ifada إفادة

ifada إفادة


إشكالية بناء التكامل الاقتصادي المغاربي (ج 2)

الخميس 07 يناير 2021 - 20:55 , افادة
إشكالية بناء التكامل الاقتصادي المغاربي (ج 2)
انصاف سركالي أستاذة مساعدة متعاقدة جامعة شقراء-المملكة العربية السعودية

      تأسس اتحاد المغاربي  ليدعم و يؤكد تطلعات شعوب هذا الاتحاد و قادته إلى بناء تجمع جهوي متكامل أكثر تماسكا و استمرارية مما كانت عليه المحاولات المغاربية السابقة . و فضلا عن ذلك فإن هذه المجموعة المتكاملة تمثل، طبقا لمعاهدة مراكش ، مرحلة أساسية في سبيل بناء الوحدة العربية و منطلقا نحو اتحاد أوسع يشمل دولا أخرى عربية و افريقية .   

     و بخصوص هذا الموضوع بالذات، توضح المادتان الثانية و الثالثة من المعاهدة التأسيسية الأهداف الاجتماعية، السياسية، الثقافية، والاقتصادية للاتحاد ، فبالنسبة للأهداف الاقتصادية التي لها علاقة بموضوع هذه الدراسة، فهي تتعلق بحرية تنقل الأشخاص و انتقال الخدمات و السلع و رؤوس الأموال بين الدول الأعضاء، وكذا نهج سياسات مشتركة توفر التنمية الصناعية و الزراعية و التجارية و الاجتماعية للدول الأعضاء و القيام بإنشاء مشروعات مشتركة و إعداد برامج مختلفة   .
     و خاصة أن التكامل الاقتصادي عمل إرادي بين دولتين أو أكثر ، يقوم على إزالة كل القيود أو الحواجز الجمركية و الكمية على التجارة الدولية في السلع و انتقال عناصر الإنتاج، و يتضمن تنسيقا للسياسات الاقتصادية و إيجاد نوع من تقسيم العمل بين البلدان الأعضاء بهدف تحقيق مجموعة من الأهداف التي تعظم المصلحة الاقتصادية المشتركة لكل دولة عضو، مع ضرورة توافر فرص متكافئة لكل من البلدان الأعضاء  .
لكنه تظل من أبرز الصعوبات التي تواجهها دول الاتحاد المغاربي في المجال الاقتصادي، هي إشكالية بناء التكامل في هذا المجال، وذلك راجع لطبيعة الصراعات السياسية التي تطفو على السطح، الشيء الذي يحد من تفعيل القرارات والاتفاقيات التي يتم المصادقة عليها .
لهذا بات لزاما على دول الاتحاد المغاربي إعادة النظر في السياسة الاقتصادية المتبعة، وذلك من أجل تفادي المعيقات الاقتصادية التي يمكن من خلالها التأثير على العجلة التنموية للدول المغاربية .
ومن أجل تفصيل بشكل أدق في إشكالية بناء التكامل الاقتصادي المغاربي، هذا التكامل الذي لطالما أرادت دول الاتحاد المغاربي تحقيقه على أرض الواقع، عكس الاتحادات الإقليمية الأخرى .
سيتم تخصيص هذه الدراسة  للحديث عن هذه الإشكالية  التي تستدعي تبني سياسات اقتصادية جديدة تساهم في تطبيق وتفعيل التكامل الاقتصادي على أرض الواقع، والمتمثلة أساسا في إلى أي حد ممكن الحديث عن تكامل اقتصادي في إطار التدافع الاقتصادي ومقومات تحقيقه، وما هي السبل الكفيلة من أجل تجاوز هذه الإشكالية .

المبحث الثاني : ضرورة قيام شراكات اقتصادية بين الدول المغاربية
إن التحولات الاقتصادية الجديدة التي أصبحت تشهدها دول العالم في الوقت الراهن، باتت تتطلب البحث عن حلول جديدة متمثلة في القيام بشراكات استراتيجية، تستجيب للمتغيرات الاقتصادية الحالية، التي تشهد تقلبات باستمرار، نظرا لارتباطها الوثيق بالسوق المالية والنقدية، هذا الأمر أدى ببعض الدول في التفكير في إنشاء شراكات اقتصادية فيما بينها من أجل حماية أسواقها الداخلية من تقلبات الأسعار، ونذكر على سبيل المثال هنا الاتحاد الأوروبي، الذي سعى جاهدا إلى حماية اتحاده كتكتل إقتصادي قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية الخارجية التي يمكن أن يتعرض إليها .
هذا الأمر يستدعي من دول الاتحاد المغاربي هي الأخرى، بدورها التفكير في تفعيل الشراكات الاقتصادية على أرض الواقع،  فيما بينها من أجل تحقيق التكامل المنشود من هذا التكتل الإقليمي، ووضع الخلافات السياسية جانبا، من أجل تدوير العجلة التنموية بهذا الإتحاد الذي يعيش حالة جمود عمرت لمدة طويلة .
لهذا سأحاول من خلال هذا المبحث إلى تسليط الضوء حول ضرورة قيام شراكات اقتصادية بين الدول المغاربية، من خلال تنسيق السياسات الاقتصادية المغاربية (كمطلب أول )، وتبني مواقف وسياسات موحدة تجاه التجمعات الإقليمية الأخرى ( كمطلب ثان ) .
المطلب الأول : تنسيق السياسات الاقتصادية المغاربية
إن فكرة التعاون الاقتصادي تتطلب ضرورة تنسيق السياسات الاقتصادية، بين التكتلات الإقليمية والجهوية، قصد مواجهة المعيقات الإقتصادية، المعطلة للمسيرة التنموية، لهذا سيتم التطرق في هذا المطلب إلى طبيعة الوسائل التي يمكن من خلالها تأهيل الاقتصاد المغاربي ( كفقرة أولى )، ومنهج التنموي اللازم لإنجاح استراتيجية التكامل المغاربي ( كفقرة ثانية ). 
الفقرة الأولى: تأهيل الاقتصاد المغاربي
إن  فكرة التعاون الاقتصادي كانت تعبر عن ضرورة حيوية بالنسبة لأقطار المغرب العربي، وهو ما ألح عليه وزراء خارجية الدول الثلاث في اجتماعهم بتاريخ 11 فبراير 1963 عندما أكدوا على " ضرورة تنسيق السياسة الخارجية تجاه السوق الاوروبية المشتركة وضرورة تنسيق مخططات التنمية ".
وعندما اجتمع وزراء الاقتصاد المغاربة بتونس في اكتوبر 1964 وأصدروا بروتوكولا بإنشاء اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي، فإن ذلك كان تعبيرا واضحا على الرغبة في نقل قضية المغرب العربي من أيدي الدبلوماسيين المحترفين وزعماء الأحزاب إلى الاقتصاديين والتقنيين، بل ويعبر عن وسائل تهيء الأرضية الصالحة على مستوى البنيات القاعدية للهيكل الوحدوي .
وهكذا أصبحت ندوات وزارة الاقتصاد التي تضع الاقتراحات وكذلك اللجنة الاستشارية التي انيطت بها مهمة التنفيذ بمثابة أدوات العمل  الرئيسية للأسلوب الجديد .
وقد وضعت اللجنة سنة 1966 بتنسيق مع مؤتمر الامم المعتمدة للتجارة والتنمية تقريرا يتضمن " مناهج تحقيق الوحدة الاقتصادية " تمت بلورته فيما بعد في شكل اتفاق من 49 مادة،وهو الاتفاق الذي اطلع عليه مؤتمر وزراء الاقتصاد وطالب اللجنة بتعديله. 
وقد تفرع عن اللجنة الاستشارية فئتان من المؤسسات دائمة وغير دائمة، بينما كان مؤتمر وزراء الاقتصاد هو المرجع الأعلى لها.
و عقدت اللجنة منذ إنشائها سبع دورات ما بين سنتي 1964 و1970 تميزت في نهايتها بالتوصية بالتعجيل بالانتقال الى التكامل المغربي عن طريق حل إجمالي مؤقت  .
و قدمت اللجنة المذكورة للدورة السادسة لمؤتمر الوزراء الذي انعقد بالرباط   (تموز /يوليو 1980 ) عملا فيه قامت به بالتعاون مع خبراء دوليين ومن المنطقة. يمكن اعتباره الوسيلة القانونية الاساسية لاتمام عملية الاندماج،ولكن تبين من فحص هذا المشروع ان ممثلي الدول المعنية لم يكونوا على استعداد لتبنيه بالاجماع مما دعا المؤتمر الى ارجاء هذا المشروع ملاحظا أن بناء تجمع دول المغرب العربي يجب أن يتم على أساس احترام الاختيارات الأساسية السياسية و الاقتصادية لهذه الدول . وطالب من اللجنة الاستشارية الدائمة إعادة النظر في المشروع بإثرائه وإجراء بعض التعديلات عليه .
كما قدمت اللجنة  أيضا من جديد مشروع اتفاق التعاون الاقتصادي بعد تعديله لمؤتمر الوزراء في اتجاه التكامل الاقتصادي لدول المغرب العربي سوف لن يبتعد كثيرا في رأينا عن الاطار العام الذي رسمه هذا المشروع مع  التنبيه ان اللجنة الاستشارية الدائمة يمكنها اجراء التكييفات التي يقتضيها التطور العام في المنطقة لتقدم مشروعا قابلا للتطبيق فورا اذا ما اتخد القرار السياسي .ويمكن ايجاز خطوطه العريضة في ثلاث نقاط اساسية :
1- نظام المبادلات .
2- تخفيض التعريفة الجمركية .
3- ازالة القيود الكمية  . 
كما يتكون الإطار المؤسساتي للعلاقات الاقتصادية المغاربية من جملة الاتفاقيات الثنائية، التجارية منها على وجه الخصوص، التي شهدت تطورا ملحوظا خلال الثمانينيات وقد تعززت هذه المنظومة من الاتفاقيات الثنائية بعدد هام من المعاهدات والاتفاقيات متعددة الاطراف والتي ابرمت في نطاق اتحاد المغرب العربي اثناء انعقاد مختلف الدورات الرئاسية  . 
فكان من أهداف  إنشاء اتحاد المغرب العربي على المستوى الاقتصادي تعميق آليات التعاون الاقتصادي، وتنمية المبادلات التجارية البينية، والعمل على حرية تنقل الأشخاص والخدمات ورؤوس الأموال وتنسيق السياسات التصنيعية، وتوحيد السياسات الجمركية، والتشاور حول عمليات التفاوض مع الاتحاد الأوروبي.
وأثناء الفترة الممتدة ما بين 23 جويلية 1990 و 2 ابريل 1994 تم عقد 36 اتفاقية في عديد القطاعات. وما اتفق عليها لم تدخل حيز التطبيق إلا 6 منها، أولها تتعلق بإنشاء المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية بين دول اتحاد المغرب العربي، ثم اتفاقية تبادل المنتجات الفلاحية، واتفاقية تشجيع وضمان الاستثمار بين دول الاتحاد ، واتفاقية النقل البري للمسافرين والبضائع والعبور بين دول الاتحاد، واتفاقية الحجر الزراعي، وأخيرا اتفاقية تفادي الازدواج الضريبي وإرساء قواعد التعاون المتبادل في ميدان الضرائب على الدخل . على مستوى القمم لم تعقد إلا قمة وحيدة عام 1994 بالعاصمة التونسية. لكن عقدت عديد مجالس وزراء الخارجية واللجان الوزارية المتخصصة ومجالسها القطاعية.
النتائج المحققة هزيلة نوعا ما . لذلك من المطلوب على المستوى الاقتصادي تحويل الاتحاد المغاربي إلى قطب اقتصادي متمحور على ذاته دينامكيته محلية، فبغيابه يخسر سنويا كل بلد نقطتين في نسبة نمو ناتجه الوطني الخام. وضمان انسيابية الحدود التي تمثل انجع وسيلة لمقاومة التهريب.وإرساء مبدأ التعامل التجاري التفاضلي ما بين البلدان الخمسة،وخلق آليات لمراقبة مدى تطبيقه بما يعظم التجارة البينية التي رغم نموها إلا أنه يبقى دون المأمول حيث تقدر ب 4 في المائة فقط،مقابل 25 في المائة لأسيان و 50 في المائة للاتحاد الاوروبي. وتفكيك كل الحواجز الجمركية من اجل خلق سوق موحدة للسلع و الخدمات وصولا إلى توحيد العملة.وتشبيك الجهود عند عرض المناقصات الدولية المعروضة لشراء السلع الحيوية كالحبوب او الادوية.وتنسيق السياسات الصناعية خصوصا في المشاريع الكبرى تفاديا للمزاحمة التي قد تضر بكل الاطراف .والعمل على صعود عالية الانتاج الصناعي في نطاق مشاريع شراكة محلية أو شراكة مع الرأسمال الأجنبي الذي يرغب في استثمار مزايا سوق يعد اكثر من 80 مليون مستهلك. وتأهيل المشاريع الصناعية القائمة بما يخول لها مجابهة المنافسة العالمية.والاسراع بتفعيل المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية .وتسريع خطوات إنجاز المشاريع البينية الكبرى خصوصا الطريق المغاربية طرابلس – نواكشوظ. وتحقيق الربط الكهربائي ما بين البلدان الخمسة. ومساندة تحركات المستثمرين داخل الفضاء المغاربي،  والوصول في النهاية إلى تحقيق اندماج اقتصادي فعال يحصن اقتصاديات بلدان المنطقة من أخطار العولمة  .
لهذا لكي تحقق مسيرة التكامل الاقتصادي في المغرب العربي أهدافها هناك أولويات يجب اعتبارها، وبرامج عمل يستلزم تبنيها، واعتماد مبدأ التدرج في تنفيذها عبر مدى زمني يكون كافيا لإنضاجها، على أن تنفذها مؤسسات كفؤة يديرها متخصصون يؤمنون بقضية التكامل والوحدة بين شعوب المغرب العربي ومنها :
1- برامج اتحاد المغرب العربي :
- تبني برامج وخطط تكاملية متدرجة تعطي الأولوية للقطاعات ذات الأهمية كالزراعة والنقل والمواصلات والصناعة والاستثمار والخدمات الاجتماعية.
- الإسراع بإنشاء منطقة التبادل الحر المغاربية.
- التنسيق والتكامل مع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى،حيث تم في الآونة الأخيرة بإنشاء آلية لفض النزاعات والاتفاق على قواعد المنشأ التفصيلية، وتخفيف القيود غير الجمركية، كما يجري توحيد السياسات الجمركية في إطار إقامة مشروع اتحاد جمركي عربي بحلول عام 2010.
- تنسيق السياسات الاقتصادية المغاربية ،وخاصة فيما يتعلق بالاصلاح المالي والنقدي والمصرفي، والإصلاح الضريبي و الجمركي، وتحرير الحساب الرأسمالي.
- توحيد المعايير والمقاييس والمواصفات الصناعية،والتنسيق فيما بين المراكز المختصة، والاستفادة من الخبرة الدولية، لضمان تنافسية السلع المنتجة بالبلدان المغاربية.
- الإسراع باستكمال شبكة الطرق البرية، وتدعيم الشحن الجوي، والاسراع باتخاذ ترتيبات ملاحية فعالة تكفل نقل السلع المغاربية في موعيدها المناسبة.
- وجود آليات عادلة ونزيهة وسريعة لفض النزاعات، تتسم بالسرعة والفعالية والإلتزام بتطبيقها، والانضمام لاتفاقيات التحكيم الدولية، واختيار قضاة مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة.
- دراسة متأنية لنماذج الشركات المشتركة الناجحة، ومعرفة مواطن القوة وتعظيمها، والاستفادة منها في توطين مشاريع مشتركة جديدة.
- الاستفادة من خبرات العاملين في المؤسسات الدولية في إدارة ومتابعة المشروعات المشتركة، تفاديا للنظرة الشعوبية الضيقة لدى بعض القائمين على هذه المؤسسات، وتعيين ذوي المصالح والمحاباة، واختلاف وجهات نظر القائمين على هذه المؤسسات وخضوعهم لتعليمات حكوماتهم التي رشحتهم لهذه المؤسسات.
- تدعيم وتفعيل مؤسسات الاتحاد المغاربي، واعطائها صلاحيات كافية لتنفيذ قراراتها وإلغاء أية عقبات تعترض تفعيل القرارات كقاعدة الإجماع .
- تبني مواقف وسياسات موحدة اتجاه التجمعات الاقليمية الأخرى بما يضمن المصلحة المشتركة في الاستفادة منها لصالح بناء صناعات نصديرية متقدمة قادرة على منافسة الاسواق العالمية .
- فصل السياسة عن الاقتصاد، والتعامل مع الشأن الاقتصادي بحيادية تامة، بعيدا عن الايديولوجيا، والمصالح الشعوبية الضيقة، وترسيخ ثقافة ايجابية لادارة الخلافات، والأخذ بعين الاعتبار موقع المغرب العربي، وموارده وامكانية وطموحات شعوبه واستشراف مستقبله.
2- برامج الدولة القطرية :
- العمل على تحسين بيئة الاعمال ومقاومة الفساد والمحسوبية والمحاباة، واصدار حزمة من القوانين التي تحارب هذه الظواهر والممارسات، وتدعم الشفافية، وقواعد الحكم المؤسساتي الرشيد ، وتطبيق معايير المحاسبة الدولية، وأنظمة التقارير الدولية.
- تطوير وتحديث مراكز الجمارك، وتدريب العاملين بها، وتزويدها بالتكنولوجيا الحديثة، وتطوير اساليب التفتيش بها، ودمج المراكز الحدودية، وتوحيد النماذج المستعملة، تفاديا لتكرار الاجراءات.
- الحد من الممارسات البيروقراطية في الجهاز الاداري.
- دعم شركات الانشاءات الصغرى والمتوسطة، وتحفيزها للعمل في البلدان المغاربية الاخرى، نظرا لما توفره هذه البلدان من فرص هائلة في ميدان البناء والتشييد، وتطوير البنى الأساسية، ولا يخفى تأثيرات ذلك على تدوير الأموال المغاربية داخل الاتحاد، وخلق فرص عمل وتطويل صناعة مواد البناء والتشييد، وحاليا تستغل الشركات الدولية هذه الفرص على حساب الشركات المغاربية .
- ايلاء التنمية البشرية الأهمية القصوى، وخاصة فيما يتعلق بالتعليم والتدريب وحيازة المعرفة وتوطين جامعات ومعاهد تطبيقية دولية في المنطقة.
- الاهتمام بإنشاء نظام قضائي تجاري فعال من شأنه أن يسهم في تنمية التجارة البينية وزيادة ثقة المستثميرن ( العرب و المغاربة)، والاطمئنان على استثماراتهم، وفي هذا الشأن نقترح تنسيق القوانين التجارية، واجراءات التقاضي أمام المحاكم.
- التأكيد على الدور الهام الذي تلعبه الدول المغاربية في ضمان سيادة القانون من خلال توفيلر حزمة القوانين والتشريعات، والتي تحدد بوضوح المراكز القانونية والمالية للمتعاملين الاقتصاديين، وضمان تنفيذ الأحكام بالسرعة والفعالية والحيادية التامة بما يرسخ ثقافة الإيفاء بالعقود والالتزامات.
- تفادي تقييم التبادل التجاري بين الدول المغاربية على أساس الفائض والعجز في الميزان التجاري لكل دولة على حدة، بل يجب النظر إليه في ضوء المصلحة المشتركة، والنظرة الاستشرافية المستقبلية لمنافع التكامل الاقتصادي.
- بناء إعلام حيوي وفعال يمكن من بناء الوعي المغاربي، ويدعم الانتماء للمشروع الحضاري الواحد الذي يحقق مصلحة الجميع، ويبرز منافع التكامل وحالات النجاح، ويروج لفرص الاستثمار المنتج داخل البلدان المغاربية  . 
كما أنه  أصبح لزاما على دول الاتحاد المغاربي انطلاقا من الاولويات التي تم ذكرها سالفا سواء على مستوى برامج اتحاد المغرب العربي أو برامج الدولة القطرية الانخراط في برنامج لتأهيل الاقتصاديات للدول المغاربية، بالرغم من اتسام اقتصادياتها بفقر تنوعها،حيث تعتمد أساسا على الموارد الاولية بنسبة تفوق 90 في المائة من الصادرات، وهي محروقات بالنسبة للجزائر وليبيا، والمعادن ( الفوسفاط أساسا ) والنسيج ( فيما يخص المنتجات الصناعية ) بالنسبة للمغرب، كما أنها اقتصادية تبادلية بمعنى أنها قائمة على التجارة مع العالم الخارجي بنسبة كبيرة جدا  (التجارة تمثل 87 في المائة من الناتج الداخلي لموريتانيا ) وهذا يجعلها تحت رحمة الضغوط الاجنبية   . 
وعليه فإنه بناءا على ما تتوفر عليه دول المغرب العربي من مقومات اقتصادية فإنه من المفترض أن التكامل الاقتصادي لدول الإتحاد إن تحقيق فإنه سيؤدي إلى ما يلي : 
أ‌- الأثر الإنتاجي للتكامل والذي أشار إليه "j-viner  " بأنه أثر خلق التجارة ومفاده زيادة رفاهية الدول الأعضاء كنتيجة لزيادة إنتاج المؤسسات ذات الكفاءة العالية على حساب المؤسسات الأقل كفاءة .
ب‌-   يساهم التكامل الاقتصادي بين دول الاتحاد في زيادة معدلات التبادل التجاري للدول الأعضاء .
ت‌- تحقيق الاقتصاديات السلمية نتيجة اتساع نطاق السوق والذي يؤدي إلى زيادة الطلب على منتجات مما يمكنها من استغلال أكبر طاقة إنتاجية ممكنة ومن ثم يؤدي إلى زيادة تنافسيتها حسب " Porter ".
ث‌- زيادة المنافسة بين مختلف المؤسسات القائمة ومختلف عناصر الإنتاج في الدول الأعضاء، الأمر الذي يؤدي إلى انسحاب المنتجين ذوي الكفاءة الأقل وبالتالي الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية وزيادة رفاهية المستهلكين .
ج‌- بناء اقتصاد سوق حر فعال قادر على الاضطلاع بضغط المنافسة على السوق الداخلية .
ح‌- انتقال المهارة بين نفس القطاعات والقطاعات المتكاملة .
خ‌- استفادة المستهلكين من أسعار أقل ونوعية أحسن .
د‌- زيادة حجم التجارة والاستثمار المتبادل لدول الاتحاد .
ذ‌- زيادة معدلات النمو الاقتصادي للدول الأعضاء وذلك كنتيجة طبيعية لزيادة حجم الاستثمارات واختيار أفضل المواقع لها بعدما أصبح في الإمكان إنشاء مؤسسات وفق معايير اقتصادية وليس بصورة عشوائية .
الفقرة الثانية  : المنهج التنموي المرتبط  بإنجاح استراتيجية التكامل المغاربي :
التنمية التي تقصد هنا  – تجنبا للتعميمات – هي بالتحديد التنمية الاقتصادية بمفهومها الذي يعني تلبية الحاجيات الاقتصادية، والانتقال من التخلف الى التقدم الاقتصادي، ومن التبعية الاقتصادية إلى الاستقلال، داخل فضاء جغرافي محدد أيضا يمتد من المحيط إلى الخليج،أو هي بتعريف آخر: مجمل اجراءات وتدابير تتخذ لتغيير بنيان وهيكل الاقتصاد القومي، يكون هدفها السعي الى تحقيق زيادة سريعة ودائمة في الدخل الفردي، تستفيد منها الغالبية العظمى من الأفراد، وإن كان البعض يرى في هذا التعريف تعريفا إجرائيا غير موضوعي، وينظر إلى التنمية في جانبها الإنساني الشمولي باعتبارها " عملية طويلة الأجل تهدف إلى زيادة الرفاهية والسعادة الإنسانية "  . 
لذا سيتم اختيار تعريفا اصطلاحيا يمكن اعتباره شاملا  مفاده أن التنمية تعني :
" القدرة على تحويل الامكانيات الهائلة والموارد الطبيعية إلى قاعدة لنمو استيعابي يحترم حقوق الإنسان، ويحد من الفقر ، ويخلق فرصا للعمل اللائق " ولها أبعاد متعددة منها :
- التنمية السياسية .
- التنمية الاقتصادية .
- التنمية البشرية .
- التنمية المستدامة .
تتفاعل كل هذه الابعاد فيما بينها بعلاقات تأثير وتأثر فلا يمكن التقليل من أهمية أي منها، يجب أن تسير هذه الأبعاد بوثيرة متساوية حتى يتحقق الهدف العام الذي هو التنمية الشاملة .تتعدد الآراء الفقهية والتجارب في امكانية التعجيل الواحدة عن الأخرى كتعجيل التنمية الاقتصادية لتحقيق الديمقراطية كما هو الشأن في بعض الدول الآسيوية واوروبا الشرقية، أو تعجيل  الديمقراطية لتحقيق التنمية الشاملة كما نهجت الدول الغربية عامة .
لكن التجربة في دول المغرب العربي، وبعد مضي أزيد من ستين سنة عن الاستقلال دولها اثبتت بضرورة المزاوجة بين هذه الأبعاد المختلفة من أجل تحقيق التنمية الشاملة . وقد عملت دول اتحاد المغرب العربي خلال جويلية 1990 على سن و تبني استراتيجية مغاربية للتنمية التي وضعت الركائز لتكامل جهوي، حيث وضع اتحاد المغرب العربي كهدف رئيسي إقامة تكامل اقتصادي بين البلدان الأعضاء. وعلى هذا الاتحاد أن يتخطى ، حسب الاستراتيجية المقترحة، ثلاثة مراحل تمهيدية متتالية: 
- المرحلة الاولى :1992-1995 :تأسيس منطقة تبادل حر من خلال الاعفاء من الحقوق الجمركية والالغاء التدريجي للحواجز غير التعريفية.
- المرحلة الثانية : 1996-1999 : انشاء اتحاد جمركي يهدف الى وضع تعريفة مشتركة خارجية تسمح بحماية المنتجات المحلية من السوق الخارجية. وقد حضرت اللجنة الاقتصادية المغاربية المشروع – الإطار المتضمن الإعفاء من الحقوق الجمركية والرسوم ذات الأثر المماثل، الإلغاء التدريجي للحواجز غير التعريفية، وضع سياسة مشتركة للتجارة الخارجية والانضمام إلى لائحة تعريفية موحدة .
- المرحلة الثالثة : ابتداءا من سنة 2000 : انشاء اتحاد اقتصادي مغاربي والذي سيمثل المرحلة النهائية في مستر التكامل الاقتصادي . والذي سوف يتجسد بتوحيد وتجانس السياسات الاقتصادية وبرامج تنمية البلدان الأعضاء .  
وذلك راجع الى أن الخيارات التنموية لدول الاتحاد المغاربي ، كانت خيارات ذات توجهات متباعدة بعد الاستقلال تعتمد على تصدير المواد الأولية وهو اقتصاد ريعي، تبنت كل من الجزائر ولبييا اقتصادا اشتراكيا منقول عن التجربة السوفياتية ينهج فلسفة حزب واحد حتى ولو تعددت الاحزاب. ما فتئت أن تحولت لاقتصاد السوق، فالتحدي الذي واجه الدول المغاربية هو الانتقال من نظام اقتصادي ريعي، تسيطر عليه الدولة مركزيا وغير تنافسي إلى نموذج اقتصادي تنافسي يضمن ويحمي المبادرة الفردية، ويتحول من رأسمال الطبيعي إلى رأسمال بشري محدث لفائض الدخل يخلق فرصا للشغل  . 
ولكن تجميد الاتحاد المغاربي أدى إلى تعطيل تنفيذ هذه الاستراتيجيات التنموية التي تم تسطيرها، وذلك راجع الى تعارض الخيارات السياسية للدول المغاربية، والتي أثرت سلبا على الخيارات التنموية لبلدان المغرب العربي، لذا أصبح من الضروري وضع استراتيجية التكامل الاقتصادي المغاربي جنبا لجنب مع ضرورة وضع استراتيجية تنموية جديدة في كل بلد من المنطقة إذ لا يمكن للتكامل أن يكون مجديا على مستوى استراتيجي إذا بقيت نماذج التنمية على وضعها الحالي باختلافها في بلدان المنطقة المغاربية وبمحدوديتها في مسايرة التحديات .
وفي هذا الإطار يمكن الإنطلاق  من مسار تنمية غير قادرة على استيعاب الوافدين الجدد على سوق الشغل وان تحقيق التقليص من البطالة مرتبط بارتقاء نسب النمو في بلدان المنطقة المغاربية إلى معدلات أرفع،  وأن التكامل الاقتصادي بينها يصبح عنصرا من عناصر تحقيق هذا الهدف، و لا يسعنا في هذا الاطار الا الاقتصار على رسم الخطوط العريضة لاستراتيجية تنمية أهدافها الأساسية مسايرة الوافدين على سوق الشغل عبر الارتقاء إلى :
نسب نمو عليا موزعة بالطريقة الأعدل تجابه التهميش وتحقق الكرامة للحصص الأكبر من شعوب المنطقة إذ لهذه (أي شعوب المنطقة المغاربية) الحق في المطالبة بنظام اقتصادي واجتماعي جديد يرتقي إلى مستوى تطلعاتها في سياق الثورات العربية. وإنها لفرصة وجب توظيفها في مرحلة هامة من التاريخ.
وبدون الخوض في نقد وجهات النظر القديمة سواء تلك المرتبطة بإعادة توزيع المزارع على المواطنين بهدف العدالة في توزيع الملكية أو تلك المتعلقة بإحداث أقطاب تنمية في الجهات المهمشة في داخل كل بلد من المنطقة المغاربية، والتي أظهرت عدم نجاعتها خلال  الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أو كذلك تلك التي تطالب بـ"خطة مارشال" لتمويل التنمية في هذه الجات المهمشة والتي لا تلبي متطلبات المرحلة  . 
أما الطريقة القائمة على دعم القطاعات الإنتاجية  ذات القيمة المضافة الأعلى،  فإنها غير شاملة ويمكن أن تعمق الهوة بين القطاعات والجهات والفئات الاجتماعية، و لا  تمكن من الاستفادة  الكاملة من الأثار  الإنتاجية غير المباشرة.
وباختصار شديد، يمكن أن نلخص ركائز استراتيجية التنمية الجديدة التي تطرحها والتي يطلق عليها  اسم " التقدم الصناعي المتكامل " كما يلي :  
اعادة النظر في التقسيم الجهوي لإرساء " المجال الاقتصادي و الاجتماعي": 
وهو المتكون من ثلاثة عناصر اساسية :
1- التركيز الديمغرافي .
2- التسلسل الهرمي الاقليمي .
3- المزايا التفاضلية الديناميكية .
لكل  مجال اقتصادي واجتماعي الذي يمكن له ان ينتظم وفق " سلسلة قيم " تساهم في خلق الثروة في المجال ذاته ويمكن حينئذ السيطرة على الهجرة الداخلية واستيعاب البون بين الجهات .
وبهذه الطريقة تصبح المشاريع العمومية من حيث البنى التحتية اكثر نجاعة وموجهة بطريقة أفضل في الربط بين مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية .
أ‌- اصلاح منظومة عرض المهارات :
إن وضع نظام التعليم على ذمة حاجيات سوق الشغل ومتطلبات الجهاز الانتاجي هو في رأينا خطأ لأنه سيحول نظام التعليم و التربية إلى مجال للتدريب المهني لا يمكن من إيجاد علماء يرتقون إلى أعلى مستويات التجريد و التنظير المطلوبة لرفع الاستراتيجيات بعيدة المدى .إذ وجب على نظام التعليم أن يكون فضاء إبداع فكري يمكن من خلق المواهب وصنع الذكاء في حين التدريب يتكفل بها المقاول أو رجل الأعمال في محاولة منه في الاستثمار في الرأسمال البشري ذي النجاعة داخل المؤسسة الانتاجية .
وإنه من المهم أن نذكر في هذا الإطار أن سياسة التشغيل وجب أن تقام على العناصر التالية :
1- سياسة تأجير تأخذ بعين الاعتبار التضخم و الانتاجية .
2- مفتاح توزيع بين الأجر،الربح والجباية .
3- الموازنة بين العرض من المهارات ومتطلبات سوق الشغل .
ب‌- الاصلاح المؤسسي لتحسين مردودية المرافق العمومية :
من وجهة نظر النمو، المؤسسة كجملة القواعد الرسمية و غير الرسمية، هي حقل وجب الاستفادة منه باعتباره ضمانا للحكم الرشيد وهو دعم للنمو .في إطار إعادة التقسيم الجهوي الذي دعونا إليه،يصبح الإصلاح المؤسسي موجها نحو الحكامة المحلية التي تشرك المجالس المحلية المنتخبة وتعطيها استقلالية ولو جزئية في إدارة ميزانيتها.وجب على الإصلاح المؤسسي أن يتضمن كذلك النظام الضريبي وقانون الاستثمار وقانون العمل .
ت‌- استراتيجية تجارة خارجية تستهدف المكاسب الديناميكية :
إذا وضعت كل دول المنطقة المغاربية استراتيجية تنمية قائمة على " التطور الصناعي المتكامل " المحلي فإنها سوف ترتقي إلى معدلات نمو عليا تمكنها من الاستفادة القصوى من سياستها التجارية الخارجية حين الانضمام إلى فضاء اقتصادي عالمي او اقليمي ارحب.إذ يستفيد كل بلد من المنطقة المغاربية محليا ولكن كذلك من أتباع نفس الاستراتيجية بما تخوله من توحيد السياسات الاقتصادية الكلية ومن الإجراءات .فتتقلص الاختلافات والحواجز غير الجمركية، ويتكاثف حجم التبادل بين الدول المغاربية وتصبح هذه المنطقة قادرة على الاستفادة من المبادلات التجارية مع التجمعات الاقتصادية الاخرى بل المساهمة في إثرائها .
المطلب الثاني : تبني موافق وسياسات موحدة تجاه التجمعات الاقليمية الأخرى
إن المتغيرات الاقتصادية الجديدة التي أصبحت تشهدها دول العالم، نظرا لإنفتاح الأسواق، وانسياب رؤوس الأموال، وتداخل العلاقات الاقتصادية بين الدول فيما بينها، كلها عوامل تتطلب اتحاد الدول فيما بينها، وتجمعها في تجمعات واتحادات  اقتصادية ، قصد مواجهة مخاطر العولمة الاقتصادية، واحتكار الشركات المتعددة الجنسيات، وهذا ما حاول الاتحاد المغاربي القيام به منذ تأسيسه  بمقتضى اتفاقية مراكش سنة  1989، لهذا سأحاول من خلال هذا المطلب إلى تسليط الضوء حول مكانة الاتحاد المغاربي أمام التجمعات الإقليمية والدولية (كفقرة أولى ) ، ومستقبل العلاقات المغاربية الاوربية المتوسطية (كفقرة ثانية) .

الفقرة الأولى :  الاتحاد المغاربي أمام التجمعات الاقتصادية الإقليمية و الدولية
إن التطورات والتحولات الحاصلة على الصعيد العالمي منذ بداية أزمة الرأسمالية العالمية في أوائل السبعينيات، وبخاصة تلك التطورات الحاصلة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي ، وحرب الخليج الثانية، أثبتت هذه التطورات والتحولات، أن العالم يسير باتجاه التكتلات الاقتصادية ، وأن دول العالم الثالث إذا أرادت أن يكون لها دور في الحياة الاقتصادية العالمية، فإنها يجب أن تتجمع في تكتلات اقتصادية قومية، إذ لا حياة بعد اليوم للدول الصغيرة إلا من خلال التجمعات الاقتصادية الكبيرة . ولكن هناك فرقا بين الالتحاق بتكتل اقتصادي قوي للدول الرأسمالية الصناعية. كما يراد لدول العالم الثالث، وبين بناء تكتل اقتصادي إقليمي قومي ومستقل، يستطيع أن يقف على مستوى الندية والتكافؤ مع التكتلات الأخرى  .
و يراهن الكثير من دول العالم اليوم على ضرورة التكامل الاقتصادي كوسيلة لمواجهة المشاكل الاقتصادية بالدرجة الأولى في سبيل تحقيق التنمية الشاملة بمفهومها التقليدي، والمستدامة باصطلاحها الحديث .
فلقد أصبحت ظاهرة التكتلات الاقتصادية من الظواهر ذات الأثر المتعدد الجوانب، لما لها من نتائج ايجابية على مستوى الاداء الاقتصادي في ظل التفاعلات والتحولات الاقتصادية  .
إضافة إلى ما يعيشه العالم من متغيرات عديدة يوجب على الدول النظر مرة أخرى في مساراتها، فوجود الدول فرادى في ظل هذه المتغيرات مسألة لا تؤمن عواقبها، حيث المخاطر المستجدة أكبر من أن تتحملها دولة واحدة، ولذا نجد هذا التوجه الدولي نحو الاقليمية، فنجد التكتلات الاقليمية منتشرة في كل منطقة من العالم، في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، فالدول الكبرى تلوذ بمحيطها الاقليمي وتوسعه، فنجد امريكا تنشئ منطقة للتجارة الحرة لامريكا الشمالية ( نافتا )، وتدعو لانشاء منطقة تجارة حرة للأمريكتين، وتجعل المحيط الباسيفيكي امتدادا اقليميا لتنشئ تكتلا اقليميا مع بعض الدول الآسيوية واستراليا وهو تكتل ( الابيك ) الذي يمتلك حوالي 45 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي العالمي،واكثر من 50 في المائة من التجارة في السلع، و37 في المائة من تجارة الخدمات .
ولم يقتصر هذا التوجه المتزايد نحو الاقليمية على امريكا، بل تعد اوروبا هي أول من سلك طريقه، حيث نجد في اوروبا الاتحاد الاوروبي الذي يرغب في التوسع ليشمل اوروبا كلها بدولها الغنية والفقيرة والمتقدمة والمتخلفة، بل تريد اوروبا أن تستغل إطارها الإقليمي عبر البحر المتوسط لإنشاء تكتل بينها وبين دول جنوب المتوسط. وفي هذا السياق ظهر إلى الوجود اتحاد المغرب العربي في فبراير 1989 ويهدف إلى تنسيق وتوحيد الجهود من أجل إرساء قواعد التعاون والتكامل الاقتصادي ، ومواجهة التحديات المقبلة التي تفرضها المتغيرات الدولية الجديدة القائمة على أساس المنافسة. ومنذ نشأته وهو يعاني من أسباب القصور والعثرات التي حدت من اندفاعه وانتهت الى توقفه عندما طلبت المغرب من الجزائر في ديسمبر 1989 باعتبارها رئيس دورة الاتحاد آنذاك ان توقف مؤقتا نشاط مؤسسات الاتحاد بناء على تدخل الجزائر في قضية الصحراء الغربية، بالإضافة إلى الأزمات والصعاب المتعددة التي جعلت من توقيع 36 اتفاقية بين أعضائه مجرد أوراق، وذلك بسبب صعوبة التوفيق بين الرغبة في خلق تكامل اقتصادي بين دول الاتحاد وبين تباين مواقف انظمة الحكم وتعثر عملية انتقال الاشخاص ورؤوس الاموال بين تلك الدول، والتي تعتبر إحدى الآليات الأساسية للاندماج الاقتصادي   .
وتزداد اهمية هذا الموضوع بالنظر الى التحولات الاقليمية والدولية التي تجري على نطاق عالمي خلال نهاية هذا القرن وما يرافق هذه التحولات من إعادة لبنة الاقتصاد العالمي ومرتكزاته،مما ينذر بحصول تغيرات جذرية على صعيد الفضاء الاقتصادي العالمي ثمرته سيكون لها اكبر الاثر على مستقبل المغرب العربي واقتصادات الاقطار الخمسة .
ومن منطلق الوعي التام بهذه المتغيرات الدولية واستيعابه لمتطلبات بناء مغرب عربي بلا حدود يكون قادرا على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، اتفق قادة أقطار المغرب العربي المجتمعين بمناسبة انعقاد الدورة الثانية لمجلس رئاسة اتحاد المغرب العربي بالجزائر ما بين 24 – 26 يوليوز 1990 على وضع أسس استراتيجية مغاربية للتنمية الاقتصادية وترشيد العمل الاتحادي في المجال الاقتصادي والتنموي .
وتتحدد الملامح الكبرى لهذه الاستراتيجية في تحقيق هذا التكامل الاقتصادي على مراحل ثلاث هي :  
- بعث منطقة اقتصادية للتبادل الحر مع موفى سنة 1992 .
- قيام الوحدة الجمركية المغاربية قبل نهاية 1995 .
- تحقيق السوق المغاربية المشتركة عام 2000 .  
كما يشكل قيام اتحاد المغرب العربي مرحلة متقدمة من التعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين مجموعة البلدان المغاربية التي تجمعها ميزات وخصائص قومية وجغرافية مشتركة.ويأتي قيام هذه الكتلة في مرحلة سبقت بقليل للمتغيرات الدولية، هذه المتغيرات التي أكدت ان المستقبل مرتبط بالكتل السياسية القائمة على التفاعل والحوار والتنسيق المشترك .
ذلك أن النظام الاقتصادي العالمي في القرن الحادي والعشرين سيقوم على مبدأ التعاون المتبادل بين الدول الاقتصادية القومية. وبالتالي فإن الوحدات السياسية الصغيرة المنفردة مهما كبرت تظل ضعيفة الأداء والموقع  . 
وهذا ما ينطبق على دول المغاربية ، خاصة أمام تزايد حدة التفاوت الاجتماعي وازدياد الفقر لا يمكن ان يجعل دول المغرب تستوعب لمدة اطول ظروف تقسيم العمل غير المربحة على المدى الطويل والتي نطرحها اتفاقات المشاركة مع الاتحاد الاوروبي ويتعين اتخاذ سياسات جديدة خاصة بالادخار والاصلاح الاجتماعي والاقتصادي اكثر كفاءة لمواجهة التحديات التي تتزايد ولا سيما في المغرب والجزائر.
ويتوقف مصير المنطقة كمجموعة واحدة على الاسلوب الذي ستتبعه دول المغرب لدى أخذها في الاعتبار اوجه التكامل الحر الذي تحدده العناصر الداخلية الفاعلة والمحركة للسوق الاقليمي .كما يتوقف على مدى نجاح التضامن فيما بين دول المغرب العربي من جهة،وبينها كمجموعة وبين الدول الاخرى من جهة أخرى  . 
ويمثل المغرب العربي في الظرف الراهن مجموعة اقتصادية متوسطة الحجم ومحدودة على الصعيد العالمي .ولكن لابد ان نتوقع إن الأهمية النسبية للمغرب العربي سترتفع خلال العشريات المقبلة على مستوى البحر المتوسط والقارة الافريقية واوروبا .
وبالتالي، فعلى البلدان المغاربية ان تطور الوسائل والاعمال المناسبة لتحقيق أهدافها في نطاق التعامل مع هذه المجموعات الكبرى . 
الفقرة الثانية:  مستقبل العلاقات المغاربية الاوروبية المتوسطية :
يتم التعامل مع منطقة البحر الأبيض المتوسط بتقسيمه إلى متوسط شرقي يضم دول المشرق المتوسطية، ومشرق غربي يضم دول المغرب العربي، لكل إقليم استراتيجيته السياسية والإقتصادية والأمنية . 
و يمكن حصر الدوافع الأساسية للاتحاد الاوروبي لإقامة الشراكة الأورومتوسطية في النقاط التالية :

1- الأهمية الاستراتيجية للمنطقة :
لقد كانت منطقة البحر المتوسط عبر العصور مطمعا لمختلف القوى الكبرى الساعية للاستفادة من خيراتها وإن اختلفت الطريقة والأسلوب من عصر لآخر، وجاءت فكرة الشراكة الأور ومتوسطية تجسيدا لمحاولات الاتحاد الأوروبي للهيمنة على المنطقة لكن من خلال إعطاء علاقاته مع الضفة الجنوبية والشرقية للمتوسط بعدا يرتكز على التعاون الشامل فيما بينهم اقتصاديا، سياسيا، واجتماعيا .
2- البحث عن دور إقليمي أكبر :
أدت التحولات الجذرية في موازين القوى من انهيار جدار برلين في نوفمبر 1989، وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كقطب واحد مهين على الساحة الدولية سياسيا واقتصاديا إلى توجيه الاتحاد الاوروبي اهتماماته نحو دول جنوب وشرق المتوسط في محاولة للحفاظ على مكانته الاستراتيجية ،والإبقاء على دوره كقطب مركزي – عالمي وكذا محاولة وقف المد الأمريكي .
ومن هنا جاء التفكيرفي إيجاد نوع من التعاون أو الشراكة تضم عددا من الأقطار العربية وإسرائيل لمحاولة فرض دور رئيسي لها مقابل الدور المتزايد للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، هذه الأخيرة التي حاولت فرض تصور لهياكل التعاون الإقليمي من خلال طرحها لمشروع الشرق أوسطية  . 
3- اتساع المجال الأوروبي :
بعد نهاية الحرب الباردة أعطت ألمانيا ودول أوروبا الشمالية في الاتحاد الاوروبي اهتماما كبيرا لدول أوروبا الوسطى والشرقية لاحتوائها ومساعدتها وخوفا من ظهور نزعة ألمانيا تسيطر وتهيمن على المجموعة الأوروبية ككل عملت دول أوروبا الجنوبية على إعادة بعث العلاقات مع الضفة الجنوبية للمتوسط من خلال ما عرف بمشروع غرب المتوسط (5+5)  .
ويتمثل مشروع الشراكة الاوروبية – المتوسطية في البيان الصادر عن مؤتمر برشلونة المنعقد في نهاية تشرين الثاني /نوفمبر 1995.ولقد وافقت الأطراف المشاركة في المؤتمر من حيث المبدأ على إقامة شراكة بين الاتحاد الاوروبي من جهة، والبلدان المتوسطية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا من جهة اخرى، وذلك في ثلاثة مجالات: الاول يتعلق بالسياسة والامن، والثاني بالاقتصاد والمال، والثالث بالنواحي الاجتماعية والثقافية. كما تبنت برنامج عمل يشكل آلية تتبع لتحقيق هذه الشراكة.
وتتضمن الشراكة الاقتصادية والمالية :
أ‌- الإقامة التدريجية لمنطقة تجارة حرة بالسلع المصنعة ( أي منتوجات الصناعة التحويلية) بين الاتحاد الاوروبي من جهة، والبلدان المتوسطية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا من جهة أخرى بحيث تكون مستكملة بحلول عام 2010، وتتضمن إقامة منطقة التجارة الحرة الإزالة التدريجية وبحسب جدول زمني متفق عليه للرسوم الجمركية والرسوم الداخلية ذات الأثر المماثل والقيود الإدارية والكمية والنقدية على التجارة بهذه السلع بين الطرفين .
ب‌- دعم الاقتصاد الحر وتطويره .
ت‌- تصحيح البنى الاقتصادية والاجتماعية وتنظيمها وتحديثها مع إعطاء الاولوية لدعم وتنمية القطاع الخاص .
ث‌- ازالة الحواجز التي تعترض الاستثمارات،بما فيها الاستثماراات داخل القطاع المصرفي.
ج‌- نقل التقانة.
ح‌- التعاون لتخفيف ضغط الهجرة، بما في ذلك وضع برامج محلية للتدريب المهني وايجاد فرص عمل محلية، وضرورة تحقيق تعاون اوثق فيما يتعلق بالهجرة غير الشرعية بحيث تتعهد الدول الأعضاء بإعادة استقبال رعاياه المقيمين بصورة غير شرعية في دول أخرى أعضاء في المؤتمر  .
وقد أكدت المتغيرات الدولية، ومعطيات السياسة الراهنة أن المستقبل مرتبط بالكتل السياسية القائمة على التفاعل والحوار والتنسيق المشترك، وقد أضحى للجانب الاقتصادي، أهمية بارزة في سياق التفكير المستقبلي في مجالات التعاون على أساس توازن المصالح والشراكة، بديلا عن المواجهة والتنافس والتضاد. ومن هذا المنظور فإن البحر المتوسط كإقليم تتوفر فيه كثير من الشروط التي تحدد كيفية أو مستقبل العلاقات القائمة فيه، عبر وجود كتلتين هامتين: الوحدة الاوروبية، والمغرب العربي، تجمع بينهما اليوم علاقات تجارية واقتصادية وثقافية ذات مدى كبير، فالتعاون التجاري التبادلي أخذ في التصاعد اليوم أكثر، فما يزيد من 60 في المائة من نشاط الدول المتوسطية الاقتصادية في بعض المجالات – حيث لا تزال الولايات المتحدة تنفرد بأوسع حركة عالمية للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي – مع بلدان البحر المتوسط .
ولا تزال معظم علاقات دول المجموعة الاوروبية المتوسطية، مع بلدان اتحاد المغرب العربي، في صيغتها الثنائية، ذات بعد اقتصادي وتجاري، ولم تبن حتى اليوم، علاقات مماثلة على المستوى الجماعي ككتلتين اقتصاديتين، رغم ظهور بوادر هامة على صعيد تعزيز تلك العلاقات  . 
لهذا أصبح لزاما في ظل الأوضاع السالفة الذكر انخراط الدول المغاربية في برنامج لتأهيل الاقتصاديات المغاربية لمواجهة تحديات عولمة الاقتصاد وخلق مناطق تبادل حر أورومغاربية  .
 
وعليه، من خلال كل ما تم التطرق غليه سابقا في هذه الدراسة المتعلقة بالإشكالية التكامل الاقتصادي المغاربي يظل السبيل الوحيد من اجل تجاول كل هذه المعيقات الاقتصادية هو البحث عن سبل كفيلة من أجل تجاوز كل هاته المعيقات، من خلال تظافر الجهود ما بين  جميع دول الاتحاد المغاربي خاصة في المجال الاقتصادي  لأنه هو الوسيلة الوحيدة من اجل تحقيق تنمية اقتصادية داخل هذا التكتل .

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :