ifada إفادة

ifada إفادة


إشكالية المواءمة بين اعتبارات الأمن وممارسة الحقوق والحريات: التجربة المغربية نموذجا (1/2)

الإثنين 11 يناير 2021 - 09:25 , افادة
إشكالية المواءمة بين اعتبارات الأمن وممارسة الحقوق والحريات: التجربة المغربية نموذجا (1/2)
انجاز: صابر الصحراوي دكتور باحث في القانون العام والعلوم السياسية

يحيل موضوع جهود المغرب في المواءمة بين اعتبارات الأمن وممارسة الحقوق والحريات، إلى محاولة فتح مسالك جديدة لإيجاد حلول ناجعة لهذه الإشكالية. لأجله، يقترح هذا العمل تقسيما ثنائيا، يعرض على التوالي، تشخيص مسلسل التفاعل مع سؤال الأمن وحقوق الإنسان بالمغرب في المبحث الأول، فيما يتناول المبحث الثاني، سبل تحقيق التوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات تعزيز وحماية حقوق الإنسان بالمغرب. 
لقد أدركت معظم الدول، القيمة الكبرى للحقوق والحريات كمتطلبات لا غنى عنها لبناء        المؤسسات، وبناء أفراد المجتمع الذي يمثل الجانب الأكثر أهمية في عملية التنمية؛ وهو ما يتطلب ضرورة توافر سياسات تربوية منتجة، وبناء مؤسسات سياسية وإدارية ذات حكامة ونجاعة(1). ومن ثم لا يمكن تصور اجتياز الدول الصعوبات المختلفة إلى عالم عصري ومتمدن إلا إذا غدا أفرادها متمدنين، يتمتعون بتأهيل وتميز.
ولن تثمر جهود الدول في عملية التغيير والتطوير، إلا إذا تغيرت قناعات مواطنيها ليغدوا مواكبين لخطوات التغيير؛ فالدولة الحديثة في حاجة ماسة اليوم لمواطنين يشاركون بفعالية في شؤون المجتمع، يقيمون السياسات العامة والتوجهات الكبرى بمعايير موضوعية، يساهمون في النقاش من خلال تفعيل الآليات(2)، خاضعين لسلطان المجتمع الكبير، غير منزوين، ولا منعزلين في محيط مجتمعاتهم. 
من هنا، كانت الحرية(3)القاعدة الأساس لمجمل منظومة حركة التطور والتنوير والحداثة العلمية وغير العلمية التي برزت لدى الكثير من المجتمعات والأمم والحضارات.
لكن الحرية كقيمة إنسانية، وحيث أنها ساهمت في إغناء مسيرة الإنسان وتطوير مواقعه المختلفة في الحياة، لم تكن- ولا يمكن أن تكون في أي وقت من الأوقات– قيمة منفلتة، لا ضابط أو رادع لها، خاصة عندما تتقيد هذه الحرية بقيد الحرية نفسه... لتصبح حرية مسؤولة، سقفها العمل والبناء والتطوير وخدمة الناس والمجتمع، والمساهمة التشاركية في تطوير الدول، والالتزام بقضايا الناس والوطن، والالتزام بالنقد الحر الموضوعي البناء، بهدف البناء الواعي والتطوير الدائم ومراكمة النتائج الإيجابية، بعد نقد السلبيات وتلافي الأخطاء الواقعة والقائمة في أي مجتمع ونظام وحضارة(4).
لهذا فالحرية الحقيقية التي تمنحها الطبيعة أو التي يتيحها أي نظام اجتماعي سياسي لأفراده، ليست شعارا يمكن إطلاقه بسهولة للاستهلاك، بل هي ممارسة مؤسساتية قائمة على التزام أخلاقي تضمنه قوانين ونظم مؤسساتية في الدولة.

المبحث الأول: تشخيص مسلسل التفاعل مع سؤال الأمن وحقوق الإنسان بالمغرب 
لا ريب في أن المجتمعات النامية ارتقت اليوم مدارج لا بأس بها، في سلم التطور بإلحاح وضغط من شعوبها، وبمثابرة حكوماتها على العمل على رفع مستوى رفاهية شعوبها من خلال ما تنفذه من خطط لتنمية مرحلية اجتماعية واقتصادية، وسياسية وحقوقية(5). وقد عرفت خطى التغيير على مستوى هذه المجتمعات، طفرة نوعية بعد أحداث ما سمي بالربيع العربي الديمقراطي، والتي استلهمت أساسا من ثورة تونس التي تعتبر بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت فتيل الحركات الاحتجاجية بالدول التي تأثرت برياح ربيع تونس، وعلى رأسها مصر، ليبيا، سوريا، اليمن، الجزائر(6)... 
ومما لاشك فيه، أن الظرفية السياسية والاجتماعية بالمغرب، قد طبعت آنذاك بشكل قوي بمجريات هذه الأحداث المتأثرة بدورها بالسياق الإقليمي والدولي(7). ومن المعلوم أيضا، أن قضية الأمن قد طغت على التفكير فيها، المقاربة الحقوقية؛ في مقابل ذلك تم رصد ضعف في النقاش السياسي حول المسألة الأمنية بالمغرب، بدليل الحضور القوي لموضوع الحكامة الأمنية في مذكرات منظمات المجتمع المدني، مقابل ضعفها في مذكرات الأحزاب السياسية أثناء مراجعة الدستور؛ هذا بالإضافة إلى الحيز الضعيف الذي أفرده البرنامج الحكومي لقضايا الأمن(8).
وبغض النظر عن الجدل والأسئلة التي ظلت تتناسل قبل وبعد الاستفتاء الدستوري، حول إمكانية هذا الميثاق الجديد في إحداث تغيير عميق يؤسس لمرحلة جديدة في التاريخ السياسي المغربي، فقد شكل هذا التعديل محطة مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر، جاءت كنتيجة لتطورات نوعية، ساهمت في رسم خريطة سياسية جديدة للبلاد، وتزامنا مع أحداث الربيع العربي الديمقراطي الذي ساهم بشكل كبير في تسريع وثيرة الإصـلاح التـــي انطلقــت منـذ تسعينــيات القــرن الماضــي(9)، وتوجـت بتعـديلات دستـوريــة، قوامها-حسب خطاب 9 مارس-تكريس الطابع التعددي للهوية المغربية، وترسيخ دولة الحق والمؤسسات والحريات، واستقلال القضاء، وتوطيد مبدأ فصل السلط من خلال برلمان منبثق من انتخابات حرة ونزيهة، وتدعيم اختصاصاته التمثيلية والتشريعية والرقابية، ومن خلال تكريس تعيين الوزير الأول من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب، وتقوية مؤسسة الوزير الأول كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، وتقوية دور الأحزاب السياسية في تأطير المواطنين، وإقرار مبدأ المحاسبة والمسؤولية، والحكامة الجيدة(10). 
يتضح من خلال هذا الخطاب، بأن الملك محمد السادس، قد ارتأى بأن يرتكز الإصلاح الدستوري ببلادنا على سبعة محاور رئيسية؛ من بينها تعزيز منظومة حقوق الإنسان وضمان التمتع بالحقوق والحريات الفردية والجماعية في أجواء آمنة؛ كما أكد في خطاب 18 يونيو 2011، بأن الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز 2011، هي بمثابة دستور حقوق الإنسان وميثاق حقوق وواجبات المواطنة(11)، لما تضمنته من دسترة كافة حقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها عالميا، بكل آليات حمايتها وضمان ممارستها(12).
من هذا المنطلق، يمكن القول بأن من حسنات حراك سنة 2011، تحقيق مجموعة من المكتسبات؛ أهمها صدور دستور متقدم، اعتبر بمثابة قفزة نوعية في مجال تكريس الحقوق والحريات(13)؛ حيث تم التنصيص على مبدأ استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتعزيز دوره في حماية حقوق الأفراد والجماعات؛ كما تم التنصيص على إحداث المجلس الأعلى للأمن كمؤسسة أمنية أسمى تسند إليها مهمة أعمق، بوضع إستراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد(14)؛ هذا بالإضافة إلى حسم إشكالية العلاقة بين الاتفاقيات الدولية والقانون المغربي، بالنص صراحة على مبدأ سمو الاتفاقية الدولية، حيث جاء دستور 2011 معبرا بوضوح، عن مسألة إعطاء الاتفاقيات الدولية مكانة تسمو على التشريعات الوطنية؛ إذ نص في ديباجته على "جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة..."(15).
وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه وفي سياق التغير السياسي، صادق المغرب على البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة(16)، مع ما يترتب على ذلك من إمكانية تلقي اللجنة الخاصة بالقضاء على التمييز ضد المرأة، المحدثة بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لشكايات الأفراد والمجموعات ضحايا انتهاك حقوقهم الواردة في الاتفاقية من قبل الدول الأطراف.
وكان المغرب قد انضم إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بتاريخ 21 يونيو 1993، لكنه ظل متشبتا بتحفظه على البرتوكول الاختياري المذكور قبل أن يبدي استعداده لتغيير موقفه منه منذ يونيو 2006، عندما وافقت آنذاك اللجنة الوزارية المكلفة بالحريات العامة وحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، برئاسة الوزير الأول، على توصية من اللجنة التقنية، بالمصادقة عليه.
وفي سياق خطوات المغرب الكبرى في مجال حقوق الإنسان، تمت المصادقة على البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية(17)، كما تمت المصادقة على البرتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو المهينة(18) والذي ينص بدوره على إحداث آلية وطنية مستقلة للوقاية من التعذيب، تسهر على زيارة أماكن الاحتجاز وتعزيز حماية الأشخاص من التعذيب؛ كما يتيح إمكانية القيام بزيارات لمراكز الاعتقال والاحتجاز بشكل منتظم من طرف هيئات دولية ووطنية، وذلك من أجل الدفع بالدول باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع جميع أشكال التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة(19).
ولعل مختلف الإصلاحات التي تم اعتمادها بالمملكة المغربية والمشار إليها آنفا، تشكل تفاعلا حقيقيا مع جوهر توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة(20).
 ومن أجل توطيد مسلسل الإصلاحات التي عرفها المغرب، قدمت الهيئة المذكورة مجموعة من التوصيات، تتعلق بالإصلاحات المؤسساتية، وبإستراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب، وبتتبع تنفيذ التوصيات، حيث أوصت هذه الهيئة بالتنصيص الدستوري الصريح بفحوى الحريات والحقوق الأساسية؛ مثل حريات التنقل والتعبير والتظاهر والتنظيم النقابي والسياسي والتجمع والإضراب، وسرية المراسلات وحرمة المسكن واحترام الحياة الخاصة(21).
كما أوصت الهيئة بتجريم الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والإبادة والجرائم الأخرى ضد الإنسانية، والتعذيب، وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة أو المهينة، وكذا منع كل أشكال التمييز المحرمة دوليا وكل دعوة أو تحريض على العنصرية والكراهية والعنف...
ومن المعلوم، أن ورش الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة باعتباره في صدارة أولويات برامج الإصلاح الحكومي، جاء ليضفي اهتمام أكبر بموضوع إصلاح العدالة، اعتبارا للدور الحيوي للعدل في البناء الديمقراطي وتوطيد الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، وحماية حقوق والتزامات المواطنين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، ولكون القضاء ملاذا لصون الحقوق والحريات وضمان ممارستها الفعلية(22).
لا مجال للتشكيك في سياق هذه التحولات، بأنه ثمة إرادة سياسية واضحة من أجل إنجاح هذا الورش الحقوقي الكبير بغية القطع النهائي مع أي تصرف من شأنه المساس بحقوق الإنسان، بالرغم من التحديات الأمنية التي أفرزتها التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، خاصة فيما يرتبط بتنامي التهديدات الإرهابية لما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وكذا التهديدات الإرهابية بمنطقة الساحل والصحراء وامتدادها الجغرافي صوب القرن الإفريقي، فضلا عن تقاطعاتها العضوية مع أنشطة جماعات الإجرام المنظم، لاسيما شبكات الاتجار في الأسلحة والمخدرات والهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر...الخ(23)؛ وهي ذات التحديات التي فرضت على المغرب اعتماد مقاربات أكثر فعالية لمواجهة هذه الظواهر الإجرامية، سواء على مستوى بناء قدرات العاملين في الأجهزة الأمنية(24)، أو على مستوى التنسيق العملياتي بين كل مكونات هذه الأجهزة، فضلا عن تعزيز التعاون الأمني مع مختلف الدول والمنظمات ذات الاهتمام بالشأن الأمني(25)، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هذه المقاربة، وبقدر ما تستحضر التزامات المغرب الناشئة عن اتفاقيات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتصدي لجرائم الفساد المالي وتبييض الأموال والاستغلال الجنسي للقاصرين وباقي الجرائم الأخرى، فإنها تستحضر أيضا وبالتزام شديد، تعهدات المغرب المترتبة عن الصكوك والمواثيق ذات الصلة بحقوق الإنسان، وتهتدي بالضمانات المقررة قانونا لحماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية.
ومما لا شك فيه، بأن هذا الالتزام المزدوج بشقيه الأمني والحقوقي، إنما يشكل الأساس المتين لكل مقاربة أو إستراتيجية أمنية تروم التوفيق بين هاجس الدولة في الحفاظ على الأمن وفرض النظام العام، وبين الحرص على ضمان حقوق الأفراد وحرياتهم بدون تفريط ولا إفراط؛ فهذا الالتزام هو الذي يفرض على المؤسسات الأمنية، التقيد الشديد بالضمانات والشكليات المقررة قانونا، كلما تم إعمال التدابير الاحترازية المقيدة للحريات؛ من قبيل الوضع تحت الحراسة النظرية، تفتيش المنازل، الحجز، التقاط المراسلات والمكالمات وتفريق التجمهر...(26).
 استنادا إلى ما سبق، يمكن القول، إن المؤسسات الأمنية المغربية مدعوة اليوم، بأن تعزز وتواصل انخراطها في مسلسل توطيد مبادئ حقوق الإنسان في الوظيفة الأمنية، وترسخ قيم النزاهة والاستقامة، وتكرس الممارسات السليمة في مجال إنفاذ القوانين، فضلا عن اعتماد آليات إجرائية وقائية وأخرى تأديبية للحيلولة دون تسجيل أية تجاوزات شخصية من شأنها المساس بحقوق وحريات المواطنين(27)؛ وهو ما سيساهم في بناء مؤسسة أمنية عصرية ذات كفاءة عالية، مجهزة بوسائل ومناهج علمية حديثة، مؤسسة أمنية مواطنة قريبة من المواطن ومعبأة لخدمته، منفتحة على محيطها ومتواصلة مع مختلف الفاعلين، وذات إلمام جيد بمبادئ حقوق الإنسان، وذلك وفق التصور الذي حدده الملك محمد السادس كمفهوم جديد للسلطة(28)؛ تلكم السلطة التي يجب أن تقوم على"حفظ الحريات وصيانة الحقوق وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك على النحو الذي تقتضيه دولة الحق والقانون"؛ تلكم السلطة التي يرتكز مفهومها على"رعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية والحريات الفردية والمحافظة على السلم الاجتماعي، وهي مسؤولية لا يمكن النهوض بها داخل المكاتب الإدارية التي يجب أن تكون مفتوحة في وجه المواطنين، ولكن تتطلب احتكاكا مباشرا بهم وملامسة ميدانية لمشاكلهم في عين المكان وإشراكهم في إيجاد الحلول المناسبة والملائمة"(29)؛ كما أن مفهومها "لا يقتصر، كما يعتقد البعض، على الولاة والعمال والإدارة الترابية. وإنما يهم كل من له سلطة، سواء كان منتخبا، أو يمارس مسؤولية عمومية، كيفما كان نوعها والمفهوم الجديد للسلطة يعني المساءلة والمحاسبة، التي تتم عبر آليات الضبط والمراقبة، وتطبيق القانون"(30).
ولئن كان قدر المؤسسة الأمنية في العالم بأسره، أنها تشتغل في خط تماس مع حقوق وحريات المواطنين، وأن آليات عملها تتضمن الكثير من التقييدات المفروضة على تلك الحقوق والحريات، لدرجة جعلت الطبيب النفسي NORBERT BENSAID يعتبر بأن حريتنا مهددة بالحاجة إلى الأمن، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يشكل مصدر تنافر بين الأمن والحق، أو مبعث تنازع بين الحرية والنظام العام، بل على العكس من ذلك، يتوجب النظر إلى كل هذه المفاهيم من منظور التكامل والتلازم(31).
 وهو ذات التنازع الذي يتم افتعاله بين الفينة والأخرى لاستغلاله والركوب عليه كمزايدة سياسوية رخيصة، إن على المستوى الداخلي من طرف بعض التنظيمات المناوئة للمصلحة الوطنية من أجل تحقيق مكاسب سياسية معينة، أو على المستوى الخارجي من طرف خصوم المغرب في قضية وحدته الترابية(32)؛ تلكم القضية التي ظلت راسخة في الوعي الوطني الجمعي والتفكير السياسي. 
إن الأمن حق من الحقوق الأساسية للمواطن؛ وهو جزء أصيل من منظومة حقوق الإنسان؛ إذ لا يمكن التمتع بأي حق من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية بدون توافر الأمن وسيادة القانون؛ فحق الملكية وحق العيش في بيئة سليمة وحرية التنقل والحق في التعليم والتطبيب...كلها حقوق تنتفي ممارستها كلما انتفى الأمن(33).
وحيث إن "صيانة الأمن مسؤولية كبيرة، لا حد لها، لا في الزمان، ولا في المكان".       فإن" مصداقية العمليات الأمنية تقتضي الحزم والصرامة في التعامل مع المجرمين، ومع دعاة التطرف والإرهاب، وذلك في إطار الالتزام بالقانون واحترام الحقوق والحريات، تحت مراقبة القضاء"(34).
من خلال هذا المنظور التوفيقي، انبثق الوعي الذاتي والجماعي بأن صورة المغرب الراهن فيما يرتبط بإشكالية التوفيق بين متطلبات فرض الأمن والنظام العامين واحترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية، مشرقة وليست قاتمة تماما بشكل يتعذر تصحيحه كما يدعي البعض؛ فبعد 64 سنة من الجهد "اتضح أن المغرب هو بلاد عرفت تغيرا عميقا؛ ذلك أن المغرب الراهن يختلف عن مغرب سنة 1955؛ وأن التذكير اليوم بهذا الواقع ينبع أولا من واجب الذاكرة تجاه أولئك الرجال والنساء، الذين تسلحوا بإرادة لا يمكن التنكر لها أبدا، فضلا عن الجهود التي بذلوها من أجل وضع البلاد، التي أنهكتها صدمة الاستعمار، على سكة التنمية، مع جعلها قادرة على مواجهة المسؤوليات الجديدة، التي تتطلبها السيادة المسترجعة. ومن ثم، فإذا كانت هذه القناعة مبنية على النظرة التاريخية الهادئة، فإنها لا ينبغي أن تنحصر في نوع من الرضى الساذج، الذي يعيق كل تقويم استرجاعي موضوعي ومتوازن"(35) ، ويرفض كل محاولات الإصلاح التي تهدف إلى أن تصبح صورة المغرب فيما يرتبط بإشكالية التوازن السالف الذكر أكثر إشراقا.
وفي نفس السياق، انبثق الوعي بأنه رغم تغير الحضارات وتعاقب الدول، تبقى للدولة أدوار دائمة في كل زمان ومكان وعلى رأسها الوظيفة الأمنية(36)؛ أما الأدوار الأخرى المتعلقة بالجوانب الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية فهي موضع خلاف، إذ توجد عدة مذاهب تختلف فيما بينها حول قيام الدولة بالتدخل في هذه المجالات من عدمه وإلى أي مدى يسمح لها بهذا التدخل. 
 من جهة أخرى، فإن تنوع الحماية للحريات والحقوق، هو أمر يفترض تعدد الضمانات لهذه الأخيرة؛ لعل أبرزها مكانتها الدستورية في حد ذاتها(37)؛ من ثم  كان الدستور بحق حريصا على أن يحقق التوازن، والتوفيق بين أمرين: الأول، أن يكفل صيانة الحقوق والحريات. والثاني، أن يكفل للسلطة هيبتها في فرض النظام. ومن ذلك المنطلق، كانت العلاقة دقيقة جدا بين سلطة الدولة في فرض الأمن والنظام العامين من جهة، وبين حقوق وحريات المواطن من جهة ثانية؛ وهذا يعني، أنه لا يمكن على الإطلاق تصور تفوق إحداهما على الأخرى؛ لأنه إذا كان التفوق من طرف سلطة الدولة، وقع ذلك في إطار المخالفة الدستورية، بالنظر لمكانة الحقوق والحريات. وعلى العكس من ذلك، فإنه لا يمكن تصور التفوق والرجحان في الجانب الآخر؛ فحتى لو كان لذلك انعكاس إيجابي على حقوق وحريات الأفراد، إلا أن أثره سيكون واضحا في فقدان الدولة لهيبتها. والسبب في ذلك، أنه على الرغم من تلك الإيجابيات السابقة، إلا أنه لا أحد ينكر على الدولة حقها في فرض النظام(38)؛ لذلك كانت العلاقة بين الحقوق والحريات، وهاجس الدولة في الحفاظ على الأمن والنظام العامين، من بين الإشكاليات الأكثر إثارة للجدل، ليس على المستوى الوطني فحسب، بل وعلى المستوى الدولي كذلك(39). ومعنى كل هذا، أن الأمر يقتضي إيجاد حل لمسألتين على قدر كبير من الأهمية؛ الأولى مسألة هاجس الدولة المغربية في الحفاظ على الأمن والنظام العاميين. والثانية، تتعلق بحماية الحقوق والحريات.
 إن التنازع المشار إليه آنفا، لم يكن لتتم إثارته، لولا حاجة الحريات والحقوق لضبط في الممارسة، حتى لا يتم العصف بهيبة الدولة. وإن ما يزيد في تصور الحجم الكبير لهذه الإشكالية، هو عدم بقاء الأمور تسير على وتيرة واحدة، ذلك أن قسوة التشريع والضبط فيما يرتبط بممارسة الحريات والحقوق، ستكون أشد في ظل الظروف الاستثنائية؛ وما يزيد من الخشية أكثر على الحريات العامة للمواطن، هو ترخيص المشرع المغربي-  إن صح القول-  ببعض التشريعات التي يرى الحقوقيون بأنها في أضعف الأحوال، سيكون لها مساس بشكل أو بآخر بالحقوق والحريات(40). وعليه فإن مواجهة الاعتبارين السابقين، هو الذي يؤدي إلى بروز التنافر أو التنازع الواجب معالجته، والذي يعد مجسدا للصراع الأزلي بين السلطة والحرية.

(يتبع ...)

لائحة المراجع
1) ذهب الدكتور عبد الجبار عراش، مدير مختبر الأبحاث حول الانتقال الديمقراطي المقارن، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات، إلى القول بأن التحديات والضغوطات الداخلية المرتبطة بتحقيق التنمية المستدامة والظرفية الدولية، تفرض تأقلم دول الجنوب عامة، ودول المغرب العربي خاصة، حيث أضحت الإدارة العمومية بهذه الدول من الأمور المطلوب تطويرها وتجويدها لتواكب ديناميات المجتمعات وحاجياته.(للمزيد من الإطلاع يراجع: عبد الجبار عراش، الانتقال الديمقراطي وإصلاح الإدارة العمومية بالدول المغاربية: التفاعلات، الرهانات والآفاق، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، منشورات حوارات - مجلة الدراسات السياسية والاجتماعية، سلسلة ندوات ومنتديات، العدد 1، 2012، ص 11 وما بعدها).
2) يرى الدكتور حسن طارق، بأن تفعيل المقتضيات المتعلقة بإسهام قنوات الديمقراطية التشاركية في صياغة وتقييم السياسات العمومية الوطنية والمحلية، يبقى مرتبطا بإنتاج مجموعة من القوانين سواء ذات الطبيعية التنظيمية أو ذات الطبيعية العادية، على أن هذا الأمر لا يلغي بتاتا الأهمية الكبرى التي أصبح يحظى بها البعد التشاركي داخل الهندسة الدستورية المغربية، خاصة عندما نعود قليلا إلى الوراء، حيث يبدو من الواضح أنه إلى حدود الحوار العمومي الواسع حول الإصلاحات الدستورية الذي انطلق بعد 9 مارس 2011، لم يكن النقاش الدستوري من خلال مطالب ومقترحات ومذكرات الأحزاب السياسية، منفتحا على جوانب التقعيد القانوني لأشكال الديمقراطية التشاركية، على عكس ما نجده لدى المجتمع المدني الذي كان سباقا إلى طرح قضايا المشاركة المواطنة والمدنية في الشأن العام الوطني والمحلي. وبالتأكيد، فإن التأصيل لفكرة المشاركة المواطنة في السياسات العمومية بالنسبة للحالة المغربية، يتطلب الإشارة بالإضافة إلى لجوء المجتمع المدني إلى آليات الترافع لدى المؤسسات المعنية مما مكنه من التأسيس الفعلي لبدايات هذه المشاركة، إلى اعتماد الكثير من السياسات العمومية الأفقية أو القطاعية على مقاربة تشاركية مما منح الفاعل المدني الفرصة المباشرة للاحتكاك بمسلسل تنفيذ وصياغة وتقييم السياسات العمومية(للمزيد من الإطلاع يراجع: حسن طارق، السياسات العمومية في الدستور المغربي الجديد، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف الجديدة بالرباط، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، المغرب، 2012، ص ص 32-33).
3) ذهب الدكتور عبد الله العروي إلى القول بأنه يصعب الحسم في تحديد مفهوم دقيق للحرية، على اعتبار أن مفهومها في تبدل من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، فالحرية في نهاية المطاف تجربة، هدف وليست مفهوما مجردا، كل واحد ينعتها بطريقته الخاصة. كل منا يعادل الحرية بمجموعة من الحقوق المخولة له، ويفهم من التحرر انخفاض عدد الممنوعات وارتفاع عدد المساحات: الحرية إذن شعار وتجربة(للمزيد من الإطلاع يراجع : عبد الله العروي، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1998، ص 7).
4) ارتباطا بهذه الفكرة، يرى الدكتور العياشي ادراوي، بأن الحرية ليست هي اللامبالاة، بل هي التي تجعل المرء يحقق ذاته ويجسد القيمة في الفعل أو التجربة. ويساهم في تغيير عالمه الشخصي أولا، والعالم المحيط به ثانيا. إنها لا تتمثل في التلقائية أو العفوية العمياء بل تقتضي الوعي ضرورة ولزوما(للمزيد من التفصيل يراجع: العياشي ادراوي، سؤال الحرية: نحو فهم مغاير، مجلة الأزمنة الحديثة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، العدد 5، صيف 2012، ص 124).
5) محمد بوزلافة، دراسة حول حرية الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المغرب، 2013، ص 3 و4.
6) للمزيد من الاطلاع في موضوع الربيع العربي خاصة ما يتعلق بالعوامل التي أدت إلى قيام الثورات العربية، يراجع: (إبراهيم سعد الدين، "الثورة والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي: نحو خطة طريق(الملف الثاني): عوامل قيام الثورات العربية"، مجلة المستقبل العربي، السنة 35، العدد 399، ماي 2012).
7) أرضية الندوة التي نظمها المركز المغربي للدراسات والأبحاث الإستراتيجية بشراكة مع ماستر السياسات العمومية وتدبير الإدارة الترابية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية تحت عنوان"المشهد السياسي المغربي في ضوء التحولات" بالمكتبة الوسائطية لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين بالرباط بتاريخ 10 فبراير 2012. 
8) مساهمة الدكتور حسن طارق في الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع "المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية"، تقرير تركيبي، سلسلة تقارير، مطبوعات مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية، الطبعة الأولى، مطبعة البيضاوي، المغرب، 2014، ص 12.
9) مساهمة الدكتور طارق أتلاتي في الندوة التي نظمها المركز المغربي للدراسات والأبحاث الإستراتيجية بشراكة مع ماستر السياسات العمومية وتدبير الإدارة الترابية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية تحت عنوان"المشهد السياسي المغربي في ضوء التحولات" بالمكتبة الوسائطية لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين بالرباط بتاريخ 10 فبراير 2012.(أوردها صابر الصحراوي، دور الجماعات الترابية في ظل المقتضيات الدستورية الجديدة: إشكالات التنزيل وآفاق بلوغ الحكامة، رسالة لنيل شهادة الماستر في السياسات العمومية وتدبير الإدارة الترابية، جامعة الحسن الثاني-المحمدية-الدار البيضاء، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، 2013، ص 3).
10) أنظر نص الخطاب الملكي  بتاريخ 09 مارس 2011(خطابات-ملكية /www.maroc.ma/ar، تاريخ الزيارة: 23/04/2016).  
11) أنظر نص الخطاب الملكي  بتاريخ 18 يونيو 2011(خطابات-ملكية /www.maroc.ma/ar، تاريخ الزيارة: 17/05/2016).
12) ذهب الدكتور محمد الغالي إلى القول بأن القيمة المضافة في دستور 2011 كمنت في الطريقة أو المنهجية التي تم بها وضعه حيث لأول مرة في تاريخ الدستورانية المغربية يتم الاعتماد على لجنة استشارية موسعة تشرف على صياغة الدستور والتي بدورها اعتمدت مقاربة تشاركية واسعة في مسلسل الإعداد...وإذا كان دستور 2011 لم يشكل قطيعة مطلقة مع الدساتير السابقة، وعليه شكل تحولا في سياق استمرارية الدولة المغربية، لكن في المقابل شكل طفرة نوعية في تاريخ الدستورانية المغربية، إذ ارتقى بمسألة حقوق المواطنين من الجيل الأول وهو جيل الإعلان أو القرار الذي كان هاجسه هو التنظيم المؤسساتي للحقوق من خلال توضيحها بالإعلان عنها إلى الجيل الثاني في البناء الدستوري الذي حاول سد النقائص المترتبة عن الجيل الأول بوضع الضمانات الأساسية لحماية الحقوق من الشطط والتجاوزات. للمزيد من التفصيل يراجع: محمد الغالي، جدلية الثابت والمتحول في دستور 2011 في ضوء قراءة السياق والركائز والأهداف، منشورات مجلة الحقوق، سلسة الأعداد الخاصة، العدد الخامس، 2012، ص 55 وما بعدها).
13) للمزيد من الإطلاع في موضوع الحريات والحقوق الأساسية التي جاء بها دستور 2011، يراجع:(الباب الثاني من دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 ( 29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 28 شعبان 1432 (30 يوليوز 2011)، ص 3622).
14) الفصل 54 من دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 ( 29 يوليوز 2011)، مرجع سابق.
15) ديباجة دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 ( 29 يوليوز 2011)، مرجع سابق.
16) الظهير الشريف رقم 1.15.112 الصادر في 18 من شوال 1436(4 أغسطس 2015) بتنفيذ القانون رقم 125.12 بالموافقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الموافق عليه بنيويورك في 6 أكتوبر 1999 من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة، الجريدة الرسمية عدد 6387 الصادرة في فاتح  ذو القعدة 143617) أغسطس 2015(، ص 7075.
17) الظهير الشريف رقم 1.15.113 الصادر في 18 من شوال 1436(4 أغسطس 2015) بتنفيذ القانون رقم 126.12 بالموافقة على البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ،الموقع بنيويورك في 16 ديسمبر 1966، الجريدة الرسمية عدد 6387 الصادرة في فاتح  ذو القعدة 143617) أغسطس 2015(، ص 7076.
18) الظهير الشريف رقم 1.13.63 الصادر في 8 شعبان 1434(17 يونيو 2013) بتنفيذ القانون رقم 124.12 بالموافقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، المعتمد بنيويورك في 18 ديسمبر 2002 من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة، الجريدة الرسمية عدد 6166 الصادرة بتاريخ 25 شعبان 1434(4 يوليو 2013)، ص 4877.
19) قدم خوان مانديز، مقرر الأمم المتحدة المكلف بمناهضة التعذيب في الأسبوع الأول من شهر مارس 2013 بجنيف، تقريره الختامي حول المغرب، على خلفية الزيارة الرسمية التي قام بها إلى المغرب سنة 2012، حيث طالب المقرر الأممي السلطات المغربية بملائمة القوانين مع المعايير الدولية في موضوع التعذيب، خاصة ما يتعلق بالقوانين الجنائية من تعريف التعذيب، وتحديد المسؤولية الجنائية، وضمانات المحاكمة العادلة، وتعميم نظام المراقبة الالكترونية لأماكن الحراسة النظرية للمتهمين...(للمزيد من الإطلاع يراجع: محمد بوزلافة، دراسة حول حرية الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي، مرجع سابق، ص 7).
20) أنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 بأمر من الملك محمد السادس، وقد كلفت آنذاك بالبحث في خروقات حقوق الإنسان المرتكبة في الماضي، والبحث عن حقيقة هذه الخروقات، وكذا جبر ضرر الضحايا وأسرهم وإصدار توصيات من أجل تفادي تكرار ما حصل، وقد نظرت هذه الهيئة في أكثر من 22000 طلب، ووجدت أن 16000 شخص يستحقون التعويض، كما صاغت توصيات واسعة النطاق. وقد رفعت الهيئة تقريرها الختامي في نونبر 2005 للملك محمد السادس الذي أعطى تعليماته بنشر التقرير بشكل مباشر، وفي يناير 2006، أقر الملك توصيات الهيئة أمام العموم وكلف آنذاك المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالإشراف على تطبيقها(تقرير ملخص للندوة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية بشراكة مع مركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة والمركز الدولي للعدالة الانتقالية يومي 09 و10 أبريل 2008 بالرباط، حول موضوع "إصلاح قطاع الأمن على ضوء توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة"، مطبوعات مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية، الطبعة الأولى، مطبعة البيضاوي، المغرب، 2008، ص 9 وما بعدها).
21) أوصت الهيئة أيضا بتقوية المراقبة الدستورية للقوانين والمراسيم التنظيمية المستقلة الصادرة عن الجهاز التنفيذي، مع التنصيص دستوريا على الحق في الدفع استثناء بلا دستورية قانون من القوانين، وإحالته على المجلس الدستوري(المحكمة الدستورية حاليا) للفصل فيه(للمزيد من التفصيل يراجع: هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الكتاب الأول: الحقيقة والإنصاف والمصالحة، طبعة خاصة أصدرها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الرباط، 2007، ص 114 وما بعدها).
22) محمد بوزلافة، دراسة حول حرية الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي، مرجع سابق، ص 7 و8.
23) بعد انهيار الحروب الإيديولوجية، وبروز عولمة الفكر والاقتصاد والمعرفة، برزت عولمة التحديات والتهديدات الإرهابية، كأخطر مشكل يؤرق العالم المعاصر، وكنقطة محورية يلتف حولها كل المؤمنين بغد أفضل للبشرية تحت رايات السلام والتعايش وسيادة الحق والقانون. وفي خضم هذه التحولات، انفرد المغرب بتمايز تجربته في إدارة الحرب على الإرهاب، برصانة وحسم، في إطار منظومة استباقية تسترشد بمحددات قانونية وفكرية وميدانية ساهمت في تثبيت أركان الاستقرار...(للمزيد من الإطلاع يراجع:الكتاب الأبيض عن الإرهاب في المغرب، منشورات الفريق الدولي للدراسات الإقليمية والأقاليم الصاعدة، الطبعة الأولى، طوكيو، 2015، ص 5 وما بعدها).
24) للمزيد من الإطلاع في موضوع بناء قدرات العاملين في الأجهزة الأمنية المغربية، خاصة ما يرتبط بالتدابير المتخذة لمواصلة تعزيز قدرات وموارد المديرية العامة للأمن الوطني وكذا مواصلة تعزيز وسائل تدخل القوات المساعدة، يراجع في هذا الشأن: (وزارة الداخلية المغربية، منجزات وزارة الداخلية برسم السنة المالية 2017، مطبعة وزارة الداخلية، نونبر 2017، ص 24 وما بعدها).
25) إيمانا منه بضرورة التعاون في المجال الأمني، ووفاء بالتزاماته الدولية وفق مبدأ المسؤولية المشتركة، أبدى المغرب استعداده لتعزيز التعاون خصوصا على المستوى العملياتي، ويتجلى ذلك في تعزيز التعاون في مجال تبادل المعلومات والخبرات مع عدد من الدول ذات الاهتمام المشترك وكذا إنجاح مجموعة من عمليات التسليم المراقب خصوصا مع دول أروبا...(للمزيد من الإطلاع يراجع: وزارة الداخلية المغربية، منجزات وزارة الداخلية برسم السنة المالية 2017، مرجع سابق، ص 13 وما بعدها).
26) أصبحت قضية حماية حقوق الإنسان من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام والمتخصصين، وذلك بالنظر إلى الآثار التي تترتب على القيام بالأعمال الأمنية على حياة الإنسان وعلى نشاطاته المختلفة، إذ يترتب على ذلك المساس بحقوق الإنسان. كما يشيع أن إجراءات الضبط الجنائي والتحقيق في القضايا الجنائية يؤدي أيضا إلى المساس بحقوق المشتبه بهم وأن مهام الدفاع المدني وأعماله يمكن أن تؤثر سلبا على حقوق الضحايا، بل يمكن أن تتأثر حقوق الإنسان بالأعمال التي ترتكب أثناء النزاعات المسلحة(للمزيد من الإطلاع يراجع:عبد العزيز بن صقر الغامدي، آليات تطبيق حقوق الإنسان في ظل الأوضاع الأمنية، الطبعة الأولى، منشورات جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2010، ص 3).
27) إرتباطا بهذه الفكرة، يمكن القول على سبيل المثال لا الحصر، بأن إدراج فصول خاصة بحقوق الإنسان في مناهج تكوين موظفي المديرية العامة للأمن الوطني، قد تقرر في بداية عقد التسعينيات، استجابة لتوصية في نفس الموضوع صدرت عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وصادق عليها المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه. وكان ذلك سنة 1993. ومنذ ذلك الحين، تضاعفت المجهودات وتوالت المبادرات لتشمل أنشطة للتدريس والتكوين والتحسيس بحقوق الإنسان معدة لجميع موظفي الشرطة وفي مختلف مستويات تكوينهم(أحمد أيت الطالب، التكوين الشرطي في مجال حقوق الإنسان، مجلة الشرطة، مطبعة إيديال، الدار البيضاء، العدد 18/19، يوليوز-غشت 2006، ص 20).
28) للمزيد من الإطلاع في شأن دور المفهوم الجديد للسلطة في تقويم السلوك الوظيفي، يراجع : بدر عبد الحفيظ عفيف، تقويم السلوك الوظيفي من خلال المفهوم الجديد للسلطة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال-الرباط، السنة الجامعية 2006-2007.
29) أنظر نص الخطاب الملكي بتاريخ 12 أكتوبر 1999(خطابات-ملكية /www.maroc.ma/ar، تاريخ الزيارة: 13/06/2016).
30) أنظر نص الخطاب الملكي بتاريخ 30 يوليوز 2016(خطابات-ملكية /www.maroc.ma/ar، تاريخ الزيارة: 20/08/2016).
31) بوشعيب أرميل، الأمن وحقوق الإنسان، مجلة الشرطة، مطبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، العدد 2، شتنبر 2014، ص 2.
32) أكدت وزارة الداخلية في بلاغ لها أن مضمون تقرير الخارجية الأمريكية الصادر في 13 أبريل 2016 افترائي بشكل حقيقي، حيث انتقل من تقريب المعلومة إلى اختلاقها جملة وتفصيلا، ومن التقييم المغلوط إلى الكذب الموصوف. وسجل البلاغ أن الحكومة المغربية لم تفتأ تثير انتباه السلطات الأمريكية منذ عدة سنوات إلى افتقار تقرير الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان للدقة وإلى طابعه المنحاز والبعيد عن الحقائق، مبرزا أن المصادر الحصرية المستخدمة غالبا ما كانت غير موثوقة بما يكفي ومعادية سياسيا فضلا عن كون المعلومات المتضمنة غير دقيقة والتقييمات لا أساس لها من الصحة، والاستنتاجات كانت عامة ومتسرعة والإسقاطات جاءت مبالغا فيها بناء على حالات معزولة.  www.medi1tv.com/ar(تاريخ الزيارة: 17/05/2016).
33) بوشعيب أرميل، الأمن وحقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 2.
34) أنظر نص الخطاب الملكي بتاريخ 30 يوليوز 2016، مرجع سابق.
35) التقرير العام للأشغال الكاملة لتقرير الخمسينية، "50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025"، ص 42                     www.rdh50.ma     (تاريخ الزيارة: 10/04/2015).
36) للمزيد من الاطلاع يراجع: عبد الله العروي، مفهوم الدولة، الطبعة التاسعة، منشورات المركز الثقافي العربي، المغرب، 2011، ص 3.
37) أفرد المشرع الدستوري المغربي بابا كاملا للحريات والحقوق الأساسية(للمزيد من الإطلاع يراجع: الباب الثاني من دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 ( 29 يوليوز 2011)، مرجع سابق).
38) حبشي لزرق، أثر سلطة التشريع على الحريات العامة وضماناتها، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة أبي بكر بلقاید – تلمسان، كلية الحقوق والعلوم السياسية، السنة الجامعية 2012-2013، ص 2-3.
39) في ختام المؤتمر الدولي حول «تحديات الأمن وحقوق الإنسان في المنطقة العربية»، الذي انعقد في الدوحة في نونبر 2014، أعلن الدكتور بطاهر بوجلال مستشار اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان والمقرر العام العام للمؤتمر، نتائج ورش العمل التي شهدها المؤتمر المنعقد بالدوحة. وأكد على أن عمل هذه الورشة تميز بالمشاركة الكبيرة للحضور والحوار الراقي. من جانبه أكد السيد محمد الحبيب بلكوش رئيس مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية بالمملكة المغربية، مقرر ورشة عمل «تحديات الأمن وحقوق الانسان»، إنه لابد من تحديد تعريف مفهوم الأمن ليشمل الجميع سواء الدولة أو المواطنين، وضرورة إدماج حاجات الفئات المهمشة بالمجتمع، وتعزيز الشراكة مع المجتمع المدني من أجل تعزيزي الأمن الوطني...(للمزيد من الإطلاع يراجع: www.nhrc-qa.orgتاريخ الزيارة 16/07/2017).
40) على سبيل المثال لا الحصر، يرى الدكتور محمد بوزلافة، بأن ظهير التجمعات العمومية المغربي كما وقع تغييره وتتميمه، يعاني الكثير من الثغرات، باعتبار أن الكثير من مفاهيمه إما عامة أو فضفاضة، كما أن مجموعة من الأفعال التي تعالج بعض الإجراءات الواجب اتباعها بمناسبة حرية التجمع جاءت بصيغة"المبني للمجهول" بشكل يجعل التساؤل والارتباك يثور حول تلك الإجراءات، كمثال على ذلك المادة 8 والتي لم تتم الإشارة فيها على من تقع مسؤولية منع كل شخص حامل للسلاح من دخول الاجتماع؟ اذ تم استعمال لفظ"يمنع" كفعل مبني  للمجهول. كما أنه في جانب آخر لا يميز بين مفهوم "المشاركة" ومفهوم "المظاهرة" وغيرها من المفاهيم التي يجب أن يكون المشرع دقيقا فيها. كما تتمثل الثغرة الجوهرية في هذا القانون-حسب رأي الباحث- أنه لم يحدد المخالفات التي يعتبرها المشرع جرائم معاقب عليها في قانون الاجتماع العمومي، خصوصا وأن الأمر يتعلق بمسألة حساسة هي مسألة التجريم والعقاب وهو ما يطرح إشكالية الشرعية. كما اعتبر بأن هذه الثغرات وغيرها التي تعتري قانون التجمعات العمومية بالمغرب غير مقبولة في سياق الدستور الجديد، والانخراط المتوالي للمملكة المغربية في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان...لذلك وجب تدخل المشرع من أجل تعديل كلي لمضامين القانون الحالي(محمد بوزلافة، دراسة حول حرية الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي، مرجع سابق، ص 132).


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :