ifada إفادة

ifada إفادة


التعليم المغربي : بين الإشكال اللغوي والإفلاس السياسي

الخميس 05 سبتمبر 2019 - 18:50 , بقلم علي بلقايد
رشيد السمكي أزمة التعليم بالمغرب
إن أي مشروع لإصلاح التعليم، يرتكز أساسا على إصلاح سياسي ومؤسساتي حقيقيين، إصلاح يجعل من الإنسان المواطن الهدف والغاية الأسمى، ويتخذه محور كل تنمية وعجلتها الدافعة

أثار وما يزال، القانون الإطار للتربية والتكوين، جدالا ولغطا أبعد ما يكونا عن النقاش الهادف والبناء .. لغطا مسموما بخلفيات وصراعات سياسوية أو إيديولوجية مصلحية، وأحيانا بمسحة تنم عن الجهل والإسفاف – عدا بعض التصورات لسياسيين وطنيين وأكاديميين وباحثين مهتمين بالمجال. هذا الجدال العقيم الذي صاحب وتلا القانون الممرر بالغرفة الأولى للبرلمان، ركز على نقطة واحدة وفريدة؛ هي الهندسة اللغوية وأساسا لغات التدريس. ما يعطي الإنطباع أن مشكلة التعليم في المغرب والانهيار الذي تعرفه المدرسة العمومية منذ سنوات، مختزل في المشكل اللغوي. فهل فعلا الإفلاس الذي أريد للمدرسة العمومية أن تصل إليه، مرتبط وفقط بالإشكال اللغوي ؟، وإذا كان الأمر كذلك، فهل استطاع التعليم الخصوصي – المعتمد على مناهج ولغات أجنبية – أن يتجاوز أعطاب ومعطيات المدرسة العمومية، وينتج بالتالي نخبا وكفاءات أقدر ؟.

نعتقد أن أزمة التعليم بالمغرب أعمق وأشكل مما يتم اختزاله وتنميطه منذ زمن، إنها أزمة مرتبطة بالديموقراطية والحرية في هذا البلد. فليس التعليم وحده من يعيش حالة إفلاس، بل الإفلاس سمة تطبع كل المجالات ومناحي الحياة. إن الإفلاس مغربي بامتياز: سياسيا، اقتصاديا، صحيا، ثقافيا، رياضيا، اجتماعيا، أخلاقيا ..... وما شئت من دون ذلك.

إن التعليم في الدول التي اعتمدت الخيار الديموقراطي ( بمفهومه الكوني، ودون إضافات الخصوصية أو الهويائية المحلية والوطنية، والاعتبارات التاريخانية.....) هو الأداة الأساس في بناء الدولة والمجتمع وتطويرهما. إنه أنجع أداة وأسلك طريق لبناء الفرد المواطن، المتمتع بالحرية الكاملة، المبدع والمشارك في الحياة العامة، والمستفيد الأول من خيرات وثروات البلد. المواطن الذي تسهر كل مؤسسات الدولة على خدمته، وتتمنى رفاهيته، ولنا مثال في بعض الدول الإفريقية حديثة العهد بالديمقراطية، بل ومنها الخارجة منذ عهد قريب من أتون الحروب الأهلية وفتك الفقر والمجاعة.

لقد شكل التعليم دائما هاجسا للأنظمة السياسية في المغرب الحديث – والتي عملت على لجمه وتطويعه لإنتاج الفرد الرعية، ومجتمع القطيع، سهل الانقياد والمسخر لخدمة الحاكم وحاشيته. القطيع المهلل والمسبح بقدسية الحاكم، الطالب لبركاته، والقانع بأعطياته وقفته، القطيع غير المدرك لحقوقه، والمبرر لوضعيته بأوهام الأقدار السماوية والمشيئة الربانية، القطيع الصابر على جميع الحياة رجاء في جنة آخرة.

لقد سبق للملك الراحل أن صرح بأن التعليم هاجس يقض مضجعه، كما وصف رجال التعليم، وفي محطات عدة بنعوت قدحية وتحقيرية لأنهم وإلى جانب الطلبة كانوا دائما في طليعة المتصدين لتسلط النظام السياسي المخزني، ومحاولة هيمنته على كل مناحي الحياة، وسعيه الدائم للاستفراد بالسلطة واتخاذ القرار. فبدأ مسلسل الإصلاحات المطبوخة على المقاس. واستعملت كل الوسائل – مشروعة أوغيرها- لتطويع التعليم والتحكم فيه، حتى عشنا زمنا صار فيه رجل التعليم بطلا للنكتة الشعبية وهدفا للسخرية، بعدما كان رمزا مجتمعيا ونخبة حاملة لقيم النبل والحداثة والمشروع الديمقراطي العادل. وتم الإجهاز على كل المحطات التنويرية البناءة، وأقبرت إطارات تقدمية رائدة؛ نظير الإتحاد الوطني لطلبة المغرب. ووصلنا بفضل مجهودات المخزن البناءة والرشيدة إلى مجتمع (قطيع الضياع).

إن تعاطي النظام المخزني – مهما تعصرن ولبس ربطة العنق- مع قطاع التعليم، كان دائما مطبوعا بهاجس أمني احترازي. ونعتقد أنه سيظل كذلك، لأن هذا التعليم وبكل أعطابه أنتج نخبا طليعية متحررة من أكذوبة القداسة، رافعة لشعارات الديمقراطية والعدالة والمساواة والحرية، حاملة لقيم الحداثة والتنوير. لقد ارتفع سقف المطالب نحو اقرار " الملكية البرلمانية " كحد أدنى وآني، والذي صار مطلبا مباشرا وعلنيا. وإذا ما تم تجويد التعليم ومماثلته بما يتحقق في دول أخرى متقدمة، ربما يرتفع سقف المطالب أكثر، فيصير مطلبا جمهوريا.

إن تعليق الإصلاحات في التعليم بربطها بمجال الشغل والتشغيل، أكذوبة كبرى لتبرير الفشل الدائم والمتعمد. فنحن أبناء هذا البلد وندري جيدا أن حتى مجال الاستثمار الذي يخلق مناصب الشغل وينتج الثروة ويقوي الطبقة الوسطى....متحكم فيه ويخضع للريع، ولسلطة مركزية قوية هي قلب النظام، لا تراعي إلا مصالحها السلطوية والمالية، ولا تسعى إلا لخدمة أطماعها التوسعية، الاحتكارية والمفترسة، رغم كل ما يتم ترويجه إعلاميا وزورا عن المنافسة وحرية المبادرة وجلب الاستثمارات ودعمها والدفع بالدينامية الاقتصادية.... و..... و.... فكل هذه المجهودات المزعومة لم تؤدي إلا إلى أوضاع مزرية وترتيب صادم في سلم التنمية العالمية. ولقد سبق أن تمت الدعوة وتعبئة المجتمع لإنتاج الثروة، وبعد عشر سنوات طرح سؤال : أين ذهبت الثروة ؟ وكأننا من يحكم. الثروة ابتلعتها جيوب الفساد التي تكبر أكثر فأكثر، وحازتها أرصدة لصوص المال العام المصابة بالتخمة.

إن كل المخططات الهيكلية والقطاعية التي تم التبشير بها، واحتفل بها إعلاميا ومجتمعيا، لم تنتج إلا الهشاشة والإفلاس وتفاقم عدم الثقة، فمعدلات النمو ما تزال في الحضيض ومرتبطة برحمة السماء. والخلاصة، إن الاستثمار الذي ينتج الثروة للجميع ويجلب الشغل للمتعلمين وغيرهم، يتطلب حاضنة ديمقراطية.

إن أي مشروع لإصلاح التعليم، يرتكز أساسا على إصلاح سياسي ومؤسساتي حقيقيين، إصلاح يجعل من الإنسان المواطن الهدف والغاية الأسمى، ويتخذه محور كل تنمية وعجلتها الدافعة ( ولنا في سنغفورة مثال صارخ ). والتعليم لا ينبغي البتة تسليعه وتقييمه بآليات السوق، فلا مجال فيه للحديث عن الإنتاجية والمردودية المالية. فالأنظمة السياسية التي تحترم مواطنيها وتكون أساسا في خدمتهم، تجعل من التعليم القاطرة الأساس لبناء المواطن، ومن تمة بناء الدولة والمجتمع. وعليه فإننا نعتقد أن إصلاح التعليم في المغرب مدخله الأساس نظام سياسي ديموقراطي ( بالمعنى الكوني لا الممغرب )، نظام يفصل بشكل صحيح وصادق لا لبس فيه مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. أما المسائل التعليمية التقنية فأمرها موكول لأهل الاختصاص. وهذا لن يتأتى إلا بإقرار الملكية البرلمانية بمعناها المتقدم والشمولي. فلا ملكية برلمانية مع تركيز كل السلط في يد حاكم لا يخضع للمراقبة وفوق المساءلة.  

علي بلقايد

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :