ifada إفادة

ifada إفادة


ثلاث دساتير لنظام سياسي واحد

الأحد 29 نوفمبر 2020 - 16:12 , افادة
ثلاث دساتير لنظام سياسي واحد حفل الولاء
عبد اللطيف مستكفي باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري

حظي موضوع الإصلاح السياسي والدستوري بالمغرب –وما زال- باهتمام الفاعلين السياسيين باختلاف مواقعهم واتجاهاتهم، حيث نظمت بشأنه العديد من الندوات والملتقيات العلمية، وتناولته العديد من الدراسات وملئت به أعمدة الصحف الوطنية، كما شكل خلال مرحلة تسعينيات القرن الماضي حجر الزاوية ضمن المذكرات المطلبية لأحزاب الكتلة الديمقراطية، ليشهد آخر تطور له من خلال مطالب حركة شباب 20 فبراير في السنة الجارية، فتعددت الآراء بصدده، إذ أخذ كل واحد يدلي بدلوه في الموضوع، فاختلفت نظرة الاقتصادي عن وجهة نظر السياسي، وتعددت تـأويلات المثقفين وتباينت ردود فعل مكونات المجتمع بين اتجاه يقر بأننا نخطو خطوات صحيحة نجو الإصلاح واتجاه ينفي وجود أي مؤشر على الإصلاح، واتجاه ثالث يقر بوجود إصلاح مع بعض التحفظ المبرر بعامل الزمن (إصلاح بطيء) أو بمجالات الإصلاح (إصلاح غير شامل) أو بمصدره (إصلاح من أعلى) أو بطبيعته (إصلاح مفروض) أو كونه بقي حبيس الرغبة فيه (أي مجرد خطاب) دون تحققه واقعيا.
إن موضوع الإصلاح السياسي والدستوري بالمغرب يطرح قضية أساسية مرتبطة بماهية الإصلاح، فقد لا يجادلنا أحد في حقنا في التعبير عن إرادتنا في القيام بإصلاحات (بغض النظر عن طبيعتها سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو دستورية...) كمدخل للانخراط في مسلسل الانتقال الديمقراطي، لكننا نظل مجانبين للصواب عندما نعتقد أن كل مبادرة سياسية أو دستورية سواء تعلق الأمر بتعديل الدستور أو إلغاء قانون كان معمول به أو إقرار قانون جديد أو إقالة وزير وتعيين وزير آخر مكانه أو تنصيب حكومة برمتها هو في حد ذاته إصلاح.
لقد استنبط الفاعلون السياسيون فكرة مفادها أن كل مبادرة تتخذها الجهات الرسمية، يجب إدراجها في خانة الإصلاح وفي تاريخ الإصلاحات التي شهدها النظام السياسي المغربي، ليتم استحضارها وتمجيدها في مختلف المناسبات.
وبغض النظر عن تباين آراء أو مكونات المجتمع المغربي بشأن موضوع الإصلاح، فإن للباحثين رأيهم الخاص، فمع بداية ثمانينيات القرن الماضي انصب اهتمام باحثو علم السياسة وفقهاء القانون الدستوري على دراسة فصول الدستور المغربي، فلم تكن جميع فصول الدستور البالغ عددها 108 ضمن الدستور الحالي (دستور 1996) موضوع تحليل ومناقشة بالقدر الذي حظيت فيه فصول أخرى باهتمام بالغ كالفصل 19 المنظم لإمارة أمير المؤمنين والفصل 24 المتعلق بأسلوب تعيين الوزير الأول والفصل 46 الذي يحدد على سبيل الحصر قائمة المجالات التي يختص البرلمان بالتشريع فيها.
فمضمون هذه الفصول وتأويلات الباحثين تفضي إلى القول بأن مفهوم سمو الدستور الذي يعني وجوب تطابق جميع النصوص القانونية مع نص الدستور، قد انضاف إليه مفهوم آخر هو سمو بعض فصول الدستور على فصول أخرى، فضلا سمو المؤسسة الملكية الذي يشكل القاعدة ضمن تراتبية هرم السلط وتراتبية القوانين والقرارات الصادرة عن هذه السلط. فالنظام السياسي المغربي يشتغل وفق ثلاث منظومات دستورية، مما يقودنا إلى الإقرار بتعايش ثلاثة دساتير :
النوع الأول من هذه الدساتير يمكن وصفه بالدستور المعلن؛
النوع الثاني هو دستور داخل دستور؛
النوع الثالث دستور خارج الدستور أوفوقه؛
فإذا كان الفقه الدستوري قد حسم في مضمون دستورية القوانين، الذي يشكل ضمنها  سمو الدستور مبدأ جوهريا، فإن النظام السياسي المغربي لم يحسم بعد في هذا الموضوع، ففي المغرب لا يمكن الحديث عن سمو الدستور بل عن تراتبية دستورية بين ثلاثة أنواع من الدساتير وفق التصنيف المشار إليه أعلاه وبحسب الهرمية الثالية :



أولا : الدستور المعلن
هو ذلك الدستور الذي يتم تقديمه على أساس أنه الدستور المعمول به في البلاد، ويتم الرجوع إليه في القضايا العادية التي لا تطرح إشكالات كبرى. ويتميز بالخصائص التالية:
1- فهو دستور مكتوب تتضمنه وثيقة واحدة؛
2- دستور يتميز بمبدأ النصية أي يتم الرجوع إلى نصوصه كما هي مدونة دون إخضاعة لسلطة التأويل؛
3- تحديده للاختصاصات والصلاحات المخولة للأجهزة الأساسية : رئيس الدولة، والبرلمان والحكومة والقضاء. مع تحديد مصدر السلط المخولة لكل جهاز؛
4- اكتفاؤة بالعموميات مع الإحالة على القوانين التنظيمية المتضمنة للتفاصيل؛
5- تنصيصه على مجموعة من المبادئ وتضمينه لمجموعة من الحقوق والحريات مع ضمان ممارستها؛
6- الإشارة إلى بعض المؤسسات والهيئات التي تعتبر شريكا لباقي السلط في تسيير شؤون البلاد كالمجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي؛
7- الإشارة إلى السلطة التأسيسية بشقيها الأصلية والفرعية.
ثانيا: دستور داخل الدستور
يمكن وصفه كذلك بالدستور "المضمر" إذ يتم الإعلان عنه خلال فترات الأزمات السياسية، عندما تخضع فصول الدستور المعلن لسلطة التحليل الاستراتيجي لمالك السلط، المؤسسة الملكية. وفي هذا الإطار يشكل الفصل 19 مفتاح استكناه جوهر النظام السياسي المغربي من خلال تحديده لمركز المؤسسة الملكية في البناء الدستوري، وبخاصة على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، الذي جعل من هذا الفصل نواة الدستور المغربي، واستمرت هيمنة الفصل 19 على باقي فصول الدستور على عهد خلفه الملك محمد السادس.
ويتميز هذا الفصل بكونه وبالرغم من التنصيص عليه في صلب الدستور، بخضوعه لسلطة التأويل الملكية، نظرا لغنى معانيه وتعدد مضامينه، بل بإمكانه تعطيل جميع فصول الدستور، مما يجعله دائما في خدمة هيمنة لمؤسسة الملكية على الحياة السياسية فالفصل 19 من الدستور المغربي الحالي (دستور 1996) هو بمثابة صمام أمان لجميع السلط الدستورية ولجيمع القرارات الملكية التي وضعت من أجل توجيه أو التحكم في الأزمات وبخاصة ما ارتبط منها بعلاقة الحكومة بالبرلمان.
هكذا فإن الفصل التاسع عشر يفرض حضوره النظري من خلال تحاليل الحقوقيين وعلماء السياسة وتزكية الممارسة السياسية للمؤسسة الملكية التي تجعل منه درعها الواقي الذي يخول لها اتخاذ جميع المبادرات.
إن القاسم المشترك للدراسات والأبحاث التي تم إنجازها حول النظام السياسي المغربي هو إجماعها على هيمنة المؤسسة الملكية، هذه الهيمنة التي تجد ترجمة لها من خلال الفصل 19. ففي تحديده لعلاقة الفصل 19 بباقي فصول الدستور، يعتبر أحد الباحثين بأن باقي فصول الدستور اللاحقة على الفصل 19 تظهر كترجمة له أو مساطر لإنجازه، ويمثل لذلك بالفصل 23 من الدستور. وهكذا فإن نص الفصل 23 على أن "شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته"، ليس إلا انعكاسا لشرفاوية وعصمة الإمام1 . وتجد "قدسية" الملكية سندها المرجعي في الانتماء لآل البيت، الذي يشكل إحدى آليات تثبيت شرعية دولة العلويين .
وتطلق باحثة أخرى على الفصل 19 مصطلح "الدستور الضمني" تمييزا له عن الدستور الصريح الذي يتشكل من باقي الفصول  كما سبق لميشال كيبال أن ميز من خلال كتابه "السمو الدستوري بالمغرب" بين طبقتين في الدستور، فهناك من جهة الطبقة العليا وتتعلق بالملك والأمة وهي تستند إلى المشروعية الدستورية . أما الطبقة الثانية فهي ترتبط بالقواعد التقنية وهي تستند إلى الشرعية الدستورية وتنظم مثلا العلاقة بين الحكومة والبرلمان. ومن تم فإن الفصل 19 يظل أفضل تعبير عن الطبقة العليا. في حين يرى باحث آخر أن الدستور المغربي مكون من جانب شكلي مدون، وهو ينظم العلاقة بين الملك والحكومة والبرلمان، والجانب الشكلي الغير مدون، ويشكل هذا الأخير جوهر المشروعية أو الطبقة السامية من الدستور . وعليه فإن النظر إلى الفصل 19 كنص مكتوب يسمح بإدراجه ضمن النظام الأساسي الشكلي، بينما يسمح تعدد التأويلات التي يحتملها بتصنيفه ضمن النظام الأساسي اللاشكلي.
وإذا كانت هذه القراءات تنظر إلى الفصل 19 انطلاقا من موقعه داخل الدستور (في قلب الهندسة الدستورية أو كجزء من الطابق العلوي ...)، فإن أحد الباحثين، يرى أن أهمية هذا الفصل توشي بضرورة قرائته كنص مستقل "خارج الدستور"، دافعه إلى هذا الاعتقاد هو أن سرعة الأحداث التي توجت العهد الاستعماري وبداية الاستقلال وحدة الصدامات المذهبية والإديولوجية التي رافقتها على الساحة السياسية، لم يواكبها بالموازاة ما يؤسس –على المستوى النظري- لفكر سياسي متكامل حول منظومة الملكية. كما أن الدساتير المغربية كرست هذه الصيرورة عبر إعادة صياغة الفصل 19 دون أدنى تعديل .
إن المجالات السبع الواردة في الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011 والمشمولة بالتعديل، لتشكل بحق الهندسة العامة للدستور المغربي، ولكن يبقى السؤال المطروح كالتالي:
إلى أي حد ستسهم هذه التعديلات في "وحدة" الدستور المغربي وتنهي الجدل القائم حول ازدواجية الدستور المغربي، أي حول وجود دستور داخل دستور.

ثالثا: دستور فوق دستور
إن الباحث في النظام السياسي المغربي المتمعن في السلطات التي يمارسها الملك والصلاحيات المخولة له، لا يسعه إلا أن يقر بأن هذه الصلاحيات والسلطات غير مستمدة من فصول الدستور بقدر ما هي مستمدة من مجموعة من الممارسات يمكن نعثها بالدعائم السياسية للمؤسسة الملكية. وكأننا أمام دستور فعلي يعلو على الدستور المعلن، ديباجته تؤكد على أن وجود الملكية سابق على وجود الدستور، كما أنها (أي المؤسسة الملكية) ضامنة لممارسة الحقوق والحريات الفردية والجماعية. أما العلاقة بين السلط فإذا كانت تشهد فصلا فيما بينها فإن هذا الفصل غير موجود على مستوى المؤسسة الملكية. وفصول هذا الدستور تتضمن التنصيص على القرارات والتعليمات الملكية والخطاب والتحكيم والظهير الملكي.
1- فالتحكيم الملكي مثلا كدعامة سياسية أساسية نجد له ترجمة من خلال اعتبار أن النظام السياسي المغربي يعمل بانسجام المؤسسات في ظل رقابة الملك الذي احتفظ له الدستور بدور الحكم وأشركه في ممارسة دواليب الحكم وعهد ببعض سلطاته التاريخية إلى مؤسستي البرلمان والحكومة مع استقلال السلطة القضائية عن هاتين السلطتين .
وبغض النظر عن تضارب آراء الباحثين بشان طبيعة التحكيم الملكي بين اتجاه يقر بحياده واتجاه يؤكد جانبه البرغماتي، فإن الفاعلين السياسيين يرون في التحكيم الملكي ضمانة للحفاظ على مصالحهم المادية والمركزية، أما المؤسسة الملكية فترى في ذلك عاملا من عوامل إثبات هيمنتها وسموها.
2- أما الخطاب الملكي فيشكل المحدد الأساسي للحياة السياسية الوطنية ويحيط الدستور المغربي الخطاب الملكي بحصانة تجد أساسها في صفة القداسة التي يتمتع بها العاهل المغربي كمخاطب (الفصل 23 من الدستور الحالي لسنة 1996)، حيث ينص الفصل 28 من الدستور على أن : "للملك أن يخاطب مجلس النواب والأمة ولا يمكن أن يكون مضمون خطابه موضوع أي نقاش "، (اللهم تلك التحاليل الصحفية والآراء التي يعبر عنها الفاعلون السياسيون والجمعويون والباحثون والتي تأتي بعد تلاوة الخطاب والتي تجمع كلها على الإشادة بما جاء في الخطاب الملكي والتأكيد على أهميته).
إن هذا الاقتناع بأهمية الخطاب الملكي لم تقتصر فقط على المنشغلين بالجانب السياسي، الذين جعلوا منه مرجعية أساسية لتصوراتهم السياسية، بل الأكثر من ذلك، فقد شكل الخطاب الملكي إطارا معرفيا لمجموعة من الباحثين المهتمين بحقل علم السياسة والقانون الدستوري، إذ لا يكاد يخلو مؤلف ولا بحث يهتم بدراسة النظام السياسي المغربي من الاستعانة في تحليله بالخطب الملكية.
ينبني على ذلك تمتع الخطب الملكية –إلى جانب الظهير والتحكيم والقرار الملكي- بقوتها الإلزامية، وبحصانة لا تقبل أي شكل من أشكال الطعن، كما أنها تعتبر بمثابة البرنامج العام الذي تتقيد به الحكومة.
فإلى أي حد ستسهم التعديلات التي ستعزز مركز مؤسسة الوزير الأول والجهاز الحكومي برمته في الاستعاضة عن ذلك الخطاب التبريري الذي يتخذ من الخطاب الملكي درعا واقيا لرسم معالم البرامج الحكومية، لتتم الاستعاضة عنه بخطاب واقعي يحدد المسؤوليات ولا يترك المجال للإفلاة من المحاسبة.


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :