ifada إفادة

ifada إفادة


هل تحول الملعب إلى "الأغورا"؟ بلاغة الجماهير "في بلادي ظلموني"

الأربعاء 20 مارس 2019 - 14:26 , بقلم ابراهيم العدراوي
رشيد السمكي

يشكل الفضاء الذي أطلقت فيه أغنية "في بلادي ظلموني" عنصرا أساسيا في فهم بلاغتها؛ لهذا من الضروري التأمل فيه، ومعرفة خصوصيته.
إن الخطب الموجهة علناً إلى جمهور(auditoire) محتشد، ارتبطت في التاريخ الإنساني بساحة التجمع العامة “الأجورا” (agora)؛ وهي مركز الحياة السياسية والفكرية والفلسفية والروحية في أثينا، حيث يتبادل فيها الجميع الآراء حول المشاكل والقضايا المشتركة، دون تمييز نخبوي بين العامي والسياسي والفيلسوف، وهو فضاء يقابل منتدى التجمع العام الروماني (forum). 
الفضاء العمومي، مفهوم ملتبس، لأن كل ثقافة تحدد، انطلاقا من شروطها التاريخية والسياسية، ما يمكن أن يندرج فيه، وما يمكن أن يخرج منه. وقبل هذا، هو فضاء متنازع حوله. من يمتلكه؟ ومن يتحكم فيه؟
إن تداول الخطاب في فضاء محدد، غالبا ما تحدد شروطه السلطة السياسية المتحكمة، ومهما اختلفت أشكال هذا الفضاء (واقعية، افتراضية، رسمية، عامة...)، تسعى السلطة إلى التحكم في الخطاب، إما بشكل مباشر عن طريق فرض ممثليها كخطباء يعبرون عن مواقفها (المساجد، وسائل الإعلام...)، وإما بشكل غير مباشر، من خلال الهيمنة الإيديلوجية التي تكرس بأدوات مختلفة، أهمها التربية داخل المؤسسات الاجتماعية (الأسرة، المدرسة، الحزب، النقابة...).
يصعب على السلطة أن تتحكم في الخطاب، إذا تجاوز حدود المؤسسات التي تتحكم فيها بشكل مادي، وهي غالبا ما تسعى إلى تقنين الخطاب، وفرض شروط تداوله؛ ولهذا فإنها تدافع عن شرعية المؤسسات وتعتبرها ضامنا "لحسن الخطاب"؛ أي أنها تربط "ديمقراطية الخطاب"، بمدى التزامه بالشرعية التي تتلخص في مؤسسات تتخذ شكلين: مادي ورمزي.
وإذا كانت الخطابات السياسية (الاستشارية)، والقضائية مقيدة بفضاءات ثابتة، تكون معلومة (البرلمان، الحكومة، المجالس، المحاكم...)، فعلى العكس منها تشكل الخطابات الاحتفالية "انفلاتا" من سلطة فضاء السلطة. ويكمن جوهر هذا الانفلات في الغاية من الخطاب الاحتفالي الذي يتجه إما إلا المدح (الإشادة والتغني بمنجزات "الأبطال" وأفعالهم...)، وإما إلى الذم (الشجب والتنديد وإبراز الخصال الفاسدة...).
إن مجال الخطابة الاحتفالية يتعلق بالمستقبل، لأنه لا ينتج فعلا مباشرا، ولكنه يؤثر في عواطف الناس وقيمهم في المدى البعيد؛ ولا غرابة إذا وجدنا الناس، بحكم العادة يرددون أهازيج وأغاني تمجد "أبطالهم"، وتدفعهم لا شعوريا إلى اعتبارهم "المنقذ" و"الملهم"... ولكل هذه الغايات تعمل الأنظمة على صناعة "ملهمين" للجماهير، يتخذون أشكالا مختلفة، ويتحدثون بخطابات تدفع "الجمهور" إلى "بناء نموذج" يحظى بتبجيل رموز السلطة، فيمتلكون الحظوة، ويتسلقون مراتب صناعة "القرار الاحتفالي".
تنزع فضاءات الهامش إلى التعبير عن التمرد على الخطاب العام السائد، وتعبر الخطابات الناقمة عن نفسها، بإخراج معاناتها في أغاني أو أمثال أو حكايات أو استعارات لا تستطيع يد السلطة أن تطالها. ولهذا فهي تراقبها، وتسعى إلى احتوائها، وفي أحيان كثيرة تترك الجمهور "يتنفس" من خلالها قليلا من "الحرية" حتى لا ينفجر، أو بالأحرى حتى لا تصلها شظايا انفجاره الاجتماعي.
تعلن أغنية "في بلادي ظلموني" عن فضاء جديد للخطابات الاحتفالية، وبمميزات جديدة أيضا. 
فالملعب، في نظر السلطة، مكان للاحتفال بصيغة تشجيع و"مدح" الجمهور لفريقه، وبالمقابل "ذم" الفريق المنافس، والغاية هي تحقيق "النصر"، والإحساس بالفخر...ومن وسائل تحقيق "النصر" ترديد أغان وشعارات وأهازيج ورفع تفوهات...؛ يستعرض فيها كل جمهور قوته ومكانته "العددية" و"النوعية". 
لكن أغنية "في بلادي ظلموني" تنزع الفضاء الفرجوي من هذه الصفة التي خصصتها له السلطة "الرياضية والسياسية"؛ لأنها تغير مضمون "الاحتفال". وتعلن عن توجهها بخطاب "سياسي واجتماعي"، يدين الظلم، ويعبر عن المعاناة. بعبارة أدق، ينزع من السلطة سلطتها على الفضاء، ويمارس "خطابه" الخاص. وهو خطاب يتميز بخائص جديدة: التعبير عن موقف، الإدانة، الاحتجاج، دم سياسات الدولة.
لقد تحول "الملعب" إلى أغورا، وبدأ الجمهور يتحول من ترديد "خطابات السلطة"، على الأقل، من حيث الوظيفة، إلى ترديد "خطاباته الخاصة"؛ وهو في الآن نفسه منتج هذا الخطاب، وفيه ستظهر ملامح "إيتوسه" الخاص، الذي ينفصل تدريجيا عن الرغبة في تحقيق "النصر" الرياضي، ويتصل بالذات المنتجة للخطاب، والمتحررة من سلطة الفضاء. إنها تعلن عن امتلاك الخطاب، وصناعة فضاء جديد... فضاء يصرف "بلاغة الجماهير"، ويعلن وفاة "الجمهور".


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :