الخطاب الملكي ل 30 أبريل 2004، الذي أكد فيه الملك على أنه أبى إلا أن يشمل الإصلاح" (...)رابطة علماء المغرب لإخراجها من سباتها العميق وإحيائها بشكل يجعل منها جهازا متفاعلا مع المجالس العلمية(...)"(27).

ويرأس الرابطة حاليا الدكتور محمد عبادي، وتسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف منها التعريف بأحكام الشرع ومقاصده والمساهمة في تنشيط الحياة العلمية والثقافية في مجال الدراسات الإسلامية... .(28)

أما بالنسبة لدار الحديث الحسنية، فقد تأسست في فاتح نونبر 1964، بناء على خطاب ملكي ألقي على العلماء المشاركين في الدروس الحسنية، وبمقتضاه صدر المرسوم الملكي المنظم لدار الحديث الحسنية في 6 غشت 1968، وقد أبرز الخطاب الملكي أن الهدف من دار الحديث الحسنية هو تكوين علماء ذوي رسوخ في العلوم الإسلامية مع وعي بما يتفاعل في زمانهم من تيارات فكرية وما يستجد من اكتشافات علمية ليتمكنوا من الاضطلاع بنفس الدور الذي قام به أسلافهم(29).

وبتاريخ 24 غشت 2005 صدر الظهير الشريف رقم 1.05.159 القاضي بإعادة تنظيم وهيكلة دار الحديث الحسنية، والذي تمت الإشارة في ديباجته إلى أن إصلاح دار الحديث الحسنية لا يمكن أن يتحقق إلا بتكوين علماء مفكرين متنورين يجمعون بين المعرفة المعمقة بين علوم الإسلام والدراية بمناهجها وبين التفاعل والحوار مع مختلف العلوم الإنسانية...(30).

3- المجلس العلمي المغربي لأوروبا

في إطار مواصلة مسيرة إصلاح المؤسسات الدينية وتطويرها، وكذا الانفتاح على الجالية المغربية بأوروبا من أجل الحفاظ على هويتها المغربية في مواجهة النزاعات الأصولية المتطرفة، صدر الظهير الشريف رقم 1.08.17 بتاريخ 20 أكتوبر 2008 المنظم للمجلس العلمي المغربي لأوروبا(31)، وذلك بهدف السهر على حسن أداء الفرائض الدينية والقيام بشعائر الإسلام في جو من الطمأنينة والحفاظ على الأمن الروحي لكافة المغاربة المقيمين بأوروبا، وكذا المساهمة في فتح حوار بين كافة العقائد والديانات التوحيدية الثلاث من خلال نبذ كل أشكال رفض الآخر، وتعميق وعي الجالية المغربية بقيم الإسلام القائم على التسامح والاعتدال... .(32)

ثانيا- الفاعلون غير الرسميون

إلى جانب الفاعلين الرسميين الذين تمت الإشارة إليهم آنفا، ثمة فاعلون آخرون غير رسميون، يتمثلون في الطرق والزوايا الصوفية وكذا الحركات الإسلامية بفصائلها المتعددة، التي تنشط على المستوى الشعبي، وتقدم خدمة دينية صرفة، أو خدمة اجتماعية(العمل الخيري)، لكن بخلفية دينية أو سياسية .(33)

وتصنف الطريقة القادرية البودشيشية حاليا، على رأس  الفاعلين غير الرسميين في الحقل الديني المغربي، على اعتبار أنها تساهم بشكل فعال في تحقيق الأمن الروحي ونشر العلم والمعرفة على المستوى الوطني والدولي، بالإضافة إلى دورها الرائد في تفعيل الدبلوماسية الروحية(34)، مما ساهم في تثبيت أركان الاستقرار، كما أنها تعرف انتشارا واسعا في العديد من دول العالم. الأمر الذي مكنها من أن تكون خير سفير للتعريف بالنموذج الديني المغربي القائم على الوسطية والاعتدال.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى الأدوار الرائدة التي أضحت تضطلع بها الدبلوماسية الروحية(35) في خدمة قضايا الأمة ودورها في دعم العمل الدبلوماسي في بعده الرسمي، حيث إن الدبلوماسية وبفعل الظروف السياقية الآنية أصبحت صورة مختزلة عن الشعوب والأمم في مختلف أبعادها السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية والحضارية، فبعد أن كان العمل الدبلوماسي يرتكز في السابق على التمثيلية السياسية للشعوب، غدا اليوم ينفتح على كل الفعاليات التي من شأنها الإسهام في رعاية وخدمة مصالحها، ويأتي هذا في سياق التحولات الكبيرة التي تعرفها مجتمعاتنا الإنسانية المعاصرة، وما فرضته السياقات الجديدة من متغيرات على كثير من منظوماتنا، بما فيها نظام الدولة نفسه؛ إذ لم يعد منحصرا في النظام السياسي، بقدر ما أصبح يرمز إلى كل المكونات والفعاليات المشكلة لهذا الكيان، وتبعا إلى هذا فقد تطورت العلاقات فيما بين الدول وصارت أكثر تعقيدا وتشابكا مما كانت عليه في الماضي؛ بحيث تتضمن اليوم كل الفاعلين الذين يسهمون في رعاية وتأثيث هذه العلاقات، وهو ما تبلور في مفهوم"الدبلومايسة الموازية" التي يعتبر البعد الروحي والديني من أهم فاعليها.

إن الدبلوماسية الروحية التي يقدمها التصوف اليوم من شأنها أن تخلق دينامية واسعة داخل مجتمعاتنا الإنسانية في شتى أبعادها، فهي لا تقتصر في عملها على الجوانب الروحية والدينية، وإنما تشكل موجها عاما وشموليا يهم المعيش الإنساني في كل أبعاده؛ دينا وسياسة وأمنا واقتصادا وثقافة...الخ، وقد كانت لهذه الأبعاد الآثار البالغة في توثيق الصلات فيما بين الشعوب والأمم، فكل واحد منها يشكل حلقة مستقلة من شأنها الدفع بقوة نحو تعزيز وتمتين هذه الصلات، بداية من الأبعاد الفنية والجمالية التي يتضمنها الخطاب الصوفي وما أضحت تضطلع به هي الأخرى من أدوار ضمن هذه الدبلوماسية؛ لما تفتحه من آفاق الحوار والتفاعل الإيجابي فيما بين الأفراد والثقافات والحضارات، إلى جانب الأبعاد المعرفية والثقافية والفكرية التي تشكل بدورها مكونا أصيلا في دعم وتعميق هذه الدبلوماسية، وما تفتحه من آفاق رائدة للتنمية؛ سواء من خلال ما يسهم به المنتسبون للزوايا من رجال الاقتصاد، أو من خلال الموجهات القيمية التي يقدمها التصوف والتي تدفع بقوة نحو ترسيخ الفكر الإنتاجي وترشيده وتخليقه، وما لذلك من آثار مباشرة على التنمية الاقتصادية ببعديها الإنساني والعمراني. هذا بالإضافة إلى ما تكرسه سائر الأبعاد الأخرى من قيم وأعراف وسلوكات شكلت إرثا مشتركا لكل الشعوب التي شملها هذا المكون الروحي الأصيل(36).

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول بأنه وإلى جانب العناصر الهوياتية الأخرى التي تربط المغرب بالعمق الإستراتيجي الإفريقي من قبيل اللغة والثقافة الأمازيغية... يحضر معطى آخر ذو أهمية قصوى وهو العنصر الديني، المتمثل في ثقل إمارة المؤمنين، وروابط الزوايا، وقد سُجل إعادة توظيف مكثف في الآونة الأخيرة لهذا العنصر، وعاد المحدد الديني إلى تدعيم علاقة المغرب بكثير من الدول الإفريقية، في عهد الملك محمد السادس. فقد أعاد الملك صياغة علاقة الرباط بالتيجانيين الذين ينتشرون في مختلف البلدان الإفريقية، على امتداد منطقة الساحل والصحراء، ودفع في اتجاه بناء علاقة جديدة تقوم على تمكين أتباع الزاوية التيجانية من أدوار دبلوماسية تساهم في تقوية الروابط بين المغرب وبلدان إفريقية(37).

المحدد الديني له مجموعة مصادر تاريخية وثقافية جد هامة، لاسيما وأن المغرب ملتزم دستوريا بطابعه الإسلامي، ومنذ دخول الإسلام إلى المغرب استطاع أن يجعله ركيزة ظواهره الثقافية وحياته السياسية الداخلية والخارجية، فقد وفر انتشار الدين الإسلامي وقيمه الروحية في المغرب فرصة سانحة لتحقيق الانصهار الحضاري بين كل من المغرب والدول الإفريقية، مما هيأ الأجواء المناسبة لتمركز العديد من الزوايا والطرق الصوفية في أرجاء إفريقيا، التي ساهمت بنصيب هام في تحديد ودعم الروابط الدينية بين سكان المغرب والشعوب الإفريقية، وللإسلام تاريخ طويل في إفريقيا يمتد إلى أزيد من عشرة قرون، إذ ساهم في خلق فضاء ديني وثقافي مكن على مر الزمن من تكريس الاستمرارية بين شمال إفريقيا وباقي مناطق القارة، مما حدى بالبعض إلى القول بأن الجزء الشمالي لإفريقيا يعتبر بمثابة المرجعية الدينية للجزء الجنوبي للقارة السمراء، الأمر الذي سهل وأثر بشكل كبير في غلبة سمات الثقافة المغربية التي انتشر فيها المذهب المالكي، وساد مجتمعاتها التسامح الذي يجمع بين الإسلام وبعض المعتقدات التاريخية(38).


الفقرة الثانية- واقع ومستقبل الأمن الروحي بالمغرب

إن المغرب يؤمن مستقبل أمنه الروحي ويعمل من منطلق سياسة استباقية، ابتدأت أمنية وتعززت بمرتكزات التنمية والحقوق السياسية والاجتماعية، وفي خطوة تابعة أشر الملك محمد السادس من موقعه الديني كأمير للمؤمينين على "خطة دعم". التي تم التركيز فيها على تحصين المساجد من كل دخيل.

 وتندرج هذه الخطوة في عمومها ضمن رؤية إستراتيجية بعيدة المدى لمراقبة ومحاصرة المد المتزايد للجماعات المندرجة في المجتمع المغربي على اختلاف أنماطها وتوجهاتها وأفكارها المتطرفة.

وترتكز الخطة السالفة الذكر على ما يلي:

المرتكز الأول: ضبط المجال الديني بما يتناسب وسياسة الدولة المغربية المحتكمة إلى مؤسسة إمارة المؤمنين وما يجعل تحت يده من الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى التي تتفرع عنها المجالس العلمية بالمملكة، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لكي لا يتم العبث بالشأن الديني وما يتعلق به؛

المرتكز الثاني: تأطير القيمين الدينين بخطة الميثاق، ومتابعة التطبيق للثوابت الدينية والاختيارات المغربية في الفقه والعقيدة والسلوك. وبالتالي تأطير المواطنين من خلال دروس الوعظ والإرشاد والمحاضرات والندوات...

كل هذا من أجل فهم عميق للمستجد من الأمور في المجتمع المغربي بما لا يتناقض والحقوق الشخصية والعامة. لوضع حد لأي اختراقات فكرية متطرفة متوقعة، أو اختلافات فقهية مخالفة لاختيارات المغاربة.

كل هذه التحصينات لإبعاد الخطر بتحصين الأمن القومي، وإعداد النموذج الديني المعتدل المتسامح الذي يحصن الأمن الروحي في المغرب. واعتباره النموذج الأمثل الذي يحتدى به ويحذى حذوه إقليميا ودوليا. إذ أن تحقيق الأمن القومي لا يتم فقط من خلال توفير الضروريات والحاجيات، وتوفير القوة والعدة العسكرية، وإنما يتم بالتأطير الديني بمفهومه الواسع، فالفكر وجب أن يواجه بفكر مثله، وبحسن التدبير والتخلص وهنا تظهر الحكمة والحنكة المغربية التي أدمجت البعد الديني الروحي والتنموي القومي في مقاربته الأمنية، واعتبرته عنصرا ومرتكزا أساسيا في مجال التعاون من أجل محاربة التطرف بقطع جذوره ومنافذه بلغة هادئة وحكمة بالغة... .(39)





لائحة المراجع

1) الدكتور عبد الهادي الخمليشي، التأطير الديني بين الأمن الروحي والأمن القومي: التجربة المغربية نموذجا، إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، مطبعة الأمنية، الرباط، السنة السابعة والخمسون، العدد 413، شوال 1436 هـ/يوليوز 2015 م، ص 29. 

2) أخرجه الترمذي في الجامع: 2346 وابن ماجة في السنن: 4141.

3) محمد إدريسي توارغتي، إمارة المؤمنين: دعامة للأمن الروحي، إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، السنة الثالثة والخمسون، العدد 397، شعبان 1431 هـ/يوليوز 2010 م، ص ص 27 و28.

4) إمارة المؤمنين هي لقب للخليفة أو للإمام، وتعريف أحدهما هو تعريف لإمارة المؤمنين ومن تم فمصطلح أمير المؤمنين هو امتداد لفكرة الخلافة على اعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم مستخلف على النبوة والمسلمون خلفاء الله في الأرض ورئيسهم هو الخليفة، وإلى هذا المعنى يشير قوله عز من قائل في الآية 55 من سورة النور"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم"، للمزيد من التفصيل يراجع في هذا الشأن: مقدمة ابن خلدون وكتاب الأحكام السلطانية للماوردي.

5) صدر سنة 2012، تحت إشراف الدكتورة بهيجة سيمو، مديرة الوثائق الملكية٬ كتاب تحت عنوان "الصحراء المغربية من خلال الوثائق الملكية"٬ يقدم مادة وثائقية علمية رصينة. ومن بين ما تمت الإشارة إليه في هذا المؤلف القيم، أن وحدة المغاربة كانت ولا زالت، قائمة على ثوابت شرعية قوامها البيعة المستندة على التعاقد الأساسي بين الحاكم والمحكوم بكل ما يحمل هذا العقد الشرعي من معاني السيادة السياسية منها والقانونية. فإذا انعقدت البيعة ترتب عليها واجبات وشروط أهمها حفظ الدين، وتنفيذ الأحكام، وحفظ الأعراض، والدفاع عن العباد والبلاد وتحصين الثغور، ويصبح السلطان أو الملك بمقتضى البيعة مسؤولا عن حماية المواطنين المبايعين. ولهذا فإن هذه الوثائق تبين التزام السلاطين والملوك وحرصهم المستمر على الذود عن الوحدة الترابية للمغرب وحفظ سيادته، وصيانة أمنه، بما يجعل ذلك شغلهم الشاغل من لحظة اعتلائهم العرش...(بهيجة سيمو، كتاب جماعي تحت عنوان الصحراء المغربية من خلال الوثائق الملكية، الطبعة الأولى، منشورات مديرية الوثائق الملكية، المغرب، 2012، ص 1 وما بعدها).

6) محمد إدريسي توارغتي، إمارة المؤمنين: دعامة للأمن الروحي، مرجع سابق، ص 28.

7) للمزيد من الإطلاع في موضوع الاختصاصات التي خولها المشرع الدستوري للملك، يراجع:(الباب الثالث من دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432(29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 28 شعبان 1432(30 يوليوز 2011)، ص 3622).

8) الدكتور عبد الهادي الخمليشي، التأطير الديني بين الأمن الروحي والأمن القومي: التجربة المغربية نموذجا، مرجع سابق، ص 43.

9) الجريدة الرسمية عدد 6448 بتاريخ 7 جمادى الآخرة 1437 الموافق ل 17 مارس 2016، ص 2691.

10) الجريدة الرسمية عدد 5172 بتاريخ فاتح ذي القعدة 1424 الموافق ل 25 دجنبر 2003، ص 4389.

11) الجريدة الرسمية عدد 5814 بتاريخ 3 ربيع الأول 1431 الموافق ل 18 فبراير 2010، ص 533.

12) الجريدة الرسمية عدد 6448 بتاريخ 7 جمادى الآخرة 1437 الموافق ل 17 مارس 2016، مرجع سابق، ص 2699.

13) الجريدة الرسمية عدد 6562 بتاريخ 22 رجب 1438 الموافق ل 20 أبريل 2017، ص 2741.

14) الجريدة الرسمية عدد 6448 بتاريخ 7 جمادى الآخرة 1437 الموافق ل 17 مارس 2016، مرجع سابق، ص 2691.

15) نفسه.

16) نفسه.

17) نفسه، ص ص 2697 و2698.

18) الزبير مهداد، مدخل إلى إصلاح الخطاب الديني، مجلة فكر ونقد، العدد 75، يناير 2006، ص ص 6 و11.

19) محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي في المغرب، ترجمة محمد حاتمي وخالد شكراوي، الطبعة الأولى، دار النشر الفنك، 1999، ص 14.

20) الظهير الشريف رقم 1.80.270 الصادر في 8 أبريل 1981، الجريدة الرسمية عدد 3575 الصادرة بتاريخ 6 مايو 1981.

21) الظهير الشريف رقم 1.03.300 بتاريخ 22 أبريل 2004 القاضي بإعادة تنظيم المجالس العلمية، الجريدة الرسمية عدد 5210 الصادرة بتاريخ 06 ماي 2004، ص 2177.

22) الفصل 41 من دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 ( 29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 28 شعبان 1432 (30 يوليوز 2011)، مرجع سابق.

23) الفصل 130 من دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 ( 29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 28 شعبان 1432 (30 يوليوز 2011)، مرجع سابق.

24) الفصل 44 من دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 ( 29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 28 شعبان 1432 (30 يوليوز 2011)، مرجع سابق.

25) محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي في المغرب، مرجع سابق، ص 106.

26) ظهير شريف رقم 2010-05-1 صادر في 14/2/2006، جريدة رسمية عدد 5418 بتاريخ 4 ماي 2006.

27) راجع نص الخطاب الملكي بتاريخ 30 أبريل 2004(خطابات-ملكية /www.maroc.ma/ar، تاريخ الزيارة: 29/01/2019).

28) للمزيد من التفصيل يراجع في هذا الشان الموقع الرسمي للرابطة المحمدية للعلماء، (www.arrabita.ma تاريخ الزيارة: 29/01/2019).

29) دليل دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية، مطبعة فضالة، المحمدية، 1996، ص ص 49 و 50.

30) الظهير الشريف رقم 1.05.159 القاضي بإعادة تنظيم معهد دار الحديث الحسنية، جريدة رسمية عدد 5347 بتاريخ 29 غشت 2005.

31) الظهير الشريف رقم 1.08.17 الصادر بتاريخ 20 أكتوبر 2008 المنظم للمجلس العلمي المغربي لأروبا، الجريدة الرسمية عدد 5680 بتاريخ 6 نوفمبر 2008.

32) راجع المادة الثانية من الظهير الشريف رقم 1.08.17 الصادر بتاريخ 20 أكتوبر 2008 المنظم للمجلس العلمي المغربي لأروبا، مرجع سابق، ص 4065.

33) محمد ضريف، قراءة في أداء مؤسسات الحقل الديني الرسمي، www.maghress.com/attajdid/47877(تاريخ الزيارة: 16/02/2019).

34) يرى الدكتور عبد الرحيم السوني، أستاذ باحث بالرابطة المحمدية للعلماء، بأنه إذا أردنا أن نعطي مثالا حيا عن الطرق الصوفية في ممارستها للدبلوماسية الروحية، فيمكن أن نستحضر مجموعة من الطرق، ومنها الطريقة القادرية البودشيشية، التي لا يخفى على أحد ما تضطلع به من دور فاعل في تعزيز صلات المغرب بكثير من بلدان العالم، ولذلك فهي تجسيد فعلي وواقعي للعمل الذي تقوم به الدبلوماسية الروحية كعمل مواز للدبلوماسية الرسمية، وذلك من خلال ما تم ترسيخه في وجدان هؤلاء المنتسبين من الارتباط الروحي العميق بالمغرب وبملك المغرب والسعي إلى ما فيه مصلحة المغرب باعتباره يشكل موطن انتمائهم الديني والروحي، وهناك نماذج كثيرة تبرز الدور الدبلوماسي الذي تضطلع به الطريقة وإن لم يسلط الضوء عليه إعلاميا، كما أن القائمين على الطريقة لا يحبذون الخوض في مثل هذه الأمور لأنهم يعملون في صمت فعملهم يقصدون به وجه الله، وإلا كيف نفسر كثير من المواقف الدبلوماسية التي اضطلعت بها هذه الطريقة سواء في الشأن المحلي أو الخارجي...(للمزيد من الاطلاع يراجع: مساهمة الدكتور عبد الرحيم السوني، تحت عنوان الدبلوماسية الروحية وتعزيز أواصر التواصل الدولي: نموذج المغرب وإفريقيا، في الدورة 12 من الملتقى العالمي للتصوف والذي تمحور حول التصوف والدبلوماسية الروحية: الأبعاد الثقافية والتنموية والحضارية، الطبعة الأولى، منشورات مؤسسة الملتقى، مطبعة وراقة بلال، فاس، 2018، ص 76.  

35) يعد مصطلح الدبلوماسية الروحية مصطلحا مركبا من لفظين اثنين: الدبلوماسية-الروحية، لذلك من الصعب الاعتقاد أن مقاربة هذين المفهومين تعد مقاربة سهلة، فلقد تشكل المفهومان وتعانقا وترابطا في سياق معرفي وإيديولوجي مضطرب، ولعل من بين الأسباب التي تزيد من صعوبة تعريف هذا المركب الاصطلاحي هو إدماج مصطلح الروحي في الدبلوماسية. وقد حاولت بعض الدراسات تقديم تعاريف دقيقة لمفهوم الدبلوماسية الروحية؛ فمنهم من يعتبر "الدبلوماسية الروحية" دعامة أساسية وموازية ومكملة للدبلوماسية التقليدية بمفهومها الكلاسيكي المتمثل في جهاز وزارة الخارجية، ومنهم من يعتبرها آلية تسعى إلى تدعيم وتقوية الروابط الدينية والروحية. وتثمين وشائج الود والصداقة والثقة بين الشعوب، ومنهم من يحصر دورها في الدفاع عن المصالح العليا والقضايا العادلة للوطن والمواطنين، وجلب وتحفيز الشركات الأجنبية وتوسيع مجالات التعاون الدولي. كما بوأت الظروف المحلية والإقليمية والعالمية والتحولات الآنية التي تشهدها المنطقة-بعد تنامي خطاب التطرف بشتى أشكاله-الدبلوماسية الروحية منزلة صار لها فيها اعتبار. ومن البديهي بعد هذه التحولات التي شهدتها السياقات الإيديولوجية والحضارية خلال العقد الأخير، أن يظهر فاعلون جدد في مجال الدبلوماسية الروحية، خاصة مع ما صار يعرف في المغرب "بإعادة هيكلة الحقل الديني"، فبعد أن كانت كل من مؤسسة إمارة المؤمنين والفاعل الصوفي هما الفاعلان الرئيسيان في مجال الدبلوماسية الروحية، انضاف إليها فاعلون آخرون...(للمزيد من الاطلاع يراجع: مساهمة الدكتور محمد الطاهي، تحت عنوان الدبلوماسية الروحية بالمغرب.. من الانكفائية إلى ضرورة تكريس التدبير التوقعي والاستباقي، في الدورة 12 من الملتقى العالمي للتصوف والذي تمحور حول التصوف والدبلوماسية الروحية: الأبعاد الثقافية والتنموية والحضارية، مرجع سابق، ص ص 132 و133.

36) الدكتور مولاي منير القادري، التصوف والدبلوماسية الروحية: الأبعاد الثقافية والتنموية والحضارية، مرجع سابق، ص 5 وما تلاها.  

37) إحسان الحافظي، "المغرب وإفريقيا...روابط الدين والسياسة والأمن"، جريدة الصباح الصادرة بتاريخ 25 مارس 2013.

38) عادل موساوي، علاقة المغرب بإفريقيا جنوب الصحراء بعد انتهاء القطبية الثنائية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال-الرباط، السنة الجامعية 2002-2003، ص 78.

39) الدكتور عبد الهادي الخمليشي، التأطير الديني بين الأمن الروحي والأمن القومي: التجربة المغربية نموذجا، مرجع سابق، ص ص 40 و41.

   


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :