ifada إفادة

ifada إفادة


قرارات حكومة العثماني بين الارتباك والارتجال

الأحد 03 فبراير 2019 - 12:00 , بقلم محمد شقير
رشيد السمكي

أضفى  دستور فاتح يوليوز 2011 على نظام حكومي أفرزه دستور حراك شعبي بتجاوب ملكي ، طابعا مؤسساتيا تجلى من خلال تحويل الوزير الاول إلى رئيس للحكومة ، مختار وفق نفس شعبي وانتخابي ، بمنطوق الفصل 47 الذي ( يعين بمقتضاه الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب ، وعلى أساس نتائجها ، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها) ، وبتزكية تشريعية بمقتضى منطوق الفصل 88 ، وبصلاحيات واسعة لرئيس الحكومة والتي من بينها ممارسة السلطة التنظيمية بمقتضى الفصل 90 من الدستور ، و والتعيين في ( الوظائف المدنية في الإدارات العمومية وفي الوظائف السامية في المؤسسات والمقاولات العمومية) بمقتضى منطوق الفصل 91 .
    لكن القرارات الأخيرة للحكومة خاصة المرسوم الحكومي المتعلق بالتجنيد الإجباري و المرسوم الحكومي الخاص بالإبقاء على التوقيت المستمر طيلة السنة ، والطريقة التي اتخذت بها هذه القرارات تطرح تساؤلات لا من طرف المتتبعين أو من مكونات الرأي العام عن الأسباب الكامنة وراء انتهاج حكومة العثماني لهذه الطريقة المتسرعة و المرتبكة في إصدار قرارات لها انعكاسات كبيرة على فئات عريضة من المجتمع دون تهييئ فكري وإعلامي مسبق للرأي العام أو خلق نقاش عام يهيأ الأجواء المناسبة لتقبل مثل هذه القرارات الحكومية. 

الانقلاب السياسي  على الإرادة الحكومية
يبدو أنه على الرغم من تصدر حزب العدالة والتنمية لنتائج الانتخابات التشريعية ل7 أكتوبر 2016 ,  وتعيين الملك بن كيران رئيسا للحكومة تجسيدا لمقتضيات الدستور وتجاوبا مع إفرازات صناديق الاقتراع الشعبي ، فقد كانت هناك نية سياسية مبيتة للانقلاب على هذا الوضع . ولعل هذا ما استشعره رئيس الحكومة المعين ، إذ صرح  في خروجه الأول أمام الصحافيين يوم الاثنين 10 أكتوبر 2016 بأن "هناك توجها يحكم هذه المشاورات التي جاءت بعد الانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر الجاري"، مشددا على أن "المشاورات يجب أن تؤسس على أساس احترام الإرادة الشعبية". مؤكدا  على ضرورة احترام قواعد الديمقراطية التي جاءت بها الانتخابات. لكن بالموازاة مع هذا التصور السياسي لبن كيران والمصادق عليه من طرف الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية ، كان هناك خطاب داكار الذي رسم بشكل أساسي مقاربة تختلف جذريا عن الخلفية السياسية التي رسمها بن كيران  . ففي هذا الخطاب ، الذي يعتبر كأول خطاب ملكي يلقى من خارج المملكة ومن بلد إفريقي ، تطرق الملك إلى "أن المغرب يحتاج إلى حكومة جادة ومسؤولة.. وبلغة صارمة أكد أن "الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية".
وعلى هذا الاساس ، واجه بن كيران بلوكاجا سياسيا تمثل في فرض مجموعة من الإملاءات السياسية والتي كان من أهمها       إبعاد حزب الاستقلال بزعامة شباط ، والقبول بضم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة لشكر إلى الأغلبية الحكومية    
مما  جعل المشاورات تراوح مكانها خاصة بعدما تشبث رئيس الحكومة المعين بضرورة عدم إدخال الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ضمن تشكيلة الحكومة المقبلة مشخصنا خلافه مع الكاتب الأول لهذا الحزب الذي كان يتهمه بتورطه في مؤامرة الانقلاب عليه ، حيث رهن عدم مشاركة هذا الأخير في تشكيلة الحكومة ببقائه رئيسا للحكومة . مما عثر مشاورات  بن كيران وجعلها تدخل الباب المسدود  لتنتهي بإقالته  دون أن يتم استقباله من طرف العاهل المغربي ليعرض عليه تقريرا بشأن ماراتون مشاوراته . إذ بمجرد عودة الملك إلى البلاد ، صدر بلاغ من الديوان الملكي "ينهي مهمة رئيس الحكومة  عبد الإلاه بن كيران، ويكلف الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية الدكتور سعد الدين العثماني بتشكيل الحكومة في أقرب وقت" .

التحكم السياسي في التشكيلة الحكومية  

يبدو أن تعويض بن كيران بشخصية العثماني كان الغرض منه ليس فقط خلخلة الانسجام داخل الحزب المتصدر للانتخابات ، بل كان يتغيا انتقاء شخصية مطواعة تقبل بالتحكم في مكوناتها دون أن تكثر من اللغط و المماحكة التي كان يبديها بن كيران . وقد ظهر ذلك واضحا من خلال كل التعديلات التي خضعت لها حكومة العثماني . فعلى إثر تداعيات حراك الحسيمة ، تم إعفاء عدة وزراء من هذه الحكومة استنادا إلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات التي ركزت على بعض مظاهر قصورهم إذ شملت عملية ما  سمي بالزلزال     السياسي إعفاء وزير السكنى وسياسة المدينة السيد نبيل بنعبدالله رغم ثقله السياسي  كأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية وحليف أساسي لبن كيران، وإعفاء وزير الصحة المنتمي لنفس الحزب ، في حين كانت عقوبة حرمان وزير الثقافة السابق في حكومة بن كيران الأولى السيد الصبيحى  من تقلد أي منصب مستقبلا وزاري  ضربة سياسية  ثالثة وجهت لهذا الحزب . وفي نفس السياق تم إعفاء وزير التربية والتعليم محمد حصاد و حرمان كل من كاتبة الدولة في البيئة السيدة الحيطي ، ووزير السياحة لحسن حداد من تقلد أي منصب مستقبلا .إلى جانب ذلك ، تم خلق وزارة منتدبة للشؤون الافريقية وتكليف شخصية منتقاة من  طرف القصر لتدبيرها.

 وبالتالي ،  نسفت عملية هذا الزلزال السياسي  أي  تحكم لرئيس الحكومة  في أغلبيته الحكومية ، حيث ظهر ذلك بالخصوص بعدما تمت إقالة كاتبة الدولة في الماء دون علمه المسبق 
التأثير السياسي  في طريقة اشتغال الآلية الحكومية على غرار طريقة إصدار حكومة العثماني لقرار التجنيد الإجباري الذي اتسم في نظر العديد من المتتبعين والرأي العام بالفجائية والتسرع ، أصدرت هذه الحكومة قرار بالإبقاء على التوقيت الصيفي طيلة فصول السنة بشكل أحاط به الكثير من الارتباك واتسم بالكثير من الارتجال والتسرع.

الاختراق الحكومي  ومرسوم قانون الخدمة العسكرية
 إن أي قرار سياسي  مرتبط ببيئة قرارية أو ظرفية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تمهد لاجواء اتخاذ هذا القرار وتهيأ الرأي العام لاستقبال هذا القرار خاصة إذا كان يهم شرائح واسعة من المجتمع . وبالتالي ، فقد أثار  إعلان الأمانة العامة للحكومة " أن مجلس الحكومة سينعقد يومه الاثنين، تزامنا مع ذكرى ثورة الملك والشعب، لمناقشة نقطة فريدة تتعلق بمشروع قانون الخدمة العسكرية رقم 44.08." عدة تساؤلات حول حيثيات هذا القرار والخلفيات التي تكمن وراءه . خاصة وأن انعقاد مجلس الحكومة قد حدد في فترة عطلة صيفية ، وفي غير اليوم المقرر لانعقاده وهو يوم الخميس . وفي هذه الأجواء من الترقب الشعبي ، قدم وزير الداخلية، ، عرضا مفصلا أمام أنظار المجلس الحكومي، تطرق فيه إلى تفاصيل قانون الخدمة العسكرية والهدف منه والذي يكمن في "تأطير الشباب المغربي على قيم المواطنة"، معتبراً أن "عودة الخدمة العسكرية أمر إيجابي في المرحلة الحالية". لكن يبدو أن هذا القرار  قد أثار ، خاصة بعد المصادقة عليه من طرف مجلس وزاري ترأسه الملك، ردود أفعال مختلفة ، بحيث رأت فيه بعض الفعاليات الشبابية قرارا يبطن خلفية أمنية تذكر بالخلفية السياسية التي حركت أول مرسوم ملكي متعلق بإحداث وتنظيم الخدمة العسكرية إلى سنة 1966؛ والتي كانت تستهدف بالأساس إعادة ضبط الشارع المغربي بعد سنة فقط من انتفاضة الدار البيضاء من خلال احتواء بعض العناصر الراديكالية الشابة؛ خاصة تلك الحاصلة على شواهد عليا والتي كانت تنتمي إلى بعض الأحزاب اليسارية المعارضة لنظام الملك الراحل الحسن الثاني . ولعل  تشكيك قسم من الرأي العام  في أهداف هذا المرسوم ، والذي يرجع بالأساس إلى عدم التهيء الحكومي لهذا الرأي العام ، هي التي دفعت الملك في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية لخريف 2018 إلى التأكيد على البعد التربوي والمواطني والتكويني لهذا التجنيد .

الارتباك الحكومي ومرسوم الإبقاء على التوقيت الصيفي
تجدر الإشارة إلى أنه  قبيل انتهاء أجل العمل بالتوقيت الصيفي  بموجب المرسوم الحكومي الصادر في أبريل 2018 واصلت وسائل الإعلام الرسمية ، من قنوات تلفزية وإذاعية ، الإعلان عن التخلي عن التوقيت الصيفي والرجوع إلى العمل بالتوقيت الشتوي " ابتداء من الساعة الثالثة من يوم الأحد 28 أكتوبر 2018 ، وتغيير مواعيد نشرات الأخبار اليومية وفقا لذلك) . غير أنه وبدون سابق إخبار أو إشعار ،  أعلن الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة عن اتخاذ الحكومة لقرار الإبقاء على هذا التوقيت طيلة السنة مبررا ذلك بما توصلت إليه دراسة تم إنجازها في هذا الموضوع والتي أظهرت محاسن عدم الاستمرار في تغيير هذا التوقيت كل سنة مع ما يرافق ذلك من تداعيات صحية ونفسية على الساكنة ، مشيرا إلى أن تطبيق هذا التوقيت ستتم مصاحبته بإجراءات تسهل عملية تأقلم شرائح الشغيلة و المتمدرسين مع هذا النظام التوقيتي المفروض. وقد أظهر هذا الوضع  ارتباكا ملفتا في صنع القرار الحكومي وعدم التنسيق بين أجهزة الدولة في الإخبار والإعلام وبين عمل حكومة العثماني وعملية إصدارها لمراسيمها الحكومية . لكن إلى جانب هذا الارتباك الحكومي ، اتسم اتخاذ هذا المرسوم الحكومي  بالكثير من التسرع والارتجال ،حيث تم الإعلان عن اجتماع استثنائي لمجلس الحكومة صباح يوم الجمعة على الساعة التاسعة والنصف لتدارس نقطة فريدة تتعلق بإصدار مرسوم هذا التوقيت الشيء الذي يذكر بالاجتماع الاستثنائي السابق للحكومة الذي تدارس نقطة فريدة تتعلق بقرار التجنيد الإجباري قبل أن تتم المصادقة عليه من طرف مجلس الوزراء الذي تراسه الملك . ومما زاد من حدة هذا التسرع الحكومي والسرعة القياسية لطريقة اشتغالها هو أن هذا المرسوم قد صدر في الجريدة الرسمية ليوم السبت 27 أكتوبر 2018 قصد تنفيذه قبيل الانتهاء من العمل بالتوقيت الجاري به العمل المحدد في 28 أكتوبر 2018 . وبالتالي ، فقد أدىت طريقة اشتغال الحكومة بهذا الشكل إلى ردود فعل قوية من طرف الرأي العام والتي عكستها وسائل التواصل الاجتماعي التي عبرت من خلال تصاريحها ، وسخرياتها عن امتعاض شديد من عدم تفاعل هذه الحكومة مع المطالب الملحة التي لا تتعامل معها بنفس الاستعجال التي تعاملت به مع نظام توقيت ستكون له بلا شك آثار سلبية على المزاجية النفسية والاجتماعية لغالبية السكان  ولعل هذا ما دفع بالعديد من الفعاليات الحقوقية والاجتماعية  إلى التظاهر والتنديد بأسلوب هذه الحكومة التي لا تأخذ الوقت الكافي لتهييء الرأي العام لاستقبال هذا النوع من القرارات. 

       وعموما ، فإن أزمة حكومة العثماني التي خلفت حكومة بن كيران لا ترجع إلى أمور إجرائية أو تقنية ، بل تعود بالأساس إلى الالتفاف السياسي على مكتسبات الحراك السياسي لفبراير 2011 ، والذي أفرز دستور قعد لمؤسسة رئاسة حكومة كان من الممكن أن تتحول إلى قطب سياسي مستقل وحيوي قبل أن يتم ابتلاعه من طرف الرمال المخزنية المتحركة والتي اكتست لبوس ملكية تنفيذية . إذ أدى تواطؤ طبقة سياسية متكلسة ، و انتشار النزعة الشعبوية باستعراضاتها اللفظية ، و افتقاد الخبرة في تسيير الشأن العام ، وضرب مقومات الطبقة المتوسطة ...فوت فرصة إخراج مؤسسة رئاسة الحكومة من ربقة المجال المخزني من خلال بناء مقر مستقل لرئاسة  الحكومة بعيدا عن أسوار وابواب تواركة ، يضم كل مصالح هذه المؤسسة بوزاراتها المنتدبة ومرافقها المختلفة . كما أن الافتقار إلى شخصية سياسية مجربة ومحنكة لتولي هذا المنصب قد ساهم بشكل كبير في تواري هذه المؤسسة التي أصبحت اسما دستوريا بلا مسمى سياسيا .


التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :