ifada إفادة

ifada إفادة


المراقبة الإدارية على أعمال المجالس الترابية في ظل المقتضيات الدستورية الجديدة

الجمعة 15 يناير 2021 - 14:30 , افادة
المراقبة الإدارية على أعمال المجالس الترابية في ظل المقتضيات الدستورية الجديدة
إنجاز صابر الصحراوي دكتور باحث في القانون العام والعلوم السياسية

لقد توخى المشرع الدستوري من خلال دسترة المراقبة الإدارية على أعمال مجالس الجماعات الترابية، تحقيق مجموعة من المقاصد العامة، تتجسد بالأساس في وضع آليات للمراقبة الداخلية لهذه الوحدات الترابية، وذلك بهدف صون مبدأ الشرعية وضمان سلامة التصرفات، وتجنب التجاوزات الممكنة وحماية المصلحة الوطنية في مواجهة المصالح المحلية أو التقنية. 
بالنسبة للسلطة القضائية، فإن أحكام المحكمة الإدارية يطعن فيها بالاستئناف، وقرارات الاستئناف يطعن فيها بالنقض. وأعمال البرلمان تخضع لرقابة المحكمة الدستورية بهدف التأكد من مدى دستورية القوانين. كما أن أعمال السلطة التنفيذية تخضع هي الأخرى لرقابة إدارية وأخرى قضائية.
ولما كانت المراقبة بشكل عام آلية قانونية تعين تفعيلها وتعميمها على هياكل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، وجب إخضاع مجالس الجماعات الترابية لمراقبة إدارية تمارسها جهات إدارية معينة ووفقا لإجراءات محددة، وذلك على غرار الدول المتقدمة التي تتسم بالوحدة القانونية للدولة.
لأجله، ولضمان مبدأ شرعية légalité أعمال المجالس المنتخبة في إطار ترسيخ دولة الحق والقانون والمؤسسات، وجب أن يخضع المنتخبون على مستوى الجماعات الترابية أثناء قيامهم بأعمالهم لمراقبة إدارية. وهو ما تم تكريسه في الدستور الجديد للمملكة المغربية بموجب الفصول التالية:
الفصل 145 من الدستور: "... يعمل الولاة والعمال، باسم الحكومة، على تأمين تطبيق القانون، وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها، كما يمارسون المراقبة    الإدارية...".
الفصل 146 من الدستور:"... تحدد بقانون تنظيمي بصفة خاصة  قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر، وكذا مراقبة تدبير الصناديق والبرامج وتقييم  الأعمال وإجراءات المحاسبة...".
الفصل 156 من الدستور: "...تقدم المرافق العمومية الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وتخضع في هذا الشأن للمراقبة  والتقييم".
ولتفعيل آليات المراقبة الإدارية الموكولة للولاة والعمال على أعمال الجماعات الترابية تعزيزا لقواعد الحكامة الترابية، فقد استلزم الأمر صدور قوانين تنظيمية ومراسيم تطبيقية تنظم هذه العملية. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن القوانين التنظيمية للجماعات الترابية(القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم، القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات)، قد صدرت بالجريدة الرسمية عدد 6380 بتاريخ 23 يوليوز 2015 ،أما المراسيم فصدرت على مراحل مختلفة.
ومما لا شك فيه، فإن القوانين التنظيمية السالفة الذكر، والتي صدرت في إطار تنزيل المبادئ الدستورية التي تم التنصيص عليها في دستور 2011، وعلى وجه الخصوص مبدأ التدبير الحر، مبدأ التفريع وكذا مبدأ التضامن والتعاون، قد حاولت- قدر الإمكان- أن تؤطر تدخلات الدولة بحيث تتجه نحو إقرار مراقبة أكثر حداثة ومرونة، وذلك عبر الحد نسبيا من المراقبة القبلية ومراقبة الملاءمة، والسعي لتقوية مراقبة التقييم والمراقبة البعدية مع الحفاظ على المراقبة القضائية من طرف المجالس الجهوية للحسابات.
وبالنظر للمكانة السامقة التي تبوأتها الجماعات الترابية في ظل دستور 2011، حيث أضحى رؤساء هذه الوحدات الترابية آمرون بالصرف، فقد بات من الضروري إعادة النظر في القوانين التنظيمية التي تحدد شروط تدبير الجهات والجماعات الترابية الأخرى لشؤونها، خاصة فيما يرتبط بالشق المتعلق بالتنزيل الدستوري السليم لمبدأالتدبير الحر، لأن من شأن ذلك تسريع دينامية التحديث، والرفع من وثيرة أداء الجماعات الترابية بالجودة والنجاعة اللازمتين، كما سيمكن من جهة ثانية، من تعميق مبادئ اللاتمركز الإداري، والعمل بشكل تصاعدي على ملاءمة آليات اتخاذ القرار والحكامة الترابية بصفة عامة، مع طبيعة التحديات  الآنية والرهانات المستقبلية لبلادنا.

 وفي انتظار ذلك، سيتم إبراز بعض مظاهر المراقبة الإدارية على ضوء التجربة الفرنسية في هذا المجال، والتي يمكن الاهتداء بها عند التفكير في إعادة صياغة القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية بالمغرب.
المراقبة الإدارية وفق التشريع الفرنسي:
نص القانون رقم 82-213 الصادر في 2 مارس 1982 المتعلق بالجماعات الترابية بفرنسا، كما تم تتميمه وتغييره، على أن القرارات الصادرة عن الجماعات الترابية تصبح نافذة بمجرد نشرها أو تبليغها، وعلى ممثل الدولة(le représentant d’état) رفع دعوى إلغاء القرار الإداري الذي يرى بأنه غير شرعي لدى القضاء الإداري، وذلك خلال أجل شهرين من تبليغه بالقرار المعني، وبعد مرور عشرين يوما على اطلاع المجلس مصدر القرار بنيته في الطعن إذا لم تعدل مواضيع المخالفة في القرار. كما يمكنه طلب إيقاف تنفيذ القرار وللقضاء الإداري وحده سلطة الفصل في الدعوى، وكذا وقف تنفيذ القرارات الإدارية خاصة عندما يتعلق الأمر بمجال التعمير والصفقات العمومية أو المساس بالحريات العامة أو الحياة الخاصة للأفراد.
كما أن الرقابة المالية على الميزانية المحلية وتسييرها، التي كانت تقوم بها السلطة المركزية في إطار ما يسمى بالوصاية المالية، قد ألغيت وأوكل هذا النوع من الرقابة إلى المجالس الجهوية للحسابات التي تقوم برقابة توجيهية في أصلها، وذلك من خلال تقديم اقتراحات التصحيح إلى المجالس المحلية، غير أنه في حالة عدم قيام هاته الأخيرة بالتصحيحات اللازمة في الآجال المحددة قانونا، يحل ممثل الدولة محل هذه المجالس للقيام بالتصحيحات اللازمة تنفيذا لقرار المجلس الجهوي للحسابات. 
وتستند المراقبة الإدارية المعمول بها في فرنسا على ثلاثة مبادئ و هي:
- قائمة لقرارات إدارية محصورة العدد تخضع لمراقبة ممثل الدولة؛
- مراقبة بعدية ترتكز أساسا على مدى شرعية القرار الإداري المتخذ من طرف المجلس الجماعي؛
 - تدخل ممثل الدولة، والقاضي الإداري لاعتماد أو إلغاء القرار الإداري.
فبالنسبة لقائمة القرارات الإدارية المحصورة العدد التي تخضع لمراقبة ممثل الدولة، يميز القانون بين نوعين من القرارات الإدارية:
- القرارات الإدارية التي يجب تبليغها إلى ممثل الدولة أو لمن فوض إليه ذلك لتصبح قابلة للتنفيذ؛
- القرارات الإدارية الأقل أهمية والتي ليس من المفروض تبليغها إلى ممثل الدولة، تصبح قابلة للتنفيذ فور نشرها أو إشعار المعنيين بها.
أما في ما يتعلق بالمراقبة البعدية فترتكز أساسا على مدى شرعية القرار الإداري المتخذ من طرف المجلس الجماعي، وتشمل جل القرارات التي أصبحت قابلة للتنفيذ، ويتم تفعيلها على الشكل التالي:
- القرارات الإدارية المحصورة العدد التي يجب تبليغها إلى ممثل الدولة تخضع للمراقبة البعدية فور التوصل بها من طرف ممثل الدولة؛
- القرارات الإدارية التي ليس من المفروض تبليغها إلى ممثل الدولة، فلا يمكن إخضاعها للمراقبة البعدية إلا إذا كان ممثل الدولة على بينة أو على علم بها مثل:
* قرارات إدارية صادرة عن مجالس الجماعات الترابية، تمت إحالتها على ممثل الدولة على الرغم من عدم وجود شرط لإحالتها؛
* قرارات إدارية صادرة عن مجالس الجماعات الترابية، تمت إحالتها على ممثل الدولة من طرف شخص متضرر؛
* قرارات إدارية صادرة عن مجالس الجماعات الترابية ، تم إخبار ممثل الدولة بها عبر أية وسيلة من الوسائل الأخرى.
أما فيما يخص تدخل ممثل الدولة(العامل أوالوالي بالنسبة للحالة المغربية)، والقاضي الإداري لاعتماد أو إلغاء القرار الإداري، فإن التشريع الفرنسي خول لممثل الدولة إمكانية رفع دعوى إلغاء القرار الإداري المتخذ من طرف مجالس الجماعات الترابية أمام القضاء الإداري وفق مسطرة تحدد الكيفيات والآجال المتعلقة بها.

وكيفما كانت نوعية أعمال الجماعات الترابية الخاضعة للمراقبة الإدارية للولاة والعمال، فإنه لا يمكن إغفال الدور الذي يمكن أن تضطلع به كل من المفتشية العامة للإدارة الترابية ومديرية الجماعات المحلية بوزارة الداخلية في هذا الميدان باعتبارهما من أهم المؤسسات التي تتوفر عليها الدولة للقيام بالمراقبة بشكل عام وبتقييم ممارسة المراقبة الإدارية المسندة للولاة والعمال على أعمال مجالس الجهات والجماعات الترابية الأخرى، علاوة على تقييم البرامج القطاعية سواء في إطار مهام فردية أو مشتركة مع مفتشيات قطاعات وزارية أخرى.
  


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

نور الدين اسحيلي

الأحد 14 فبراير 2021 - 21:43

وفقت دكتور في معالجة الاشكال من كل الجوانب انه بحق اجتهاد وبحت ينم عن تكوين صلب جعلنا نحيط بمجموعة من الافادات شكرا دكتور

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :