ifada إفادة

ifada إفادة


مداخل بلورة نظام الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية في أفق تحديد شروطه التطبيقية

الثلاثاء 12 يناير 2021 - 20:45 , افادة
مداخل بلورة نظام الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية في أفق تحديد شروطه التطبيقية
حكيم التوزاني باحث في القانون العام والعلوم السياسية

بغض النظر عن الفرص التي تتحدّث عن المشروعية التاريخية والتي أثبتتها وثائق ومرجعيات متعدّدة؛ بما فيها فتوى محكمة العدل الدولية، وما أقرّته القوات الإسبانية على إثرها  الانسحاب من المنطقة، وتصريح مبعوثين للأمين العام للأمم المتحدة السيد  "بيريز دي كويلار " الذي قال في أول زيارة له للمنطقة منذ بداية التسعينات: "إن أهل الصحراء لا ينسجمون وخيار الانفصال"، والمبعوث الأممي "بيتر فان والسوم" الذي صرّح بأن خيار الحكم الذاتي هو الأنسب لحل مشكلة الصحراء. 
فإنّ هناك العديد من نقاط القوّة التي ينبغي استثمارها والأخذ بها، ويأتي في مقدمتها: تواجد المغرب على أرضه وارتباط ساكنة الأقاليم الجنوبية بالسيادة الوطنية. وإذا أضفنا إلى ذلك المكتسبات التي جناها المغرب عقب  خطاب 9 مارس لسنة 2011، والمصادقة على الوثيقة الدستورية الجديدة، وما صاحب ذلك من انتخابات نزيهة، وتشكيل حكومة رفعت شعار "الإصلاح في ظل الاستقرار" والتي شكلت نموذجا للتحول الديموقراطي والنقاش السياسي بالمنطقة ككل. فإن تحصين هذا الخيار والدّفع به لأن يعم كل دول المنطقة يشكل رهانا حقيقيا لتكتل مغاربي .
وإذا ما زدنا على عناصر القوّة المذكورة، نموذج التنمية المزمع تنزيله في الأيام القريبة بالأقاليم الجنوبية؛ والذي يعتبر أحد المداخل الأساسية لحلّ المعضلة الاجتماعية وتشجيع الساكنة على الاستقرار والبحث عن سبل العيش الكريم. فإن أوراق الخصوم ستسقط بعد تنزيل مشروع الجهوية المتقدمة كجواب سياسي وكضمانة حقيقية لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي مستقبلا. الشيء الذي سيشجع ساكنة الأقاليم الجنوبية على الانخراط المباشر في مشروع الدولة الوطنية، وخدمة الصالح العام، ممّا سيشكل عنصر جذب لساكنة المخيمات في تبني خيار العودة والاستقرار. 
وعليه، فإن التنزيل السليم لمقتضيات نظام الحكم الذاتي المتوافق في شأنه تحت الرعاية الأممية، يتطلب بالضرورة مداخل البلورة وشروط التفعيل وميكانيزمات الترسيخ وإواليات المواءمة بين الوضع الجديد للأقاليم الجنوبية والرهانات الوطنية للتنمية والطموحات المستقبلية لدول الاتحاد المغاربي. وهو ما سيتم التطرق له في هذه الدراسة وفق محورين أساسيين.

المحور الأول: مداخل تفعيل نظام الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية
ترتكن عملية التطبيق السليم لنظام الحكم الذاتي إلى عدّة مداخل أساسية، يتواجد بتواجدها وينعدم بانعدامها. ولعلّ من بين أهمّها: المدخل الدستوري الذي يكتسي طابعاً خاصّاً في ترسيخ مبادئ ومُرتكزات نظام الحكم الذاتي، وذلك لما له من علاقة وطيدة بمفهوم الانتقال الديمقراطي. بحيث تحيل معادلة الدستور/الانتقال الديمقراطي إلى طبيعة العلاقة بين الإطار الدستوري وفضاء سياسي يقوم على فكرة المرور من نظام سياسي إلى آخر-بحيث تتوقّف بمقتضاه القواعد الأوتوقراطية عن الاشتغال واستبدالها بأخرى متفاوض بشأنها بين مجموعة من الفاعلين، بحيث ترسم ملامح قواعد وإجراءات التنظيم السياسي الجديد، علاقة تنطلق من معرفة مدى قُدرة السّقف الدستوري على تأطير لحظة سياسية غير عادية حاملة لأزمة التنظيم السياسي القديم؛ المنعوت بالانغلاق ومدى استشراف المكونات الدستورية لتدعيم البناء السياسي الجديد المتسّم بالانفتاح .
وبالموازاة مع ذلك، لم يعد الدستور في قلب التعريف الإجرائي والمسطري للديمقراطية، بل أيضا واجهة مؤسساتية لمسلسل الدّمقرطة من خلال علاقة القوّة التي تحكم عملية الانتقال الدستوري وطبيعة الأجوبة والهندسة المؤسساتية التي يقدّمها في مرحلتي الانتقال والتدعيم الديمقراطيين. من هنا، يمكننا الجزم بكون الانتقال الديمقراطي والدستور ليسا زمنين سياسيين متميزين لمسلسلين متباينين، بل إنّ الوثيقة الدستورية داخل مسلسلات الانتقال الديمقراطي تُطرح كآلية للخروج من البنيات السياسية لنظام ما قبل الانتقال، وتسمح بمتابعة دينامية وإكراهات الدّمقرطة وميلاد مؤسسات جديدة تروم المصالحة مع فكرة القانون والحقوق. 
وتأسيساً على ذلك، جاءت المراجعة المؤسّسة لدستور مغرب العهد الجديد، محاولة بمقتضى فصولها القطع مع التدابير الفوقية لصياغة الوثيقة الدستورية بمنطق المنحة، ومن أجل دمقرطة الوثيقة الدستورية المتبناة مغربيا، تمّ إصباغها بميزة ثلاثية الأبعاد؛ الأولى متمثّلة في منهجية الإعداد ذات المقاربة التشاركية، وفي إطار ترجمته لهذه الإصلاحات على أرض الواقع، عيّن العاهل المغربي لجنة استشارية لصياغة مشروع الدستور المعدّل في أفق ثلاثة أشهر، على أساس حثّ مختلف مكوّنات اللّجنة على الإصغاء والتشاور مع المنظمات الحزبية والنقابية، وكذا  الفعاليات الشبابية، والجمعوية والفكرية والعلمية المؤهلة، قصد بلورة  تصوراتها العامة للورش الدستوري الجديد.
وإذا كان خطاب 09 مارس -2011- يعدّ بمثابة  إطار مرجعي لعمل اللّجنة، إلاّ أن ذلك لم يعفيها من الاجتهاد الخلاق، لاقتراح منظومة دستورية متقدّمة لمغرب الحاضر والمستقبل، وعلى ضوء إناطة الفقه الدستوري عملية تعديل الوثيقة الدستورية إلى "الجمعية التأسيسية المشتقة"؛ والتي تكون محدّدة في الغالب بمقتضى بنود نفس الدستور المراد تعديله. إذ حدّد الدستور المغربي لسنة 1996 الجهة المخوّل لها إمكانية تحريك مسطرة المراجعة إلى الملك ولمجلس النواب وكذا مجلس المستشارين، على أساس أن تعرض مشاريع  ومقترحات المراجعة الدستورية بمقتضى ظهير على الشعب قصد الاستفتاء، هذا الأخير الذي سيكون بمثابة الفاصل بين إقرار المراجعة أو رفضها . 
هذه المبادرة التي سيترجم مقتضياتها التعديلية اللّجنة المعيّنة- والتي تتكون من  رئيس وثمانية عشرة عضوا أغلبهم ذات خلفية قانونية ودراية دستورية "بعيدا" عن العمل السياسي أو بالأحرى عن التحزب السياسي- من طرف الملك على أساس تخويلها مقتضيات السلطة التأسيسية الفرعية (pouvoir constituant dérivé).
غير أنّ عملية المراجعة هاته، تبقى مستندة بالضرورة على المرتكزات السبع السابق تحديدها في الخطاب الملكي ليوم 09 مارس-2011-، إذ أن هناك حظرا موضوعيا يستعصي على عملية المراجعة والتعديل، والذي يتمثل في كل من النظام الملكي  والدين الإسلامي، هذا بالإضافة إلى ما ذكره الخطاب الملكي من إمارة للمؤمنين، والوحدة الترابية وكذا الخيار الديمقراطي .
ولعلّ من بين ما يؤاخذ على لجنة التعديل المقترحة هو أنها هيئة معيّنة غير منتخبة، وتقنية غير سياسية، بل وأنّ تركيبة اللجنة تنتمي إلى الرعيل الأول من الموجة الدستورية التقليدانية التي صبغت فترة السبعينيات والثمانينيات، ممّا ينمّ على أنّ سقف تفكير اللجنة  سيكون  لا محالة  دون  مستوى الطموحات الإصلاحية الملكية.
وعلى إثر ذلك، كان الخوف من أن تفرز هذه اللجنة وثيقة دستورية محكمة الصياغة إلّا أنّها غير مستجيبة للمتطلبات الشعبية والسياسية على حدّ سوء. إلّا أنّ هذا الطرح أصبح متجاوزا، على اعتبار أنّ اللجنة أوكلت رئاستها إلى السيد "عبد اللطيف المنوني" المعروف بدراسته الشهيرة المعنونة بـ: «Le recours à l’article 19 ,une nouvelle lecture de la constitution»  بدلا من فقيه القانون الدستوري وأب أطروحة «التطور التقليداني للقانون الدستوري المغربي» الأستاذ "محمد معتصم"، بالإضافة إلى تطعيم اللجنة بالمنظور النسائي، والحضور اليساري لفقهاء دستوريين أغلبهم مغاربة ذو تطلعات إصلاحية تعكسها دراساتهم النظرية وممارساتهم السياسية. كما تطلب من اللجنة ضرورة التشاور والتحاور مع مختلف الفعاليات السياسية المغربية؛ سواء الحزبية منها أو الجمعوية، كما أن تقنية اللجنة سيتفادى أي مزايدات سياسوية على الوثيقة الدستورية.
كما أنّ عملية التعيين التي تعكس المبادرة الملكية في التعديل الدستوري كما هو منصوص عليه في الفصل الثالث بعد المائة ، تبقى ضرورية كاستجابة لضغط المرحلة، ومدّة إنجاز المشروع التعديلي الذي لا يتجاوز  ثلاثة أشهر، كما أن مفهوم التعيين قد تمّ دحضه من خلال عمليات التشاور التي طالت مختلف الفعاليات السياسية، النقابية، الشبابية والجمعوية المغربية.
وبناءً على ما سبق، توصلت هذه اللجنة ب 185 مذكرة، منها 33 مذكرة للأحزاب السياسية و5 مذكرات لمنظمات نقابية، ناهيك عن مراسلات حركة 20 فبراير. وقد امتزجت مختلف هذه المذكرات بالمشاورات والنقاشات السريّة بين لجنة الصياغة وباقي مكوّنات الطّيف السياسي المغربي- تحت مراقبة لجنة المتابعة للمستشار الملكي "محمد معتصم"- مع استحضار خبرة وحنكة أعضاء اللّجنة، لتخرج لنا وثيقة دستورية متوافق حول مقتضياتها. 
أمّا البعد الثاني، فيتجلى في الهندسة الشكلية للوثيقة الدستورية المتميّزة بإعادة هيكلة بنودها وتوسيع رقعة فصولها... إذ أنّ "الهندسة الدستورية" الجيّدة تسترعي ضرورة اعتماد لغة قانونية دقيقة؛ تستنبط من روح صياغتها الصّراحة والوضوح، دون ركوب منطق العموميات التي من شأنها أن تثير إشكالات عميقة على مستوى التأويل الدستوري. مما قد يؤدي إلى نشوء اختلافات وخلافات تفضي دون شك إلى تنازع الاختصاصات بين مختلف المؤسسات الدستورية على مستوى الممارسة، مما قد يسهم في اختلال موازين القوى لصالح المؤوّل الدستوري . الشيء الذي سيُفسح بمقتضاه لطغيان الدستور الضمني الذي يتأسّس على معطى "شخصنة السلطة" على حساب المأسسة المستندة في سريانها على سيادة القانون في دولة الحق والقانون .
وأمّا من حيث المضمون-البعد الثالث-، فهو يؤسّس لنموذج دستوري مغربي متميّز، قائم على دعامتين متكاملتين. بحيث تتمثّل الدّعامة الأولى في التشبّث بالثوابت الراسخة للأمة المغربية، والتي تلّخص في جوهر معطياتها ما يعرف بالحظر الموضوعي في صلب الوثيقة الدستورية؛ والتي تبقى محصّنة من أي تعديل دستوري مرتقب، والمتمثّلة أساسا في كلّ من الدين الإسلامي للدولة، والنظام الملكي، والاختيار الديمقراطي للأمّة، وكذا المكتسبات الحقوقية المتضمّنة في الوثيقة الدستورية ، -دون إغفال ثابت الوحدة الترابية في حدودها الحقّة -. وأمّا الدعامة الثانية، فتتجلّى في تكريس مقوّمات وآليات الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي؛ في أُسُسه القائمة على مبادئ سيادة الأمة وسمو الدستور كمصدر لجميع السلطات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وذلك في إطار نسق دستوري فعّال ومعقلن، جوهره فصل السّلط واستقلالها وتوازنها، وغايته المثلى حرية وكرامة المواطن .
فمن خلال هذه الوثيقة الدستورية، وبمقتضى المنهجية المتبعة في صياغتها، والدعائم المرصودة لعملها. يمكننا الجزم بكونها تؤسّس لما أصبح يعرف "بالقانون الدستوري للانتقال الديمقراطي" ، والذي يتميّز بثلاث خصوصيات أساسية، تتمثل الأولى في كون الوثيقة الدستورية تعبّر عن توافق موسّع بين أطراف التسوية الدستورية. في حين تلخّص الخاصية الثانية في تجاوز الوثيقة الدستورية لمرجعية "فصل السّلط" نحو دستور "صك الحقوق". أمّا الخاصية الثالثة فتُجمل في الإيمان ""بقضائية سياسية" من خلال دسترة آلية القضاء الدستوري الموكول له وظيفة السهر على احترام القواعد الدستورية وحماية مؤسّسات التوافق التأسيسي" .
 إذ أنّ الوثيقة الدستورية المفرزة  ليست إلا نتاجاً لتوافق موسّع بين أطراف التسوية الدستورية، بحيث تجاوزت تجارب الانتقال الديمقراطي ما يقدّمه الفقه الدستوري الكلاسيكي من آليات لوضع الدستور الديمقراطي؛ والمتمثلة في طريقتي الجمعية التأسيسية وتقنية الاستفتاء. إذ أنّ التصور الذي حكم دساتير الانتقال، يروم إلى "مأسسة سلوك التسامح وفعل الحوار، عبر الإيمان بالمحدّدات الثلاثية للحداثة القانونية المرتبطة بعقلانية المبادئ والمساطر الدستورية وحضور تصوّر صريح أو ضمني لفكرة التعاقد والإيمان بمفهوم السيادة الشعبية ، لنكون أمام رؤية تسامحية  للوثيقة الدستورية كنتيجة لتداول الأطراف حول آلياتها" .
هذا التعاقد التوافقي، هو الذي أفرز للمغرب وثيقة دستورية تتميز بإدماج القانون الدولي في بنيتها الهندسية بالموازاة مع القانون الوطني، وخلق آليات تقليص الهوّة بين المتطلّبات المركزية والمطالب الجهوية؛ بدسترة مقتضيات الجهوية المتقدّمة في أوّل فصل يتصدّر الوثيقة مع تفصيل مقتضياتها في الباب التاسع، والبحث في إمكانية المزاوجة بين دستور "صك الحقوق" ودستور "فصل السلط"، وبين دستور الموازنة بين الحرية والمسؤولية. وعليه، أصبحت الوثيقة الدستورية أكثر تلاءما مع طموحات تطبيق مقترح الحكم الذاتي إلى حين إعادة صياغتها بعد الموافقة النهائية على المقترح.
بحيث أن التعديل الدستوري المستقبلي على ضوء التوافق على البنود النهائية لنظام الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، يمكنه احتواء المطالب الانفصالية بمقتضى تخويل الأقاليم الجنوبية هيئات دستورية ذات اختصاصات ثلاثية؛ تتمثّل أساساً في مستواه التشريعي والقضائي والتنفيذي. 
كما ستتمتع الهندسة الدستورية بقوّة اقتراحية كفيلة بإقناع المنتظم الدولي بصلاحيتها. هذا ويساهم نفس المدخل في تأطير مفهوم الحكم الذاتي كآلية من آليات تقرير المصير النهائية، لا باعتبارها منطلقا للمطالبة بالانفصال. وبالتالي، لن يكون أي تعديل دستوري في هذا الصدد إلّا توّاقا إلى إحقاق التوازن بين متطلبات الحكم الذاتي ومرتكزات وحدة الدولة ، على أساس إعادة هيكلة المؤسسات التشريعية والتنفيذية المركزية دستوريا، خلقاً للتوازن فيما بينها وبين ذات المؤسسات في مستواها الجهوي .
وإذا كان التعديل الدستوري نخبوي، فلعلّ رياح تفعيله ستهبّ من الجنوب، إذ أنّ تعديله وفق متطلبات الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، سيتطلب دون شك استفتاءً مزدوجا، الأول وطني يخصّ المغاربة قاطبة، والثاني صحراوي يخصّ ساكنة الصحراء المستفتون حول حكمهم الذاتي الإقليمي . 
 بيد أنّ هذا التعديل، لا يمكنه أن يتطاول على ما يمكن إدراجه في الحظر الموضوعي  من قبيل: سلطات الملك الدينية والدستورية، ورموز السيادة بما فيها العلم والنشيد الوطني والعملة والأمن القومي والسياسة الخارجية والنظام القضائي . 
 إذ أنّ مقتضيات الحكم الذاتي في مجالاته التطبيقية لا يتناقض ومفهوم التبعية، التي تحافظ على وحدة الدولة وبساطة شكلها، دون طمس معالم خصوصيات الأقاليم ذات الحكم الذاتي . مع التركيز على كون الحكم الذاتي لا يعني الاستقلال ، إلّا في مراحل سابقة عن الدّولة نفسها، أمّا في إطار وحدة الدّولة، فتتزاوج الاستقلالية النسبية والتبعية الضرورية لحفظ وحدة ووحدانية الدولة.
وفي إطار المدخل الدستوري دائما، لا يمكن للقوانين الجهوية التي سيسنّها البرلمان الجهوي في الأقاليم الجنوبية، إلّا أن تخضع لمقتضيات الدستور الوطني، أو على الأقل أن لا تخالفه، احتراما لمبدإ دستورية القوانين، وإلّا ستلغى بمقتضى آليات الرقابة الدستورية constitutionnel contrôle المتمثّلة أساسا في المحكمة الدستورية، التي ستمتدّ اختصاصاتها في مجال الرقابة الدستورية لتشمل القوانين المُعتمدة في الأقاليم الصحراوية، إلى جانب العمل التشريعي للبرلمان المركزي. الشيء الذي سيدرج في التعديل الدستوري .
إلّا أنّ الارتكاز على المدخل الدستوري لحلّ قضيّة الصّحراء، يصطدم على مستوى القانون الدستوري المقارن بوجود ثلاثة نماذج أساسية للجهوية الدستورية، لا يندرج المثال الصحراوي في الوصفات التي قدمتها والتي حاولت الإجابة إما على:
  - جهوية ترسم حدود وطنية مقبولة وأمّة قائمة على أساس التعددية.
- كآلية جسّدت توافق الأطراف على إفلاس نمط تدبير ترابي ممركز تحولت بمقتضاه الجهوية إلى إطار مؤسساتي وقاعدة من قواعد اللعب .
- حلّ وسط بين مطالب المركز والنزعات الاستقلالية للجماعات الترابية.
إذ أنّ حلّ الجهوية الدستورية لا يحيل فقط على أوصاف قانونية مقارنة، بإمكانها إعادة تشكيل المجال الترابي  للدولة، ولا إلى عبقرية دستورية قادرة على إدماج مطالب المحيط مع الحفاظ على مصالح المركز، والاتفاق على المبدإ قبل الخوض في طبيعة قواعده ومؤسساته. ممّا سيجعل نتائج الاستفتاء حول هذا التعديل وطنيا غير ذي معنى إذا لم تلقى قبولا من قبل الأطراف الأخرى بالصراع . 
فالانتقال إلى دولة الجهات إذن، يعني إقامة مجموعة من الجهات تتمتع باستقلالية عن المركز في بعض المجالات المحدّدة أو تلك المفوّضة لها من قبل السلطة المركزية. وفي هذه الحالة، يستدعي الأمر إجراء تعديل دستوري للارتقاء بنظام الجهة في مستوى متقدّم من اللامركزية في إطار الدولة الموحّدة، بمعنى الانتقال من الجهوية الإدارية المعمول بها في المغرب إلى الجهوية السياسية المحدّدة دستوريا .
وبالإضافة إلى المدخل الدستوري، لا يمكن التغاضي عن المدخل السياسي، الذي يُفترض فيه تهيئة وبناء صرح مؤسساتي محلّي  لتدبير الشؤون المحلية، واتخاذ القرارات التي تتلاءم مع خصوصية البيئة السياسية الصحراوية، وتمثّلات المواطن للشكل الواجب والمفروض أن يطبع السياسة المحليّة، ومُدخلاتها ومُخرجاتها من خلال تحقيق الفعاليّة المؤسساتيّة والوظيفية . وذلك، على اعتبار أنّ الدّستور في حدّ ذاته وثيقة "جامدة"، وتأويله هو الذي يعطيه الحياة التي تجعله ملموساً ومعاشاً، مشيرا إلى أنّ الوثيقة الدستورية المغربية أتت استجابة للوضعية السياسية والاجتماعية، بحيث حدث تفاعل بين المكوّنات السياسية وبعض الحركات الاحتجاجية، فتم تحديد سقف للسلوك السياسي المستقبلي.
وإذا ما تمّ البحث عن مرتكزات الحكم الذاتي المغربي، وكيفية ترجمته في الزّمن الافتراضي المُستقبلي. لوجدنا مدخليين إضافيين إلى المدخلين السالفين تتميزان بقدرتهما على بلورة مقترح الحكم الذاتي المغربي على أرض الواقع ، إذ يتمثّل أولاها في المدخل التفاوضي، وهي مرحلة في ضوء الإنجاز بعدما أدرك الفاعلون السياسيون والمحليون من أبناء الصحراء للخطر المشترك الذي يتهدد قضية الصحراء.
هذا المدخل، الذي يرتكز على الحوار المحلّي بين أبناء أقاليم الصحراء وقبائلها المكوّنة لنسيجها الاجتماعي والترابي، تقريبا لوجهات النظر بفضل تقليصها لهامش الهُوّة الفاصلة بين النّخب الصحراوية سواء الوحدوية منها أو الانفصالية على حدّ سواء. دون غض النظر عن الحوار المحلّي الوطني، في أفق تحقيق هدف مشترك، على اعتبار أنّ الصّحراء جزء من المغرب، وما هو محليّ يبقى دائما داخل ما هو وطني، ممّا يستوجب ضرورة انسجام التوجّهات، أو على الأقل تقاربها. 
هذا وتفترض الضرورة حوارا متعدّد الأبعاد، من شأنه أن يقود إلى تعاقد سياسي واجتماعي بين مختلف الفاعلين على المستوى المحلّي وكذا الوطني، بصدد حلّ شعبي وجماهري متفاوض بشأنه حول قضية الصحراء .
أما فيما يخصّ المدخل التقني  -الثاني-، فيتلخّص أساسا في القوانين التنظيمية المكمّلة للوثيقة الدستورية، من خلال ترسيم منطقة الحكم الذاتي، وتحديد إطارها الجغرافي ونسيجها الاجتماعي. بل حتّى القوانين المحدّدة لاختصاصات نظام الحكم الذاتي غير الواردة في النصّ الدستوري.
 إذ أنّ معضلة تحديد المجال الجغرافي الذي سيطبق فيه نظام الحكم الذاتي، يطرح إشكالا خطيرا، على اعتبار أن التقطيع الحالي غير منسجم مع التحديدات الدولية لمنطقة النزاع. ومن تمّ فإنّ أسئلة كبرى تطرح في هذا الصدد، من قبيل: "هل سيتم تطبيق الجهوية على الصّحراء الممتدة من الكويرة إلى مرتفعات واركزيز بأسا زاك وواحات النخيل بطاطا وسهل كلميم بما في ذلك مدينة بوزكارن على مشارف منعرجات إكني إمغارن،  مع إدخال سيدي إيفني باعتبارها مستعمرة إسبانية إلى حدود سنة 1969؟. أم أننا سنكون أمام سيناريو ثان يقودنا إلى العودة إلى المثلث الصحراوي الموروث عن الاستعمار الإسباني؛ والممتد من الطاح إلى السمارة ثم العيون وبجدور والداخلة إلى الكويرة التي ليس لنا منها إلا الاسم، على اعتبار أن الكويرة الحقيقية تقع تحت سيادة الجمهورية الإسلامية الموريتانية الشقيقة؟" .

المحور الثاني: شروط إنجاح نظام الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية 
لا يمكن للمُدخلات السالفة الذكر أن تقوم لها قائمة  إلّا بمقتضى شروط لا محيص عنها، هذه الأخيرة التي تستوجب في أولى مستوياتها  لضرورة تكوين نخبة محلية وحدوية، تستجمع في عضويتها تلك النخبة الطبيعية ذات الشرعية الاجتماعية، والحاملة لمشروع مضاد لمفهوم الانفصال، ويؤمن بإمكانية بناء أمّة جديدة بعد أكثر من عشرين سنة من الصراع المسلح. إذ أنّ الوعي بأهمية وجود هذه النّخبة ودورها في إدارة الصراع قد غاب عن التفكير. بل إنّ الدولة المغربية قد أحدثت تغييرات جوهرية في بنية المجتمع الصحراوي، ليس عبر توسيع المجال الحضاري، ولكن عبر تهديم التراتبية القبلية وخلق نخبة بديلة للنخبة الطبيعية، عبر مسلسلات الانتخابات الجماعية والبرلمانية، وعبر التوظيف في المناصب السامية المدنية والعسكرية .
وفي هذا الإطار، يجب التأكيد على أنّ نظام الحكم الذاتي قادم من المجتمع العام la Société Globale، وبالتالي، فهو جديد بالنسبة للمجموعات الاجتماعية بالمنطقة. بحيث جاء على يد الدول ليروّج لدى أبناء الأقاليم الجنوبية، ومن هنا يكون من السّابق لأوانه الحديث عن تصوّر مسبق للقبائل الصحراوية عن هذا المفهوم، وخصوصا لما نلاحظ بأنّ هذه القبائل لم تعد تلك المجموعات الاجتماعية المنظمة المدبّرة لشؤونها السياسية والاقتصادية والمجالية، والمؤثرة في مسيرة المجتمع وقرارات الدّولة، وذلك بفعل غياب التحالفات السياسية الاستراتيجية وتشرذم "النخب الجديدة" وتنامي دور المال الذي نعزّز دوره أكثر من أي وقت مضى ليصبح أهم مساعد على تعاطي الفعل السياسي الراهن . 
الشيء الذي أفرز انعدام تصوّر موحّد لدى القبيلة الصحراوية، ممّا يحيل إلى انهيار هذه الأخيرة، بفعل نفاذ الدولة بمختلف أجهزتها إلى المجتمع البدوي الصحراوي، وتراجع مكانة كبار السّن والرأسمال الرمزي، لصالح المال ودرجة القرب أو البعد من دواليب الدولة. وعليه، وجب ضرورة الأخذ بالمتغيرات النخبوية في الأقاليم الجنوبية، وإشراك مختلف شرائحه في النقاش والاقتراح والتطبيق على حدّ سواء. مع  مراعاة التوازنات الاجتماعية؛ على أساس إحياء الرأسمال الرمزي لأعيان القبائل وشيوخها، والعمل على فهم متطلبات الجيل الصاعد المتحرّر من أية قيود رمزية أو اجتماعية، دون الانسلاخ النهائي عن الموروث الصحراوي.
هذا ويتطلب في فترة سابقة عن التفكير في تطبيق نظام الحكم الذاتي على الأقاليم الجنوبية، ضرورة إيجاد "سلم اجتماعي" ينهي حالة الاحتجاج، ترسيخا لحالة من الإقناع والرضى بالمقترح ، كخيار بديل للوضعية المؤدية للاحتجاجات، والمظاهرات المتتالية عبر تلك الربوع من المملكة . هذا بالإضافة إلى التمكين للمرأة الصحراوية في المجال السياسي، من خلال تأهيليها للمساهمة في تدبير الشأن المحلي، وذلك تماشيا مع مقتضيات الوثيقة الدستورية الجديدة وروح المادة 19 من مبادرة الحكم الذاتي المقترح من طرف المغرب.
إلا أنّ هذه الشروط تبقى صالحة للتكيف والتطبيق؛ تمهيدا للوافد الجديد المتمثل في مقترح الحكم الذاتي، الذي بإمكانه هيكلة النظام الإداري المغربي، وإعادة التفكير في الحقل السياسي، ثم التأهيل لصياغة عملية القرار السياسي، مع توسيع دائرة الفاعلين السياسيين في نفس الإطار. وذلك إذا ما توفرت ضمانات قادرة على نقلها من المجال الفكري إلى الواقع العملي. 
الشيء الذي يمكن إجماله في كل من نجاح الحل السياسي القائم على تبني نهج الحكم الذاتي، والذي يرتهن لضمانات وتعديلات دستورية ومؤسساتية هيكلية. بمعنى؛ وضع مقوّمات دولة القانون، وإقرار مسؤولية الفاعلين الجهويين وضمان الحقوق الأساسية، مع بلورة نظام دينامي توزّع فيه الصلاحيات والموارد المالية، وسنّ مراقبة الدولة المركزية على الجهات وفق قواعد قانونية، وربط الجهات في مسلسل اتخاذ القرار على المستوى المركزي مع ضرورة توفير  ميكانيزمات وآليات البت في النزاعات التي قد تثور بشأن الصلاحيات وتداخلها .
بيد أنّ الجهوية في أرقى تجليّاتها، كسياسة تدبيرية للترشيد والتنمية، وكنمط من التفكير والتخطيط الداعم للديمقراطية واللامركزية، لا بد –لكي تنجح- أن تتوفر لها مجموعة من الشروط البشرية والتنظيمية. بل وحتى المجالية الضرورية، والمناخ السياسي والثقافي والاجتماعي المناسب. أي مجمل المعلومات الكفيلة بنقلها من الخطاب إلى الفعل، وتحويلها من مبادئ وقيم وأهداف وترتيبات إدارية واقتصادية ومسطرية، إلى ممارسة؛ أي إلى سلوك ديمقراطي وعملي متنفذ . -إذ أن الوضع الداخلي وما يتخلّله من رقيّ اجتماعي واستقرار أمني ومنهج ديمقراطي، لهو الكفيل بإقناع الرأي العام العالمي بمصداقية مقترح الحكم الذاتي المغربي -.
أمّا بعدما رحب طرفا "النزاع" بالقرار الأممي رقم 1754 للدخول في مفاوضات مباشرة، وحتى لا يولد المولود ميتا أو مشوّها على الأقل، أضحى نجاح المفاوضات رهينا بتدابير أساسية ، تتمثّل في وضع أسس وقنوات التواصل والحوار بين أطراف النزاع المُفتعل، مع اتخاذ كافة الاعتبارات لإعادة بناء جسور الثقة بين أطراف النزاع، مع مراعاة البعد الإنساني بتفادي انتهاكات حقوق الإنسان.
هذا بالإضافة إلى ضمان فعالية واستدامة تسوية النزاع عبر آلية الحكم الذاتي بعدما يتفق طرفا النزاع على كونهما شركاء، ارتكازاً على التعامل بليونة في المفاوضات والابتعاد عن التعصّب للرأي الواحد. وذلك مع ضرورة مشاركة صحراويي الداخل والخارج في أي قرار بدون إقصاء لأي فرد أو مجموعة معنية بقضية الصحراء، دون إهمال دور النخبة الصحراوية في تقريب وجهات النظر، مع السير قُدما نحو العمل على ضمان حياد الوسطاء الدوليين.
أما فيما يخص المقاربة الدستورية، فترتكز أساساً على  دور الدساتير في توفير إطار قانوني ومؤسساتي فيما يتعلّق بكيفية تقسيم السّلطة بين المركز وسلطات الحكم الذاتي. ولعلّ هذا ما يُحدث فرقا بين اللامركزية السياسية بمقتضى نظام الحكم الذاتي في إطار الدولة البسيطة، واللامركزية الإدارية في ظل الدولة الموحّدة. مع ضرورة تواجد دستور مكتوب يحدّد بمقتضاه العلاقة القائمة بين السلطات المركزية والأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي.
 ناهيك عن مركزية إنشاء مؤسسة دستورية مستقلة وهي المحكمة الدستورية، والتي تعنى بمراقبة دستورية النظام وتفصل في النزاعات والتداخلات بين السلطات، ويكون مقرّها بعاصمة الدولة  ولها فروع في الأقاليم، وهي محكمة تتمتع أحكامها بقوّة ملزمة لكافة جهات الدولة، ويعتبر تفسيرها للدستور ملزماً لجميع جهات القضاء والسلطات الإقليمية والسلطة المركزية، كما تقوم بتفسير نصوص الدستور إزاء توزيع الاختصاصات بين كل من الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم لتلزمها الرأي الدستوري السليم.
 ولعلّه من المفيد تبني ثنائية برلمانية بحيث تمثل الغرفة الأولى مجموع شعب الدولة، في حين تختصّ الثانية بتمثيلية الأقاليم المتمتعة بنظام الحكم الذاتي/وممثلي الجهات المتقدمة. إذ أنّ معظم الدول الاتحادية اتبعت الأسلوب المزدوج في تكوين سلطتها التشريعية، أي بوجود مجلسين يمثل أحدهما مجموع مواطني البلاد - مجلس النواب الأمريكي والباندستاغ في ألمانيا والدوما الروسي.  بينما يمثل الآخر الولايات كمجلس الشيوخ في إسبانيا، بصفتها وحدات سياسية متميزة حيث يعتبر هذا النظام محقّقا لمبدأي الوحدة والاستقلال اللذان يسيطران على تنظيم الدولة الاتحادية أو الجهوية، ويضم المجلس الأعلى ممثلي الولايات أو مناطق الحكم الذاتي  أو الجهات الذين يتم اختيارهم عن طريق التعيين مدى الحياة كما هو الشأن في كندا، أو يكون اختيارهم لفترة معينة، كما هو معمول به في أمريكا، أو يتم انتخابهم بشكل ديمقراطي.  إذ أن فلسفة ثنائية المجالس التشريعية تتجلى في تحقيق المساواة بين الأقاليم بشكل لا يطغي سلطة على أخرى، سواء أكانت السلطة المركزية أو سلطة إقليم على أخرى، ذلك أنّ وجود المجلس الأعلى يعتبر كذلك ضمانا وكابحا لطيش وتقلب المجلس الأدنى أي مجلس النواب.
وعليه، فإنّ الإصلاحات الدستورية من الممكن أن تجيب على الجوانب التقنية والمؤسساتية التي من الممكن أن تهيأ ظروف نشأة نظام حكم ذاتي توافقي في الأقاليم الجنوبية. إلّا أن الرهان المستقبلي لهذا النظام؛ يُطرح في كيفية خلق نخب جهوية ذات طموحات تتوافق والتطلعات المحلية، إذ أن وثيقة دستورية ديمقراطية لا يمكن أن تصنع لنا دولة ديمقراطية. 
الشيء الذي يحيلنا على المقاربة السياسية؛ التي تذهب إلى أنّ اللامركزية السياسية هي الديمقراطية في حدّ ذاتها، بحيث لا يمكن أن تدرك في نظام سياسي لا يستوحي أسسه من الفكرة الديمقراطية، إلّا أنّها تتحقق من خلال تمكين الأقاليم من ممارسة الحكم الذاتي في حدودها، وفي إطار الاختصاصات الممنوحة لها؛ مع المشاركة في السّلطة على المستوى المركزي، وتمثيل عادل للأقاليم في الهيئة التشريعية. كما يمنح الدستور حماية ضد استبداد الأغلبية في مواجهة الأقلية، والتي يمكن أن تشكل أغلبية في النطاق الجغرافي المحلي أو الإقليمي. وبالتالي فهي تكرس حرية جميع المعتقدات والحضارات والأديان والطوائف المختلفة في الدولة .
وعلى هذا الأساس، تفسّر المقاربة السياسية العلاقة بين الحكم الذاتي والمشاركة السياسية، حيث أنّ هذه الأخيرة هي إسهام المواطن في المسائل السياسية العامة داخل نطاق مجتمعه بالتأثير أو الرفض أو المقاومة أو الاعتراض. وهي تعاون مثمر بين الهيئات الوطنية والمحلية في اتخاذ القرارات. وعليه، تصبح الدولة ذات توزيع جغرافي للسلطة والمشاركة السياسية وعدم الاحتكار لها. وبالتالي، تكون التعدديّة أساسا لهذه السلطة وليس الاحتكار لوضع خطّة التنمية واتخاذ ما تراه مناسبا من تدابير في مرحلتي التنفيذ والتقويم، ولا يكون ذلك إلّا برصد الاحتياجات المحلية والتقرير بشأنها؛ وفق مصالح جمهور السّكان وحسب ما تمليه طبيعة الأقاليم ومواردها الذاتية.
وعلى إثر ذلك، تفرض المقاربة السياسية ضرورة تقديم المغرب ضمانات تؤكد حسن نيته في المُضي قُدما نحو تفعيل المشاريع التنموية التي تخصّ الأقاليم الجنوبية، وذلك من خلال تأهيل المواطن الصحراوي وتمكينه من جلّ أدوات الفعل السياسي، من خلال استثمار عناصر تحقيق الإنصاف على مستوى الولوج إلى المناصب السياسية المحليّة والوطنية، استنادا إلى قواعد المساواة وتكافؤ الفرص بين شرائح المجتمع الصحراوي دون تغليب الاعتبارات القبلية أو العائلية أو الشخصية.
وفي إطار ذلك، وجب ضرورة خلق ثقافة سياسية في منطقة الحكم الذاتي؛ على أساس تحفيز جلّ المواطنين الصحراويين على المشاركة في تدبير الشؤون المحلية، بما تُنمّي  قدرتهم على تحمّل المسؤوليات وروح المبادرة والاستعداد والتحمّس للقيام بمختلف الأدوار السياسية.  بدل حالة الاغتراب السياسي، والانكفاء على الذات والسلبية السياسية، وذلك بتكريس وعي سياسي لدى المواطن الصحراوي يرشده إلى التمتع بحقوقه السياسية، والقيام بالمقابل بواجباته، والانشغال بالقضايا المجتمعية ببعديها الوطني والمحلي، على أن يكون فاعلا سياسيا وليس مجرد "متلقي سلبي".
كما تحتّم الظرفية الآنية إلزامية التمييز الإيجابي لصالح المرأة الصحراوية؛ وذلك من خلال تفعيل نظام الحصص أو "الكوطا"، والتي لا تخرج عن كونها تقنية تستعمل لتوفير فرصة للفئات الأقلّ حظا داخل المجتمع، مثل النساء والسود والأقليات. وإن كان الدستور المغربي لسنة 2011 قد نصّ في تصديره على ارتكازه على مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، كما أناطت نفس الوثيقة الدستورية على ضرورة عمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكّن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية . وفي فصلها الحادي عشر أقرّت الوثيقة الدستورية المساواة بين الرّجل والمرأة، وأكّدت ذلك في فصلها التاسع عشر في أفق تحقيقها لمبدإ المناصفة بين الرّجل والمرأة بواسطة إحداث هيئة خاصة لهذا الغرض . وإن كان بذلك يعتبر من بين البلدان القلائل الذي دستر مبدأ المناصفة والتأسيس لها بمقتضى هيئة مختصة ، إلّا أن مختلف هذه المقتضيات وعلى أهميتها، تظل رهينة لصدور قوانين تنظيمية تسمح بتطبيقها وبلورتها ميدانيا . 
أمّا على المستوى الثقافي ، فمن المسلّم به ضرورة وضع استراتيجية منتظمة متوسطة وبعيدة المدى لإحياء التراث الثقافي الصحراوي، مع العمل على صيانته وتحصينه ضدّ كل الشوائب والمثالب الدخيلة. والعمل على تمكين هذه الاستراتيجية مادياً وبشرياً للحفاظ على صيرورتها، على أساس أنّ الحكم الذاتي عبارة عن استجابة طبيعية لمجموعة من التمايزات الاجتماعية والثقافية واللغوية داخل البلدان التي تسعى إلى توزيع عادل للثروة، وتقليل الفروق الاجتماعية بين هذه المجموعات.
إذ يرى "ليفينستون" أن ظهور اللامركزية السياسية في كندا وسويسرا جاء استجابة للتنوع الإثني داخل هذه المجتمعات، وكرغبة جامحة في إنشاء حكومة تكون بمثابة وسيط بين الحاجة للاستقلالية الذاتية نسبيا للوحدات المحلية والرغبة في العمل الموحد. وتجد المقاربة السوسيولوجية المفسرة للحكم الذاتي في النموذج الإثيوبي خير دليل على أنّ اللامركزية السياسية بمقتضى آلية الحكم الذاتي سواء أكان ذلك في دولة مركّبة أو موحّدة استجابة للتنوع الإثني؛ على أساس أنه توجد 85 مجموعة لغوية إثنية في إثيوبيا لوحدها .
وفي سبيل الترسيخ للثقافة الحسانية، وجب ضرورة فتح المجال أمام الأكاديميين والباحثين للحفر في الذاكرة الثقافية الصحراوية واستحضار بعدها التاريخي ومدّها بالحاضر. مع القيام بالتعريف بها محليا ووطنيا ودوليا، من خلال الندوات والدراسات الأكاديمية والإعلام... هذا وقد أصبح شرطا إلزاميا إعادة الاعتبار للمثقفين الصحراويين وتحفيزهم على البذل والعطاء الثقافيين، وأن تتوفّر لهم الإمكانات المادية والمعنوية في سبيل تحقيق ذاتهم وكينونتهم. وذلك بالقيام بمهرجانات ثقافية سنوية والعمل على مأسستها حِرصاً على ديمومتها واستمراريتها، في سبيل التعريف بمكوّنات وتنويعات ومضامين الثقافة الصحراوية. وذلك من أجل انفتاحها على باقي الثقافات الأخرى الوطنية والدولية، ومنحها المرونة اللازمة، وعدم إسقاطها في الخصوصية الجامدة. سعيا وراء استيعابها واستفادتها من الثقافات الأخرى أي بمعنى إحقاق "مستوى من التلاقح الثقافي الجيّد".
هذا بالإضافة إلى العمل على الاستثمار الأمثل للفضاء الإعلامي الوطني والمحلي بالتراث الثقافي الحساني، نظرا للدور الذي غدت تقوم به وسائل الإعلام والاتصال في تنمية المشاركة في الحياة الثقافية.
هذا وتستمد المقاربة الثقافية حجيتها من الاعتراف الدستوري بوجودها، وبالتالي، حقّها في العيش بهويتها دون الاندماج في هويات أكبر منها. مما يوحي بضرورة المحافظة على الهدف السياسي للدولة، ومضمونه هو أن الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي المكوّنة للدولة لا تهدف إلى  تغيير شكل الدولة من الناحية المبدئية، أو التفكير في مشروع انفصالي بدون موافقة الدولة الأم –راجع المطلب الخاص بتقرير المصير-. وذلك في مقابل عدم إرغامها على الذوبان الكامل في محيطها، وإنما تسعى إلى إيجاد سلطة عليه، مهمتها تحقيق الأهداف العامة المشتركة لها جميعا، والتي تدرك أنها غير قادرة بمفردها على بلوغها، ولكنها تحتفظ لنفسها بالقدرة على التحرّك وتحقيق بعض الأهداف الأخرى التي تشعر أنها أقدر من غيرها في تحقيقها وإنجازها .
أمّا من الناحية الاقتصادية، فيتحتّم ضرورة تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي في الأقاليم الجنوبية، من خلال تبسيط الإجراءات القانونية وتقديم حوافز تشجيعية للنهوض بالتنمية المطلوبة في هذه الأقاليم. والعمل على دعم المبادرات الفردية، والأخذ بمرونة النظام الجبائي فيما يخصّ هذه المبادرات لتشمل باقي المقاولات الصغرى  والمتوسطة.
أّمّا فيما يخصّ الجانب الاجتماعي، فقد وجب العمل على الرقي بالمنظومة التعليمية ذات الخصوصيات الصحراوية، والتطلعات الوطنية والاستشرافات العالمية. هذا بالإضافة إلى شرطية الارتقاء بجودة الخدمات الصحيّة بمختلف تمفصلاتها المادية والبشرية، لتغطية مجموع الأقاليم الصحراوية. وفي نفس الإطار، تحتّم الضرورة الإنسانية إلزامية التمييز الإيجابي لصالح  الفئات الهشّة والمحرومة، وإدماج العائدين من المخيمات بمختلف الطرق المتاحة لتكوين الانسجام المجتمعي  والتلاحم الاجتماعي المطلوب
وفي إطاره الأممي، يتميز مشروع الحكم الذاتي بمرونته، إذ أنّه لم يفصّل فيه بقدر ما عمّمت معطياته، إذ أنّ التفاوض في شأنه هو من سيؤثث الفراغات التي تعمّم المشروع، حتّى يصبح فيما بعد مشروعا متكاملا بتفصيله حسب الخصوصية الصحراوية والإرادة المغربية، لما قدّمه المغرب وفق هذا المقترح "الجديد" من صلاحيات جد موسّعة يمكن اعتبارها استثنائية في مختلف التجارب الدولية المقارنة .
كما تمّ ربط المبادرة بالشرعيّة الدولية طبقا لمبدإ تقرير المصير ولأحكام الأمم المتحدة، معزّزا إياها بآلية الاستفتاء التي ستضمن للساكنة الصحراوية إمكانية التعبير عن رأيها، مشرعنة بذلك مقتضيات المقترح المطبّق وفق الضمانات المرصودة لهم في ظل الوحدة الترابية للمملكة المغربية.
ومن خلال مختلف هذه المداخل والشروط والضمانات المواكبة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي الخاصة بالأقاليم الجنوبية، عمد المغرب إلى تهيئة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لاستقبال نظام الحكم الذاتي، من خلال ميكانيزمات تمهيدية لها من القدرة ما يمكّنها من بلورة نظام الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :