ifada إفادة

ifada إفادة


إشكالية بناء التكامل الاقتصادي المغاربي (ج 1)

الخميس 07 يناير 2021 - 19:07 , افادة
إشكالية بناء التكامل الاقتصادي المغاربي (ج 1)
انصاف سركالي أستاذة مساعدة متعاقدة جامعة شقراء-المملكة العربية السعودية

      تأسس اتحاد المغاربي  ليدعم و يؤكد تطلعات شعوب هذا الاتحاد و قادته إلى بناء تجمع جهوي متكامل أكثر تماسكا و استمرارية مما كانت عليه المحاولات المغاربية السابقة . و فضلا عن ذلك فإن هذه المجموعة المتكاملة تمثل، طبقا لمعاهدة مراكش ، مرحلة أساسية في سبيل بناء الوحدة العربية و منطلقا نحو اتحاد أوسع يشمل دولا أخرى عربية و افريقية .   

     و بخصوص هذا الموضوع بالذات، توضح المادتان الثانية و الثالثة من المعاهدة التأسيسية الأهداف الاجتماعية، السياسية، الثقافية، والاقتصادية للاتحاد ، فبالنسبة للأهداف الاقتصادية التي لها علاقة بموضوع هذه الدراسة، فهي تتعلق بحرية تنقل الأشخاص و انتقال الخدمات و السلع و رؤوس الأموال بين الدول الأعضاء، وكذا نهج سياسات مشتركة توفر التنمية الصناعية و الزراعية و التجارية و الاجتماعية للدول الأعضاء و القيام بإنشاء مشروعات مشتركة و إعداد برامج مختلفة   .
     و خاصة أن التكامل الاقتصادي عمل إرادي بين دولتين أو أكثر ، يقوم على إزالة كل القيود أو الحواجز الجمركية و الكمية على التجارة الدولية في السلع و انتقال عناصر الإنتاج، و يتضمن تنسيقا للسياسات الاقتصادية و إيجاد نوع من تقسيم العمل بين البلدان الأعضاء بهدف تحقيق مجموعة من الأهداف التي تعظم المصلحة الاقتصادية المشتركة لكل دولة عضو، مع ضرورة توافر فرص متكافئة لكل من البلدان الأعضاء  .
لكنه تظل من أبرز الصعوبات التي تواجهها دول الاتحاد المغاربي في المجال الاقتصادي، هي إشكالية بناء التكامل في هذا المجال، وذلك راجع لطبيعة الصراعات السياسية التي تطفو على السطح، الشيء الذي يحد من تفعيل القرارات والاتفاقيات التي يتم المصادقة عليها .
لهذا بات لزاما على دول الاتحاد المغاربي إعادة النظر في السياسة الاقتصادية المتبعة، وذلك من أجل تفادي المعيقات الاقتصادية التي يمكن من خلالها التأثير على العجلة التنموية للدول المغاربية .
ومن أجل تفصيل بشكل أدق في إشكالية بناء التكامل الاقتصادي المغاربي، هذا التكامل الذي لطالما أرادت دول الاتحاد المغاربي تحقيقه على أرض الواقع، عكس الاتحادات الإقليمية الأخرى .
سيتم تخصيص هذه الدراسة  للحديث عن هذه الإشكالية  التي تستدعي تبني سياسات اقتصادية جديدة تساهم في تطبيق وتفعيل التكامل الاقتصادي على أرض الواقع، والمتمثلة أساسا في إلى أي حد ممكن الحديث عن تكامل اقتصادي في إطار التدافع الاقتصادي ومقومات تحقيقه، وما هي السبل الكفيلة من أجل تجاوز هذه الإشكالية .

المبحث الأول :التكامل الاقتصادي المغاربي في إطار التدافع الاقتصادي ومقومات تحقيقه
ظهر  مصطلح التكامل الاقتصادي (Complémentarité économique  ) لأول مرة في أدب التاريخ الاقتصادي مع الاقتصادي )" فينر"  viner ( سنة 1950، والذي يعود له الفضل في وضع أساس نظرية الاتحاد الجمركي،والتي تمثل جوهر نظرية التكامل الاقتصادي الليبرالي  .
ومن الجانب اللغوي تشير مفردة " تكامل " في السياق العام إلى : " قيام بمجموعة من المفردات بالتجمع في كيان واحد، بمعنى الحالة التي تكون فيها المفردات المقصودة دولا مستقلة تسعى إلى إقامة علاقات وثيقة فيما بينها، تتصرف فيها كما لو كانت كيانا واحدا أي كدولة واحدة، ويحدث عادة لدول ضمن إقليم جغرافي معين "، ولذلك يطلق عليه " تكامل إقليمي "  .
ويشير مصطلح التكامل الإقتصادي في الفكر الإقتصادي إلى : " العملية التي يتم بمقتضاها إزالة كافة العقبات التي تعترض وجه التجارة القائمة بين مجموعة الدول المتكاملة والتي في مقدمتها إزالة القيود الجمركية وكذا العقبات التي تعرقل انسياب حركة رؤوس الأموال وانتقال العمالة بين الدول الأعضاء مضافا إليها ما تتجه إليه هذه الدول من تنسيق وخلق تجانس بين السياسات الاقتصادية لتصبح في الأخير كلا واحدا  .
والتكامل الاقتصادي هو أيضا : " دخول مجموعة من الدول تربطها علاقات تقارب اقتصادية واجتماعية وسياسية وجغرافية في اتحاد اقتصادي بحيث يتم الاتفاق بين هذه الدول على تطبيق سياسات تجارية واقتصادية موحدة تلتزم بها جميع الدول الأعضاء مثل إلغاء الرسوم الجمركية على السلع المتداولة بين هذه الدول، وإلغاء القيود التجارية الأخرى التي تحد من حركة التجارة، وحرية حركة الموارد الاقتصادية بين الدول الأعضاء في اتفاقية التكامل الاقتصادي وكذلك الاتفاق بين هذه الدول على تطبيق سياسة تجارية موحدة للتعامل التجاري مع الدول خارج الاتحاد الاقتصادي "  .

المطلب الأول : فحوى التدافع وعلاقته بالتكامل الاقتصادي

إذا كان التدافع هو ظاهرة إيجابية تجمع بين طرفين وأكثر حول موقع تنافسي، حيث يتنافس الجميع على كسب أكثر للموقع والأبعاد ذات الميزة التنافسية، فكل طرف يجمع أكثر من عضو، وتجمع الأعضاء مصالح مشتركة .
فالمتغيرات والتحولات المتلاحقة والمتفاعلة والمتداخلة في أن واحد فيما بينها تتدافع آثارها على كافة المستويات، ولعل من بين أهم هذه المتغيرات الملاحظة بالنسبة للاتحاد المغاربي، المتغيرات على المستوى الداخلي ( كفقرة أولى )، والمتغيرات الاقتصادية الاقليمية والدولية ( كفقرة ثانية ) .

الفقرة الأولى : المتغيرات على المستوى الداخلي
قد يتأثر أي اتحاد كان، يضم في عضويته مجموعة من الدول، للعديد من المتغيرات والتي تكون  نتيجة لبعض المحددات أو العناصر الداخلية التي تربط بينها. غير أن تلك العناصر قد تكون عارضة أي ليست فاعلة ومؤثرة بعكس العناصر الجوهرية التي تحدث شرخا واضحا في نظام الاتحاد وتكبل مسيرته .
وفي حالة الاتحاد المغاربي قد تتمثل المحددات العارضة  في الاتفاقيات والبوروتوكولات التي لم يتم التصديق عليها، والتي يصل عددها إلى 34 اتفاقية والتي لم يدخل منها حيز التنفيذ سوى ست اتفاقيات، وذلك بمصادقة جميع الدول الأعضاء عليها وإيداع كل منها وثيقة تصديقها لدى الأمانة العامة .
وأيضا في عدد الدورات التي عقدتها اللجان الوزارية المتخصصة المكلفة، حيث عقدت كل من  :
- اللجنة الوزارية المكلفة بالاقتصاد والمالية 11 دورة .
- اللجنة الوزارية المكلفة بالأمن الغذائي 11 دورة.
- اللجنة الوزارية المكلفة بالبنية الأساسية 11 دورة.
- اللجنة الوزارية المكلفة بالموارد البشرية 10 دورات .
أما لجنة المتابعة فقد عقدت 35 اجتماعا، وعقد مجلس وزراء الخارجية لدول الاتحاد المغاربي حتى 1/2003 عشرين دورة عادية للنظر في نتائج أعمال لجنة المتابعة واللجان الوزارية المتخصصة، ودورتين استثنائيتين فيما يخص قضية "لوكربي" وأزمة الخليج وكذلك، مع  وجود  بعض الصعوبات و التي حالت دون  إنشاء الجامعة المغاربية، الأكاديمية المغاربية للعلوم، والمصرف المغاربي للاستثمار والتجارة، مما أدى إلى فشل الاتحاد المغاربي في إقامة منطقة التبادل الحر، وإنشاء سوق مشتركة بين دوله، في سعيهم نحوا إلى الوحدة الاقتصادية  .
ويمكن اعتبار  مجمل الجوانب الخاصة بهذا الإطار تتمحور حول أن اقتصاديات الدول المغاربية، هي اقتصاديات منكمشة، تسعى للوصول إلى مستوى من التوازن يحقق لها الاستقرار الداخلي، وبذلك فهي تهتم أكثر بالتوازنات الاقتصادية الكبرى كنسبة التضخم أو نسبة النمو والمؤثرات المرتبطة بالمجال الاجتماعي كالبطالة، فهي لا تملك الآليات الاقتصادية للدخول في مشروع جهوي لا يرتكز على قوة اقتصادية كبرى يكون لها الدور القاطرة، ويساعد على هذه الوضعية التحكم الكبير الذي لا زال موكولا للدولة رغم دخولها في برامج الخوصصة .
كما تتميز أيضا بأنها ترتكز على قطاعات فريدة وغير متنوعة، وهو أمر يتماشى وفلسفة التبادل القائمة على التخصيص في الإنتاج، إلا أنه وبغض النظر عن تدخل العوامل الخارجية، يبدو أن هذا العامل لا يعزز تحرير التجارة بين الدول المغاربية، لأنها تعتبر هذه المجالات ( الفلاحة، النفط، والغاز...)، ركائز استراتيجية تقوم عليها الدول، ولا يمكن أن تكون مجالا لأي نوع من التشارك أو الاندماج. بالإضافة إلى أن العوائد التي تحققها قائمة على مخططات دولية جاهزة ( الأوبك أو الشراكة مع الاتحاد الأوروبي مثلا ) تحقق أضعاف ما يمكن أن تجنيه من الاندماج الجهوي المغاربي، بهذه الطريقة يمكن تفسير كل أشكال التنافس التي تعرفها منتجات الدول المغاربية خاصة الفلاحية منها  .
هذه المتغيرات المتمثلة في قبول دور أوسع للدولة في النشاط الاقتصادي، من خلال  فرض مجموعة من  القواعد والمعايير التي تدار وفقا لها النشاطات وبعض القطاعات الاقتصادية، خاصة القطاع المالي على المستوى العالمي، نجمت إذن عن الأزمة المالية الٌتصادية العالمية، وهو الأمر الذي يسير في خط التطور الإنساني الطبيعي، بمعنى أن كل أزمة يترتب عليها بالضرورة، في محاولة تجاوزها، إقرار سياسات جديدة، تختلف بشكل واضح عما كان مطبقا من سياسات قبل تفجر هذه الأزمة. وتواجه المنطقة العربية الآن وضعا مشابها، بمعنى أن الثورات التي شهدتها بعض دول المنطقة ، كتونس ومصر، والاحتجاجات التي تشهدها  دول أخرى، مثل البحرين، عمان، الجزائر، المغرب و الأردن، والتي تكشف معها في مصر وتونس عن حجم ضخم من الفساد والنهب المنظمين للموارد العامة من قبل حجافل نظم الحكم السابقة. خاصة في ظل تزاوج المال بالسلطة، وفي ظل سياسات كانت تروج للاستناد إلى آليات السوق وحدها، وفي ظل تفاوت واسع للدخل والثروة بين أقلية تتحكم في مقادير الأمور اقتصاديا وسياسيا، وبين أغلبية كاسحة تعيش في مستويات معيشية متردية – كل هذه التطورات ستفرض اتباع سياسات جديدة في كل هذه البلدان. فهذه الثورات والاحتجاجات أسهمت بدور بارز في تفجيرها طبيعة الأوضاع الإقتصادية – الاجتماعية التي شهدتها هذه البلدان، خاصة من بطالة للمتعلمين، وتدهور مستويات معيشية لفئات واسعة من السكان. وهو أمر ليس واضحا وصحيحا في حالة بلدان كمصر وتونس فقط، بل ينطبق أيضا على عدد آخر من البلدان النفطية الغنية. فتقديرات نسب البطالة ،على سبيل المثال، خلال عام 2010 تقترب من 12 في المائة في المملكة العربية السعودية، وترتفع إلى 12,8 في المائة الجزائر و15 في المائة في البحرين، وتصل إلى أكثر من 25 في المائة في لبييا. ومع الوضع في الاعتبار ارتفاع مستوى التعليم، فإن نوعية العاطلين عن العمل الآن تختلف قطعا عن نوعية هؤلاء مع بدء التدفق الكبير لعائدات النفط، خاصة مع زيادة الأسعار في منتصف السبعينيات، وهو ما يشكل ضغطا كبيرا على الدولة.
وفي البلدان غير النفطية، كمصر وتونس مثلا، ربما لا يمضى الأمر إلى حد هجران آليات السوق، ولكن في ظل ضبط جديد للأوضاع على يد الدولة بالتحجيم من الفساد، وتوفير آليات شفافة وعادلة تحفز على المنافسة وتجرم وتحارب الاحتكار، وفي ظل تطبيق معايير تحقق المزيد من العدالة الاجتماعية  .
ويمكن إبراز التداعيات الاقتصادية للرجات الثورية العربية من خلال عدة زوايا أساسية: 
الزاوية الأولى : النمو الاجمالي للاقتصاديات العربية، إذ تشير المعطيات إلى تراجع الإنتاج والاستثمارات الأجنبية في بلدان الثورات العربية بفعل تقلبات السياسية . ومع أن بلدانا أخرى لم تشهد تلك الثورات فإن اقتصادها لم يكن أقل تراجعا بفعل ارتباطها بالاقتصاد الأوروبي، وبذلك تكون البلدان النفطية وحدها هي التي سجلت معدلات نمو مرتفعة .
الزاوية الثانية : تخص الهيكل القطاعي، حيث يتبين أن الصناعات الاستخراجية عززت مساهمتها في الناتج الداخلي بفعل ارتفاع أسعار النفط، في حين تراجعت معظم القطاعات الانتاجية على نحو ملموس، ويلاحظ مما سبق دور الريع في الاقتصاد العربي.
الزاوية الثالثة : هي المتعلقة بمعدلات البطالة التي بلغت في المتوسط 16 بالمائة عام 2011، وهو ما يمثل 6 بالمائة من عدد العاطلين عن العمل على مستوى العالم، ويرجع ذلك إلى تأثير الاحتجاجات الشعبية والتقلبات السياسية. ومع أن ثمة اجراءات للحد من البطالة، ولاسيما في البلدان الخليجية، فهي تظل محدودة الأثر. وهنا لا بد من الإشارة إلى ظاهرة عمالة الأطفال ومستوى تشغيل النساء في البلدان العربية .
الزاوية الرابعة : تتعلق بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. فمع اختلاف حجم التدفق من بلد عربي إلى آخر، انخفض معدل التدفق عام 2011 بوجه عام بواقع 37,4 بالمائة عما كان عليه عام 2010، علما أن الولايات المتحدة كانت المستثمر الأجنبي الأكبر في هذه البلدان .
وعلى الرغم من كل هذه المؤشرات السابقة التي من شأنها زيادة حدة الفقر في البلدان العربية، فإن بعض التقارير تشير إلى تحرك البلدان العربية على خفض نسبة اللامساواة في توزيع الدخل مع وجود تمايزات بين بلد عربي وآخر في هذا الخصوص. 

الفقرة الثانية : المتغيرات الاقتصادية الإقليمية والدولية
     إن  استقراء الواقع السياسي، الاقتصادي والأمني للمنطقة، والظروف الإقليمية والدولية التي تحيط بها، والتمعن في تطوير اقتصاديات المعرفة، وتطور التقانة الحديثة وتأشيرات العولمة، ومبادرات الشراكة الإقليمية والدولية وشروط التبادل الدولي، والمنافسة غير العادلة تبين بوضوح أن ملف التكامل الاقتصادي المغاربي أصبح ضرورة ملحة يتطلب اعتباره أولوية على أجندة القادة المغاربيين، فغياب الاندماج المغاربي حسبما تشير بعض الدراسات يكلف كل دولة مغاربية خسارة على مستوى نسبة نموها تقدر ب 2 في المائة، بالنسبة لناتجها الداخلي المحلي، وكذلك عجز في مواطن الشغل يقدر ب 20.000 ألف فرصة عمل سنويا .
كما أن  تعرض المدخرات المغاربية بالخارج لعوامل التضخم النقدي، وهزات أسعار الصرف وتعرضها للإرتهان السياسي بفرض قيود على حركتها، ومراقبتها وإحتمالية تجميدها، ولعله من المفيد التذكير بتجميد الأرصدة الليبية  .
   إضافة إلى تعارض البرامج الجيوستراتيجية للقوة الكبرى مع البرامج الإقليمية للتنمية يعطل في حد ذاته البرامج التنموية، لأنه لا يتأسس على أهدافها ولا ينضبط للمسار الذي ترسمه، إلا بالقدر الذي تتقاطع فيه مع الأولى. لقد كان ذلك سمة بارزة في التجربة الاندماجية الأولى بين سنتي 1964 – 1970، حيث اتضح أن البرامج الاقتصادية، وليس السياسية فقط، هي جزء من برنامج شامل للمعسكرين الشرقي والغربي، فقد سعت الجزائر لمحاولة بناء اقتصاد قائم على التصنيع، بدون أي مخطط للتسويق الإقليمي، وأعطت مثالا واضحا للتناقض بين التوجه الصناعي الذي يوازيه عدم انفتاح تجاري على المحيط الجهوي .
          من جهة أخرى، تمسك المغرب بتوجه ليبرالي، قائم على اقتصاد بأسس فلاحية، مرتبط بالرأسمال الغربي، وقد اتضح ذلك منذ دخوله في برامج التقويم الهيكلي مع بداية الثمانينيات، وكانت تونس تسير في الاتجاه نفسه، في حين عملت ليبيا على الخلط بين الاعتماد على الريع النفطي والتنظيم الاشتراكي .  
فبالرغم من تطبيق حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، لكن الأمر الحفاظ على الفوائض المالية وحسن توجهيها لخلق التنمية الحقيقية يبقى مرهونا بتغير الظروف الدولية السياسية، الاقتصادية والأمنية، فإيرادات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج تتأثران مباشرة بأي أحداث أمنية تهز العالم وما أكثرها، وحجم الصادرات من النفط والغاز وأسعارها مرتبطة بأسواق دولية، تأثيرات دول الاتحاد المغاربي فيها لا تذكر، وأما الصادرات الأخرى فإن حجمها وأسعارها تتحدد طبقا لمعايير الجودة، والتكلفة والقدرات التسويقية، وفي ظل المنافسة مع صادرات دول صناعية متقدمة تملك أساليب التقانة ورؤوس الأموال والمصارف والمؤسسات المالية الكبرى ذات القدرات التمويلية الهائلة، ناهيك عن الشروط التفضيلية الأخرى التي تمنح لصادرات الدول في فضاءاتها الاقتصادية والإقليمية.
ولذا فإن الأوضاع الراهنية بقدر ما تكرس  تقارب في سياسات الانفتاح الإقتصادي لبناء التكامل الاقتصادي المغاربي المنشود، وذلك من خلال إنشاء سوق قطري متشابه في البلدان المغاربية، إلا أن ذلك لن  يساعد على إزالة المعيقات الاقتصادية للتعاون والتكامل، الأمر الذي يتطلب ضرورة القيام بذلك على المستوى الداخلي كبديل لمحاولات فرض تكامل مغاربي من الخارج تقتضيه مصلحة التكتلات والدول المتقدمة 

المطلب الثاني : شروط وأهداف التكامل الاقتصادي المغاربي
من أجل بناء تكامل اقتصادي مغاربي فعال، يتطلب الأمر اتباع مجموعة من الشروط التي لا غنى عنها في أدبيات اقتصاديات التكتل والاتحاد الإقليمي، وذلك من خلال الاعتماد على العديد من المعايير التي لها صلة بذلك، لهذا سيتم تخصيص فقرة من هذا المطلب حول المعايير المستخدمة لنجاح التكامل الاقتصادي ( كفقرة أولى)، هاته المعايير التي يتوخى من خلالها تحقيق مجموعة من الأهداف لأجل تحقيق التكامل الاقتصادي المغاربي، ( الفقرة الثانية ) .

الفقرة الأولى : المعايير المستخدمة لنجاح التكامل الإقتصادي
تتعدد المعايير المستخدمة لضمان نجاح التكامل الاقتصادي بالنسبة للدول التي ترغب في ذلك، إلا أنها تشترك في عمومها حول جملة من الشروط التي لا غنى عنها في أدبيات اقتصاديات التكتل والتكامل الإقليمي. فبالإضافة إلى المقومات البشرية والطبيعية والمالية، والاجتماعية يمكن سرد ما يلي : 
- تحرير نمط التسيير والتوجه الإقتصادي .
- تحرير انتقال عوامل الإنتاج والتبادل التجاري من القيود المفروضة .
- التنسيق بين السياسات الاقتصادية لإحداث نوع من التقارب في الأسعار المحددة للسلع والخدمات المتداولة داخل البلدان الأعضاء .
- العمل على ترقية مستويات التطور الاقتصادي لكل بلد من خلال اعتماد الأساليب التكنولوجية والتقنية الحديثة في مجالات الإنتاج والتسيير والتسويق. 
- تحديد نسب معينة للمؤشرات  الاقتصادية والتي ينبغي الوصول إليها أو على الأقل الاقتراب منها : التضخم، البطالة، عجز الموازنة، المديونية ...الخ.
- وضع نظام تعويضي من خلال اعتماد الآليات التي تسمح باستحداث التوزيع العادل للمزايا والتكاليف المتولدة عن عملية التكامل .
    وفي هذا المستوى لا يمكن تحقيق هذه الشروط إلا من خلال الإجابة عن السؤالين الأساسيين : لمن الأولوية للسياسي أم الاقتصادي لدى دول الاتحاد المغاربي؟ هل الاندماج المغاربي بناء أصيل؟
     بخصوص الإجابة عن السؤال الأول المتعلق ب : لمن الأولوية للسياسي أم الاقتصادي؟، فقد لوحظ من خلال ما يعيشه الاتحاد المغاربي من تنازع في المواقف ، أن الاتحاد المغاربي ينضبط أكثر للعوامل السياسية، بحيث يرتهن أي مشروع اقتصادي بأبعادها وظروفها، وهو أمر طبيعي لكون هذه الدول لا تنضبط للسياسات التنسيقية، نظرا لغياب جهاز فوق وطني، أو لإنكماش سلطة المجموعة.  
    خاصة أن موجة التغريب الحديثة باسم اقتصاد السوق، والتوجه الليبرالي، والانفتاح ستساهم في تنمية الارتباط بالبلدان المتقدمة على حساب تنمية العلاقات الجهوية بين الأقطار المغاربية والعربية، ولذلك نجد بأن سياسات الانفتاح الاقتصادي أدت إلى تنامي العلاقات القطرية المغاربية مع التكتلات الكبرى والدول المتقدمة على حساب العلاقات البينية. فقد أمضت معظم الدول المغاربية صورة منفردة لاتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في ظل ظروف تفاوضية كرست شروط الطرف القوي وضمنت مصالحه، كما سارعت دول أخرى ومنها المغاربية إلى عقد اتفاقيات منطقة التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية مثل المغرب، تجسد أولوية المصالح السياسية على حساب المصالح الاقتصادية الاستراتيجية الاتحادية الدائمة . 
    وعليه لتدارك الأمر يستوجب على دول الاتحاد المغاربي أن تعمل على خلق جهاز قوي، يتحكم في تنسيق السياسات الوطنية العامة والقطاعية، لتحقيق التطور على المستوى الاقتصادي، وتجاوز الأهداف التجارية الصرفة فقط، وخلق مستوى من الانسجام على المستوى السياسي. وهو أمريستدعي تجاوز التضخم الحاصل في أجهزة الاتحاد، والاقتصار على جهاز تكون له سلطات بعيدة عن تدخل الأجهزة السياسية للدول الأعضاء، يقتصر دوره على متابعة وتنسيق أعمال اللجان الوزارية المتخصصة، وينفذ مقررات مجلس الرئاسة، بينما يكون مسؤولا أمام مجلس الشورى الذي يجب أن يكتسب شرعيته من انتخابات مباشرة .
   لأن هذه الاستراتيجية ستمكن لا محالة دول الاتحاد المغاربي من التركيز على الاقتصادي، زحل الأمور العالقة سياسيا تبعا لذلك، وليس ارتهان الاقتصادي بالمزاج السياسي كما هو الأمر حاليا .
    أما الإجابة عن السؤال الثاني المتعلق  هل الاندماج المغاربي بناء أصيل؟، فالقصد من هذا السؤال، هو البحث عن الهدف من بناء الاتحاد المغاربي، وتحرير التجارة بين مكوناته، فهل البناء المغاربي يستجيب لرغبة ذاتية لهذه الدول في التنمية، اعتمادا على المعطيات الحضارية لمواجهة المتغيرات الدولية، أم أنه جزء من نسق دولي، يعتمد على فضاءات جهوية لتحرير التجارة في إطار استراتيجية السوق العالمية  .  
   خاصة أن موجة التغريب الحديثة باسم اقتصاد السوق، والتوجه الليبرالي، والانفتاح ستساهم في تنمية الارتباط بالبلدان المتقدمة على حساب تنمية العلاقات الجهوية بين الأقطار المغاربية والعربية، ولذلك نجد بأن سياسات الانفتاح الاقتصادي أدت إلى تنامي العلاقات القطرية المغاربية مع التكتلات الكبرى والدول المتقدمة على حساب العلاقات البينية. فقد أمضت معظم الدول المغاربية صورة منفردة لاتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في ظل ظروف تفاوضية كرست شروط الطرف القوي وضمنت مصالحه، كما سارعت دول أخرى ومنها المغاربية إلى عقد اتفاقيات منطقة التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية مثل المغرب، تجسد أولوية المصالح السياسية على حساب المصالح الاقتصادية الاستراتيجية الاتحادية الدائمة .  
    وعليه إن استخدام المعايير السالفة الذكر من شأنها ، أن تساهم في النهوض بالتكامل الاقتصادي  من خلال تطوير السلع والخدمات الموجهة للسوق المغاربية لتلبية حاجات مستهلكيها، وهذه المشاريع لا تتاح للدول في إطارها التنموي القطري، وبالتالي فهي من العوامل الشجعة على قيام التكامل لأن التخصص في إطار سوق تكاملية يختلف عن التخصص في إطار السوق الدولية باعتبار أن الأول يحظى برعاية جميع دول الاتحاد، ويولى بالمعاملة التفضيلية في هذه السوق، والتي تمكن من إحداث تأهيل إقليمي للمؤسسات الإنتاجية قبل اندماجها وتشاركها مع التكتلات الكبرى . 

الفقرة الثانية : أهداف التكامل الاقتصادي المغاربي
إن إجراءات التكامل الاقتصادي لدول اتحاد المغرب العربي يفترض أن تراعي فيها بعض الخصوصيات المتعلقة بكل بلد من خلال هياكل الإنتاج والعمالة والتجارة الخارجية وفقا لمبدأ التخصص، وتقسيم العمل، وكذلك تفعيل دور القطاع الخاص وإعطائه حركية وديناميكية أكثر، باعتبار أن الشروط باتت مهيئة لإحداث تقارب في السياسات الاقتصادية والتوجهات التنموية التي أصبحت ترتكز على المنافسة ، الجودة، والانفتاح على الخارج  .
وتبقى العوامل الاقتصادي ضرورية لقيام التكامل الاقتصادي، ولكنها غير كافية لحل المشاكل التي تصادف الدول الأعضاء مع الدول غير الأعضاء أو فيما بينها مما يستدعي استعمال الوسائل الساسية، وهذا حسب مصالح الدول الاعضاء. ويعد التكتل الاقتصادي قوة تفاوضية عند عقد الاتفاقيات التجارية مع العالم الخارجي . 
وهذا لن يتأت إلا من خلال الأخذ باستراتيجية التكامل المغاربي والعربي بعين الاعتبار والتي ترتكز على جانبين أساسيين وهما : 
أ‌- المجال التجاري: 
          والذي يهدف إلى :
- استكمال منطقة التجارة الحرة .
- تطوير التبادل التجاري البيني .
- تطوير تجارة العبور .
- إقامة الاتحاد الجمركي .
ب‌- المجال التنموي : 
              ومن أهدافه :
- تفعيل وإعادة التنمية المشتركة لاسيما المرتكزة على القطاع الخاص .
- إقامة منطقة استثمارية عربية ، مع ضرورة البحث عن مصادر تمويل ذاتية، كأن يتم إنشاء صندوق التنمية المغاربية .
- إقامة منطقة تكنولوجية عربية ( تبادل الخبرات في المجال التكنولوجي ).
التنمية البشرية المغاربية ( تأهيل وتدريب اليد العاملة بما يتلائم والتوجهات الاقتصادية الجديدة ) . 
ولعل من بين أهم الأهداف الواجب مراعاتها أيضا : 
- اتساع حجم السوق : إن الفاحص لاقتصاديات دول المغرب العربي كلا منها على حدة، يجد انها جميعا تعاني من مشكلة صغر حجم السوق، فبعض الدول تتسم بوفرة مالية عالية، إذ قدر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2002 بحوالي 3290 دولار في ليبيا، وتونس 2367 دولار، والجزائر 3290 دولار، والمغرب 1250 دولار، في حين نجد أن موريتانيا تعاني من انخفاض في القدرة الشرائية، حيث وصل نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 334 دولار سنة 2002 .
    أما إذا تم النظر إلى الدول المغاربية ككل، فنجد أنها تتمتع بسوق كبيرة، ومن ثم فإن قيام التكامل الاقتصادي سيؤدي إلى اتساع حجم السوق أمام المشروعات في كل بلد من البلدان المغاربية، بما يسمح بالاستفادة من وسائل الإنتاج الحديثة في مجال تخفيض التكاليف .
    ومن شأن اتساع حجم السوق أن يؤدي إلى الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية من خلال تخصص كل دولة في إنتاج السلعة أو الخدمة التي تتمتع فيها بميزة نسيبة أو تنافسية. كذلك يترتب على اتساع حجم السوق القضاء على ظاهرة احتكار مشروع معين لسلعة معينة، وذلك نظرا لظهور العديد من المشروعات ذات الكفاءة الإنتاجية العالية في إنتاج هذه السلعة، ومن ثم التخلص من الآثار السلبية الناجمة عن الاحتكار .
- تدعيم المركز التفاوضي للدول المغاربية في تعاملها مع العالم الخارجي : يؤدي التكامل الاقتصادي بين دول الاتحاد المغاربي إلى زيادة قدرتها على المفاوضات في مجال التجارة الدولية مع الأطراف الاخرى، أكبر من تلك التي تتحكم فيها كل دولة على حدة، وبالتالي تعزيز موقف الدول المغاربية في السوق الدولية فيما يتعلق بأسعار بعض السلع أو النقل او الرسوم الجمركية .
- التغلب على ندوة الموارد التي تعاني منها بعض الدول المغاربية : يترتب على التكامل الاقتصادي التغلب على ندرة الموارد التي تعاني منها لبعض الدول المغاربية، حيث بلغ عدد سكان دول المغرب العربي نحو 77 مليون نسمة سنة 2000، وبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 1781 دولار .
   فالمتفحص لخريطة الموارد الاقتصادية بالدول المغاربية ككل، يلاحظ أنها تتمتع بوفرة نسبية في الموارد الاقتصادية، ولكن بالنظر إلى كل دولة على حدة يجد أنها تعاني من ندوة في مورد أو أكثر من الموارد الاقتصادية، وتتمتع بوفرة مورد أو موارد أخرى .
   فالتكامل الاقتصادي بين بلدان الاتحاد المغاربي بما سيتيحه من حرية انتقال عناصر الإنتاج سيؤدي إلى الحد من ندرتها في بعض الدول، ومن ثم وفرتها في البعض الآخر وبالتالي الاستخدام الامثل لهذه الموارد .
- الحد من التقلبات في حصيلة الصادرات : يؤدي التكامل الاقتصادي بين دول المغاربية إلى الحد من التقلبات الدورية في حصيلة الصادرات للدول المغاربية، التي تعزى في الغالب إلى التقلبات الدورية في اقتصاديات الدول الصناعية المتقدمة. كما من شأنه دعم البلدان المغاربية في تعاملها مع الخارج من خلال خلق اقتصاد أكثر تنوعا، وبالتالي اقل اعتمادا على العالم الخارجي وخاصة في السلع الاساسية والضرورية .
- تحفيز الاستثمارات : إن التكامل بما يتيحه من سوق واسعة وحرية انتقال عناصر الإنتاج، من شانه تحفيز الاستثمارات، سواء الاستثمارات من داخل الدول المغاربية او الاستثمارات الأجنبية، وغالبا ما تكون هذه الاستثمارات ذات تكنولوجيا عالية ينعكس آثارها بشكل إيجابي على اقتصاديات الدول المغاربية مجتمعة .
- خلق فرص العمل : التكامل الاقتصادي يؤدي إلى اتساع حجم السوق وزيادة الاستثمارات وهذا من شانه خلق فرص جديدة للعمل في كافة الدول المغاربية، ومن ثم الحد من مشكلة البطالة التي تعاني منها معظم البلدان المغاربية.
- خلق مناخ ملائم للتنمية الاقتصادية : يعتبر ارتفاع معدل النمو للاقتصاديات المغاربية الهدف الأساسي للتكامل الاقتصادي، فالتكامل الاقتصادي يأخذ على عاتقه تهيئة المناخ المناسب للتنمية، فهو يعمل على التنسيق في السياسات الاقتصادية، كما يؤدي إلى نوع من التنسيق فيما يتعلق بمشروعات البنية التحتية .

(يتبع)

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :