ifada إفادة

ifada إفادة


تعديل حكومة العثماني، بين الانتظارات الشعبية والتداعيات الاقليمية

الإثنين 11 نوفمبر 2019 - 23:15 , بقلم محمد شقير
رشيد السمكي

عرفت حكومات المغرب منذ حصوله على الاستقلال العديد من التعديلات سواء المقلصة أو الموسعة. لكن لم تحظ كلها بنفس الاهتمام السياسي الذي حظي به هذا التعديل، من طرف النخب بمختلف أطيافها ومن طرف أوسع الشرائح الشعبية.

التعديل الحكومي والانتظارات الشعبية
ضخم الانتظارات
يرجع هذا الاهتمام على ما يبدو إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي الدقيق الذي تعرفه البلاد. فعلى الرغم من بعض المشاريع الكبرى التي تم إنجازها من محطات لتوليد الطاقة الشمسية والريحية، و أعلى قنطرة، وقطار فائق للسرعة، ما زال المغرب يعد في المراتب المتدنية في السلم العالمي للتنمية الاجتماعية بسبب تردي خدمات بنياته التعليمية والصحية وتفاقم نسب بطالة الشباب. ولعل هذا ما دفع بالعاهل المغربي إلى أن يطرح ضرورة بلورة نموذج تنموي جديد، بعدما تساءل في خطابات سابقة عن مآل ثروة المغاربة وانتقاد سوء التدبير الاداري. وبالتالي، فإن ما تضمنه الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في غشت 2019 من ضرورة إجراء تعديل على حكومة العثماني وتطعيمها بكفاءات قادرة على الاسراع في تنفيذ بعض المشاريع المستعجلة، جعل كل مكونات الرأي العام الاجتماعية والسياسية تولي اهتماما خاصا لهذا التعديل وما سيسفر عنه من مستجدات، مما أدى إلى تضخيم حجم هذه الانتظارات خاصة بعدما تأخر هذا التعديل، الشيء الذي اضطر العاهل المغربي إلى استقبال رئيس الحكومة واستفساره عن تطورات هذا التعديل.
 
ضعف التغييرات
يبدو أن ما أسفر عنه هذا التعديل الحكومي قد أصاب الرأي العام بنوع من الخيبة. إذ إن هذا التعديل لم يتجاوز التقليص من عدد الحقائب الوزارية بإلغاء ذلك العدد العبثي من كتاب الدولة الذي كان يرتهن لترضيات سياسية وحزبية، في الوقت الذي حافظ فيه على جل الوجوه الوزارية من تقنوقراط ومتحزبين مع تطعيم هذه التوليفة بستة وجوه جديدة من الكفاءات التي طالب بها العاهل المغربي في خطابه الأخير. إذ رغم تقليص عدد الوزراء إلى 23 وزيراً في حكومة العثماني المُعدلة التي عينها الملك محمد السادس عشية يوم الأربعاء 9 أكتوبر 2019، فإن الوزراء "التكنوقراط" حافظوا على مناصبهم الحكومية دون أن يمسهم أي تغيير. وعلى رأس الوزراء "التكنوقراط" الذين لم يشملهم التعديل الحكومي يوجد عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، الذي استمر في منصبه بـ"أم الوزارات"، رغم الوعكة الصحية التي مر منها قبل شهور. كما لم يشمل التعديل الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية اللامنتمي، نور الدين بوطيب. وحافظ "التكنوقراطي" ناصر بوريطة على منصبه كوزير للشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، رفقة كل من "التكنوقراطيين" وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، والأمين العام للحكومة محمد الحجوي، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي. كما استمر "التكنوقراطي" محسن الجزولي في منصبه كوزير منتدب لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي. كما تم الاحتفاظ بكل الوزراء السابقين، خاصة أولئك الذين يسيرون القطاعات الوزارية الوازنة من نقل وطاقة واقتصاد وتجارة ...

في حين تعززت حكومة العثماني في نسختها المعدلة الثالثة  بستة وجوه جديدة استجابة  لدعوة الملك محمد السادس في خطاب سابق، إلى ضخ كفاءات جديدة والبحث عن "بروفايلات" وزارية مختلفة. وهكذا تم على مستوى حزب العدالة والتنمية المتصدر للأغلبية الحكومية، تسليم الكاتب العام لشبيبة "البيجيدي" محمد أمكراز حقيبة وزارة الشغل والإدماج المهني، خلفا لزميله في الحزب محمد يتيم، الذي غادر حكومة العثماني. في حين عينت ،عن حزب الحركة الشعبية السيدة نزهة بوشارب الحاصلة على شهادة الدكتوراه في البيئة والتنمية المجالية، في وزارة التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. بينما تولى الأستاذ الجامعي حسن عبيابة، الناطق الرسمي باسم حزب الاتحاد الدستوري، منصب وزير الثقافة والشباب والرياضة، الناطق الرسمي باسم الحكومة. وإلى جانب ذلك، عينت شخصيات غير منتمية تمثلت في نادية فتاح العلوي، الرئيسة السابقة لمجلس إدارة سهام للتأمين المغرب، منصب وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي، و أسند قطاع الصحة الذي يعاني من عدة اختلالات هيكلية إلى وجه "تكنوقراطي" جديد، وهو البروفيسور خالد آيت الطالب، الذي خلف أنس الدكالي، القيادي في حزب التقدم والاشتراكية، الذي غادر حكومة العثماني بعدما انسحب حزبه. بينما تولى إدريس عويشة، الحاصل على دكتوراه الدولة في اللسانيات والتربية من جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية، منصب الوزير المنتدب لدى وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، الذي سبق أن شغل  منصب رئيس جامعة الأخوين منذ عام 2008، بالإضافة إلى مناصب عديدة من بينها "مستشار في "أميديست" للدراسات العربية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومدير تنفيذي للهيئة الجامعية الدولية "دو سكولر تشايب" بين عامي 2007 و2008.

التعديل الحكومي والتداعيات الاقليمية
يبدو أن المتتبع سيجد صعوبة كبيرة إذا ما حاول قراءة هذا التعديل الحكومي من زاوية تقنية وداخلية، إذ إن التساؤل المطروح هو، هل أن تعديلا بهذا الشكل وبهذا الحجم يتطلب كل هذا الوقت وكل هذا الاهتمام السياسي والاعلامي ؟، وهل أن تقليص عدد الوزراء، لتجميع بعض القطاعات الوزارية، والتنسيق بينها لفترة لا تتجاوز سنة ونصف، يتطلب كل هذه التعبئة السياسية والاعلامية والحكومية ؟.
وهكذا فإن أي قراءة  في مضمون هذا التعديل لا تستقيم بدون ربطها بالخلفية السياسية الثاوية وراء هذا الاجراء الدستوري  وربطه بما يعتمل في المحيط الاقليمي وتداعياته المحتملة على الوضعية الداخلية للبلاد. وبالتالي، فعلى الرغم من الصمت الرسمي حول مجريات الحراك الشعبي الجزائري، فقد كان لتداعيات هذا الحراك تأثير كبير في تبني السلطات العليا بالمغرب لاستراتيجية استباقية لاحتواء هذه التداعيات من خلال تحريكها لبعض الملفات سواء في المجال الاجتماعي، أو الحقوقي أو الحكومي.

تحريك الملف الاجتماعي
يبدو أن الحراك في الجزائر بمسيراته الشعبية والاحتجاجية، والتي انخرطت فيه شرائح واسعة من الفئات الوسطى من محامين وأطباء وقضاة و موظفين ...المتضررة من تداعي الازمة الاجتماعية التي تفاقمت في الجزائر خاصة بعد انخفاض أسعار البترول،  نبهت مربع القرار الملكي في المغرب بضرورة تحريك الملف الاجتماعي الذي خضع لتجاذبات مكونات المشهد السياسي والحسابات السياسية الضيقة للقيادات الحزبية والنقابية، مما جمد جولات الحوار الاجتماعي وجعلها تراوح مكانها، في الوقت الذي تعاني فيه شرائح واسعة من الطبقة الوسطى من تبعات القرارات التي اتخذتها حكومة بن كيران سواء فيما يتعلق بإصلاح صندوقي المقاصة والتقاعد أوفي لجم الاضرابات القطاعية من خلال اللجوء إلى الاقتطاع. وبالتالي، فلنزع فتيل هذا الوضع الاجتماعي المحتقن، تم حث الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين على التوصل إلى الاتفاق على بعض المطالب الاجتماعية خاصة المتعلقة بالزيادة في الاجور، وهكذا تم الاسراع في التوقيع على اتفاق ثلاثي الأطراف يمتد على ثلاث سنوات (2019-2021) بين الحكومة والاتحاد العام لمقاولات المغرب وكل من الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، بصفتها المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، بتاريخ  25 أبريل 2019، أي بعد حوالي شهرين فقط على اندلاع الحراك في الجزائر، في الوقت الذي استغرقت فيه جولات الحوار بين حكومتي  بن كيران والعثماني والفرقاء الاجتماعيين أكثر من خمس سنوات. ولعل مما يؤكد هذا المعطى، هو أن الفقرات التي تضمنها هذا الاتفاق أشارت صراحة إلى دور الارادة الملكية في التسريع بهذا الملف والحسم فيه حيث جاء فيها ما يلي "وبهذه المناسبة، وقف الموقعون عند الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى التاسعة عشرة لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين، الذي دعا فيه إلى "استحضار المصلحة العليا، والتحلي بروح المسؤولية والتوافق، قصد بلورة ميثاق اجتماعي متوازن ومستدام، بما يضمن تنافسية المقاولة ويدعم القدرة الشرائية للطبقة الشغيلة بالقطاعين العام والخاص".

تحريك الملف الحقوقي
سجل الوضع الحقوقي مع حكومة بن كيران تراجعا ملحوظا تمثل بالأساس في متابعة بعض الصحفيين، وإنزال عقوبات ثقيلة على نشطاء حراك الريف، بالاضافة إلى تجميد بعض ملفات لجنة الانصاف والمصالحة، نظرا للتأخر في تنفيذ كل التوصيات الصادرة عن هذه الهيئة بالرغم من تكليف الملك محمد السادس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، قبل أن يغير اسمه إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بتاريخ 6 يناير 2006، بمتابعة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، بما فيها تلك المتعلقة بجبر الأضرار والتعويض المالي والإدماج الاجتماعي وتسوية الأوضاع الإدارية والمالية والتغطية الصحية.
وبالتالي، فلتحريك هذا الملف، عمل الملك في البداية على تعيين أمينة بوعياش على رأس المجلس الوطني لحقوق الانسان، حيث سارع هذا الأخير إلى تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، خاصة تلك المتعلقة بتعويض ضحايا انتهاكات حقوق الانسان. إذ بعدما قدم اعتذاره لضحايا وذوي الحقوق عن التأخر الذي نتج عنه عدم تمكنه من تنفيذ كل التوصيات منذ سنة 2012، أكد التزامه بمتابعة عمله لطي ملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وهكذا شرع، المجلس خلال شهر غشت 2019، في تسليم المقررات التحكيمية الخاصة بـ 624 مستفيدا من الملفات التي كانت عالقة، بما فيها الملفات الجديدة التي أعلن هذا المجلس عن تسويتها والمتعلقة بـ 39 مستفيدا كانت تنقص ملفاتهم بعض الوثائق، تم الإدلاء بها، و80 مستفيدا من الضحايا المدنيين الذين اختطفوا من طرف عناصر البوليساريو، و28 مستفيدا من ذوي حقوق ضحايا كانوا مجهولي المصير، أدلوا بالوثائق الضرورية لاستكمال إعداد ملفاتهم، بالاضافة إلى بعض ضباط صف مدرسة اهرمومو الذين تورطوا في المشاركة في محاولة الانقلاب العسكري على نظام الراحل الحسن الثاني، في بداية سبعينيات القرن الماضي بقصر الصخيرات .

تحريك الملف الحكومي 
لقد كان من بين شعارات الحراك الشعبي في الجزائر، المطالبة بتغيير الوجوه السياسية التي خدمت نظام الرئيس بوتفليقة المقال، خاصة منهم وزراء حكوماته المتعاقبة في عهده. وبالتالي، فتحت الضغط الشعبي، لم يتم فقط تنحية الرئيس وتعويضه برئيس مجلس الأمّة للقيام بمهام رئيس الدولة لمدة أقصاها تسعون بموجب المادة 102 من الدستور الجزائري، بل تم تشكيل حكومة جديدة في يوم 31 مارس 2019، تضمنت وجوها جديدة مع احتفاظ 6 وزراء بحقائبهم، من أهمّهم نائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح. ولعل هذا الخيار هو الذي حاول النظام تبنيه لحلحلة الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بالبلاد. وهكذا فإذا كانت إشاعة تعديل حكومة العثماني للمرة الثالثة تتداول داخل الأوساط السياسية والاعلامية، نظرا للركود الذي عرفه المشهد السياسي بسبب تأخر الحكومة في تنفيذ العديد من المشاريع بما فيها تلك التي أعلن عنها الملك؛ كمخطط تطوير التكوين المهني والذي فشلت الحكومة في الالتزام بأجندة الملك قصد رفع مشروع متكامل وناجع بشأنه، وسياسة التدبير المائي... و نتيجة للتجاذبات بين مكونات الأغلبية الحكومية التي دخلت في تنافس انتخابي محموم سابق لأوانه .

 وفي محاولة لتدبير هذا الوضع، حسم الملك من خلال خطاب العرش الأخير في ضرورة إجراء تعديل موسع على الحكومة التي يترأسها العثماني، محددا " أفق الدخول السياسي المقبل كأجل لإنجاز هذا التعديل الموسع. وهكذا تضمن الخطاب الملكي بهذا الشأن ما يلي:
"فالمرحلة الجديدة ستعرف إن شاء الله، جيلا جديدا من المشاريع. ولكنها ستتطلب أيضا نخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة، على مستوى المؤسسات والهيآت السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة. وفي هذا الإطار، نكلف رئيس الحكومة بأن يرفع لنظرنا، في أفق الدخول المقبل، مقترحات لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى، وذلك على أساس الكفاءة والاستحقاق."ولعل هذا الاهتمام الملكي  بضرورة إجراء تعديل على مستوى هيكلة حكومة العثماني وتجويد كفاءاتها، هو الذي دفع الملك إلى حث رئيس الحكومة على الإسراع في تشكيل هذه الحكومة قبيل الدخول السياسي الذي حدده خطاب الملك، قبيل افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان التي يترأسها الملك.       
                                               
من هنا يظهر أن هذا التعديل الذي أحيط بكل هذه الهالة السياسية والاعلامية، كان من ضمن استراتيجية استباقية لاحتواء أية تداعيات اقليمية على الوضع الداخلي، من خلال التماهي مع انتظارات شعبية كبرى دون القدرة أوالرغبة في حل أكبر المعضلات التي تعاني منها أوسع الفئات الاجتماعية، خاصة الطبقات الوسطى من تردي قطاع التعليم العمومي وإفلاس القطاع الصحي وتفاقم معدلات البطالة وانسداد الأفق أمام الشباب، الشيء الذي عكسته فاجعة مديونة بجلاء. إلى جانب تفاقم و استفحال الفساد الذي تكشف عنه تقارير المجلس الاعلى للحسابات بشكل سنوي. وبالتالي، فهذا التحريك السياسي لبعض الملفات الذي يتغي على ما يبدو، العمل على ربح الوقت لن يخفف من حدة الازمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها هذه الفئات والشرائح إلا من خلال إعطاء إشارات قوية وعليا، تتمثل بعض مظاهرها في عملية تطهير واسعة لمحاربة فساد وتغول، فشلت فيه حكومة بن كيران بكل شعاراتها وحكومة العثماني بكل تعديلاتها.

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :