ifada إفادة

ifada إفادة


إشكالية المواءمة بين اعتبارات الأمن وممارسة الحقوق والحريات: التجربة المغربية نموذجا

الإثنين 11 يناير 2021 - 09:25 , افادة
إشكالية المواءمة بين اعتبارات الأمن وممارسة الحقوق والحريات: التجربة المغربية نموذجا
انجاز: صابر الصحراوي دكتور باحث في القانون العام والعلوم السياسية

يحيل موضوع جهود المغرب في المواءمة بين اعتبارات الأمن وممارسة الحقوق والحريات، إلى محاولة فتح مسالك جديدة لإيجاد حلول ناجعة لهذه الإشكالية. لأجله، يقترح هذا العمل تقسيما ثنائيا، يعرض على التوالي، تشخيص مسلسل التفاعل مع سؤال الأمن وحقوق الإنسان بالمغرب في المبحث الأول، فيما يتناول المبحث الثاني سبل تحقيق التوازن بين ضرورات      الأمن ومتطلبات تعزيز وحماية حقوق الإنسان بالمغرب 
لقد أدركت معظم الدول القيمة الكبرى للحقوق والحريات كمتطلبات لا غنى عنها لبناء المؤسسات، وبناء أفراد المجتمع الذي يمثل الجانب الأكثر أهمية في عملية التنمية؛ وهو ما يتطلب ضرورة توافر سياسات تربوية منتجة، وبناء مؤسسات سياسية وإدارية ذات حكامة ونجاعة . ومن ثم لا يمكن تصور اجتياز الدول الصعوبات المختلفة إلى عالم عصري ومتمدن إلا إذا غدا أفرادها متمدنين، يتمتعون بتأهيل وتميز.
لن تثمر جهود الدول في عملية التغيير والتطوير، إلا إذا تغيرت قناعات مواطنيها ليغدوا مواكبين لخطوات التغيير، فالدولة الحديثة في حاجة ماسة اليوم لمواطنين يشاركون بفعالية في شؤون المجتمع، يقيمون السياسات العامة والتوجهات الكبرى بمعايير موضوعية، يساهمون في النقاش من خلال تفعيل الآليات ، خاضعين لسلطان المجتمع الكبير، غير منزوين، ولا منعزلين في محيط مجتمعاتهم. 
من هنا، كانت الحرية  القاعدة الأساس لمجمل منظومة حركة التطور والتنوير والحداثة العلمية وغير العلمية التي برزت لدى الكثير من المجتمعات والأمم والحضارات.
لكن الحرية كقيمة إنسانية، وحيث أنها ساهمت في إغناء مسيرة الإنسان وتطوير مواقعه المختلفة في الحياة، لم تكن- ولا يمكن أن تكون في أي وقت من الأوقات– قيمة منفلتة، لا ضابط أو رادع لها، خاصة عندما تتقيد هذه الحرية بقيد الحرية نفسه... لتصبح حرية مسؤولة، سقفها العمل والبناء والتطوير وخدمة الناس والمجتمع، والمساهمة التشاركية في تطوير الدول، والالتزام بقضايا الناس والوطن، والالتزام بالنقد الحر الموضوعي البناء بهدف البناء الواعي والتطوير الدائم ومراكمة النتائج الإيجابية بعد نقد السلبيات وتلافي الأخطاء الواقعة والقائمة في أي مجتمع ونظام وحضارة .
لهذا فالحرية الحقيقية التي تمنحها الطبيعة أو التي يتيحها أي نظام اجتماعي سياسي لأفراده ليست شعارا يمكن إطلاقه بسهولة للاستهلاك، بل هي ممارسة مؤسساتية قائمة على التزام أخلاقي تضمنه قوانين ونظم مؤسساتية في الدولة.

المبحث الأول: تشخيص مسلسل التفاعل مع سؤال الأمن وحقوق الإنسان بالمغرب 
لا ريب في أن المجتمعات النامية ارتقت اليوم مدارج لا بأس بها في سلم التطور بإلحاح وضغط من شعوبها، وبمثابرة حكوماتها على العمل على رفع مستوى رفاهية شعوبها من خلال ما تنفذه من خطط لتنمية مرحلية اجتماعية واقتصادية، وسياسية وحقوقية . وقد عرفت خطى التغيير على مستوى هذه المجتمعات طفرة نوعية بعد أحداث ما سمي بالربيع العربي الديمقراطي، والتي استلهمت أساسا من ثورة تونس التي تعتبر بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت فتيل الحركات الاحتجاجية بالدول التي تأثرت برياح ربيع تونس وعلى رأسها مصر، ليبيا، سوريا، اليمن، الجزائر... . 
ومما لاشك فيه، أن الظرفية السياسية والاجتماعية بالمغرب قد طبعت آنذاك بشكل قوي بمجريات هذه الأحداث المتأثرة بدورها بالسياق الإقليمي والدولي... . ومن المعلوم أيضا، أن قضية الأمن قد طغى على التفكير فيها المقاربة الحقوقية٬ في مقابل ذلك تم رصد ضعف في النقاش السياسي حول المسألة الأمنية بالمغرب بدليل الحضور القوي لموضوع الحكامة الأمنية في مذكرات منظمات المجتمع المدني، مقابل ضعفها في مذكرات الأحزاب السياسية أثناء مراجعة الدستور، هذا بالإضافة إلى الحيز الضعيف الذي أفرده البرنامج الحكومي لقضايا الأمن .
وبغض النظر عن الجدل والأسئلة التي ظلت تتناسل قبل وبعد الاستفتاء الدستوري، حول إمكانية هذا الميثاق الجديد في إحداث تغيير عميق يؤسس لمرحلة جديدة في التاريخ السياسي المغربي، فقد شكل هذا التعديل محطة مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر، جاءت كنتيجة لتطورات نوعية ساهمت في رسم خريطة سياسية جديدة للبلاد، وتزامنا مع أحداث الربيع العربي الديمقراطي الذي ساهم بشكل كبير في تسريع وثيرة الإصـلاح التـــي انطلقــت منـذ تسعينــيات القــرن الماضــي ، وتوجـت بتعـديلات دستـوريــة قوامها-حسب خطاب 9 مارس-تكريس الطابع التعددي للهوية المغربية، وترسيخ دولة الحق والمؤسسات والحريات، واستقلال القضاء، وتوطيد مبدأ فصل السلط من خلال: برلمان منبثق من انتخابات حرة ونزيهة، وتدعيم اختصاصاته التمثيلية والتشريعية والرقابية، ومن خلال تكريس تعيين الوزير الأول من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب، وتقوية مؤسسة الوزير الأول كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، وتقوية دور الأحزاب السياسية في تأطير المواطنين، وإقرار مبدأ المحاسبة والمسؤولية، والحكامة الجيدة . 
يتضح من خلال هذا الخطاب، بأن الملك محمد السادس، قد ارتأى بأن يرتكز الإصلاح الدستوري ببلادنا على سبعة محاور رئيسية، من بينها تعزيز منظومة حقوق الإنسان وضمان التمتع بالحقوق والحريات الفردية والجماعية في أجواء آمنة، كما أكد في خطاب 18 يونيو 2011 بأن الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز 2011 هي بمثابة دستور حقوق الإنسان وميثاق حقوق وواجبات المواطنة  لما تضمنته من دسترة كافة حقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها عالميا، بكل آليات حمايتها وضمان ممارستها .
من هذا المنطلق، يمكن القول بأن من حسنات حراك سنة 2011 تحقيق مجموعة من المكتسبات أهمها، صدور دستور متقدم اعتبر بمثابة قفزة نوعية في مجال تكريس الحقوق والحريات ؛ حيث تم التنصيص على مبدأ استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتعزيز دوره في حماية حقوق الأفراد والجماعات؛ كما تم التنصيص على إحداث المجلس الأعلى للأمن كمؤسسة أمنية أسمى تسند إليها مهمة أعمق بوضع إستراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد ؛ هذا بالإضافة إلى حسم إشكالية العلاقة بين الاتفاقيات الدولية والقانون المغربي بالنص صراحة على مبدأ سمو الاتفاقية الدولية، حيث جاء دستور 2011 معبرا بوضوح عن مسألة إعطاء الاتفاقيات الدولية مكانة تسمو على التشريعات الوطنية، إذ نص في ديباجته على "جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة..." .
وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه وفي سياق التغير السياسي صادق المغرب على البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة  مع ما يترتب على ذلك من إمكانية تلقي اللجنة الخاصة بالقضاء على التمييز ضد المرأة، المحدثة بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لشكايات الأفراد والمجموعات ضحايا انتهاك حقوقهم الواردة في الاتفاقية من قبل الدول الأطراف.
وكان المغرب قد انضم إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بتاريخ 21 يونيو 1993، لكنه ظل متشبتا بتحفظه على البرتوكول الاختياري المذكور قبل أن يبدي استعداده لتغيير موقفه منه منذ يونيو 2006، عندما وافقت آنذاك اللجنة الوزارية المكلفة بالحريات العامة وحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، برئاسة الوزير الأول، على توصية من اللجنة التقنية، بالمصادقة عليه.

وفي سياق خطوات المغرب الكبرى في مجال حقوق الإنسان، تمت المصادقة على البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، كما تمت المصادقة على البرتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو المهينة  الذي ينص بدوره على إحداث آلية وطنية مستقلة للوقاية من التعذيب تسهر على زيارة أماكن الاحتجاز وتعزيز حماية الأشخاص من التعذيب، كما يتيح إمكانية القيام بزيارات لمراكز الاعتقال والاحتجاز بشكل منتظم من طرف هيئات دولية ووطنية، وذلك من أجل الدفع بالدول باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع جميع أشكال التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة .
ولعل مختلف الإصلاحات التي تم اعتمادها بالمملكة المغربية والمشار إليها آنفا، تشكل تفاعلا حقيقيا مع جوهر توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة .
 ومن أجل توطيد مسلسل الإصلاحات التي عرفها المغرب، قدمت الهيئة المذكورة مجموعة من التوصيات تتعلق بالإصلاحات المؤسساتية وبإستراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب وبتتبع تنفيذ التوصيات، حيث أوصت هذه الهيئة بالتنصيص الدستوري الصريح بفحوى الحريات والحقوق الأساسية مثل حريات التنقل والتعبير والتظاهر والتنظيم النقابي والسياسي والتجمع والإضراب، وسرية المراسلات وحرمة المسكن واحترام الحياة الخاصة .
كما أوصت الهيئة بتجريم الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والإبادة والجرائم الأخرى ضد الإنسانية، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة أو المهينة، وكذا منع كل أشكال التمييز المحرمة دوليا وكل دعوة أو تحريض على العنصرية والكراهية والعنف...
ومن المعلوم، أن ورش الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة باعتباره في صدارة أولويات برامج الإصلاح الحكومي، جاء ليضفي اهتمام أكبر بموضوع إصلاح العدالة اعتبارا للدور الحيوي للعدل في البناء الديمقراطي وتوطيد الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، وحماية حقوق والتزامات المواطنين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، ولكون القضاء ملاذا لصون الحقوق والحريات وضمان ممارستها الفعلية .
لا مجال للتشكيك في سياق هذه التحولات بأنه ثمة إرادة سياسية واضحة من أجل إنجاح هذا الورش الحقوقي الكبير بغية القطع النهائي مع أي تصرف من شأنه المساس بحقوق الإنسان، بالرغم من التحديات الأمنية التي أفرزتها التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، خاصة فيما يرتبط بتنامي التهديدات الإرهابية لما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وكذا التهديدات الإرهابية بمنطقة الساحل والصحراء وامتدادها الجغرافي صوب القرن الإفريقي، فضلا عن تقاطعاتها العضوية مع أنشطة جماعات الإجرام المنظم، لاسيما شبكات الاتجار في الأسلحة والمخدرات والهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر...الخ ، وهي ذات التحديات التي فرضت على المغرب اعتماد مقاربات أكثر فعالية لمواجهة هذه الظواهر الإجرامية، سواء على مستوى بناء قدرات العاملين في الأجهزة الأمنية ، أو على مستوى التنسيق العملياتي بين كل مكونات هذه الأجهزة، فضلا عن تعزيز التعاون الأمني مع مختلف الدول والمنظمات ذات الاهتمام بالشأن الأمني ، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هذه المقاربة، وبقدر ما تستحضر التزامات المغرب الناشئة عن اتفاقيات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتصدي لجرائم الفساد المالي وتبييض الأموال والاستغلال الجنسي للقاصرين وباقي الجرائم الأخرى، فإنها تستحضر أيضا وبالتزام شديد، تعهدات المغرب المترتبة عن الصكوك والمواثيق ذات الصلة بحقوق الإنسان، وتهتدي بالضمانات المقررة قانونا لحماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية.
ومما لا شك فيه، بأن هذا الالتزام المزدوج بشقيه الأمني والحقوقي، إنما يشكل الأساس المتين لكل مقاربة أو إستراتيجية أمنية تروم التوفيق بين هاجس الدولة في الحفاظ على الأمن وفرض النظام العام، وبين الحرص على ضمان حقوق الأفراد وحرياتهم بدون تفريط ولا إفراط. فهذا الالتزام هو الذي يفرض على المؤسسات الأمنية التقيد الشديد بالضمانات والشكليات المقررة قانونا كلما تم إعمال التدابير الاحترازية المقيدة للحريات، من قبيل الوضع تحت الحراسة النظرية، تفتيش المنازل، الحجز، التقاط المراسلات والمكالمات وتفريق التجمهر... .
 استنادا إلى ما سبق، يمكن القول بأن المؤسسات الأمنية المغربية مدعوة اليوم، بأن تعزز وتواصل انخراطها في مسلسل توطيد مبادئ حقوق الإنسان في الوظيفة الأمنية، وترسخ قيم النزاهة والاستقامة، وتكرس الممارسات السليمة في مجال إنفاذ القوانين، فضلا عن اعتماد آليات إجرائية وقائية وأخرى تأديبية للحيلولة دون تسجيل أية تجاوزات شخصية من شأنها المساس بحقوق وحريات المواطنين . وهو ما سيساهم في بناء مؤسسة أمنية عصرية ذات كفاءة عالية، مجهزة بوسائل ومناهج علمية حديثة، مؤسسة أمنية مواطنة قريبة من المواطن ومعبأة لخدمته، منفتحة على محيطها ومتواصلة مع مختلف الفاعلين، وذات إلمام جيد بمبادئ حقوق الإنسان، وذلك وفق التصور الذي حدده الملك محمد السادس كمفهوم جديد للسلطة ، تلكم السلطة التي يجب أن تقوم على"حفظ الحريات وصيانة الحقوق وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك على النحو الذي تقتضيه دولة الحق والقانون"، تلكم السلطة التي يرتكز مفهومها على"رعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية والحريات الفردية والمحافظة على السلم الاجتماعي، وهي مسؤولية لا يمكن النهوض بها داخل المكاتب الإدارية التي يجب أن تكون مفتوحة في وجه المواطنين، ولكن تتطلب احتكاكا مباشرا بهم وملامسة ميدانية لمشاكلهم في عين المكان وإشراكهم في إيجاد الحلول المناسبة والملائمة" . كما أن مفهومها "لا يقتصر، كما يعتقد البعض، على الولاة والعمال والإدارة الترابية. وإنما يهم كل من له سلطة، سواء كان منتخبا، أو يمارس مسؤولية عمومية، كيفما كان نوعها والمفهوم الجديد للسلطة يعني المساءلة والمحاسبة، التي تتم عبر آليات الضبط والمراقبة، وتطبيق القانون" .
ولئن كان قدر المؤسسة الأمنية في العالم بأسره أنها تشتغل في خط تماس مع حقوق وحريات المواطنين، وأن آليات عملها تتضمن الكثير من التقييدات المفروضة على تلك الحقوق والحريات، لدرجة جعلت الطبيب النفسي NORBERT BENSAID يعتبر بأن حريتنا مهددة بالحاجة إلى الأمن، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يشكل مصدر تنافر بين الأمن والحق، أو مبعث تنازع بين الحرية والنظام العام، بل على العكس من ذلك، يتوجب النظر إلى كل هذه المفاهيم من منظور التكامل والتلازم .
 وهو ذات التنازع الذي يتم افتعاله بين الفينة والأخرى لاستغلاله والركوب عليه كمزايدة سياسوية رخيصة، إن على المستوى الداخلي من طرف بعض التنظيمات المناوئة للمصلحة الوطنية من أجل تحقيق مكاسب سياسية معينة، أو على المستوى الخارجي من طرف خصوم المغرب في قضية وحدته الترابية ، تلكم القضية التي ظلت راسخة في الوعي الوطني الجمعي والتفكير السياسي. 
إن الأمن حق من الحقوق الأساسية للمواطن، وهو جزء أصيل من منظومة حقوق الإنسان، إذ لا يمكن التمتع بأي حق من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية بدون توافر الأمن وسيادة القانون. فحق الملكية وحق العيش في بيئة سليمة وحرية التنقل والحق في التعليم والتطبيب...كلها حقوق تنتفي ممارستها كلما انتفى الأمن .
وحيث أن "صيانة الأمن مسؤولية كبيرة، لا حد لها، لا في الزمان، ولا في المكان".       فإن" مصداقية العمليات الأمنية تقتضي الحزم والصرامة في التعامل مع المجرمين، ومع دعاة التطرف والإرهاب، وذلك في إطار الالتزام بالقانون واحترام الحقوق والحريات، تحت مراقبة القضاء" .
من خلال هذا المنظور التوفيقي، انبثق الوعي الذاتي والجماعي بأن صورة المغرب الراهن فيما يرتبط بإشكالية التوفيق بين متطلبات فرض الأمن والنظام العامين واحترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية، مشرقة وليست قاتمة تماما بشكل يتعذر تصحيحه كما يدعي البعض؛ فبعد 64 سنة من الجهد "اتضح أن المغرب هو بلاد عرفت تغيرا عميقا؛ ذلك أن المغرب الراهن يختلف عن مغرب سنة 1955. وأن التذكير اليوم بهذا الواقع ينبع أولا من واجب الذاكرة تجاه أولئك الرجال والنساء، الذين تسلحوا بإرادة لا يمكن التنكر لها أبدا، فضلا عن الجهود التي بذلوها من أجل وضع البلاد، التي أنهكتها صدمة الاستعمار، على سكة التنمية، مع جعلها قادرة على مواجهة المسؤوليات الجديدة، التي تتطلبها السيادة المسترجعة. ومن ثم، فإذا كانت هذه القناعة مبنية على النظرة التاريخية الهادئة، فإنها لا ينبغي أن تنحصر في نوع من الرضى الساذج، الذي يعيق كل تقويم استرجاعي موضوعي ومتوازن" ، ويرفض كل محاولات الإصلاح التي تهدف إلى أن تصبح صورة المغرب فيما يرتبط بإشكالية التوازن السالف الذكر أكثر إشراقا.
وفي نفس السياق، انبثق الوعي بأنه رغم تغير الحضارات وتعاقب الدول، تبقى للدولة أدوار دائمة في كل زمان ومكان وعلى رأسها الوظيفة الأمنية ، أما الأدوار الأخرى المتعلقة بالجوانب الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية فهي موضع خلاف، إذ توجد عدة مذاهب تختلف فيما بينها حول قيام الدولة بالتدخل في هذه المجالات من عدمه وإلى أي مدى يسمح لها بهذا التدخل. 
 من جهة أخرى، فإن تنوع الحماية للحريات والحقوق هو أمر يفترض تعدد الضمانات لهذه الأخيرة، لعل أبرزها مكانتها الدستورية في حد ذاتها ، من ثم  كان الدستور بحق حريصا على أن يحقق التوازن، والتوفيق بين أمرين: الأول، أن يكفل صيانة الحقوق والحريات. والثاني، أن يكفل للسلطة هيبتها في فرض النظام. ومن ذلك المنطلق، كانت العلاقة دقيقة جدا بين سلطة الدولة في فرض الأمن والنظام العامين من جهة، وبين حقوق وحريات المواطن من جهة ثانية. وهذا يعني، أنه لا يمكن على الإطلاق تصور تفوق إحداهما على الأخرى، لأنه إذا كان التفوق من طرف سلطة الدولة، وقع ذلك في إطار المخالفة الدستورية، بالنظر لمكانة الحقوق والحريات. وعلى العكس من ذلك، فإنه لا يمكن تصور التفوق والرجحان في الجانب الآخر. فحتى لو كان لذلك انعكاس إيجابي على حقوق وحريات الأفراد، إلا أن أثره سيكون واضحا في فقدان الدولة لهيبتها. والسبب في ذلك، أنه على الرغم من تلك الإيجابيات السابقة، إلا أنه لا أحد ينكر على الدولة حقها في فرض النظام . لذلك كانت العلاقة بين الحقوق والحريات، وهاجس الدولة في الحفاظ على الأمن والنظام العامين، من بين الإشكاليات الأكثر إثارة للجدل، ليس على المستوى الوطني فحسب، بل وعلى المستوى الدولي كذلك . ومعنى كل هذا، أن الأمر يقتضي إيجاد حل لمسألتين على قدر كبير من الأهمية. الأولى مسألة هاجس الدولة المغربية في الحفاظ على الأمن والنظام العاميين. والثانية، تتعلق بحماية الحقوق والحريات.
 إن التنازع المشار إليه آنفا، لم يكن لتتم إثارته، لولا حاجة الحريات والحقوق لضبط في الممارسة، حتى لا يتم العصف بهيبة الدولة. وإن ما يزيد في تصور الحجم الكبير لهذه الإشكالية، هو عدم بقاء الأمور تسير على وتيرة واحدة، ذلك أن قسوة التشريع والضبط فيما يرتبط بممارسة الحريات والحقوق، ستكون أشد في ظل الظروف الاستثنائية. وما يزيد من الخشية أكثر على الحريات العامة للمواطن، هو ترخيص المشرع المغربي-  إن صح القول-  ببعض التشريعات التي يرى الحقوقيون بأنها في أضعف الأحوال، سيكون لها مساس بشكل أو بآخر بالحقوق والحريات . وعليه فإن مواجهة الاعتبارين السابقين، هو الذي يؤدي إلى بروز التنافر أو التنازع الواجب معالجته، والذي يعد مجسدا للصراع الأزلي بين السلطة والحرية.

المبحث الثاني: سبل تحقيق التوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات تعزيز وحماية حقوق الإنسان بالمغرب
خلافا للتفسير التقليدي للأمن، والذي يرمي بكل ثقله للاعتماد على القدرات العسكرية، ويعول عليها كمحرك رئيس لممارسة القوة والنفوذ، نجد بأن القراءات المعاصرة لمصطلح الأمن أصبحت تتفحصه من خلال جوانبه المتنوعة والمختلفة. وفقا للرؤية الجديدة، فإن السياسات الأمنية لا تقتصر على الوسائل التقليدية في الجانب العسكري لدرء مخاطر الأزمات والحروب وانتشارها، بل تراهن، وبدرجة عالية جدا، على التوجهات غير القسرية، والخالية من الإكراه. إحدى المقاربات تستند وبكثافة على حقوق الإنسان وحاجياته الأساسية كشرط مسبق وحاسم للتوصل إلى عالم أكثر أمانا واستقرارا .
وحيث أن المغرب كان من بين الدول السباقة في تبني المقاربة الحقوقية في التعاطي مع المسألة الأمنية، ولا أدل على ذلك التحولات التي تمت الإشارة إليها آنفا، فيمكن القول، كما أسلفنا الذكر، بأن صورة المغرب الراهن فيما يرتبط بإشكالية المواءمة بين اعتبارات الأمن وممارسة الحقوق والحريات، مشرقة وليست قاتمة تماما بشكل يتعذر تصحيحه كما يدعي البعض. وعلى اعتبار أنه ليس هناك حل جاهز أو صيغة موحدة بشأن ممكنات تحقيق هذه المواءمة، حيث يجب على كل دولة أن تجد حلها الخاص الذي يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية والسياسية والمجتمعية لكل بلد، فإننا نرى بأن الأمر يتطلب تبني واعتماد مداخل إستراتيجية جديدة، كفيلة بترشيد وتعزيز الحكامة الأمنية في المغرب وفق متطلبات المقاربة المرتكزة على حقوق الإنسان وهي كالتالي:
1- إصلاح التشريع في قطاع الأمن؛
2- تعزيز دور المجتمع المدني في مواكبة إصلاح قطاع الأمن؛
3- تعزيز دور الجامعة في مواكبة إصلاح قطاع الأمن؛
4- إدماج الأمن الإنساني ضمن السياسات الوطنية في مجال الأمن؛
5- تعزيز دور المجلس الأعلى للأمن في مجال الحكامة الأمنية؛
6- سن قانون خاص بالعقود الأمنية المحلية؛
7- الإعلام الأمني .
هذا، وتجدر الإشارة إلى أن  المداخل الإستراتيجية السالفة الذكر، وإن كانت في نظرنا كفيلة بتحقيق توازن نسبي بين متطلبات فرض الأمن والنظام العامين واحترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية، فهي تستدعي التطوير والتجديد بما يتلائم ومتطلبات وإكراهات كل مرحلة، لأن مغرب 1955 يختلف حتما عن مغرب 2019 أو2030 ، وهذا باب يجب على الباحثين الاهتمام به من خلال العمل على تنبؤ مخرجاته في المستقبل القريب.
إن كِبر عملية وقاية المجتمع من الجريمة وضخامة المسؤوليات المتضمنة فيها، يتطلب بالضرورة تضافر جهود شتى قوية ومثابرة، يجمعها كلها هدف إيجابي موحد مع إصرار على تحقيقه، بإتباع خطة مترابطة محكمة قائمة على التنظير العلمي والتجارب التطبيقية السليمة، أما الهدف الإيجابي الموحد الذي يتعاون لبلوغه المتخصصون والهيئات المعنية، فهو سيادة الأمن في المجتمع وتسربه إلى نفوس أفراده؛ فتشيع فيها الطمأنينة وراحة البال، هذا النوع من تعاون كل الجهود لسيادة الأمن بوقاية المجتمع من الجريمة، هو ما يصطلح عليه بالتكامل الأمني، الذي وضع أساسا لتنظير جديد يحقق الوقاية المجتمعية من الجريمة .
ومن المعلوم أيضا، أن التأكيد على وجود ترابط وثيق بين ما هو أمني وما هو تنموي اقتصادي، من خلال الدعوة إلى تأمين التنمية، ليس وليد التحولات السياسية والاجتماعية التي يعرفها العالم اليوم، فقد نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي إلى ما يلي: 
إن تجربة البلاد الغنية وعدد متزايد من الدول النامية توحي بأن النمو غير المتوازن وغير المخطط، كثيرا ما يفرز سلبيات قد تفسد كثيرا من إيجابياته؛
يقتضي هذا اتخاذ إجراءات وقائية مسبقة تحسبا ضد وقوع هذه السلبيات، الشيء الذي يتطلب إتباع أسلوب تنموي متكامل وسياسة اقتصادية واجتماعية موحدة تتضمن خططا للدفاع الاجتماعي؛
ومع الإسعاف فإنه رغم أن هناك اهتماما متعاظما بتنمية الموارد البشرية عن طريق الاستثمارات في الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية فإن معظم الدول النامية لا تخصص موارد مشروعات كبيرة ومستقلة لمعالجة مشاكل اجتماعية كبرى مثل تزايد الجريمة؛
إن الواجب هو أن اعتبارات الدفاع الاجتماعي يجب أن تُضَمَّن في تخطيط كل البرامج الاقتصادية والاجتماعية لنضمن حدوث تنمية خالية من السلبيات، وهذا يعني أن عدم أخذ متطلبات الدفاع الاجتماعي في الاعتبار عند تصميم كل مشروع أو خدمة في أي قطاع من القطاعات قد تكون له انعكاسات أمنية خطرة، ويجب أن يتم تقويم جدوى كل مشروع على ضوء معايير تكون الاعتبارات الأمنية دوما جزءا هاما من أجزائها... .

يلاحظ أن هذه الدعوة المبكرة للاهتمام بالأمن تركز على أنه يتأثر سلبا وإيجابا بالتنمية وأن على المخططين للتنمية التحسب ضد انعكاساتها السلبية، ولم تشر هذه الدعوة إلى أن توفير الأمن شرط مسبق ولازم لتحقيق التنمية، وليس فقط إجراء لاحقا لتصحيح مسارها. ومع هذا فإن هذه الدعوة المحدودة للاهتمام بالأمن كعنصر من عناصر التخطيط الإنمائي لم تجد أذنا صاغية في معظم البلاد وظلت السياسة الأمنية فيها مفصولة عن السياسة الإنمائية وإن كانت تتأثر بها .
وفي نفس السياق، تجدر الإشارة إلى أن مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، قد نبه في التقرير الاستراتيجي المغربي(2014-2018) إلى أهمية "محدد خلق الثروات" الذي يعتبر من أبجديات الإنتاج المشترك للأمن الداخلي، إذ يعتبر نقطة محورية لاستتباب الأمن الداخلي والحفاظ على الاستقرار السياسي للدولة لما له من أثار على الأمن والاستقرار وتحفيز الاستثمارات، وكذا إعطاء مصداقية لاقتصاد البلاد، فوجود علاقة مباشرة بين خلق الثروة والصحة والعمل والسلم الاجتماعي والأمن، يوضح بجلاء أن انعدام التوازن بينهم يؤثر سلبا على الأمن الداخلي والسلم الاجتماعي، كما يمكن أن يؤدي إلى حالات لا يمكن السيطرة عليها" .
ذات التوجه نجده حاضرا بقوة في الرؤية الملكية للنهوض بحقوق الإنسان، والذي يستشف منه ما تمت الإشارة إليه آنفا، بخصوص التنظير الجديد المتعلق بالتكامل الأمني، فقد أكد الملك محمد السادس في الرسالة الملكية السامية بمناسبة الاحتفال بالذكرى الستين لإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه(...)مهما يكن حجم المكاسب التي أنجزناها، فإن الحقوق السياسية والمدنية لن تأخذ أبعادها الملموسة، في الواقع المعيش للمواطن، إلا بتكاملها مع النهوض بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، التي نوليها الأسبقية في السياسات العمومية للبلاد(...) .
تأسيسا على ما سلف، يمكن القول بأنه إذا كان تجاوز التصادم بين الأمن وحقوق الإنسان رهين بترشيد وتعزيز الحكامة الأمنية بالمغرب وفق مقاربة تشاركية مرتكزة على حماية واحترام حقوق الإنسان كما سبق بيانه، فإن تحقيق التوازن بينهما، لا يرتبط بالحكامة الأمنية فقط، بل يرتبط بالضرورة بحكامات أخرى مدعمة للحكامة الأمنية  وعلى وجه الخصوص: الحكامة الدينية، الحكامة القانونية، الحكامة القضائية، الحكامة الإدارية، الحكامة الاجتماعية، الحكامة التعليمية والحكامة الاقتصادية والحكامة الترابية.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي ما يتعلق بدور الحكامة الدينية في تعزيز الحكامة الأمنية، يمكن القول بأن المغرب يؤمن مستقبل أمنه الروحي ويعمل من منطلق سياسة استباقية، ابتدأت أمنية وتعززت بمرتكزات التنمية والحقوق السياسية والاجتماعية، وقد تم اعتماد كل هذه التحصينات لإبعاد الخطر بتحصين الأمن القومي، وإعداد النموذج الديني المعتدل المتسامح الذي يحصن الأمن الروحي في المغرب. واعتباره النموذج الأمثل الذي يحتدى به ويحذى حذوه إقليميا ودوليا. إذ أن تحقيق الأمن القومي لا يتم فقط من خلال توفير الضروريات والحاجيات، وتوفير القوة والعدة العسكرية، وإنما يتم بالتأطير الديني بمفهومه الواسع، فالفكر وجب أن يواجه بفكر مثله، وبحسن التدبير والتخلص وهنا تظهر الحكمة والحنكة المغربية التي أدمجت البعد الديني الروحي والتنموي القومي في مقاربته الأمنية، واعتبرته عنصرا ومرتكزا أساسيا في مجال التعاون من أجل محاربة التطرف بقطع جذوره ومنافذه بلغة هادئة وحكمة بالغة... .


 


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :