ifada إفادة

ifada إفادة


مرتكزات حركات الاسلام السياسي لاقامة دولة الخلافة

الثلاثاء 14 أغسطس 2018 - 22:27 , افادة
مرتكزات حركات الاسلام السياسي لاقامة دولة الخلافة خلال حفل افطار بين قياديي جماعة العدل والاحسان وحركة التوحيد والاصلاح
الدكتور رضوان رشدي

لم تعرف الحركة الإسلامية وجودها الفعلي إلا حينما أسس تصور علمي من قبل (محمد عبده) و(رشيد رضا) لاسيما فيما بثاه في مجلة العروة الوثقى وكذا المنار، وحين توقفت عن الصدور بموت رشيد رضا أوعزت العائلة للحسن البنا بأن يكمل مشوار المنار أساسها الفكري المعتمد وهو "الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة الإسلامية هي ومن يعيش معها، وتتصل مصالحه بمصالحها، وبيان اتفاق الإسلام مع العلم والعقل، وموافقته لمصالح البشر في كل قطر وكل عصر، وإبطال ما يورد من الشبهات عليه، وتفنيذ ما يعزى من الخرافات إليه." 
لكن الملاحظ أن جل تلك الجهود العلمية إنما بنيت على التوجه إلى العلل الاجتماعية دون غيرها من المسائل السياسية المرتبطة بشرعية الحاكم وتسييره لدواليب السلطة بتفرد مطلق... بل إننا يمكن أن نزعم أن تلك الإصلاحات الاجتماعية كانت إصلاحات متناغمة مع النظرة الحنبلية القاصرة على معالجة الظواهر معالجة عقدية متوافقة مع التصور الحنبلي القروني لها. 
وحين استمر حسن البنا في إكمال مسيرة المنار، فإن ذلك يعني بداهة أنه تساوق مع تلك النظرة الاجتماعية في الإصلاح، لاسيما فيما طرحه من الأصول العشرين التي هي أصول للفهم العقدي السائد في تلك اللحظات، بحيث إننا لم نجد أصولا لبناء الإنسان أو بناء الدولة أو المجتمع أو غيرها من الأصول القرآنية المستنبطة خاصة من القصص القرآني  وكأن تلك الأصول تُذهب وهج الأصل الأول الذي أكد على شمولية الإسلام بقوله :" الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء." 
تلك الأصول التي وضعت كانت اجتهادا مسايرا للتوجه العلمي الذي أسسه الأفغاني وعبده ورشيد رضا، لكنها أصبحت أصولا ممتدة في الزمن، بحيث إنها طبعت جل الحركات الإسلامية، فأدخلتها في أتون الصراع العلمي الذي دار بين المدارس الفقهية زمنا متطاولا، ولم يظهر قصور تلك النظرة التجزيئية إلا حينما وجدت الحركة الإسلامية ذاتها في صراع مع نظم حاكمة متمرسة في الاستبداد والفساد ولم يكن عندها نظرة كلية للأشياء لاسيما الشأن السياسي وخطورته.
وقد يقول قائل إن التأليف في شأن النظام السياسي الإسلامي من قبل أبناء الحركة الإسلامية وفير من حيث التصنيف والتدقيق، وهو ما يناقض ادعاءك بضمور النظرة السياسية الواعية لدى هؤلاء.
لكن الأمر هو غير مرتبط بكَمِّ التصنيف مقارنة مع الرؤية الواعية للشأن السياسي، لذلك فإننا مضطرون للتفصيل في أمر جامع عند جل الحركة الإسلامية وهو أمر الخلافة الذي كان الفهم فيه فهما ظاهريا حقيقة ومشوبا بأحلام وأماني قد تستعصي عن التحقيق في عرف بعض قيادييهم.  مع العلم بأن جل أدبياتهم إنما هي ناطقة بها عند الحديث عن الوحدة الجامعة للأمة الإسلامية. 
لذلك فإنه يجمل بنا أن نسلط الضوء على هذا المفهوم من حيث التصور الفلسفي وتنزيله على المستوى الواقعي.     

أولا : الخلافة تأسيسا ...
مما ذكره (حسن البنا) في رسالة التعاليم، وهو يشرح (ركن العمل) وقد ذكر فيه: إصلاح الفرد والبيت والمجتمع، وتحرير الوطن، وإصلاح الحكومة إلى أن قال: "وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها، وإحياء مجدها، وتقريب ثقافتها، وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة، والوَحدة المنشودة. 
ثم إنه قد عاد لأمر الخلافة، وتحدث عنها في (رسالة المؤتمر الخامس) قائلا:" ولعل من تمام هذا البحث أن أعرض لموقف الإخوان المسلمين من الخلافة وما يتصل بها، وبيان ذلك: "أن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوَحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها، والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدَّم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي ودفنه، حتى فرغوا من تلك المهمة، واطمأنوا إلى إنجازها.
والأحاديث التي وردت في وجوب نَصْب الإمام، وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها لا تدع مجالا للشك في أنَّ واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حُوِّرت عن مناهجها ثم أُلغيت بتاتا إلى الآن.
والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم، وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بد منها، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لا بد أن تسبقها خطوات." 
وكأن تلك الخطوات مبنية على إفراز كل شعب حكومته الإسلامية، لتتوثق الصلات بين هذه الحكومات الإسلامية وتندمج في دولة إسلامية عالمية، وقد سمى ذلك: الكيان الدولي للأمة الإسلامية ... فالخلافة بهذا الاعتبار توحيد لأقطار الأمة الإسلامية المتفرقة لاسيما التي مزقها الاستعمار، لكن هذا التوحيد لا يكون إلا بتحرير القطر الواحد من قبضة استبدادية، وهو ما يقتضي الإدراك السياسي لذاك التخلص، مما يستلزم إحاطة تامة بالفهم الإجرائي الواضح الذي به ينسلخ القطر عن ذاك الاستبداد.
لكن الذي فاجأنا به تصور الحركة الإسلامية الأم، وهو ألا وضوح في كيفية تأسيس الدولة القطرية سياسيا، لتنتلي علينا أسئلة لازمة في هذا الإطار من قبيل: ما هي المراحل الدقيقة المتبعة لإزالة الاستبداد السياسي ومفاسده؟ وما هي المهام الكبرى التي يقتضيها زمن التحرير؟ ... وهل هناك تصور واضح مهيأ بنائي بعد الإجهاز على هكذا نظم؟ أم هو رمي للقطر في فوضوية عابثة؟ وهل هناك تهيئ لرجالات الدولة الذين نيطت بهم عملية الانتقال السياسي؟
ففي التغيير عن طريق الثورة مثلا، نجد (البنا) رافضا التغيير به، لأن التغيير المنشود عنده إنما هو القوة العملية التي بقيت مبهمة إلى الآن ... ما المقصود بتلك القوة العملية؟ وهل هي قوة ممتدة زمنا؟ وهل هي متساوقة مع النظام الاستبدادي في إطار الإعداد والتكوين، وهل هي حركة تغييرية أم هي إصلاحية؟    
يقول هاهنا :" وبعد كل هذه النظرات والتقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين: إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يُجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عُدَّة الإيمان والوَحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، سَيُنْذِرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك، ثم يُقْدِمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح- أما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أُولوا  الأمر في إصلاح عاجل، وعلاج سريع لهذه المشاكل، فسيؤدي ذلك حتما إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضى الأيام إلا نذيرا من هذه النُّذُر، فليسرع المنقذون بالأعمال."  
ومصطلح أولوا الأمر هنا وهو المصطلح الذي جرى إطلاقه على أناس لم ينبثقوا من إرادة الأمة في الاختيار... هو مصطلح ضارب في زمن فقه سياسي سحيق تأسس مع توطد دعائم الدولة القبلية المبنية على الخضوع للعصبة وإخوان الدم.
إن النظرة السياسية للحركة الإسلامية الأم في نظري كانت مقيدة بسطو السياسة الشرعية التي قامت مع نظم الاستبداد، ولم يكن الفقه الغالب عندها مبنيا على فقه الشرعية السياسية المبني على سيادة الأمة في اختيار حاكمها.
وقس هذه المصطلحات المتساوقة مع فقه التبرير واغتصاب السلطة مع مصطلح البيعة والسمع والطاعة والرعايا وولاية العهد وغيرها التي تشيد قاموسا مؤسسا لموروث الطاعة والإخضاع.

ثانيا: الخلافة عند الحركة الإسلامية المغربية.
أـ الخلافة عند حركة التوحيد والإصلاح:
لم تختلف نظرة التوحيد والإصلاح عن نظرة الإخوان المسلمين في شأن الخلافة الجامعة وضرورتها، بل إنهم قد أسهبوا في التفريع فيها وبيان أسسها والتفريق بينها وبين المُلك فضلا عن اعتبارها لازمة وهدفا منشودا يجب أن تسعى الأمة لتحقيقه، لاسيما وإن النماذج التي أتت من بعد الخلافة الراشدة إنما هي نماذج نسبية تقتضي إصلاحا. "   
ففي مقومات النظام السياسي الإسلامي، تشير الوثيقة إلى تأصيل الخلافة تاريخيا بقولهم :" كان صلى الله عليه وسلم المؤسس لأول دولة في الإسلام تولى قيادتها بنفسه، فكان قدوة في الحكم وسن للمسلمين منهاجا في السياسة هو منهاج النبوة، وجاء الصحابة الأوائل فأخذوا منهاجه في الحكم فكانوا خلفاء راشدين مهديين فكان حكمهم " خلافة على منهاج النبوة" كما قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود في السنن " خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتى الله الملك أو ملكه من يشاء.." 
وحيث إن الخلافة الراشدة شرعية، وسير على منهج النبوة فإنها "واجبة تستلزم من عموم المسلمين إقامة ذلك النموذج الأسمى... وقد استدل ابن تيمية بهذا الحديث في تأكيد وجوب خلافة النبوة حيث يقول:" وهذا أمر تحضيض على لزوم سنة الخلفاء وأمر بالاستمساك بها، وتحذير من المحدثات المخالفة لها، وهذا الأمر منه والنهي دليل بين في الوجوب." 
والسبب الحقيقي في وجوبها إنما هو تخليصها من الأهواء وتجردها التام للأمر الشرعي ..." وإنما كانت الخلافة التي على منهج النبوة واجبة لأنها اقتداء بالنبوة في تمام التجرد والاتباع لأمر الله سبحانه والتصرف وفق مراد الله في الأموال والأرزاق وغيرها من الشؤون، وتحر للدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق وإيثاره على مصلحة النفس وأمور الدنيا وإن أفضى ذلك إلى الهلاك." 
وهذه الخلافة مباينة حقا للملك، لأنه مناقض لها ويجري على غير سننها، وقد عرف ابن خلدون :" الخلافة بأنها هي حمل الكافة على أحكام الشريعة وقرر أنه لم يجر عند الصحابة للملك ذكرا عند تنصيب أبي بكر رضي الله عنه لما أنه مظنة للباطل ونحلة يومئذ لأهل الكفر وأعداء الدين وأن المسلمين كانوا متبرمين من الملك متنكبين عن طرقه." 
ولم يكتفوا بالتقعيد المرجعي للخلافة بل إنهم قد عددوا خصائص لتلك الخلافة: فهي خلافة رسالية، وخلافة انتخابية، حيث إن "الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون الخلافة منصبا انتخابيا يرجع الأمر فيه إلى رضا المسلمين ومشورتهم ولم يكن الحكم عندهم قائما على اغتصاب أو تغلب أو إكراه كما أنهم لم يدعوها لأنفسهم ولم يعهدوا بها لأقاربهم."  لأنها خلافة شورية.
وفي إقامة العدل وضمان الحقوق:" كان المسلمون عندهم جميعا سواسية أمام القانون لا فرق في ذلك بين كبير وصغير، واعتبروا بيت المال أمانة لله ولجمهور المسلمين فلم يتصرفوا فيه إلا بما يوافق الشرع.
فحينما سأل عمر رضي الله عنه يوما سلمان الفارسي رضي الله عنه قائلا:" أ ملك أنا أم خليفة؟" أجابه قائلا:" إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك."  
وفي حرية التعبير وحق الاعتراض  ... " كانت حرية النقد والتعبير عن الرأي مكفولة في إطار الخلافة الراشدة، فكان الخلفاء يجلسون إلى أهل الشورى ويشتركون في النقاش." 
لتكون النظرة للخلافة وعلاقتها بالملك مجملة في محور النظام السياسي الإسلامي في التاريخ من الخلافة إلى الملك" جاء فيه :" لم يعمر النظام السياسي الإسلامي النموذجي سوى أربعين عاما، كان منها عشر سنين نبوة ورحمة وثلاثون سنة خلافة على منهاج النبوة ثم حل محله نظام الملك كما أنبأ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي داود، والمقصود بالملك الذي ظهر أول ما ظهر مع الدولة الأموية نظام حكم قائم ابتداء على أساس التغلب والاستيلاء لا على أساس الرضى أو احترام حق الأمة في الاختيار كما جاء عن أبي موسى الأشعري :" الخلافة ما اؤتمر فيها وإن الملك ما غلب عليه بالسيف." ويقصد به أيضا كل نظام لا يقتفي أثر النبوة ويخالف هديها إما في اعتماد مظاهر الأبهة وسير الأكاسرة والقياصرة مما لم يكن معروفا في عصر النبوة أو عند الخلفاء أو في منابذة الحق وتعطيل الشريعة وتصريف أمور الرعية بالأهواء." 
فمرجعية الخلافة هاهنا مركوزة في عمق التصور السياسي لحركة التوحيد والإصلاح بحيث إننا يمكن أن ندعي أن هذا التصور يصعب التنكر له بما طرح من نصوص قائمة على الوضوح والنسقية، وكأن التأويل وصرف الرؤية عن ظاهرها بسبب الإكراه الواقعي لا ينتصبان مخارج سياسية قد تتملص من عمق هذه الرؤية.
هذا على مستوى التجريد، أما على  المستوى التجسيدي فقد اشتد نقد الحركة على قداسة الملك في الدساتير بقولهم :" أدخلت الدساتير التي عرفها المغرب منذ بداية الستينات مفاهيم جديدة لم تكن معروفة في التقاليد الدستورية القديمة ومنها مفهوم " القداسة" حيث إن الدستور المغربي ينص على أن شخص الملك مقدس وأنه لا يجوز مناقشة مضمون خطبه سواء من طرف الأمة أو ممثليها." ولذلك فإنه إذا كان يتصور تاريخيا مراجعة الملك بل خلعه نتيجة الإخلال بشروط البيعة، فإن ذلك غير وارد في إطار التصور الدستوري لما بعد الاستقلال. وهكذا أصبحت العلاقة بين الحاكم والمحكوم قبل كل شيء عهدا على الطاعة أكثر من كونها التزاما من الحاكم تجاه شعبه ورعاياه.
وبغض النظر عما يمكن أن يكون لهذا الوضع من مساهمة في حفظ الاستقرار السياسي وتجنيب رئاسة السلطة في المغرب أن تكون موضوعا للمنافسة فإن الصلاحيات التنفيذية التي يعطيها الدستور للملك تطرح على مستوى الممارسة من الإحراجات المرتبطة بالمسؤولية عن ممارسة السلطة." 
وأما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي :" فإن السياسات الحكومية بعد أربعين سنة ويزيد من الاختيارات الليبرالية لم تؤد إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الموعودة وعلى العكس من ذلك فقد كرست الفوارق بين الأفراد والفئات والجهات، وأنتجت العوز والفقر عند أوسع الفئات وراكمت العجز في الميزانية وأنتجت أفواجا متزايدة من العاطلين ووسعت مجال التذمر المولد للإحباطات والانفجارات الدورية." 
وعلى المستوى الإداري: أصبح الفساد مستحكما وغدت الإدارة المغربية عنوانا للمحسوبية وضعف المردودية وجهازا بيروقراطيا معطلا للتنمية ومعرقلا للمبادرات والاستثمارات، أما الجانب المخزني منها فقد تحول خلال سنوات الاستقلال إلى أداة سلطوية مضيقة على الحرات الفردية والعامة، مما أساء إلى سمعة المغرب زمنا طويلا في مجال حقوق الإنسان." 
وبعد، إن الإسهاب في ذكر النموذج الأمثل للحكم الإسلامي ممثلا في الخلافة مع ذكر خصائصها وما يناقضها من نظام الملك وما يستتبع ذلك من فساد سياسي واقتصادي واجتماعي وإداري، ليفضي حقيقة إلى وضع أُسس الخلافة صوى تُتبع، مع الحذر التام من شبح التغلب والاستيلاء والعصبة التي تجذرت مع الملك... لكن الحركة وتصورها بقي منحسرا في أدبيات وتصورات نظرية دون أن تمتد إلى المستوى الواقعي مع جناحها السياسي وهو العدالة والتنمية، وكأن هناك شرخا قويا بين التصور التجريدي والممارسة السياسية.
ثم إن التصريحات السياسية التي تشي بقناعات إيديولوجية مناقضة تماما لما سطر في الكيان الدعوي ليدل حقيقة على قلة فهم أو روغان سياسي أو هيمنة رؤية سياسية مضادة لما طرحه الناس قبل التحرك السياسي.
ثم إن ترداد مسألة توطيد الحكم على أساس الملك المبني على العصبة والغلبة وتجذر الفساد بشتى أنواعه في عرفهم، هو نكوص عن القناعات الفكرية واانخلاع عن ثوابتهم التي لا يمكن أن تعرف نسخا أو إزالة ...لتستبدل بنسق عملي آني دون خلفية فلسفية مما يكون سببا في التيه السياسي وسقوط الحركة السياسية في مستنقع الفساد وتبريره لانتفاء الصراع، فضلا عن التنكب عن سبيل ما سطر من قناعات من قبل الحركة الفكرية.  
ولابد من الإشارة إلى أن التصور الفكري الذي طرح آنفا تكتنفه غوامض من حيث الرؤية ممثلة في السرد التاريخي دون إيضاح العلل والأسباب التي أدت إلى الانتقال من الخلافة إلى الملك، فضلا عن توطيد المرجعية الحنبلية بالاستدلال بابن تيمية وغيره.
والأنكى والأشد هاهنا هو أن الطرح الإصلاحي التدافعي للحركة إنما بني على المشاركة في النسق الاستبدادي دون رؤية واضحة قد تنسلك برامج عملية مضادة لحمآت الفساد والاستبداد شأنهم شأن الإخوان المسلمين الذين ابتلعهم الآني ومستحدثات الوقائع ومستجداتها بضبابية الرؤية الاستراتيجية وغموض التقدير التكتيكي وما في ذلك من خضوع كلي للغالب المتغلب.

ثالثا: الخلافة في عرف العدل والإحسان:
إن ما استأثرني في العدل والإحسان أنها لم تسهب في الخلافة الراشدة تجريدا، ولم تسق نصوصا مفصلة فيها كما هو الشأن بالنسبة لحركة التوحيد والإصلاح، لكنها وضعتها هدفا منشودا يقتضي التحرك الإجرائي العملي للوصول إليه... ففي كتابنا  :" استراتيجية التغيير في التصور المنهاجي "، طرحت الخطوات المتبعة من قبل العدل والإحسان إجرائيا لتحقيق تلك الضالة المنشودة، ابتداء من معرفة علل السقوط التي ظهرت مع استحكام العصبة والقبيلة والغنيمة على مفاصل الدولة الناشئة، ليتم الانقلاب الأموي، وتغتصب الأمة في اختيارها السياسي، لتستنبط الدروس مما طرأ في ذاك الانكسار التاريخي ... لاسيما الاطلاع على مرحلة التأسيس التي نظر إليها بعض الإسلاميين نظرة مقدسة للشخص وكأنه النص، ليصبح في عرفهم تساوق النموذج البشري النسبي مع المبدأ التجريدي المطلق.
يقول الأستاذ ياسين:" ولئن كان نَبْشُ الماضي للوقوف عنده، والتعرض للصحابة الكرام بالنقد وقد قُضِيَ ذلك الأمرُ، مِمَّا لا يعني الشحيح بدينه، فإن رفع جانب من الستار بقدر ما نـتبـين الأسباب التاريخية للانكسار المُرِيع واجبٌ. ولن نفهم منهاج إعادة الخلافة إن بقينا نغَطِّي وجوهنا كلما ذكرت تلك الفترة العنيفة والِدَةُ كلِّ ويلاتـنا. "2
ثم التأكد على أن الانقلاب العسكري وضرب الاختيار السياسي بدعة سياسية :"وهكذا بدأت بدعة الوِراثة العاضة التي كانت في تاريخنا مناطَ البلاء كله."3 
وبعد المقاربة التاريخية لاستيلاء القبيلة والدم على السلطة توجهت العدل والإحسان لوضع السبيل العملي الكفيل لإرجاع الخلافة ثانية ممثلا في المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، استئناسا بما قد يحدث من تغيير كلي للأمة برجوع الخلافة الراشدة ثانية على طريق المنهاج النبوي الأول.
قلت إن من سمات هذا المنهاج النبوي أنه لم يكن سبحا في التجريد أو إغراقا في التفلسف، بل هو تصور عملي إجرائي منشود للتغيير، وكأن سمة الإجرائية غالبة عليه، يقول ياسين :" مطمحنا الثاني التابع هو أن نقدم تصورنا لمنهاج عمل ينطلق بنا مما نحن عليه من علل، ويجمع من أطراف الحكمة لوصف الكيف : كيف كان النموذج النبوي في التربية والجهاد والحكم فذّاً وبم كان ؟ كيف تحول المجتمع الجاهلي مجتمعا إسلاميا ؟ كيف تطور التاريخ بالأمة على عهد الخلفاء الراشدين انحدارا إلى زوابع الفتنة، ثم بعد ذلك إلى الملك العاض فالجبري ؟ ثم كيف العمل اليوم وغدا لإتمام اليقظة الإسلامية المباركة، فانتزاع إمامة الأمة من يد ذرارينا المغربين، فقيادة الزحف الإسلامي إلى مسك زمام الحكم، فإقامة دولة القرآن بتربية الرجال، وتجنيد الشباب، واكتساب العلم، وتوجيه الجهاد، وبناء المؤسسات السياسية، وإحياء الاقتصاد، وتحرير الأمة من الاستعباد والتبعية حتى توحيد دار الإسلام، ونصب الخلافة على منهاج النبوة ؟."1
وبعد التصور العملي والرؤية الإجرائية، شرعت العدل والإحسان في مراحل التغيير العملي المتساوقة مع التغيير الذي سلك ابتداء مع النبي عليه السلام، تغييرا للإنسان، وبناء لجماعة المسلمين تربية وتنظيما، ثم إحداث عقل جمعي رافض لهيمنة الملك، فالتحرير وبناء الدولة توافقا ومشاركة مع الفضلاء.
ففي تغيير الإنسان وجد الأستاذ ياسين في طرق التربية النبوية خير سبيل لصياغة الإنسان المنوط به التغيير المتناغم مع التغيير النبوي، ومن ثم فالتربية المنشودة إنما هي "التربية الإحسانية النبوية النقية التي لم تأسرها عوادي الزمن وطقوس العوائد وشطحات الأحوال ...:" ونحن أحوج ما نكون ليعرف كل مؤمن منا معايير التربية الإيمانية وطرائق تجديد الإيمان في القلب حتى يستيقظ الحافز الجهادي في النفوس و يستنير العقل المؤمن بنور العلم الذي به ندبر الجهاد."1  
وفي تربية وتنظيم الجماعة التي نيطت بها مهمة التغيير المجتمعي، يشير الأستاذ على أنهم هم " الذين عليهم يدور واجب الأمر والنهي والجمع، جمع شمل الأمة، فقبل قيام الدولة الإسلامية وبعده، هم الورثة المسؤولون عن الرسالة النبوية وحفظها وتبليغها. "3
وحين يربى الشعب على مبدأ الحرية السياسية و" عندما تتألف الموجة العارمة يستطيع المؤمنون إيقاف الفساد بالعصيان الشامل، والإضراب العام، والنزول للشارع، حتى يخزي الله المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون."1
ونظرته هاهنا للتسير السياسي لم تكن استئثارا بالحكم دون الثوار والفضلاء، بل لابد من قبول التعددية واختلاف الآراء عنده، يقول هاهنا:"  ..بل ينبغي أن نسعَى لتوطيد دعائم الشورَى على تعددية المدارس والتنظيمات والآراء والمذاهب. وعلى تحمُّل أعباء الحكم، وهي ساحقة ماحقة، بالتتالي. إنه درس مما تُلقيه إلينا سنة الله التي يعتبر بها الناظر في الاستقرار الديموقراطي"2
ثم إن الدولة المنشودة عنده " تحتاج النموذج في التنمية، والإستراتيجية لقيادة معارك التنمية، نابعين من تركيبنا الإيماني الجهادي المتجدد، مستمدين من أصلنا، واعيين بأهدافنا وغايتنا، فطنين بالواقع العالمي وخصائص العصر، يمكناننا من اكتساب الوسائل العلمية، واستعمال عوامل الاقتصاد المادية والمعنوية والبشرية بكيفية تحرك الواقع لصالحنا".3
لكن هناك تحديا في الاقتصاد ممثلا في ندرة "الرساليين" ذوي الخبرة الاقتصادية الذين بهم يبنى الصرح الاقتصادي الغدي :"  من أين تأتي برجال تخلصوا من كل الشوائب ؟ إن وجدت منهم عشرة فمن أين تأتي بالمآت والآلاف من الخبراء الضروريين لتسيير عجلة الدولة، خاصة محركات الاقتصاد وتوازناته التي على نشاطها وتوقفها وتعطلها تتوقف حياة الدولة وموتها ؟...2
ذلك أن :" العدل في القسمة والقدرة على الإنتاج أساس بديهي لبناء العمران الأخوي."1 ولايكون إلا ب:"تجميع رأس المال، وتخليص أموال النفط من قبضة الأبناك اليهودية الرأسمالية التي يجري إليها مجرى النهر الدافق إلى البحر العـامق...5 و"حساب المسافة التي تفصلنا عن الترابط العضوي الاقتصادي اللازم لكي تكون لنا سوق داخلية وإنتاج داخلي يغذيان قدرتنا على التعامل المعتبر في السوق العالمية". 
ذلك أن النظام الدولي لا يعبأ بالكيانات الهزيلة، بل يطحن قدراتها بآليات تبخس المواد الأولية، وهي مُجمَلُ ما عند المستضعفين مثلِنا، وتلْحَسُها بسَوْمَةٍ مكسورة.ويصُب التبادل غير المتكافئ في المديونية،وتصب المديونية في الارتهان في آليات التعديل الهيكلي تحت رحمة، بل تحت نقمة، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنتديات القروض الربوية الفاحشة."1
وفضلا عن "التخلص من عبء الديون، وتحقيق التناغم مع قوانين السوق العالمية ف:" المستضعفون يطمحون للتنمية واللحاق بركب الصاعدين على متْن قمة التاريخ: الرأسمالية. إن كان العقلاء والفلاسفة يدركون أن أولئك الصاعدين مشرفون على هاوية، ينتظرون من الإسلام اختراع ثورة ومستقبل لإنقاذ حضارة غاربة، فإن المستضعفين في الهم الدائم المقيم من شروط إعادة جدولة الديون، وشروط التقويم الهيكلي، وشروط التكييف مع السوق العالمية. إنها معركة متعددة الواجهات، من طبيعة الداخل فيها أن ينشغل بمصارعة الوسائل عن نداء الغايات."2
ومن ثم فالخلافة الراشدة المأمولة في تصور العدل والإحسان لن تتحق إلا بتصور إجرائي واقعي تتضافر فيه جهود الربانيين المخلصين، والعلماء الخبراء الذين بهم تنهض الدول وتتحقق تنمية المجتمعات وتنتشل من وهدة التخلف والانحطاط...
وبعد ...
فهل القناعة الكلية بالطرح السياسي الذي كان في زمن مضى يليق توطئة للتوافق السياسي مع شركاء اقتنعوا بمرجعية أخرى؟
وهل الدخول إلى معمعان السياسة داخل المؤسسات الديموقراطية المنشودة وغلبة النزعة المصلحية ... ألا يكون ذلك عنصرا لهدم المشروع التغييري كله ؟
وهل رؤى فقهاء السياسة الشرعية كالماوردي وابن حزم وابن خلدون تليق مع التأسيس لمرجعية للشرعية السياسية المناقضة لطرح تبريري متناغم مع واقع الاستبداد الملوكي؟
ألا يمكن أن تكون الخلافة منظومة قيم بنائية للفرد والمجتمع والدولة، لاسيما قيمة الحرية الذاتية والشخصية والاختيار السياسي الذي طبعها قبل مجيء العصبة والقبيلة والهيمنة والسيف؟
لم لم تستطع الحركة الإسلامية أن تنسلخ عن المنظومة الحنبلية التجسيمية التي انبثقت منها حركات الإرهاب الفكري السياسي التي تستقي فعالها الإرهابية من هكذا نسق فكري مذهبي مغلق؟ 
ولم لم تستطع قوى الحداثة أن تصارح ذاتها قبل غيرها برجحان كفة قيم الخلافة عن كفة الاستبداد الملوكي وفساده القروني؟
وهل وضع المؤسسات الديمقراطية هو مرتهن باستعلاء الذات وهيمنة التصور الشخصي والإزراء بالآخر وتنزيل الرؤية دون توافق، مع العلم أن الوثيقة الدستورية وثيقة تستلزم اتفاقا جامعا بين القوى المختلفة؟
تلك أسئلة طرحناها لتكون محلا للتباحث والنقاش المستقبلي المفضي لإحداث وعي جمعي ديمقراطي بنائي مباين لأعراف الاستبداد والفساد المتطاول قرونا سحيقة.    
 

التعليقات

كل التعليقات الموجودة في الموقع لا تعكس وجهة نظرنا

لا يوجد تعليق في الوقت الراهن

أضف تعليقك أيضا

أخبار ذات صلة

تابعونا على :